رواية في مدينة الاسكندرية الفصل السادس والعشرين 26 بقلم صابرين
26- هم اخوة رغم الإختلافات
وقف بجانب الباب بعدما فتحه بالمفتاح الخاص به ثم أشار لشقيقته بالدخول هاتفًا بغضب مكتوم :
-اتفضلي يا آنسة يا اللي اتعلمتي الكدب واللف والدوران
دلفت إلى رقية إلى شقتهم بخطىٰ مرتعشة وقد مرت من جانب أخيها وتحاشت النظر إلى عينيه التي ترمقها بسهام حارقة، وما إن دلفت حتى ابصرت يوسف يقف في البهو ينتظرها ويبدو الغضب ظاهرًا على ملامحه، لأول مرة ترى الغضب على ملامح يوسف موجهة إليها إذًا يبدو أنه هو أيضًا علم بالأمر
دلفت مطأطأة رأسها لينتفض جسدها بخفة على صوت إغلاق الباب بعنف وعلى أثر صوته خرجت عبلة من المطبخ وقد ابصرت أبنائها مجتمعين في البهو وما جعلها تتعجب هو أن الأجواء تبدو مشحونة :
-فيه ايه!؟
نطقت بها بإستفهام وهى تنضم إليهم ليجيبها يونس بنبرة حادة وهى يحدق في رقية بغضب وخيبة أمل كبيرة :
-في إني الهانم نسيت الأصول ونسيت الغلط من الصح وبتقابل عمر من ورانا والله أعلم الكلام ده من امتى
نظرت عبلة إلى ابنتها بدهشة، أجل اخبرها زوجها منذ عدة أسابيع أن سفيان حدَّثه وأنه يريد أن يعود رقية وعمر لبعضهما، ولكن لم تعلم أنه قد نفذ الأمر، ولغضب يونس الظاهر يبدو لم يكن يعلم ولا حتى يوسف
استكمل يونس وقد زادت نبرته حدة يتقدم من رقية بخطوات غاضبة :
-بتقابليه من امتى؟!
وأجابته الأخرى بالحقيقة فالكذب سيعقد الأمر أكثر ولن يحله :
-من شهر ونص
وما إن استمع يونس إلى اجابتها هذه حتى هدر بها وقد اشتعل رأسه من شدة الغضب حتى أنه رفع كفه وكاد يهوي به عليها :
-من شهر ونـــص؟ وانتي مستغفلانا من شهر ونص؟!
رفعت رقية كفيها بسرعة تحمي وجهها ما إن رأته على وشك ضربها، وعندما رأت عبلة هذا ضمت ابنتها بسرعة داخل أحضانها هادرة بابنها ورغم هذا لم يكن صوتها مرتفعًا كما صوته :
-ايه يا يونس هتمد ايدك على اختك؟! ثم وطي صوتك هتلم علينا الناس وتبقى فضيحة
-وهى لسه مبقيتش فضيحة لما بنتك تقابل راجل غريب من ورانا، دي متبقاش فضيحة؟!
أخرجت رقية رأسها من أحضان والدتها صائحة بدفاع عن نفسها وكم بدا صوتها مختنقًا لكتم دموعها من الإنهمار :
-لا مش فضيحة انا كنت بقاله في أماكن عامة ومفتوحة ثم عمر كان هيبقى جوزي يا يونس ولا انت ناسي
صرخ بها يونس وكلامها يزيد من فتيل غضبه :
-لأ مش ناسي بس انتي اللي ناسية انه مكتبش كتابه عليكي والموضوع عدى عليه سنين ثم هو سابك ومشي، بتجري وراه ليه؟!
ولم تعد الأخرى تتحكم في دموعها ولا فيما تقول إذ صاحت به بنفس طريقته ووقفت امامه تمامًا صارخة به :
-انت كداب يا يونس عمر مسبنيش ده فقد ذاكرته ونسيني وانا لو كدبت ومقولتش اني بقابله فعلشان انتوا كدبتوا عليا، لقيتكم كدابين فعملت زيكم
وتلىٰ حديثها صفعة دوىٰ صوتها في أرجاء البهو لتصرخ عبلة بقوة وهى تضم ابنتها قبل أن تسقط أرضًا، وهنا تحرك يوسف من سكونه وامسك بيونس الذي جن جنونه من حديثها، ليقبض عليه مقيدًا جسده فأخيه غاضب بشدة وإن طال رقية قد يكسر عظامها في موجة غضبه هذه
انهارت رقية باكية في أحضان والدتها بينما صرخات يونس تخرج منه ترج المكان :
-وانتي قبل ما تتهمينا اننا كدابين عارفة احنا ليه كدبنا أصلًا؟؟ علشانك انتي يا متخلفة علشان قلبك ميوجعكيش وانتي شايفاه قدامك لا فاكرك ولا عارفك وبيعاملك زي الغريبة، تقدري تقوليلي كنتي هتكملي معاه ازاي أو هو لو عرف كان هيقبل يتجوز واحدة ممسوحة من دماغه مش فاكر حتى اسمها
زاد نحيب رقية وعلىٰ صوت شهقاتها بينما دفع يوسف أخيه إلى إحدى الغرف وأغلق عليه ليعود إلى الأخرى ساحبًا اياها من أحضان والدته ليقول بحدة وخيبة أمل التمعت في عينيه :
-عاجبك كده يا رقية الفضايح دي؟ ليه تعملي كده من ورانا ليه؟؟ بنضربك ولا عاملين ليكي رعب نفسي علشان تكدبي علينا، بندلعك وبنقول لكل حاجة عايزاها حاضر وماشي وفي الآخر تدوري برا على الحنان ليه كده لــيــه
امسكت عبلة بيده ترجوه أن يتوقف :
-خلاص يا يوسف بالله عليك ما تضربها انت كمان، عيلة وغلطت دي لسه صغيرة
نظر إليها يوسف بقوة رافضًا ما تقول :
-مش صغيرة يا ماما دي عندها ٢٣ سنة والغلط معروف والصح معروف
أدار رأسه إلى شقيقته ثم أكمل بنبرة معاتبة مغلفة بالغضب وقد ترك ذراعها من قبضته :
-لو جيتي قولتيلي يا يوسف انا عرفت إنكم كدبتوا عليا وعمر فقد ذاكرته كنت هقولك على الحقيقة، انا كنت ضد اننا نكدب عليكي وعلى عمر بس كان الأحسن ليكم علشان مكنتوش هتعرفوا تكملوا مع بعض لا انتي هتستحملي ولا هو هيرضى بالوضع، إحنا مش في رواية ولا فيلم علشان البطل والبطلة حبهم ينتصر رغم كل الظروف، فيه حاجة اسمها واقع ونصيب وده أقوى من أي حاجة حتى لو الاتنين بيعشقوا بعض مش بس بيحبوا بعض
ارتفع صوت يونس بالداخل وكأنه يتشاجر مع أحد على الهاتف، ثم بعد دقيقة خرج وعينيه تقدح بشرار الغضب، ليقول موجِّها حديثه إلى رقية :
-ابوكي كان يعرف إنك بتقابلي عمر علشان تحاولي ترجعيله ذاكرته؟! سفيان قالي إنه قاله
صمتت رقية بخوف ودهشة، هل حقًا والدها يعلم ولم يعطي أي رد فعل، لما فعل هذا؟! هل كان يشاهد بصمت منتظرًا النتائج فوالدها ذو طبع هادئ يتعامل برزانة وعقلانية ولا يفضل إستخدام العنف مهما كانت المشكلة
تقدم منها يونس بغضب لتمنعه يد يوسف أكثر من هذا، ورغم منع يوسف له إلىٰ أنه قال بغضب :
-عامةً ابوكي يومين وراجع وفي اليومين دول مشوفش رجلك في الشارع لا للجريدة ولا هتروحي في أي حتة، وحتى تليفون مش هيكون معاكي
ختم حديثه ساحبًا حقيبتها الملقاة أرضًا بكل مقتنياتها، فانتفضت رقية من مكانها وكادت أن تتحرك نحوه لولا يوسف الذي سحبها من خصرها بذراعيه مقيدًا إياها لتصرخ رقية بهما قائلة :
-حرام عليكم عايزين تحبسوني في البيت
-آه يا رقية نحبسك ولو بابا دلعك لدرجة تعملي اللي على هواكِ سواءً صح أو غلط وتعتبرينا مش موجودين، فأنا مستعد أعيد تربيتك من أول وجديد واقسم بالله كلمة تاني هبحسك جوا اوضتك
أنهارت رقية أرضًا من بين يدي يوسف وأخذت تبكي بقوة وهى تردد حديثًا يخرج من صميم قلبها :
-حرام عليكم حرام عليكم ده كله علشان حاولت أرجع للبني آدم اللي حبني وكان هيموت مكاني وهو بيدافع عني، ده هو رد الجميل بدال ما نقف معاه في محنته قررتوا تكدبوا وتمحونا من حياة بعض ولا كأنكم كسرتوا قلبي وفرحتي من قبلها
اجهشت عبلة في البكاء على ابنتها الصغيرة بينما ازداد بكاء رقية وهستيرتها في الحديث إذ أكملت أسفل أعينهم المتابعة :
-بابا اللي بتقول أنه مربنيش يا يونس لو كان هنا مكنتش مديت ايدك عليا، لما في حياته بتضربوني وتحبسوني أومال لو مات هتعملوا فيا ايه؟! وهو اللي دايمًا بيقول إنكم ضهري من بعده
انفطرت قلوبهم ولانت على كلماتها ليهبط يوسف إلى مستواها أرضًا وقام بضمها داخل أحضانه ولم يستطع أن يغضب أكثر من هذا، كان متوقع أنها تقابل عمر منذ أن رأي اسمه على هاتفها، وكذبها عليهم كان رد فعل منها بسبب كذبهم عليها سابقا، وكذبتهم لم تكن أبدًا بهينة خاصةً أنها كانت تحبه كثيرًا
رفع أنظاره إلى يونس والذي كان يتابع بكاء رقية وشهقاتها بأعين حزينة رغم جمود ملامحه، عاد إلى الخلف وفتح الباب ثم خرج من الشقة بل من البناية أكملها، أخرج مفاتيح سيارته وضغط على أحد الأزرار لتصدر الأخرى صوتًا دليلًا على فتحها
صعد يونس السيارة وألقى بحقيبة رقية في المقعد الخلفي بينما أعاد هو رأسه على المقعد يشعر بالصداع يكاد يفتك رأسه من هذا اليوم الطويل
قضية السفاح التي تزداد تعقيدًا، المأمور الذي يضيق عليه الأمر وكل دقيقة يخبره أنه سيسحب القضية إن لم يحلها، وشروق التي لا تتحدث من صدمتها رغم أن بكلمة منها تحل كل القضية
وأُختتم اليوم بشقيقته، ولا يصدق حقًا أنه رفع يده عليها، روكا الصغيرة والتي كان يحطم رأس من يتسبب في بكائها وهبوط دموعها، ليصبح هو اليوم المتسبب بهذا بل قام بضربها
كم آلمه قلبه على جملتها الأخيرة ولكن ما فعلته ليس بسهل تقلبه كما أن ما فعلوه معها ليس أيضًا بالسهل عليها تقبله
تنهد بقوة وكأنه يحاول إطفاء النيران المندلعة في صدره، وما زاد الأمر عليه سوءًا هو جرح رأسه الذي ساءت حالته بسبب الضغوطات التي يمر بها هذه الأيام وإهماله للإعتناء به
شغل سيارته وانطلق بها بسرعة، لا يعلم أين وجهته؟! لكنه لا يريد أن يترك عقله للتفكير في الكوارث التي تدور من حوله تنهش به دون رحمة وكأنه كتب عليه تحمل كل هذا...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وضع حاسوبه المحمول أمامه بعدما انتهى من نشر فضيحة أخرى لأحد أبناء كبار الدولة، ثم جعل عقله يتفرغ للتفكير في أمر رقية والموقف المريب الذي حدث صباحًا مع أخيها، إذ عندما نادى عليها وقد كان الغضب والصدمة باديتان على ملامحه، بينما الخوف والتوتر على ملامح الأخرى
هبط حينها وسحب رقية بعنف وكأنه سيقتلع ذراعها ثم عاد بها إلى داخل القسم بعدما رمقه بنظرة حارقة وكأنه رآهما في مشهد غير لائق أو ما شابه، نظر إلى هاتفه وهو يفكر في الإتصال عليها، ثم يسألها بطريقة مباشرة إن كانت موجودة في حياته قبل ذلك الحادث وفقدان الذاكرة الذي أصبح كالمرض الخبيث ينهش في حياته
امسك بهاتفه وأتى برقمها، وقبل أن يضغط على زر الإتصال استمع إلى طرقات عنيفة على باب شقة جدته وكأن الطارق على وشك كسر الباب، وقف بسرعة من فوق فراشه وخرج ليرى من هذا الطارق، وقد سبقته حنان وفتحت الباب ليندفع جسدها للخلف بفعل يد سفيان والذي دفعها بغضب حتى يدلف
وما إن أبصرت ونس أن الطارق سفيان حتى هتفت بقلق فلم يسبق وأن طرق الباب بهذه الطريقة التي أشبه بطرقات الشرطة حين يهمون بالقبض على مجرم :
-فيه ايه يا سفيان يا ابني هتكسر الباب
-عمر فــيــن؟؟
ولأول مرة سفيان يتحدث بهذا الصوت المرتفع مع جدته، وعندما رأى عمر منه هذه الطريقة علم أن هناك كارثة قد حلت لذا تقدم للأمام حتى يراه هاتفًا بهدوء شديد حتى يفهم ماذا قد حدث جعل أخيه في هذا الطور من الغضب الشديد :
-انا هنا يا سفيان
أدار الآخر رأسه إليه ليرى عمر أنه يطالعه بأعين تقدح غضبًا، من ثم اتجه إليه بسرعة وكأنه سيدك الأرض أسفل قدميه وبقبضة قوية امسك ذراعه وسحبه خلفه إلى الغرفة، وعندما رأت جدتهم هذا حتى هرولت خلفهم رغم كبر سنها ولكنها شعرت بالخوف على عمر من غضب أخيه الغير مبرر
دلف سفيان إلى غرفة عمر ثم دفعه على الفراش حيث حاسوبه، هادرًا :
-افتح الزفت ده
عقد عمر حاجبيه بضيق شديد من طريقته هذا ليقول وقد حاول أن يجعل نبرته هادئة فـ سفيان قبل أن يكون أخيه الكبير هو والده الروحي :
-فيه ايه يا سفيان مالك؟؟
ونفس الجملة طرحتها ونس وهى تدلف مستندة على عكازها لتمسك بذراعه في محاولة واهية لجعله يهدأ :
-استهدى بالله يا ابني مالك بس حصل ايه؟!
نظر إليها سفيان ولم يهدأ غضبه بل وزاد أكثر لرؤيته لتلك الفتاة حنان تقف بجانب الباب بفضول شديد لمعرفة ماذا يجري، وإذ به يصيح بها بطريقة مخيفة جعلت الأخرى تلتصق بالجدار خلفها :
-انتي واقفة عندك بتعملي ايه؟ غوري امشي من هنا مش عايز ألمحك في الشقة
استدارت ونس بسرعة إلى حنان تدفعها بخوف عليها هى أيضًا من بطش سفيان هذه الليلة :
-امشي يا حنان بسرعة امشي
سحب عمر حاسوبه يفتحه بسرعة تنفيذًا لما قاله وحتى أيضًا ليعلم ماذا يريد من حاسوبه ولما هو غاضب هكذا ويصرخ بالجميع :
-اهو فتحته ماله بقى
-هات الموقع بقى اللى بتنشر عليه فضايح الناس يا اللي مدوخ شرطة الإنترنت وراك
اتسعت عيني عمر بصدمة من حديثه فكيف علم أخيه بأمر صفحته؟؟ وإن كان علم هو فهل هذا يعني أنه تم كشف أمره؟!
مد أنامله ببطء يفتح صفحته السرية بينما كانت تتابع ونس ما يحدث ولا تفهم أي شئ، أدار عمر الحاسوب لأخيه وما إن أبصر الآخر صور لنفس الفتاة التي تم نشرها حتى نظر إلى أخيه بنظرة قتلت الآخر في مكانه :
-انت السفاح يا عمر اللي انا ماسك قضيته
لطمت ونس وجنتيها بصدمة مما قال بينما نفى عمر بقوة هذا الاتهام قائلًا :
-لأ مش انا يا سفيان مش انا، ازاي تشك اني اعمل كده أصلًا
صاح سفيان وقد فاض كيله :
-وماله أقولك الكاميرات متشفرة في المنطقة اللي 90% السفاح موجود فيها واللي مشفرها لحسابه هاكر شاطر، في نفس الوقت ظهر من مدة هاكر بينشر بلاوي الناس وفضايحهم وجرايمهم بس مش أي ناس لأ دول من كبار الدولة التقال اللي محدش يعرف يمسك عليهم غلطة، في نفس الوقت برضو يظهر سفاح يقتل القريبين من كبار الدولة الفاسدين دول وأكتر الضحايا بيبقى ولادهم وأكتر من 50% من اللي بينزل فضايحهم على النت اتقتلوا بعدها بأيام بسيطة، واتفاجئ النهاردة اني اخويا يبقى هو الهاكر ده، ايه رأيك بقى في وجه التشابه ده يا بشمهندس عمر؟؟
بلل عمر شفتيه لا يصدق إتهام أخيه إليه ولكنه محق ولم يلاحظ قبلًا أن السفاح يقتل من ينشر عنهم، نظر إلى سفيان بعينين قويتان ثم قال :
-انا مقتلتش حد يا سفيان ولو بعمل اللي بعمله ده وافضح الناس علشان هما يستاهلوا والطريقة دي الوحيدة اللي تكشف لعبهم الوسخ المستخبي وراء بدلة حلوة وكرافتة وكلام معسول بيضحكوا به على الناس، واللي يكشف حاجة عنهم يبقى يتقتل
تجمعت الدموع في مقلتيه لكنها أبت النزول أمام أخيه بضعف :
-فاكر أبوك اتقتل ليه يا سفيان علشان كان راجل عنده ضمير مرضيش يسكت على حاجة غلط عرفها، ولما قبض على واحد من أكبر الإرهابين في البلد باقي جماعته قرروا يقتلوه فيعملوا ايه يقلبوا عربيته وهو فيها مع مراته وولاده
هبطت الدموع من عينيه بعدما فشلت في الثباتِ أكثر من هذا ليكمل بصوت متحشرج وونس تتابع ودموعها تهبط بحسرة وصمت :
-ابوك وأمك ماتوا يومها يا سفيان وانا فقدت الذاكرة وفضلت عايش سنين بتعالج من الاكتئاب والنسيان وانت فضلت تتحمل كل الضغوطات لوحدك ولحد دلوقتي لسه بتتحمل
جلس على الفراش ببطء وقد مسح عينيه من الدموع العالقة ثم أكمل بنبرة صلبة :
-مش انا السفاح يا سفيان علشان لو انا، هقتل ليه ولادهم؟ ايه ذنبهم يعني في وساخة أهلهم، ما اقتلهم هما
تهاوى جسد سفيان على أحد المقاعد البلاستيكية الموجودة في الغرفة، يضع رأسه بين يديه بحيرة لتميل جدته عليه واضعة كفها على كتفه، ثم قالت بنبرة باكية :
-صدقه يا سفيان اخوك ميقتلش يا ابني ده عمر، ده انت كنت بتتريق عليه وانتوا صغيرين علشان مرضيش يدخل شرطة زيك وقولت انت اللي زيك ميعرفش يدبح فرخة علشان يدخل شرطة تقوم دلوقتي تقولي هو السفاح طب ده كلام تصدقه؟؟
-اطلعي برا يا جدتي معلش
ولم تخرج هذه الجملة من سفيان بل من عمر فنظرت إليه الأخرى برفض شديد، وقبل أن تعترض تحدث عمر بهدوء حتى تخرج وتدعه يجلس مع أخيه بمفردهما :
-اطلعي يا جدتي معلش عايز اتكلم معاه شوية
خرجت ونس بتردد ولم تغلق الباب بل تركته مفتوحًا فإن حدث شئ آخر تدلف بسرعة، نظر عمر إلى أخيه بحزن شديد هامسًا :
-مقدر شكك فيا ما انت ظابط ولازم تشك في أي حد مشتبه فيه ولو حتى بـ 2% وانا لو مكانك برضو هشك وهاجي اتهمك
ابتسم ابتسامة ساخرة ظهر الحزن بها مبطنًا :
-كفاية مجبتش ظابط وعساكر وجيت تاخدني من قفايا في بوكس زي ما عمل زين القناوي في أخوه في مسلسل نسر الصعيد
رفع سفيان رأسه رافعًا إحدى حاجبيه بتهكم مما قال :
-ايه اللي انت بتقوله ده؟! اسكت يا عم اسكت
صمت عمر وصمت الآخر ليقول بعد برهة وهو يرفع رأسه مجددًا له :
-طب عندك صفحة وبتفضح عليها الناس كنت قولي، يكون عندي علم على الأقل
عقد الآخر حاجبيه مرددًا بإستفهام :
-يعني انت مش مضايق من موضوع الصفحة نفسها واني بفضح الناس وكده؟؟
-وانا هضايق ليه ما يولعوا بجاز، دول عالم وسخة عايزين يتحطوا كلهم في صفيحة زبالة معفنة زيهم ويولعوا كلهم يمكن البلد تنضف
صمت عمر مندهشًا من سبابه ليظلا محدقين ببعضهما لعدة ثواني قبل أن تبدأ ضحكاتهم في العلو بشكل تدريجي، وعندما رأت ونس هذا من خلف زجاج الباب سحبت نفسها وتركتهم بعدما اطمأنت أن الأمر انتهى دون خسائر
خفتت ضحكاتهم ليقف سفيان من فوق المقعد من ثم جلس على الفراش بجانبه وقام بضمه أسفل ذراعه قائلًا :
-قولي على كده من زمان شغال على الموضوع ده
-اها من أكتر من سنة من لما رجعت مصر
صمت مليًا ثم قال وهو يبعد ذراعه عنه حتى ينظر إليه :
-بقولك بما إني ليلة اعترافات دي فقولي تعرف منين يونس محمد هواري
اعتدل سفيان في جلسته وقد توقع سؤاله هذا بعد إتصال يونس :
-يبقى ظابط زميل، آه هو شرطة وانا أمن دولة بس شغالين على قضية السفاح مع بعض
علم عمر أن هذه الإجابة إجابة مراوغة منه ورغم هذا سأله مباشرةً عن رقية قائلًا :
-طب ورقية محمد هواري
-تبقى أخته
-بس!؟
ضحك الآخر بسخرية مرددًا :
-لأ أخته وأمه في الرضاعة، ايه يا عمر الأسئلة دي
زفر بضيق من مراوغة سفيان في الأجوبة ليسأله هذه المرة سؤال جعل أعين الآخر تتسع بذهول :
-لما فوقت من الحادثة زمان وعرفت اني بابا وماما ماتوا وجالي انهيار وقتها ونمت بمهدئ، لما فوقت المرة التانية سألتني مش عايز تشوف رقية وانا قولتلك رقية مين، كان قصدك رقية مين يا سفيان؟وهل رقية محمد هواري اللي ظهرت في حياتي فجأة دي تبقى نفسها رقية اللي سألتني عنها؟!
اندهش الآخر من تذكره لشئٍ كهذا إذ قال :
-انت فاكر حاجة زي دي إزاي
-اهو سبحانه بقى، قولي نفسها رقية محمد هواري
تنهد سفيان ولم يرحه أيضًا هذه المرة إذ قال بمساومة :
-هقولك بس بشرط، ترجع تاخد الدواء يإنتظام وتيجي نروح بكرة للدكتور بتاعك
ضرب عمر الفراش بكفيه معترضًا على هذه المساومة الغير عادلة ليقول :
-لأ يا سفيان، لا هاروح لدكاترة ولا هاخد دواء
ودفعه سفيان بكفه في وجهه بخفة مسقطًا إياه على الفراش ثم صاح به بحنق :
-خلاص غور مش هقولك حاجة ويلا اتحتح شوية عايز اتخمد
اعتدل الآخر من فوق الفراش مرددًا بغيظ وذهول :
-اتحتح وتتخمد يا ابني دي ألفاظ تتقال دي، أومال لو مكناش مولدين ومتربين في جليم ومكناش بنيجي الحتة المعفنة دي غير كل فين وفين كانت ألفاظك هتبقى عاملة إزاي!؟
وضع الآخر الوسادة على رأسه بعدما فرد جسده على الفراش المتهالك والذي كان يعود لوالدتهم قبل أن تتزوج من أبيهم أي قبل أربعين عامًا وربما أكثر :
-لما تتعامل مع مجرمين وارهابيين وناس من الطبقة السفلية هتتكلم كده واطفي بقى النور واتكل على الله علشان مش بعرف أنام في الدوشة
تعجب عمر منه يراه يهم بالخلود للنوم بالفعل
فقال :
-انت هتنام هنا ليه مش المفروض تبقى موجود في المهمة بتاعتك؟!
-لأ ما انا خلصتها وأديتهم المشتبه فيهم ويبقوا يحققوا معاهم بمعرفتهم بقى انا كده أجازة
-طب مش هتتعشى على الأقل
وقبل أن يجيبه الآخر علىٰ صوت جدتهم من الخارج وهى تقول :
-يا عمر نادي أخوك وتعالوا حطوا العشاء، الفالح طرد البنت وانا عندي خشونة في الركبة مقدرش أقوم
وصاح سفيان وهو ينزع الوسادة من فوق رأسه مجيبًا إياها فلا يطيق حقًا أي صوت يصدر من حوله أثناء نومه :
-وطالما عندك خشونة يا جدتي لسه عايشة ليه لحد دلوقتي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط على درجات السلم ولم يستخدم المصعد يشعر بطاقة يريد إفراغها في أي شئ وما أحب على قلبه غير القراءة في أجواء غائمة على وشك ان تسقط منها أول قطرات المطر
تباطأت خطواته عندما ابصر ابن عمه يجلس على الدرجات الداخلية للبناية ويبدو أنه ينتظر أحد، جلس إلى جانبه ثم تساءل وقد علم أنه يوسف فيونس مصاب في رأسه :
-ايه يا يوسف اللي مقعدك في البرد كده في الساعة دي.
نظر إليه الآخر بأعين حزينة رغم هدوء ملامحه ليجيبه وهو يحكم إغلاق سترته الثقيلة التي يرتديها :
-يونس برا البيت من المغرب ولحد دلوقتي لسه مرجعش واديني اهو مستنيه يرجع
-وليه يا ابني جلد الذات ده قاعد في البرد كده ليه؟! قوم اطلع فوق ثم لو لحد دلوقتي مرجعش اتصل عليه
تنهد يوسف فقد اتصل عليه بالطبع لكن عندما يتركهم يونس ويذهب غاضبًا لا يرد على الهاتف ابدًا ولو اتصل عليه وزير الداخلية بنفسه، ولا يكون لديهم حل غير إنتظاره
فهم حمزة من صمت الآخر أن هناك مشكلة قد حدثت خاصةً وأنه قد سمع صراخهم ومشاجرتهم ولكن فضَّل عدم التدخل فالبيوت أسرار :
-شكله طفش منكم صح؟!
-شديت انا وهو ورقية شوية
نطق به يوسف مخفيًا السبب فلن يفضح اخته بالطبع ويخبره أن شقيقته تقابل رجلًا من خلف ظهورهم، حتى وإن كان هذا الرجل على وشك الزواج منها لكنه لم يفعل ويظل غريبًا عليها
غير الموضوع تمامًا إذ قال وهو يتطلع إلى ملابسه التي توحي بأنها ملابس للخروج :
-صحيح قرب معرض الكتاب مش في يناير تقريبًا؟!
-اها بعد تلات أسابيع بإذن
-وكتابك اسمه ايه المرة دي
ابتسم حمزة يدرك أنه يغير الموضوع بطريقته فأجابه وهو يندمج معه في الحديث بينما عينيه تعلقت بالقمر الغائم في السماء وهو شبه مختفي خلف الغيوم :
-قمري الغائم
-شكلها رومانسي يا عم الرومانسي انت
نطق بها يوسف ضاحكًا فقال حمزة وهو يحدجه بنظرات ماكرة :
-آه رومانسي وسمعت إني عندك مشكلة رومانسية يا دوك
-يونس قالك صح؟؟
نفى الآخر برأسه ثم قال :
-يونس مين يا ابني، انا خبرة في العلاقات الرومانسية أكتر من أي حد ممكن تتخيله، ميغركش اني لسه سنجل أو اني أول ما خطبت فركشت، بس لو عندك مشكلة عاطفية قولي وانا عارف اني عندك
-معنديش يا حمزة
-طب وبراءة
عقد الآخر حاجبيه بتعجب من معرفته فلم يصرح لأحد إلا ليونس :
-متأكد إني يونس مقالكش حاجة!؟
-لأ بس انا أعرف نظرت المحب للمحبوب، ده انا ياما كتبت عنها، علفكرة البنت مؤدبة وخلوقة وأكيد انت عارف دي بقالها شهور معاك، ها بقى مش ناوي تتلم وتتجوز
ضحك يوسف لجملته الأخيرة ثم قال :
-ايه اتلم دي هو انا فلاتي بتاع نسوان ولا ايه؟!
-عامةً البنت مش مطولة في إسكندرية الحقها دلوقتي قبل ما تطير منك
ختم حديثه ووقف من جانبه يعدل من ملابسه فقال يوسف بتعجب :
-انت خارج ولا ايه؟! دي الساعة داخلة على عشرة؟؟
-لأ طالع أشوف كريم اتأخر برا وناسي تليفونه فوق
ختم حديثه وهو يتقدم للأمام فقال يوسف وهو يقف أيضًا من فوق الدرج :
-هتلاقيه في الكافية بيتفرج على الماتش وسرقه الوقت
-ما انا رايح اجيبه من هناك بتاع الكورة ده، ما هو ده المكتوب على الأخ الكبير ياخد باله من أخواته
نظر يوسف إلى طيفه وترن جملته في عقله، رفع رأسه إلى الأعلى حيث شرفة شقيقته والتي حبست نفسها بها بعد انهيارها وحتى الآن لم تخرج رغم ترجي والدتها لها بأن تتحدث إليها حتى
تقدم إلى الأمام وخرج من البناية وتخطى الطريق وصولًا إلى البحر والذي يكون هائجًا بالليل، خاصةً وأنها قد تمطر بعد قليل، أخرج هاتفه واتصل على والدته لعلمه أن هاتف رقية مع يونس الآن وعندما اجابته هتف متسائلًا :
-ايه يا ماما لسه حابسة نفسها برضو
وأجابته الأخرى وهى تمسح عينيها الذابلة من الدموع :
-لأ لسه حتى يونس لسه مرجعش
-طب بابا لو أتصل اوعى تقوليله على حاجة لحد ما يرجع
-اتصل آه وسأل عليكم ومعرفتش اقوله ايه، يعني أقوله ولادك اتخانقوا سوا وضربوا بعض
مسح يوسف وجهه مستغفرًا ثم تنهد وقال :
-ماما انتي انتي كنتي تعرفي اني بابا عارف بالموضوع واني سفيان كلمه وقاله عمر ورقية يرجعوا لبعض
-هو قالي كده فعلًا من فترة بس مقاليش حاجة تانية بعدها ولا قالي رقية بتقابل عمر وانا مفتحتش الموضوع تاني
نظر يوسف إلى البحر عاقدًا حاجبيه بتفكير ثم قال :
-طب بصي روحي لرقية واعملي نفسك مخضوضة وقوليلها يوسف خبطته عربية قدام البحر انا عايزها تنزلي وانا عارف إنها هتتخض وتنزل
أغلق معها ثم جلس على الكورنيش منتظرًا هبوطها وبالفعل ما هى إلا دقائق حتى وجدها تقف أمام باب البناية تبحث عنه ويبدو القلق واضحًا على ملامحها، ابتسم ونادى عليها حتى تراه لتهرول الأخرى إليه بسرعة والقلق ينطق من عينيها، تبحث عن أي جرح به ولكنه كان بخير وهو أكد هذا إذ قال :
-انا كويس متخافيش بس كنت عايزك تخرجي من القوقعة اللي حابسة نفسها فيها
ختم حديثه وهو يطالع ملامح وجهها الذابلة وانتفاخ جفنيها من كثرة البكاء، أشار بعينيه إلى مكان بجانبه حتى تجلس وقد استجابت الآخر بإستسلام تام ليعم الصمت المكان لا يقطعه سوى أمواج البحر المصطدمة ببعضها
وقطع هذا الصمت رقية إذ قالت وهى تتذكر يوم عقد قرانها :
-فاكر يا يوسف يوم كتب الكتاب
أدار رأسه إليه واكتفى بإماءة بسيطة لتكمل الأخرى بصوت هادئ بشدة يظهر به البرود :
-طب فاكر عمر كان بيحبني قد ايه، ده انا حبيته من حبه ليا
نظرت إليه بأعين معاتبة ثم استكملت حديثها :
-هو عمر كان وحش يا يوسف علشان تعملوا فيه وفيا كده وتكدبوا عليا، ده أول ما حس أنه معجب بيا اتقدملي ودخل البيت من بابه يعني مكنش بيلعب بيا علشان لما يجي وقت شدة عنده تسحبوني غصب عني من حياته، هو ده رد الجميل على أنه كان هيموت وهو بيدافع عني وعن شرفي
عادت ونظرت أمامها مرة أخرى وعينيها تشرح كل ما تشعر به من حزن وألم :
-ازاي بابا قدر يعمل كده ده قالي يوم كتب الكتاب عمر ابن حلال وبيحبك وشاريكي اوعي يا رقية تزعليه ولو حصلتله مشكلة خليكي في ضهره، زي ما الراجل سند الست هى برضو تبقى سنده في ازماته
هبطت الدموع من عينيها للمرة التي لا تعلم عددها اليوم حتى أصبحت تشق خديها كالمجرى :
-قوم لما تحصله مشكلة حتى قبل ما ابقى مراته تكدبوا عليا وتقولولي عمر سافر برا مصر يتعالج ومش عايز يكمل في العلاقة دي، هانت عليكم كسرتي يومها؟! هونت عليكم يا يوسف؟؟
ونفى يوسف برأسه وهو يمد ابهامه يمسح دموعها التي تنهمر بغزارة على خديها، مفصحًا عما خبأوه عنها :
-مش لوحدك اللي مصدومة اني ده حصل احنا نفسنا يومها اتصدمنا بطلب بابا اني علاقتك انتي وعمر لازم تنتهي والحجة تبقى أنه هو جاله اكتئاب وسافر برا مصر يتعالج ومش عايز يكمل معاكي، عمر أصلًا معرفش ولا احنا شوفناه ولا اتكلمنا معاه حتى، ابوكي يومها كان متعاطف مع عمر بس لما اتكلم مع سفيان لوحدهم تفكيره اتغير، جه وقالنا لازم عمر ورقية يسيبوا بعض ولحد دلوقتي منعرفش ايه الحوار اللي دار بينهم
مسحت رقية دموعها العالقة في اهدابها ثم تساءلت :
-أمتى ده؟؟
-بعد ما اغمى عليكي لما عرفتي اني فياض أبو المجد مات هو ومراته وعمر بين الحياة والموت
عادت الأخرى بذكرياتها إلى ذلك اليوم إذ كانت تركض بين ممرات المشفى ترتدي فستان سهرة من اللون الأحمر القاني وشعرها مصفف بعناية وكأنها سندريلا هاربة من الحفل ولكن ملامحها كانت على النقيض لملابسها الجميلة الراقية
فقد كانت الدموع تجري على وجهها مختلطة بمستحضرات التجميل التي فسدت بسبب بكائها وأصبح وجهها مخيفًا بتلك الألوان، وكم كان الخوف والذعر واضحين في عينيها وهى تبحث حولها بضياع عن غرفة العمليات، وخلفها يركض اخوتها ووالديها بملابس أنيقة فقد كانوا في انتظار عريس الليلة وقد وصلهم خبر انقلاب سيارته قبل وصوله
-سفيان هناك أهو
نطق بها يوسف وهو يشير ناحية إحدى الممرات حيث كان يجلس سفيان على مقاعد الإنتظار في هيئة رثة للغاية إذ كان وجهه مليئ بالجروح والكدمات بينما قميصه ممزق وبه بقع دماء جافة
اقترب منه محمد بسرعة ليواسيه في هذه المحنة قائلًا :
-سفيان يا ابني ايه اللي حصل فيه ايه؟؟
رفع الآخر رأسه إليه بأعين ضائعة في ملكوت آخر حتى أنه لم يجب على سؤاله، بل عينيه تعلقت بباب غرفة العمليات في إنتظار خروج أي أحد حتى يطمئنه ولو بكلمة عن عائلته
وعندما رأى يوسف صمت الآخر علم أنه يعاني من صدمة فقال مواسيًا إياه :
-انا هدخل واطمنك عليهم متقلقوش
وبحكم أن يوسف طبيب جراح استطاع الدخول ليغيب بالداخل لربع ساعة قبل أن يخرج وملامح الأسى مرتسمة على وجهه بوضوح، انتفض سفيان من مكانه فور خروجه منتظرًا منه كلمة ليقول الآخر بحزن وتردد وكم يكره هذه اللحظة في حياته المهنية وهو إنعاء عائلة المريض بوفاته :
-البقاء لله يا سفيان في والدك ووالدتك، هما وصلوا متوفين
انطلقت صرخة من عبلة ورقية من هذا الخبر بينما اقترب محمد ويونس من سفيان حتى يواسوه، بينما الآخر وكأنه لم يسمع شيئًا ظل يحدق في يوسف بعدم استيعاب فماذا الذي يقوله هذا الأخرق
منذ ساعة فقط كان مع عائلته في السيارة متجهين إلى منزل محمد هواري من أجل عقد قران أخيه الصغير، وقد كانت الضحكات ترج السيارة من قوتها، ويقول له الآن ان الموت اختطف والديه هكذا بكل سهولة!؟
وضع يده على قلبه يشعر بأن دقاته تتباطأ ليجعله محمد يجلس بسرعة على المقعد، واضعًا يده فوق موضع قلبه وقبل أن يسأله عما يؤلمه كانت صرخة سفيان تشق السكون من حولهم
ذهبت الأم وذهب الأب، ذهب الحنان وذهب السند، وسيبقى هو يتلظى بنيران فراقهما في هذه الدنيا
هبطت دموع رقية بعجز لتنظر بسرعة إلى أخيها تسأله بلهفة :
-طب وعمر يا يوسف!؟
رفع سفيان رأسه على سؤالها ينتظر إجابة الآخر والدموع متجمدة في عينيه تأبى الهبوط، ليجيب يوسف أخته بنفس النبرة الآسية :
-عمر عنده نزيف داخلي وكسور وكدمات كتير والأسوء من كده فيه خبطة في راسه سببت شرخ في الجمجمة يارب بس متأثر على المخ في حاجة وهنشوف ده بعد ما يعملوا أشعة على المخ
فُتح باب العمليات وخرج منه عمر على الفراش الطبي المتنقل ولا تظهر ملامحه من الشاش الطبي والكدمات، نظر سفيان إلى أخيه بحسرة وألم شديد عندما مر من أمامه وآلام قلبه تزاد حتى بات يشعر أن الضربات داخل ضلوعه كالمطرقة
ترنحت رقية في وقفتها عندما رأته وقد امسكت بها والدتها بسرعة قبل أن تسقط لتقول الأخرى بنبرة ضائعة وهى تشير إلى عمر الذي أخذه الممرضين إلى غرفة الأشعة :
-عمر..... ماما.... عمر.. هـ.... هيروح مني
لفح الدوار رأسها بشدة وزاد ترنحها لينتهي بها الأمر فاقدة للوعي بين أحضان والدتها
انتقلت إلى إحدى غرف المشفى وقد كانت معها والدتها واخويها بينما ظل والدها يواسي سفيان ليدخل إليهم بعد ساعتين أو أقل وملامح وجهه جامدة بشدة
نظرت عبلة إليه مندهشة من وجوده هنا لتقول متسائلة بنبرة متحشرجة :
-جيت ليه يا محمد خليك واقف جنب سفيان هو محتاج للدعم دلوقتي، أبوه وأمه ماتوا وأخوه بين الحياة والموت دلوقتي
تنهد محمد بقوة ثم نظر إلى يوسف قائلًا :
-الدكتور قالك ينفع ناخد اختك ونمشي
عقد الآخر حاجبيه متعجبًا بشدة من نون الجمع هذه، إذ قال :
-نمشي فين يا بابا؟ والراجل اللي أبوه وأمه ماتوا دول، لازم نقف معاه
-هنقف معاه فعلًا في الجنازة دلوقتي إحنا برضو نفهم في الأصول بس أختك مش هتكمل مع عمر تنساه خلاص من حياتها
ضحك يونس بخفة ضحكة ساخرة مغلفة بالدهشة ثم قال :
-تنسى ايه معلش هو مسمار خبطها في رجلها علشان تنسى الوجع وخلاص كده؟!
-يـــونــس
صاح بها محمد بغضب من طريقته الساخرة بينما صاح الآخر مذهولًا مما يقول والده :
-يونس ايه يا بابا، انت سامع نفسك بتقول ايه!؟ هو ده وقته أصلًا عمر أبوه وأمه ماتوا يعني لازم نقف جنبه مش تسيبه، وهى بتحبه وهو بيموت فيها مين هيقف جنبه غيرها في المحنة دي
-عمر الأشعة بينت أنه الخبطة أثرت على الذاكرة يعني لما يفوق هيبقى ناسي أختك وناسي الدنيا ومش بعيد ينسى هو مين أصلًا
اقترب يوسف من والده لا يعجبه ما يقول أبدًا، بل شيئًا كهذا غير متوقع منه :
-وده سبب أكبر إننا نقف جنبه يا بابا يعني مش بس خسر أبوه وأمه وكمان فقد ذاكرته وآسف في اللفظ اللي جاي بس بنتك هتبقى واطية بنت ستين في سبعين لو سابته في الحالة دي
ارتبكت حدقتي محمد بشكل لاحظه يونس جيدًا ليعلم أنه يخفي شيئًا خلف إصراره هذا إذ صاح الآخر قائلًا :
-عمر أصلًا هيسافر الليلة علشان يكمل علاجه برا مصر ورقية دلوقتي هتروح البيت ولما تصحي هتقولولها انه سافر يتعالج وعنده اكتئاب حاد ومش عايز يكمل الجوازة دي وإياكم تقولوا أنه فقد الذاكرة علشان متتمسكش به أكتر
وقفت عبلة من جانب ابنتها معترضة على حديثه، فهكذا سيكسر قلب ابنتها دون محال :
-يا محمد اللي بتقوله ده مينفعش
-لأ ينفع انا أدرى بمصلحة بنتي ومش عايز كلام تاني في الموضوع ده ويلا علشان نقف جنب الراجل في جنازة أبوه وأمه
أنهى يوسف روي ما حدث في تلك الليلة لتقول رقية بدهشة لحديث والدها المناقض لما حدث أول تلك الليلة :
-أكيد في حاجة غلط
-طبعًا فيه حاجة غلط حصلت لما قعد مع سفيان في الساعتين دول، وقد ايه ايه حاولنا نعرف منه ده حتى أمك رفض يقولها حاجة
نظرت إليه بتركيز متسائلة بتردد :
-تفتكر لو سألته هيجاوبني ولا هيكدب تاني
-بصي يا رقية كلمة يكدب مينفعش تتقال كده لبابا علشان لما قولتيها ليونس مد ايده عليكي، بابا أكتر حد ممكن يخاف علينا وأكيد عمل كده لسبب أقوى من اني عمر فقد ذاكرته وحوار إنه نسيكي ده، ولما يرجع إن شاء الله أكيد هنسأله
آماءت الأخرى بموافقة ليقول يوسف بعد صمتهما الذي استمر لدقيقة :
-بالنسبة للحصل مع يونس وأنه مد ايده عليكي
برمت رقية شفتيها بسخط لذكره لهذا الأمر فقال يوسف بغيظ من سخطها الواضح هذا :
-بلاش تتقمصي كده عارفة إنك كمان غلطانة عايزانا يعني نسكت لما نعرف اني اختنا يتقابل راجل من ورانا، طب يا ستي عرفتي اننا كدبنا عليكي تعالي واجهينا مش تكدبي انتي كمان
لم تستجيب الأخرى بل عقدت ذراعيها أمام صدرها وذمت شفتيها بشدة فقال يوسف وهو يمد أنامله لشفتيها يفكهم وهو يقهقه بعلو :
-طب خلاص يا قموصة هانم فكي التكشيرة دي بقي
نظر إلى البناية وقد رأى بالصدفة يونس يقف أمام سيارته وعينيه عليهما، وما إن رأى أن يوسف قد رأه حتى تقدم نحوهما متخطيًا الطريق
وعندما رأته رقية قادم اشاحت بوجهها الناحية الأخرى فلا تزال ضائقة بشدة لضربه لها، خاصةً أنها مدللة العائلة ولم يتعامل أحدهم معها بهذه الطريقة العنيفة من قبل
أما يونس نظر إليها بطرف عينيه ثم قال موجهًا حديثه إلى يوسف وكأنها غير موجودة :
-بتعمل ايه هنا يا يوسف
-قاعد مستنيك علشان اصالحكم على بعض ويلا كل واحد يعتذر للتاني علشان نخلص من الليلة دي
وصاحت رقية بدلال رافضة الأمر ولا تزال مشيحة بوجهها الناحية الأخرى بعيدًا عن يونس :
-لأ طبعًا انا مش هعتذر الأول علشان هو اللي غلط الأول وضربني كف حاسة اني نص وشي وارم لحد دلوقتي، ثم يرجعلي شنطتي وموبايلي أعتذر غير كده لأ
ابتسم يونس بإستهزاء شديد ليضع كفيه داخل جيوب بنطاله هاتفًا بسخرية :
-يا اختي حلوة وكمان بتتشرطي!؟ طب خدي دي عندك انا مش هعتذر ولا هرجع الشنطة ولا الموبايل، والبحر وراكي اشربي منه على قدر ما تقدري ولو انتي دماغك ناشفة فأنا دماغي حجر
استدار وهم بالرحيل فنظرت رقية إلى يوسف بغيظ وكأنه تقول انظر كم هو وقح بينما الآخر رفع منكبيه بقلة حيلة غير متعجب من وقاحة أخيه، عاد يونس لهما مرة أخرى بعدما سار عدة خطوات فقط ليقول بضيق وهو يشير إليهما :
-ويلا أنجر منك ليها قدامي علشان هتمطر دلوقتي وانا معنديش طاقة أسهر على حد فيكم لو خد دور برد
تعالت ضحكات يوسف في المكان ثم قال وهو ينكز رقية والتي ابتسمت كابتة ضحكتها فهم اخوة رغم الاختلافات :
-والله أحن بني آدم ممكن تشوفيه بس عيبه إنه دبش ميعرفش يعبر عن اللي جواه بالكلام
اتجه ثلاثتهم إلى البناية تزامنًا مع حضور حمزة وهو يجر كريم خلفه كما الكتكوت والآخر يضحك بقوة على سباب أخيه المتتالية منذ أن أتى به من المقهى والذي مكث به غير مدرك للوقت مندمجًا في متابعة مبارايات كرة القدم
وقف حمزة محدقًا في أبناء عمه الثلاثة ولوجودهم الآن معًا فعلى الأرجح تم حل الخلاف بينهم، تحدث بضيق وهو ينظر إلى أخيه محدجًا إياه بغيظ :
-يلا يا كراميلا اطلعي وعيب بعد كده تفضلي برا البيت بعد الساعة تسعة خافي على سمعتك
ضحك كريم بقوة وهو يضم ذراع أخيه ثم هتف بصوت أنثوي مدعي الخجل :
-خلاص بقى يا أبيه هو انت يعني جايبني من شقة مفروشة
طالعه حمزة بتشنج بينما اخفضت رقية وجهها أرضًا تكتم ضحكاتها خاصةً عندما قال يونس وهو يشير إليهما :
-شايفين الأخوات مش انتوا رافعين ضغطي أربعة وعشرين ساعة حتي محدش فيكم مراعي إني راسي متخيطة
توقفت سيارة أجرة أمام البناية جاذبة انتباههم ثم ترجلت منها نور وهى تسير مستندة عليها بينما وجهها يبدو عليها أثر البكاء الحاد، عقد حمزة حاجبيه بتعجب لوجودها في الخارج حتى هذه الساعة المتأخرة وقد زاد انعقاد حاجبيه عندما أبصر ياسر يترجل هو الآخر من السيارة
تقدم هو ويونس ويوسف منهما بينما ظلت رقية تقف مع كريم في الخلف يتابعون ما يحدث، إذ تساءل يونس متعجبًا وجودهما في الخارج حتى هذه الساعة :
-فيه مشكلة معاك يا ياسر ولا ايه؟؟
مسح ياسر وجهه يشعر بقلق شديد على عائشة فحتى الآن لا يزال هاتفها مغلقًا ولا أثر لها في أي مكان :
-مش لاقين عائشة وتليفونها مقفول وروحت الكلية ومش موجودة هناك، لفينا عليها أوضة أوضة مع العامل وحتى سألنا عنها في المستشفيات مفيش
ضرب كريم كف على الآخر لا يدري ما الذي أصاب هؤلاء الفتيات فكل يوم تحدث كارثة لواحدة منهن :
-لا إله إلا الله انتوا لو حد عملكم سحر مش هيبقى كده، هو كل يوم واحدة فيكم تايهة
نظر حمزة إلى نور الواقفة خلف ياسر ووجهها أرضًا وكم ود أن يسألها إن كانت بخير فلا تبدو كذلك، نظر خلفه إلى رقية حتى تتقدم وتسألها هى بدلًا عنه، والأخرى كانت سريعة الفهم والملاحظة وفهمت ما يريد
تقدمت من نور حتى تواسيها قائلة :
-هنلاقيها يا نور ان شاء الله متخافيش، انتى كويسة؟؟
رفعت الأخرى وجهها إليها بعينين منتفختين من شدة البكاء على اختفاء شقيقتها تشعر بالذعر الشديد من أن يحدث مع عائشة مثل ما حدث معها هى حين حاول ذلك السائق اختطافها، نفت برأسها سؤالها الثاني فقال حمزة وهو يحاول أن يكون هادئًا :
-خديها يا رقية فوق ومتخافيش يا نورهان هنلاقيها بإذن الله
أيد يونس حديثه إذ قال موجهًا حديثه لياسر :
-انا هتصل على الأقسام القريبة علشان لو حصلها حاجة وهخلي يوسف يشوف المستشفيات القريبة من الكلية، بس هى ليها حد ممكن تروحله يعني زي ما حصل مع نور وطلعت عند صاحبتها اللي اخدتها المستشفى دي
نفت نور وهى تمسح وجهها من الدموع التي أخذت تهبط دون إرادة منها ثم قالت :
-معرفش ليها صحاب علاقتها معاهم زمالة وبس علشان لسه أول سنة
آماء يونس وهو ينظر إلى قطرات المطر التي بدأت في الهطول معلنة بِدأ العاصفة الرعدية التي تحدثت عنها الارصاد الجوية :
-خير ان شاء الله تعالوا بس جوا علشان هتمطر دلوقتي
سارت نور مع رقية للداخل بينما قال ياسر وهو يسير ببطء يشعر أن جروح ظهره قد فتحت بسبب المجهود الذي بذله وهو يذهب ويتحرك هنا وهناك للبحث عن عائشة :
-يوسف هو مش انت دكتور؟
آماء يوسف بأجل ولم يخفى عنه سيره ببطء هكذا وكأنها مصاب :
-ايوه يا ياسر مالك انت كويس؟؟
ورغم أن حالته الآن سيئة بشدة فمن قوة دفعه للحائط انشق جرح عميق في ظهره وقام الطبيب بخياطته وطلب منه الراحة ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن للأسف :
-انا تمام بس عندي جرح في ضهري بسبب إصابة عمل عايزك تشوفلي كويس ولا لأ وتغيرلي على الجرح علشان مش هعرف أطوله انا، معلش هتعبك معايا
-لأ خالص مفيش تعب انا اصلًا دكتور ودي وظيفتي
سانده حتى يسير معه وصعدوا إلى الطابق الثالث حيث كان صياح أسماء يصدح من الداخل وهى تسأل نور مائة سؤال في الدقيقة الواحدة فقال ياسر وهو يجذب يوسف حتى لا يدخلوا :
-معلش يا يوسف خدني مكان تاني علشان لو عمتي شافت الجرح هتصوت وتطلم انا عارفها
اقترح كريم الدخول عندهم فوافق ياسر بعد تردد فكريم وحمزة رجال البيت موجودين ويونس ويوسف سيدخلون معه إذًا لا حرج في الدخول
جلس على الاريكة وأخذ ينزع ملابسه العلوية ببطء وصعوبة بمساعدة يوسف والذي عقد حاجبيه من الشاش الملتصق بظهر ياسر من الأعلى إلى الأسفل، ليشعر ان الجرح ليس أبدًا بهين وهذا ما ثبت عندما نزع الشاش بحذر، مبصرًا جرح طويل وعميق مقطب بخمسة عشرَ غرزة على الأقل
اتسعت أعين كريم مما رآه وقد دلف حتى يحضر شاش وقطن لكن ما ان رأى هذا الجرح حتى هتف مصدومًا :
-ياسر انت حصلك إصابة عمل ولا اتخانقت مع بلطجي وعملك عاهة مستديمة بمطوة؟!
