اخر الروايات

رواية عملتان لوجه واحد الفصل السادس والعشرين 26 بقلم آية الطري

رواية عملتان لوجه واحد الفصل السادس والعشرين 26 بقلم آية الطري



٢٦- حقيقة مريرة

                                              
كثير من حالات الفشل في الحياة كانت لأشخاص لم يدركوا كم كانوا قريبين من النجاح عندما أقدموا على الاستسلام.

+


نبدأ بالصلاة على خير الأنام ♥️

+


----------------☆☆☆☆

+


داخل منطقة نائية عن المساكن مُغطاة كليًّا بالثلوج التي تُميز تلك الدولة الباردة، هبط من سيارته رجل خمسيني متوسط الطول في ملابس شتوية ثقيلة، على بعد صغير منه تقف لمار بجوار دراجة نارية حيث تنتظره، لاحظت بسهولة خطواته المتوترة وعيناه التي لا تثبت على شيء، عندها لمعت عيناها ببريق الدهاء وتحركت نحوه بثقة....

+


_" سيد عماد لا أصدق كونك لَبَّيت دعودتي بكل هذا النُبل بل وبتلك السرعة!" نطقتها لمار بلغة روسية متقنة كأنها بالفعل آنا كورنوفا 

+


فحرك الآخر رأسه بخفة وسأل بنبرة ثابتة جادة:
_" لماذا أنا على وجه الخصوص كورنوفا ؟ "

+


_" لأنك العربي الوحيد في المنظمة " هكذا أوضحت ببساطة

+


فخرجت منه ضحكة ساخرة وقال:
_" ما الفكرة!؟ "

+


ارتفعت عيناها نحوه مباشرة تقرأ عينيه وتعبيرات وجهه ثم استطردت:
_" مختفٍ منذ شهور وبلدك الأم لازالت تذكرك وفي بحث مستمر عن سر اختفائك، وبنظرتي الخبيرة أعلم أنك تطمح في العودة..... ساعدني لتدمير المنظمة وتسليمها للعدالة وبالتالي نتخلص من ذلك السلاح الخطير وغير الآدمي وبعدها كلٌّ منا يعود لحياته "

+


ضاقت جفونه وهو يستمع لها في صمت لم يبدي أي تعبير صريح يوحي بدواخله، دقق النظر في ملامحها ومعالم تنكرها الدقيق، تسلل لها التوتر لكن دفنته بقوة..... سرعان ما أشاح هو عينيه عنها وتنهد في راحة مجيبًا بهدوء:
_" جيد! لدينا نفس الهدف "

+


ابتسمت نصف ابتسامة تُعلن انتصارها الوشيك.... وبعد قليل كانا داخل سيارته، مدت له مشروبًا من حقيبتها وهي تُردد في مرح:
_" تفضل ولا تقلق خالي من المُخدر لا أود اختطافك"

+


ضحك وشكرها بلطف، ارتشفت القليل من علبة مشروبها هي أيضًا ثم سألته بفضول:
_" كيف انضممت إليهم ولما مازلت هنا إلى الآن؟! "

+


احتل الحزن ملامحه وهو يجيب في يأس:
_" أسرتي تحت قبضتهم "

+


اعتدلت بجسدها نحوه واستوضحت:
_" هل لديك أسرة هنا؟ "

+


أخفض رأسه وأومأ بتأكيد ثم قال:
_" استمتعي بمشروبك وسأحكي لكِ قصتي كاملة "

+


في نفس الوقت وعلى بعد ليس كبير منهم، اصطفت سيارة سوداء ترتكز إلى مخبأ جبلي يُخفيها بعض الشيء عن الأنظار، جلسا يستمعان لِما يدور من خلال جهاز لاسلكي متصل بلمار حتى صاح مالك و أبدى استغرابه:
_" هو ازاي آمن لها بسرعة كدة؟! "

+



                                      


                
رفع له سيف عينيه لحظة ولم يرد فعاد الآخر يضيف في سخط طفيف:
_" لو سمحت خد كلامي على محمل الجد، عارف انك مستني مفعول العصير يشتغل عشان تتأكد انه بيقول الحقيقة بس أنا من دلوقتي مش مطمن و... "

+


_" احنا حاليًا تحت عينيهم " هكذا صدمه سيف بل ألجم لسانه ثم أضاف في برود غريب:
_" انزل استلم الحاجة من العيال و اديهم دول " 

+


قالها وهو يعطيه بعض النقود، وما لبس أن ظهر شابان في سن المراهقة على دراجة نارية، لم يفهم مالك ما يحدث لكن هبط سريعًا واقترب منهما...

+


قابله أحدهما بلهفة وتوتر ثم أخرج له بعض القطع الصغيرة وقال بلغته:
_" سيدي هذا ما طلبته لكن احترس هناك أكثر من كمين في المنطقة "

+


سلمه مالك الأموال وأخذ الممنوعات وهو لايزال تحت واقع الصدمة ولا يفهم أيًّا مما يحدث، عاد للسيارة فلم يدع له الآخر فرصة للاستفسار و انطلق من المكان على الفور....

+


أما عن لمار فكانت مُسطحة فوق كرسي السيارة باستلام بعد شحنة المخدر التي استقبلها جسدها داخل المشروب، ناظرها عماد ضاحكًا بسخرية لاذعة ورمى بالابرة الصغيرة التي حقن بها مشروبها خِفية... 

1


رفع هاتفه قائلًا:
_" تفحصتم المنطقة جيدًا؟ "

+


جاءه الرد بتأكيد:
_" نعم، فقط كانت هناك عملية تبادل ممنوعات صغيرة ليس لنا دخل بها، خلاف ذلك المكان آمن تمامًا "

2


----------------------

+


داخل إحدى شركات الصيفي حيث ينعقد اجتماع صغير بين اثنين من أبشع المفسدين في الأرض، أحدهما جالس بتعجب من الجنون الذي حلَّ فجأة على الآخر...

+


سلمان باستغراب شديد:
_" طيب اقعد فهمني مالك؟ " 

+


التفت له الآخر بحدة بعدما كان يقف على جمر ملتهب:
_" انت متأكد أن عارف الزفت جاي مخصوص للولية دي؟ " 

+


أكد له سلمان شارحًا:
_" آه طبعًا نرجس وصلتني كل التفاصيل بعد ما عرفتها اللي عايزاه عن سنايبر ماعدا شكله الحقيقي... فيه مشكلة؟ "

+


احتد صراخ الآخر وهو يجذب شعره بجنون:
_" مشكلة؟؟؟؟!!... ده دمار على روسهم كلهم... المشكلة اني محروم من ابني دلوقتي بسبب بنت نفس الست ... عرفت المشكلة!!! " 

+


صُدم سلمان كثيرًا واسترسل كمال بغِلّ:
_" يعني الو** طلع ليه يد في اللي حصل لابني ... هقتله يا سلمان مش هسيبه يهرب المرة دي جاب آخره معايا... "

+


نهض سلمان على الفور وأمسك به قبل أن يخرج وهو يهتف مانعًا:
_" انت بتقول ايه احنا منقدرش نقتل عارف من غير أوامر منهم "

+



        

          

                
_" طظ في الأوامر، عايزني أعرف إن عارف الكلب ليه علاقة بالبنت دي وأهلها وأسيبه من غير ما انتقم لابني!!؟؟؟ "  

+


صحح له الآخر بضيق:
_" كمال اللي عمل كدة في حسام مش البنت ولا عارف... اللي عمل فيه كدة هو السراب "

+


نفى بجنون وهو يردد:
_" ايه يثبت انه السراب؟؟! ده كان تمويه من الديب عشان يبعد العين عنه... ، ال*** لعبها صح، وأنا أقول ايه يربط السراب بيها وليه يعمل كدة في ابني عشانها؟!... خلاني كل ده أدور على الشخص الغلط... "

1


صمت لحظة يتنفس بعنف ثم أضاف بسخرية:
_" ومش بعيد يكون هو اللي ورا اللي اسمه راجح ده كمان اللي خطف بنتك ..... أنا مش هحله وحياة ابني ما هسيبه "

1


فكر سلمان للحظة في منطقية كلامه خاصةً مع ذكر ابنته المفقودة لكنه تراجع بحيرة:
_" لا يا كمال انت مش في وعيك خالص، نرجس اكدتلي ان عارف بيدور على ابنه ونهال ورايح للست عشان يوصل لأي معلومة عنهم لأنها ولدت في نفس المستشفى معاها .. يبقى ازاي كان يعرف بنتها قبل كدة؟! "

+


هنا ضحك كمال بتهكم وسأل في غيظ:
_" دونًا عن بنات العالم تطلع بنت الولية دي هي اللي كانت مع ابني يوم الحادثة!!؟... افهم دي كلها لعبة مدبرة، ومش بعيد يكون بيخدعنا كلنا ومخبي ابنه هناك... "

+


فجأة سكت وارتخت ملامحه كأنه للتو أدرك كل شيء، نظر بإتساع نحو شريكه وهمس في ذهول:
_" ازاي ماجاتش في بالي.... ازاي مافكرناش فيهاا؟!  "

+


عقد الآخر حاجبيه مستفسرًا:
_" هي ايه دي؟! "

+


_" انه باعد ابنه قصدًا.... ما سبق وعمل كدة مع بنته نور عشان يحميها، كنا أغبية قوي كدة وعرف يخدعنا كل السنين دي ويوهمنا أن مش عارف حاجة عن ابنه!" 

+


حرك الأخر رأسه في استنكار للفكرة وقال بإستبعاد:
_" بس السِت معدنهاش غير ابن واحد ومكتوب باسم جوزها "

+


هنا ضحك كمال بإنتصار وسيطر عليه ذاك الاستنتاج الخطير وتلفظ متوعدًا في شر:
_"يبقى هو مفيش غيره، ابنها يبقى ابن الديب.... وبحق حرقة قلبي على حسام لأبكي قلبه عليه ويبقى ضيّع عمره بعيد عنه وبرضو مافرحش بيه "

1


استمر الاستنكار على وجه سلمان ووقف يعترض لكن طُرق الباب فجأة ودخلت السكرتيرة تقول:
_" يا فندم فيه واحدة برا مصممة تقابل حضرتك"

+


كاد كمال يصرخ فيها ألا تُدخل أحدًا لكن أكملت سريعًا:
_" حاولنا نمشيها بكل الطرق بس قالت انها من طرف واحدة اسمها بتول تقريبًا... لو الأمر مايخصكش يا فندم أ..."

1



        
          

                
لم ينتظر باقي كلامها وصاح بصدمة شديدة:
_" هي قالت بتول!!"

+


أومأت بتوتر فصرخ فيها:
_" هاتوها اياكوا تمشي... دخليها حالًا "

+


بالفعل ما مرت سوى لحظات نارية وظهرت منة أمامه تُردد بارتباك من هول الموقف:
_" أنا.... أنا منة قريبة دكتور سيف اللي... اللي بنت أخوك في بيته وجيت هنا عشان فاكرة الأمر ده يهم سعادتك "

2


------------

+


أما في مكتب اللواء شاكر داخل الجهاز كان مصطفى يقف في مواجهة أليكسي وجميع خلايا جسده متحفزة ضده يصيح فيه بغضب جم:
_" انت مجنون ولا غبي ليه تتصرف من دماغك وتعرفه أن بتول مع أخوه؟! "

+


رد عليه الآخر بلهجته المميزة في حنق:
_" أفضل ما أكذب عليه زي ما انت عملت يا مُخادع " 

+


دار مصطفى حول نفسه كأنه يبحث عن شيء يقذفه في وجهه ثم عاد إليه يهتف من أسفل أسنانه:
_" هو انا عملت كدة من دماغي!!! افهم يا بني آدم كل حاجة ليها وقتها وده كان أغبى وقت تقوله فيه أن بتول مع سيف، وجعته على الفاضى، فكرك انه هيقدر يروح ياخدها مثلًا؟! "

+


_" ا what's wrong ايه المانع؟!! " 

+


زفر الأخر بعنف وأجاب:
_" المانع انه مستحيل يظهر في الصورة أو يشكك سيف أنه موجود حتى، المانع انه مش عايز يجرح أخوه بحقيقته وانه عاش طول عمره في كذبة "

1


رد أليكسي بعدم اكتراث:
_" كل ده أنا فاهمه مصطفى، لكن عز اللي يقرر مش احنا "

+


_" مصطفى كان معاه حق يا تميم اللي انت عملته مش صح أبدًا " كانت نبرة رخيمة من قِبل شاكر الجالس يتابعهم بصمت 

1


برر له أليكسي بمشاعر ودودة:
_" و ليه نخفي حاجة ممكن تريح قلبه شوية، كفاية حرمانه من أخوه! "

+


هنا ابتسم شاكر بتحسر وقال:
_" أخوه! ..... انت عارف سيف حالته كانت عاملة ازاي لما البنت دي اتأذت في المول؟!.... كان في أضعف صورة شوفته فيها، دا يوم استشهاد شريف كان ثابت عن كدة "
هز كتفيه بعدم فهم متسائلًا:
_" والمعنى؟ "

1


استطرد شاكر بقلة حيلة:
_" المعنى الوحيد انه اتعلق بيها، بقت نقطة ضعف في حياة الاتنين، ومش بعيد تبقى نقطة تفرقة "

+


وقف واقترب منه واضعًا يده فوق كتفه مكملًا بنبرة أبوية واضحة:
_" تميم.... عز ده ابني من أول مرة قابلته وهو  ١٥ سنة يادوب، وسيف بقى ابني التاني بعد ما اكتشفنا وجوده والصدفة الغريبة اللي خلتني نقيته مخصوص عشان يبقى تحت ايدي هنا وهو كان قد المكان ده وماخذلنيش... وأنا مش هسمح يدخل بينهم زعل "

1


استدار يربت على كتف مصطفى ويُضيف:
_" أنا اللي طلبت من مصطفى يسكت لحد ما أتأكد من مشاعر سيف ناحية البنت وبعد كدة أشوف هتصرف على أساس ايه؟! " 

+



        
          

                
تنحنح أليكسي وشعر بالحرج من فعلته ونبس في اعتذار:
_" آسف شاكر باشا لكن مافكرتش غير في صاحبي وقد ايه هيفرح لو عرف مكانها بعد كل التعب ده "

1


_" اللي حصل حصل، كل اللي عايزه منكم دلوقتي تحط عز في عينكم ماتفارقهوش لحظة، يلا "

+


أومآ الاثنان بطاعة ليضيف شاكر مُتذكرًا:
_" صحيح يا مصطفى مفيش أخبار عن راجح؟! "

1


------------------

+


و على سيرة راجح، تأخذنا شمس الصحراء لذاك الجالس يستند بظهره لجذع نخلة شامخة يتألق للمرة الأولى في زي بدوي أنيق، بجواره جلس الطبيب هاشم، وعلى يمينه سلطان _ أحد الإخوة الذين أنقذوه _ 

+


وضع سلطان كوب الشاي الفارغ وهو يقول بابتسامة هادئة ولهجة بدوية ثقيلة:
_"صح الله بدنك يا طبيب، ترى القعدة معكم ما ينمل منها لكن بستأذن "

+


ابتسم الاثنان وهتف راجح في ود حقيقي:
_" اتشرفت بيك يا سلطان لولاك الله أعلم كان زماني فين دلوقتي "

+


لوّح سلطان بيده في تواضع وهو يرد:
"يا رجل، لا تعيد ولا تزيد ما سوّينا غير الواجب... يلا في أمان الله، وحمدًا لله على سلامتك "

+


انصرف بعدما ودعاه بلطف، أطفأ هاشم الخشب أسفل إبريق الشاي وقال في اهتمام:
_" يلا نعاود حتى ما يفوت ميعاد علاجك "

+


رفض راجح واستسمحه في رفق:
_" لسة بدري روح انت لمرضاك، المستوصف مايستغناش عنك و أنا هبقى هنا شوية أستمتع بالغروب"

+


_"طيب، على كيفك… ما هغيب، وبرجع لك"

+


ابتعد هاشم خطوة واحدة ثم استدار يُردد بنبرة متأسفة:
_" مش رايدك شايل مني عشان سوء الفهم اللي حصل أنا... "

+


قاطعه راجح بابتسامة خفيفة وصاح بمزاح:
_" خلاص يا طبيب... لو مكانك كنت هعمل أكتر من كدة بكتير دا أنا مستغرب هدوءك "

+


ضحك هاشم براحة وغادر تاركًا راجح في سكينة الصحراء، يراقب قرص الشمس وهو يهبط ببطء خلف الكثبان، حتى صار لونه يميل إلى الدم القاني، ينعكس هدوؤه على الرمال اللامعة من حوله،

+


سافر قلبه نحوها تلك التي بَاح لها بالأمس بما في صدره، هاجمه شعور بالتخبط، الخوف من كونه تسرع في اعترافه والأمل في أن تجد مشاعره سبيل لقبلها، وبين هذا وذاك يتساءل ما مصير تلك المشاعر وهي ابنة ذلك الوضيع!!، حقًّا وقع في المحظور بحبه لها وأهمل هدفه الرئيسي في خطأ غير مسبوق... 

+


أتعبه التفكير الذي انتهى به لبسمة صافية حينما تذكر رد فعلها الايجابي نحو اعترافه، تنهد بعمق وأخرج الجوال الذي طلبه من هاشم وكتب أحد الأرقام السرية بينه وبين رفقائه ليأتيه الرد على الفور:
_" ألو... سيف ولا راجح؟ " 

+



        
          

                
كان صوتًا لاهفًا لبكر جعل الآخر يبتسم بدفئ ونبس بخفوت:
_" أنا يا بكر "

+


وصله صوت كأن صديقه أوقع شيئًا ما من هول المفاجأة ثم سمعه يهتف في تعلثم ولهفة كبيرة: 
_" راجح!!!... راجح انت كويس؟ انت فين احنا دايخين عليك ومش عارفين نوصلك من أيام وفكرنا.. "

+


قاطعه راجح بضحكة متعبة:
_" حيلك يا بكر... أكيد مش عفريتي اللي بيكلمك أنا بخير اطمن "

+


علت أنفاس الآخر وعاد يستفسر برجاء:
_" لا بجد ماتكذبش عليا قولي الحقيقي انت تمام؟! فيك حاجة؟ "  

+


أخرج نفسًا هادئًا وطمأنه في صدق:
_" والله العظيم كويس وزي الفل " 

+


وصله صمت من الجهة الأخرى فقط أصوات لهاث خافت ففتح فمه ليتحدث لكن صُعق بسيل من الشتائم والسباب اللاذع الذي أخرجه بكر بغضب ظهر من العدم جعل راجح في حيرة بين الضحك والغضب حتى صرخ فيه بحنق ليتوقف:
_" اخرس بقى يا زفت الله!!! انت بتتحول ياض! هتطلع مخزون قلة ادبك عليا؟! "

1


نهره الآخر بنبرة حادة:
_" انت لسة شفت قلة أدب؟!.... حرام عليكم أنتم بتعملوا فيا كدة ليه؟!!! "

+


أنهى جملته واختنق صوته بغصة مؤلمة جعلت ابتسامة راجح تختفي و اعتدل في جلسته يهتف برعب بعدما استنتج أن صديقه ليس بخير على الاطلاق:
_" مالك يا بكر فيك ايه؟ سيف... سيف تمام؟! "

+


_" معرفش " صرخ بها فجأة بصوته المُلتاع

+


ثم أكمل بعتاب وغضب:
_" اختفى زي ما انت اختفيت... انت وهو حبكت معاكم الوقت ده بالذات عشان تسيبوا بكر لواحده!!... عارف ان سيف بيعاقبني بس ليه انت كمان تبعد!... ياسيدي أنا عبيط وأهبل و اتسكيت على قفايا وانتم كنتوا صح بس مش معنى كدة ترموا طوبتي... محدش فكر فيا لحظة!!!؟... ماجاش في بالكم اني محتاجكم أكتر من أي وقت فات... لو شريف كان عايش مكانش اتخلى ولا عمل زيكم "

+


أنهت كلامه وأنفجر في بكاء طويل يخرج من أعماقه كأنه كان ينتظر صوت أحدهم لينفض ما بصدره، هوى قلب راجح وصوت شهقات أخيه يأكل روحه حتى بات يتخيل أسوأ الاحداث، دون انذار اغرورقت عينيه بالدموع وارتفعت أنفاسه يسأل بصوتٍ مبحوح:
_" بكر... فيك ايه!؟... ما تخوفنيش عليك أنا مش فاهم فيه ايه صدقني؟... طب حقك عليا بس اهدا وأنا والله هسيبك تخلص حقك مني لو ده هيريحك... "

+


استمر أنين صديقه يعلو دون رد فهبطت دموعه هو أيضًا وزاد رجاؤه يتوسله:
_" ياض ما تعملش فيا كدة بقى وفهمني مالك؟ ... يا سيدي انا ابن كلب واطي ومابفهمش في أصول بس والله انينك بيدبحني... طب.. طب عم صلاح كويس؟!.... يا بكر "

+


_" طعنت كرامتي يا راجح... دبحتني من غير رحمة... صاحبك اتخان بأبشع الطرق... كانت معاه في بيتي، في الشقة اللي اشتريتها عشانها... 

+



        
          

                
ثم فلتت منه شهقة صارخة بالألم:
_" آاه يا راجح آه على الوجع " 

+


كانه ينطق بلدغات جارحة تنتزع روحه معها، اعتصر الآخر عينيه وتجمدت قبضته بتوعد وغل حارق، ضرب الأرض بقوة وأسنانه تعنف بعضها يهمس بأفظع الالفاظ لكن حاول تمالك أعصابه ليسطر على انهيار أخيه وتنهد يردد بحزم:
_"  ششش ماتستاهلش دمعة منك... واحدة *** وغارت... استرجل كدة مش انت اللي تبكيك سِت "

+


ثم تغيرت نبرته بسؤال جامد:
_" قتلتها؟! "

+


ساد الصمت للحظة قبل أن يأتيه الرد فاترًا:
_" عملت الأبشع ولا شفا غليلي... هو طمع الغدر وحش كدة!..  سامحني يا صاحبي لو في يوم ضغطت على جرحك بغباء... ماكنتش حاسس بيك "

1


قاطعه راجح ينفي على الفور:
_" جرح ايه يا عبيط ولا جرح في الدنيا يوجعني زي الكسرة اللي صوتك دي، سامحني انت عشان مش جانبك ومش هعرف أكون معاك في وقت زي ده "

+


مرت لحظات خاوية من الصمت حتى سمع حمحمة صديقه يُزيل بقايا البكاء من حلقة قبل أن يقول:
_" قلقت عليك قوي الفترة اللي فاتت ومكنتش عارف أركز في حاجة وتايه... قولي مكانك عشان أجيلك مش هرتاح قبل ما أشوفك "

+


احترم راجح رغبته في تغيير مجرى الحديث ورد بنبرة مُطمئنة:
_" هكلمك تاني الفجر وهرسيك على اللي فيها بس خلي تواصلنا سري الفترة دي "

+


تبادلا أطراف الحديث بجمل بسيطة لكن انكسار بكر كان واضح وضوح الشمس لصديقه ورغم ذلك تمالك حاله حتى أغلق معه، اعتصر راجح الهاتف في قبضته كأنه ينتقم منه هو، عاد غضبه داخله يتمنى لو يأتي برأس تلك العاهرة بين مخالبه الآن عله يُخمد ثورته... لكن صبرًا...

+


_" ر... راجح " نبرة مرتبكة جاءت من خلفه فاستدار بعنف يصيح في سخط:
_" عايزة ايه انتِ كمان؟ "

+


ارتدت مسك خطوتين للخلف بعدما فزعها برده العدواني، فتحت فمها لكن لم تجد حديث فاستدارت تتحرك من أمامه سريعًا ودموعها هبطت في صمت، أدرك فظاعة رده فشتم ذاته وعلى الفور لانت نبرته يناديها:
_" م.. مسك ... استني "

+


لم تبالِ بندائها فتحرك خلفها في سرعة لكن حركتها تفوقه فوقف متألمًا بصوتٍ مسموع:
_" آااه..." 

+


تجمدت ساقيها والتفت تنظر إليه لتجده مغمض عينيه بألم و ممسكًا بكتفه وهذا كان كافيًا لجعلها تعود إليه ركضًا تُردد برعب:
_" ايه اللي حصلك.. أنادي نورا طيب أ.."

+


_" آسف " هكذا قاطعها وهو يستقيم في وقفته وكأن شيئًا لم يكن فأدركت أنه فقط كان يخدعها، نظرت له بأعين ساخطة واستدارت تُغادر، أسرع يقف أمامها مُرددًا في حدة مزيفة:
_" استني بقى يا بت مش هجري وراكِ أنا؟ "

+



        
          

                
ارتفع حاجبيها في غيظ وعاتبته بنبرة باكية :
_" ماطلبتش منك تجري ورايا ده أولًا، ثانيًا ماكنتش جاية أتمحك فيك على فكرة، نورا اللي قالتلي أناديك عشان ميعاد الدوا "

+


كتم ابتسامته من غضبها الرقيق مثلها ورد ساخرًا:
_" أتمحك؟!... دي ألفاظ بنت سفير متربية في مدارس انترناشونال! " 

+


أشاحت برأسها عنه ولم ترد، فتنهد وعاد يعتذر في رِقة:
_" أنا آسف، ولو أعرف أقولها بالروسي كنت قولتها بس تعليم حكومي بقى أمر الله"

+


هذه المرة هي من كتمت ضحكتها لكنه لمحها وابتسم فتحولت عليه تصيح بشراسة:
_" بس والله ما تهب فيّ تاني ما أنا قاعدة معاك وهسيبك وأمشي ومش هتشوف وشي خالص "

+


صُدم للحظة قبل أن يضحك بكل قوته مما جعلها تستشيط ظنًّا أنه يسخر من تهديدها العنيف هذا، فلكزته بغيظ وهمت ترحل لكن سد عليها الطريق مرة أخرى وقال بجدية مصطنعة:
_" خلاص اتهدي هتكتم... قولتيلي كنتِ جاية ليه؟! " 

+


زفرت وردت في حنق:
_" عشان أفكرك تيجي تاخد الدوا وترتاح "

+


هنا رسم ابتسامة خاصة وسلط حدقتيه نحو زرقاوتيها فخجلت ونظرت بعيدًا عنه بينما تنهد هو قائلًا في صدق:
_" اعتبري دوايا وجودك فبطلي تهدديني كل شوية انك تمشي!.... و هكون مرتاح طول ما انا مطمن عليكِ وشايفك بتتعافي قدامي " 

+


دون أن تشعر عادت الدموع لعينيها لكن هذه المرة تأثرًا بحديثه وسألت بخفوت:
_" يعني الكلام اللي قولته امبارح كان... كان "

+


أكد لها بعينيه قبل أن يقول ببعض الاحراج الطفيف:
_" هو جه فجأة و يعني.. "

+


جفلت ملامحها وقاطعته بغصة مؤلمة:
_" يعني كنت بتهديني بس... أنا كنت حاسة، بس مكانش فيه داعي على فكرة كان ممكن "

+


_" ما تتهدي بقى!!! انتِ بتغني وتردي على نفسك؟!!!! " هكذا صاح منفعلًا كاسرًا هدوء الأجواء مما أجبرها على ابتلاع باقي كلماتها بفزع، 

+


زفر بقوة يستغفر ثم أضاف بنبرة مغتاظة من أسفل أسنانه:
_" كنت هتنيل أقولك انه حقيقي بس مُحرج أنا، قدَّري يا شيخة مش كدة!... ايه الدماغ دي؟! "  

1


حلَّقَ قلبها للمرة الثانية، ثبتت عينيها نحوه بإتساع كأنها تفاجأت من جديد، مما جعله يضرب كفًّا بالأخرى وتمتم في ذهول:
_" دي لسة هتتفاجئ!!!... كان مالي ومال الكلام ده بس ياربي!؟ " 

+


لم ينتظر أكثر من ذلك ومشى من أمامها نحو المستوصف يغمغم بكلام كثير يُخرج به غيظه وهي صافنة مكانها تستوعب حديثه حتى سمعت نباح حيوان بري فصرخت باسمه وركضت خلفه بأقصى سرعة مما جعله يكتم ضحكاته بصعوبة:

+



        
          

                
_" هاي كلاس وهتتعبني "

3


------------------

+


_" شيلي ايدك من العجين يا تولة وسلمى هتكمل، روحي انتِ زي الشاطرة لمي الغسيل قبل ما الندى ينزل عليه "

1


قالتها مجدة مخاطبة بتول التي نفذت بهدوء في حين قالت سلمى بحنق:
_" طب كنت روحت أنا لميت الغسيل أنا زهقت من العجن والطبخ طول النهار بقى الله!! "

+


لكزتها أمها في ضيق وقالت بحزم:
_" اتعلمي يابت وانتِ ساكتة عشان تعرفي تخدمي جوزك يا شملولة ولا ناسية إن فرحك مع رجوع أخوكِ سوا "

+


اضطربت بشدة وجفلت ملامح وجهها كأن الأمر مُفاجئ لها، تنهدت ببطء تستجمع شتاتها تُملي نفسها أن الأمور ستكون على ما يرام، نظرت لوالدتها التي تراقبها في شك فتأففت متزمرة:
_" بتبصيلي كدة ليه على فكرة هو بيعرف يطبخ وبعدين أنا في دراسة ولازم أذاكر "

+


لم تهتم مجدة فقط لوت فهمها وقالت بتزمر:
_" لسة بدري على الامتحانات ابقي ذاكري بعدين خلينا في المهم... حطي خيط زيت كمان لمي بيه العجينة يلا وغطيها وسيبيها تخمر "

+


_" أوف حاضر "

+


تنبهت لوجود غلبة في الشارع فسألت بفضول:
_" ما تبصي كدة يا مجدة شوفلنا دوشة ايه اللي برا دي "

+


_" يا باااي يابت خليكِ في اللي في ايدك صدق اللي قالك عنك مرووشة "  

+


قالتها بغيظ مما جعل سلمى تشيح وجهها ساخطة بينما وقفت هي في النافذة وهنا هتفت في تعجب:
_" ايه ده يابت دا عربيتين فخمين قوي واقفين تحت البيت وعيال الحارة زفينهم، جايين لمين دول ياختي؟ "

+


لم تظل حيرتها كتيرًا وسمعوا جرس الباب...  

+


_" بت... ادخلي جوا أنا هشوف مين؟ " قالتها مجدة لبتول حينما وجدتها تكاد تفتح، أومأت بطاعة واتجهت للمطبخ حيث سلمى التي غسلت يديها سريعًا ووقفت تُراقب من بعيد...

+


فتحت الباب وهي تغمغم مستغربة:
_" دا مين المحترم اللي بيرن جرس ده! "

+


صمتت وتوقفت عينيها على ذلك الرجل الواقف أمامها بكل رقي ويفوح منه الثراء، وجواره تقف مديرة أعماله المدعوة مي

+


_" مساء الخير " قالها عارف برزانة مع ابتسامة هادئة

+


فردت مجدة بصوتها المتفاجئ:
_" مساء النور، عايزين مين؟ "

+


نظر عارف للفتاة فأشارت له بعينيها ثم تحدثت مع مجدة بلباقة:
_" حضرتك مدام مجدة والدة دكتور سيف؟ "

+


أجابت على الفور في لهفة وبدأ قلبها يرتعب:
_" أيوة أنا، ماله ابني حصله ايه؟! "

+


طمأنها هو بسرعة:
_" مفيش حاجة خالص احنا مالناش دعوة بابنك احنا هنا عشان نتكلم شوية مع حضرتك لو فيه مجال "

+



        
          

                
وأضافت مي مُؤكدة:
_" حضرته يبقى عارف بيه الديب رجل أعمال مصري ومعروف اطمني، جايينلك في خير "

+


بعد وقت كانت تُقدم لهم الضيافة في وجود سكر الواضع يده على خده بقلة صبر ينتظر توضيح منهم عن سبب الزيارة الكريمة...

+


بدأ عارف يتحدث بجدية:
_" أنا مُتأسف اننا جينا من غير ميعاد لكن الأمر ما يتأجلش"

+


رد سكر متهكمًا:
_" لا أبدًا خد راحتك بس هات اللي عندك بسرعة الله يكرمك ورانا مشاغل "

+


لم يبدي عارف سخطه من طريقة سكر بل أضاف وهو ينظر لمجدة:
_" حضرتك عندك ابن عمره تقريبًا ٢٨ سنة مش كدة؟ "

+


أكدت بفخر:
_" أيوة سيف ابني اسم الله عليه كلها كام شهر ويكمل ٢٩ سنة " 

+


رد بنبرة حزينة:
_" و ده نفس عمر ابني بالظبط "

+


هنا ودق عندها ناقوس الخطر عندها، نظرت لأخيها ثم عادت تنظر للرجل قائلة في حدة:
_" أيوة يعني وجنابك عايز ايه مال ابنك بابني وعُمر ابني؟ "

+


تدخلت مي تهديها وتشرح ببساطة:
_" اهدي يا مدام مجدة، عارف باشا عايز يقول أن زوجته ولدت مع حضرتك في نفس الوقت والأغرب انه في نفس المكان بالظبط مستشفى **** "

+


لم تأخذ وقتها للاستيعاب حتى صدمها عارف مكملًا:
_" مدام نِهال اللي كانت معاكِ في نفس الغرفة بعد الولادة قبل أكتر من ٢٨ سنة... هي تبقى مراتي وأم ابني الوحيد وأنا جاي وكلي أمل تجمعيني بيهم بعد كل السنين دي "

+


فقدت النطق من هول الصدمة والاسم يضرب في رأسها كرصاصة نهاية، أبشع كوابيس حياتها تُقام أمامها الآن، ارتجف قلبها وبدأت رأسها تتحرك نافية ثم قاومت ليخرج صوتها مهاجمًا:
_" معرفش... "

+


تعجب الجميع من حدتها الفُجائية فقالت مي:
_" مش قصدنا أي اتهام صدقينا احنا كل اللي طلبينه معلومة عنها توصلنا ليها و... "

+


_" وأنا قولت معرفش... أول مرة أسمع اسم نهال ده... أنا وعيالي مالناش دعوة بمشاكلكم العائلية... ابنك دور عليه في مكان تاني إنما ملكش ابن عندي "

+


صاحت بكلماتها في شراسة جعلتهم في دهشة من أمرها والأعجب حينما هرولت تفتح الباب وتقول بجرأة :
_" أخدتوا واجبكم وسألتوا وردينا، اتفضلوا بقى من غير مطرود " 

+


شعر عارف بالغضب من الإهانة التي تعرض لها ووقف على الفور بينما حاولت مي مرة أخيرة:
_" حضرتك ممكن تهدي احنا مستعدين ننفذلك كل طلباتك بس... "

+


هاجمتها بجنون:
_" مابسش ياختي ولا ليا طلبات أنا عايشة مع عيالي كافية خيري شري ومش عايزة وجع قلب ولا ندخل سكك مالناش دخل بيها ولا احنا قدها؟!! "

+



        
          

                
ناظرها عارف في توعد مظرة لن تفارق أحلامها ثم أمر بصرامة:
_" يلا يا مي "

+


انصرفا من أمامها وهي أغلقت الباب خلفهما بقوة واستندت عليه في وهن خفي وهنا خرجت بتول وسلمى التي سألت بعتاب:
_" ايه يا ماما اللي عملتيه ده، بتقولك راجل أعمال معروف تقومي تطرديهم بالشكل المهين ده ومن غير سبب!!"

+


لم تتحمل مجدة سماع اعتراض واحد على الفور خلعت نعلها وسددته نحو الاثنتين فهرولتا من أمامها بسرعة نحو غرفة سلمى وخلفهما إهانات ضاجرة منها، 

+


مرت بضع لحظات استعادت فيها أنفاسها المسروقة وهدأت الأجواء بعد تلك العاصفة القصيرة لتجد أخاها يُطالعها في صمت مُعبأ باستفسارات عديدة مما جعلها تتأفف قائلة:
_" مالك انت التاني!؟ "

+


ضيق جفونه ورد في هدوء:
_" ماليش ياختي هسيبك ترتاحي بعد الكركبة دي وبعدين نرجع نشوف ايه حكايتك بالظبط؟! "

+


------------

+


أما داخل إحدى السيارتين كان يصيح بغيظ:
_" ست همجية وبيئة... بقى أنا أتحط في موقف زبالة زي ده!! "

+


هدأته مي بعقلانية:
_" اهدا يا باشا هي كدة اداتنا اللي عاوزينه بعد تصرفها ده أكدت انها تعرف مدام نهال كويس! "

+


غمغم ساخطًا:
_" صح! وطالما الذوق ماجاش معاها يبقى تستحمل الوش التاني "

+


ثم أكمل آمرًا في غيظ:
_" جمعتوا معلومات عن جوزها وابنها؟ "

+


أومأت قائلة:
_" أكيد، جوزها مش عايش معاهم وابنها شغال في مزرعة مواشي تابعة لرجل أعمال اسمه رشيد المصري وهو المسئول عنها وعن أخته الوحيدة "

+


ضيق عينيه بتفكير عميق قبل أن يسوقه فضوله ويقول:
_" معاكِ صورة ليه؟ " 

+


_" آه، ثانية واحدة "

+


أخرجت جهاز أيباد وبدأت تتصفحه لثوانٍ قبل أن توجهه نحوه:
_" اتفضل يا باشا "

+


اعتدل قليلًا وهو يأخذ منها الجهاز بملامح باردة تحولت لأخرى مُعادية تمامًا بل تجمد على الصورة يُشكك في سلامة نظره، التفت نحوها بعنف يهتف:
_" مين ده! "

+


تعجبت من حالته وردت بيقين:
_" ده سيف ابنها "

+


ارتفعت نبرته يستنكر بانفعال:
_" سيف ايه وجنان ايه ده سنايبر... انتِ بتقولي ايه؟! "

+


ارتبكت وبدأت تبرر بثقة مُذبذبة:
_" سنايبر ازاي يا عارف باشا صدقني ده سيف نصّار أنا متأ..."

+


ابتلعت باقي كلامها بل تبدل لصرخات مرتفعة مع انقلاب السيارة ثم صوت أعيرة نارية ضجت في المكان...

+


ثلاث سيارات مُلبدة بالمسلحين ظهروا على الطريق فجأة قاصدين عارف الديب ليس غيره!!

+


خرجت رجال الحماية الخاصين به ليشتبكوا معهم وبدأ تبادل إطلاق ناري خطير من كلا الجهتين، 

+



        
          

                
استطاعت مي الخروج من السيارة بصعوبة لتُصدم بالوضع الدموي حولها، اتجهت للسائق تطلب منه مساعدة رب عملها العالق داخل مقعده ويبدوا أصيب بشدة لكن خاب أملها حينما وجدت الرجل هو ايضًا يسارع الموت أثر إصابات كثيرة...

+


والفاجعة الأكبر رجال الحماية الذين يتساقطون الواحد تلو الآخر، ركض ثلاثة رجال نحو السيارة المقلوبة وهدفهم الأساسي القضاء على آخر أنفاس الديب، بشجاعة أخرجت سلاحها الشخصي وأصابت أحدهما فرفع آخر سلاحه وكاد يقتلها.... لكن انقلبت الموازين بظهور سيارتين جديدتين أنقذت الموقف....

2


-------------------

+


في جو تجهيزي مرح، كانت بثينة تُجوار ليلى أمام المرآة وكلٌّ منهما تضبط هيئتها استعدادًا لتلك المناسبة المدعوين عليها عند إحدى الجارات،

+


_" ها يا بوسي ايه رأيك؟! " قالتها ليلى وهي تقف وتدور بفستانها الأزرق الطويل لتصفر الأخرى وهي تمدحها بإعجاب:
_" تحفة، ايه الحلاوة دي انتِ غريبة النهاردا بس هتغطي على الكل يا بنت اللذينة "

+


أنهت كلامها بضحكة مازحة بادلتها الأخرى بخجل وقالت في صدق:
_" وانتِ طالعة تجنني، فينه الروسي ييجي يشوف "

+


نهضت بثينة تردد في لهفة:
_" هو بكر عزمه ييجي؟ "

+


كانتا تتجهان معًا للخارج في حين قلبت ليلى عينيها وقالت بتهكم:
_" ييجي فين هو فرح أبونا، بوسي احنا نهزر في الحوار ده آه إنما ناخده جد اياكِ، ده أجنبي يا حبيبتي يعني لا دين هيسمح ولا أمك هترضى تجوزك في قارة تانية "

1


أنهت كلامها وأغلقت الباب خلفهما تسترق النظر للدرَج في انتظاره...

+


_" أوف بقى يا ليلى انتِ هتعملي زي عمي صلاح " قالتها بثينة بزنق وهي تعقد يديها حول صدرها 

+


فأصرت الأخرى بعقلانية:
_" اسمعي الكلام، أنا أصلًا مستغربة الجدع ده مش فاهمة جاي سياحة ولا إقامة ولا ايه حكايته؟ "

+


حركت بثينة كتفيها بجهل وقالت:
_" ولا أنا! بس بحسه مخبي حاجة... بيدور على حاجة! "

+


ثم رفعت حاجبها وتملكت الغيرة من نبرتها وهي تُضيف:
_" وسألني عليكِ على فكرة يوم كتب الكتاب المنحوس "

+


تنبهت لها بكامل حواسها وسألتها سريعًا:
_" وانتِ قولتيله ايه؟... أوعى تكوني حكيتيله"

+


ابتعلت الأخرى ريقها ثم حكت رأسها قائلة ببلاهة:
_" الصراحة آه حكيتله كل حاجة... من طقطق لسلام عليكم"

+


_" انتِ اتجننينتي ازاي تعملي كدة من غير ما ترجعيلي مين اداكِ الحق تتكلمي عني أصلًا " هكذا صرخت فيها بجنون جعل بثينة تقف مبهوتة لأول مرة ترى ذلك الوجه من ليلى...

+



        
          

                
انخفضت نبرتها تلقائيًا وهي تبرر:
_" أنا آسفة يا ليلى بس ده أليكسي يعني..."

+


استطردت الأخرى صراخها الغاضب:
_" مين أليكسي ده! أعرف منين انه مش هيئذيني، هو أي حد من الشارع تثقي فيه كدة وخلاص انتِ غبية!! "

+


لم تتحمل بثينة اهانتها وهتفت في حدة:
_" لو همشي بالمنطق ده يبقى مش المفروض تكوني هنا انتِ كمان، ولا حضرتك بنت خالتي وأنا معرفش "

+


بُهتت و حزنت ملامحها تهتف في عتاب:
_" بقى كدة يا بُثينة؟ "  

+


لم تكترث بها بثينة وأضافت بنفس النبرة اللاذعة:
_" ومفيش غير كدة! ومن هنا ورايح مالكيش دعوة بيا خالص ومايشرفنيش أعرفك مادام شايفني غب...  "

+


_" بُثينة!!!! " فزعت على صرخة بكر الذي كان يهبط الدرج وسمع آخر كلامها....

+


وقف أمامها وحدقتيه تحرقها بضجر :
_" ممكن أفهم ايه قلة الذوق دي؟! "

+


أشارت على نفسها بإنفعال : 
_" أنا قليلة ذوق يا بكر؟! "

+


أكد بجفاء:
_" آه دي قلة ذوق، أنا عارف ان لسانك زي المبرد بس ماتسوقيش فيها انتِ مش طفلة هنبررلك كل كلمة تلقحيها من غير ما تشغلي مخك "

+


ارتخت ملامحها ولمعت عيناها بالدموع وعاتبته بغصة:
_" انت شايفني كدة يا بشمهندس؟! "

+


مسح على وجهه وقد لانت ملامحه من وقع نبرتها اقترب ورفع يده ليطوق وجهها لكن لم تترك له فرصة لمراضاتها وتحركت من بينهما تهبط الدرج في سرعة غير عابئة بندائه،

+


عاد يمسح على وجهه بإختناق لم يود احزانها قط وليس في مزاج يسمح له لاسترضاء أحد، خبط الأرض بقدمه في ضيق وعجز وهو يتأفف بعنف..

+


ثبت فجأة حينما شعر بأصابعها تلامس كتفه ثم هتفت في ندم:
_" أنا آسفة بجد ماكانش قصدي يحصل كدة أنا... " 

3


ارتبك للحظة وابتعد عنها قليلًا يحمحم ثم أجلى بصوتٍ مضطرب :
_" مفيش حاجة يا ليلى... أنا هعرف أصالحها ومهما كان اللي حصل بينكم مش عايزك تزعلي من كلامها، المفروض عرفتي طبعها وأسلوبها الدبش ده "

+


أومأت بتفهم وقالت بتلقائية:
_" عارفة واللهِ ومش زعلانة أنا مش عارفة ايه دخلك أصلًا!! " 

+


دُهش من إلقائها الحق عليه وزادت دهشته أضعافًا حينما أضافت بنفس العفوية:
_" أصلًا بقى دي عينك "

+


أشار على نفسه بذهول فمسحت دموعها بحركة طفولية وأكدت بنبرة حانقة:
_" آه، امبارح فضلت تمدح في علاقتي بيها لحد ما جبتها الأرض أهو " 

+


حرك يده كأنه يسأل كونها مجنونة! فاتسعت عيناها وضربته في كتفه بخفة وصاحت متزمرة:
_" ماحدش مجنون غيرك واتفضل قولي هروح الحنة لواحدي ازاي أنا بقى؟! "

+



        
          

                
أنهت كلامها وهي تضع يدها في خصرها وتهتز في وقفتها بينما تشمله بنظرة منفعلة كأنه أفسد يومها مما جعله يضحك مذهولًا ثم أشار نحو السلم قائلًا برضوخ:
_" أمري لله، قدامي ياختي هوديكِ وبالمرة أصالحها " 

+


على الفور تحول تجهمها لابتسامة سعيدة وقالت:
_" بجد! "

+


_" امممم،  ويلا قبل ما أغير رأيي" 

+


قالها وكاد يسبقها لكن جذبته للخلف وركضت للدرج وهي تردد بغرور مصطنع:
_" ليدز فيرست.... ورايا " 

+


قالتها ورفعت الفستان قليلًا وبدأت تهبط كالاميرات وهو يتابعها بفمٍ مُنفرج في ذهول من تصرفاتها ال... جديدة تلك، ضرب كفًا بكف ونزل خلفها مع ابتسامة فريدة أخذت مكانها على وجهه الباهت دون أن يشعر...

2


----------------- 

+


أما داخل ذلك الوكر الخاص بالسراب كان الديب غائبًا عن الوعي مع جروح عديدة تعرض لها وقت الهجوم وانقلاب السيارة وبجواره جلست مي تبكي بشدة ولا تعرف أين هما أو كيف وصلوا إلى ذلك المكان... 

1


انتفضت مع دخول عز متنكرًا في شخصية سنايبر ومع ذلك لم تتعرف عليه، أقبلت بلهفة نحوه تسأل في رجاء:
_" انتم مين؟ وهتعملوا في الباشا ايه؟" 

+


رمقها ببرود ونبس ساخرًا:
_" مش مهم احنا مين، وأكيد مالحقناهوش من الموت عشان نقتله بنفسنا.... الدكتور جايله في الطريق "

+


تنفست الصعداء وشكرته في امتنان:
_" ده دين كبير قوي والباشا مش هينساهلكم "

+


أشار لها بعدم اكتراث لتصمت ثم قال وهو ينظر لها كأنه يتفحصها مما أربكها بشدة:
_" مش مستني رد ديون بس عندي سؤال واحد... عارف كان عند الناس دي بيعمل ايه؟ "
_" ناس مين؟! " 

+


شملها بنظرة مرعبة وقال بصبر على وشك النفاذ:
_" بيت الدكتور سيف نصار "

+


ابتلعت ريقها ولم تعرف بماذا تُجيب حتى شهقت على أثر صرخته الجاذِعة:
_" ما تنطقي يابت! "

+


_" ب...بيدور على مراته وابنه " هكذا أجابته على الفور بعدما انتفضت من صوته  

+


ضيق عينيه رافعًا أحد حاجبيه وضحك بتهكم قبل أن يردد:
_" ساب الدنيا كلها ورايح يدور عليهم في البيت ده بالذات؟ "

+


ثم دنى منها خطوة دبت الرعب في قلبها واستطرد بفحيح:
_" ولا كان رايح لبتول الصيفي؟ " 

+


هزت رأسها عدة مرات تنفي بقوة وأسرعت تقول:
_" مين دي! والله العظيم ده مش حقيقي أبدًا احنا رايحين لمدام مجدة الرازي والدة دكتور سيف نصّار مالناش دعوة بأي حد تاني "

+


لم يقتنع لكن أيضًا شعر بصدقها فقال ببرود:
_" ماشي! فهميني بقى كنتوا عايزين ايه منها بالظبط " 

+



        
          

                
استنشقت نفس عميق تلملم شتاتها وبدأت تشرح بنبرة متوترة:
_" عارف باشا كلفنا ندور عن مدام نهال مراته وكنا بنحاول نلاقي أي تفصيلة نبدأ من عندها لحد ما جاتلي فكرة سجلات المستشفى اللي وَلدت فيها ابنه، ولأن الموضوع قديم كان الوصول للأوراق صعب جدًا... بس حصل ولقينا سجل الاستقبال بتاع اليوم ده وبحثنا في كل الأسماء لحد ما عرفنا إنها كانت في نفس الغرفة مع واحدة اسمها مجدة "

+


احتلت الدهشة ملامحه وبدأت البرودة تتسلل لأوصاله في حين أكملت:
_" عرفنا كمان إن الست مجدة في اليوم ده برضو خلفت ولد... و... وعن طريق بيانات الولد ده وصلنالها وروحنا على أمل تفيدنا بأي حاجة عن مكان مدام نهال وابنها "

+


أخرج صوتًا ساخرًا كأنه يستنكر ما تقول وهتف بخفوت لا ارادي:
_" عايزة تقولي ان الست اللي كانت مع مجدة في اليوم ده تبقى نهال مرات الديب؟؟ "

+


أومأت بتأكيد رغم جهلها سبب اهتمامه ذاك.... أما عنه فعذرًا لم يصله المعنى قط، عقله ما استطاع إدراك تلك الفزورة البسيطة، استغربت من سكونه بل ذلك الشحوب الذي حل على وجهه كأنه سمع حكم اعدامه، ارتجفت وظنته لا يصدقها فعادت تضيف في تعلثم:
_" صدقني دي الحقيقة أنا... أنا ماليش مصلحة أكذب... حط نفسك مكان الباشا هو أب وخلال أكتر من ٢٨ سنة ماجتلهوش فرصة واحدة يلمح ابنه ولو لمرة فمتستغربش انه جاي بنفسه يجري ورا خيط بسيط زي ده عشان يوصله "

+


هلَّا توقفتي عن ذاك الهراء! دارت بعينيها تنظر في وجوههم إن كان هو أو أليكسي و مصطفى اللذان حضرا بداية حديثها فلم يختلفا عنه...

+


أدرك مصطفى أن الأمر بات علنًا فعز ليس بالغبي ليحتاج أكثر من ذلك كي تصله الحقيقة المُرة، نظر لأليكسي ثم عاد بنظره نحو عز وتحرك ببطء حتى وقف أمامه تمامًا وعيناه تحمل كامل الاعتذار هامسًا:
_" تعالى معايا "

+


مد يده في ضعف يدفعه من أمامه وعاد بأعينه الباهتة للفتاة التي تضاعف خوفها من التوتر الخانق حولها حتى انتبهت لنبرته التي تحاكي ضربات القلب في ايقاعها المضطرب:
_" التاريخ بالظبط؟!  "

+


لم تفهمه في البداية لكن أدركت مقصده وأسرعت تنطق تاريخ مولد أخيه المُوثق رسميًا تخبره أنه نفس التاريخ الخاص بمجيء الابن المفقود لذلك الذي أنقذه بنفسه منذ قليل،

+


هُنا وكفى!!!.... دار به المكان وهو على وقفته مُتجمد وكل ما فيه يُنكر ويُكذّب، عاد مصطفى يسحبه للخارج بقوة هذه المرة وهو يتوسله بشفقة:
_" عشان خاطري تعالى وأنا هفهمك "

+


بينما الفتاة مازلت مرتعبة ولا تفهم عِظَم الحقيقة التي فجرتها في وجهه الآن، أراد أليكسي الخروج خلفهما لكن تراجع وبقى في الغرفة في انتظار الطبيب كارم...

+


صدمتان في ذات اليوم أمر كفيل لانهياره، تحرك مع صديقه بإراده مسلوبة وقد غاص في غيبات سوداوية والأمور بدأت ترتص في مواضعها الأصلية أمامه فأسكتت كل التساؤلات داخله، نرجس ورغبتها في التخلص منه!!، نور وصدمتها في تلك الليلة التي أتت إليه منهارة تصرخ بظلمهم لها وله، لحظة....

+


رفع عينيه نحو مصطفى كأنه يُردد لهذا أخفيت عني تفاصيل سفريتها لفرنسا!!؟.... هي أيضًا عرفت الحقيقة؟؟.... 

+


هزه مصطفى يهتف فيه بقوة:
_" كأنك ماعرفتش حاجة، أنا مقدر انها صُدفة وحشة قوي لكن مش هتغير أي شيء، هنبعد الراجل ده برا حياتكم و سيف مش... "

+


_" سيف! " لفظها من أعماقه كأنه للتو تذكر أخيه، إن كانت تلك صدمته فماذا عن ذاك المسكين الذي يعيش داخل أكبر كذبة يمكن أن يعيشها الانسان، أب وأم وأخت وحياة كاملة كل ذلك مزيف؟! بل والأبشع هو... ذلك المسجي في الغرفة المجاورة.... أحد أكبر أعدائهم.... عضو إجرامي وعلامة فساد لا تُمحى....

+


_" لا مش ده... ده ماينفعش... ده بالذات ماينفعش " بدأت تخرج منه تلك الكلمات الرافضة، ابتعد عن مصطفى يتحرك في كل مكان كأنه يبحث عن مصدر هواء أو مسه شيء من الجنون يرتفع صوته تارة ويخرج هامسًا تارة أخرى حتى تصنمت ساقيه عن الحراك ما أن ضربته حقيقة غائبة أسوأ من كل ما فات:
_" ن... نور!!!.. نور بنته! "

4


هوى جسده على أقرب حائط وارتفع صوته تدريجيًا من همهمة مبحوحة إلى صرخة تمزق صدره، صرخة تنفي قدَرًا لم يختاره، صرخ بكل ما أوتي من طاقة، كأنه لو دوى بصوته عاليًا سينفي كل تلك الحقائق ويقذفها خارج حياته للأبد...

+


----------------
يتبع...

+


انتظروا الفصل القادم آخر الأسبوع إن شاء الله

+


ماتنسوش التصويت ( اضغطوا على النجمة ☆ )

+


تعليق برأيكم في الرواية!

1


و لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا في كل بقاع الأرض دمتم في أمان الله.  

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close