اخر الروايات

رواية عملتان لوجه واحد الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم آية الطري

رواية عملتان لوجه واحد الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم آية الطري



                                              
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث أمته على أعلى درجات الطموح حيث قال: "الجنةُ مائةُ درجة، ما بين كلِّ درجتَينِ كما بين السماءِ والأرضِ، والفردوسُ أعلى الجنةِ، وأوسطُها، وفوقَه عرشُ الرَّحمنِ، ومنها يتفجَّرُ أنهارُ الجنَّةِ، فإذا سألتُمُ اللهَ فاسألوه الفِرْدَوسَ"

+


صلى الله عليه وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ♥️

+


ماتنسوش التفاعل حلاوة الرجوع 🤐

+


-------------☆☆☆☆

+


رغم ارتباكها الشديد إلا أنها طرقت الباب بهدوء حتى لا تُزعج سلمى في حال كانت نائمة، نزلت ببصرها للشاشة التي تنير باسمه وقلبها ينبض بقوة يحوي مشاعر فريدة من نوعها، 

+


_" بتول انتِ لسة مانمتيش! " قالتها سلمى بعدما فتحت الباب فأعطتها بتول الهاتف بسرعة كأنها تتخلص منه.

+


تعجبت سلمى لكن بمجرد أن رأت اسم أخيها ضغطت زر الاجابة على الفور وهي تهتف بلهفة:
_" سيف عامل ايه وحشتني! "  

+


_" سلمى!! " هكذا أبدى سيف استغرابه حينما رأى شقيقته مما جعلها تفهم ما يحدث بالضبط خاصة مع الاحمرار الذي يكسو وجه الصافنة أمامها، فأردفت بمكر مصحوب بغيرة مصطنعة:
_" آه يا غالي سلمى، ايه كنت مستني حد تاني يرد ولا ايه؟ خلاص لومة اتركنت على الرف؟! "

1


ضحك بخفة و قال في عبث:
_" غيرة دي يكفينا الشر ولا أخدتي وضع النكد من دلوقت؟ "

+


جذبت بتول للداخل وأغلقت الباب ثم ردت على أخيها تدعي الشراسة:
_" وأنا هغير من ايه بقى ان شاء الله وعلى مين أصلًا؟ بس مش غريبة تتصل على بنات الناس كدة في نصاص الليالي ياخي اتقي الله ماعندكش اخوات بنات؟ "

+


عض شفته بغيظ وصاح فيها بتوعد:
_" بالله يا سلمى لو ما ظبطي لهجتك لتزعلي... افتحي وشوفي اتصلت عليكِ كام مرة وأهو نعرف مين اللي اتركن على الرف!"

+


_" ايه ده بجد؟ " قالتها بإحراج فهي تركت الهاتف على الوضع الصامت وظلت في الشرفة تنتظر عودة ذاك الذي أصبح زوجها بين ليلةٍ وضحاها.

1


_" ماينفعش أطول عن كدة، حبيت أطمن عليكم عشان الفترة الجاية مش هقدر أتواصل معاكم خالص " قالها سيف بجدية

+


فنظرت الفتاتان لبعضهما بخوف عبرت عنه سلمى مُستنكرة:
_" يعني ايه يا سيف احنا بنقلق عليكِ جدًا وبعدين فيه حاجات كتير حصلت لازم تعرفها "

+


_" فيه ايه ماما كويسة؟! " سأل بلهفة فنفت سريعًا:
_" آه كلنا بخير الحمد لله "

+


تراجعت عن اخباره بحقيقة زواجها وأمر التحاليل واستمرت تترجاه أن يعود وهو يسايرها مراعاةً لخوفها الزائد في الآونة الأخيرة، 

+



        
          

                
في حين كانت بتول ترمقه على استحياء وتحرص ألا يلمحها هو، كان يبدو جالسًا أمام مصدر نيران تعكس عينيه لهبها بينما أكسبت بشرته القمحية لمعة هادئة، وبالفعل كان توقعها صحيحًا إذ سكَن بجسده جوار المدفأة بعدما نام رفيقيه...

+


_" بتول " فاقت من شرودها به على صوت سلمى وهي تُسلط نحوها شاشة الهاتف وتسأل ببراءة مزيفة:
_" مش عايزة تسلمي على سيف قبل ما يقفل؟ "

+


فتحت فمها كالبلهاء وبسرعة هزت رأسها رفضًا لكن سلمى لم تبالِ برأيها فقط تركت في يدها الجوال واتجهت للخارج تقول بمشاكسة:
_" هعملنا عصير، ركزي انتِ بس "

+


كادت بتول تبكي كمَن وقع في مأذق، حاولت التصرف بشكل طبيعي ورسمت ابتسامة متوترة تُرحب به، 

+


اتضح أنها ليست وحدها فقد خرج صوته هو أيضًا مهزوزًا قليلًا:
_" ايه أخبارك... عاملة ايه؟ "

+


تنفست بعمق وهي تشير أنها بخير، ابتسم لها بدفئ وعاد يسأل بنبرة هادئة هذه المرة:
_" متضايقة من وجودك عندك؟! "

+


لم تفكر ونفت بقوة وحاولت شرح كون الجميع أصبحوا يعاملونها جيدًا لكن ظنت أنه لم يفهمها كالعادة....

+


_" حلو طمنتيني "

+


أسعدها استيعابه لمقصدها وساد السكون بينهما إلا من صوت احتراق الخشب في المدفأة، حدق بها على سهو يتأملها ببسمة لا إرادية زادت من توترها و عزفت تتر حُبها المتزايد داخله وما يقابله داخلها ولا يقوى أيًّا منهما على مجرد تلميح...

+


تهربت تسأل عن حاله، فتنحنح مجيبًا:
_" تمام أنا... كويس "

+


سكت لحظة أخرى ثم استطرد بتذكر:
_" و... على فكرة أنا لسة عند وعدي ومكلف ناس تبحث بخصوص عز أتمنى نوصله قريب، مخبيش عليكِ الموضوع صعب كأني بدور على ابرة في كوم قش"

1


تفحص ملامحها بفضول شديد، يستكشف ما بداخلها نحو ذلك العزّ وقلبه يلح عليها أن تريحه بنظرة، لكنها التزمت الصمت للحظات… حتى بدأت دموعها تلمع على وجنتيها، فأخفضت رأسها تبكي بصوت مكتوم.

+


أرجع ظهره للخلف في انكسار وأخذ نفسًا ثقيلًا، ثم قال بنبرة منزعجة امتزجت بالأسف:
_"آسف إني لحد دلوقتي مش عارف أساعدك… بس صدقيني بحاول"

+


ثم ساد صمت قصير لكنه يخلو من الهدوء وأنفاسه تحمل ضيقًا مكبوتًا تجسد على وجهه وهو يسأل بنبرة حاول أن يُخفي غصتها لكنها خرجت حادة:
_"هو عز ده يبقى لك إيه عشان تبقي متعلقة بيه بالشكل ده؟!"

+


لم ينتظر جوابها، بل تابع بحدة أكبر وكأنه فقد السيطرة على ما بداخله من غِيرة:
_"وليه أصلًا سابك لوحدك من الأول؟! ولا هو يهرب وأنا ألبس؟!"

1


ارتجفت ملامحها من وقع كلماته وسلطت حدقتيها الدامعتيْن نحوه بصدمة، فتنبه هو لنبرته القاسية، أغمض عينيه بقوة وصك أسنانه، ثم تمتم بسرعة:
_ "أنا آسف… انسي اللي قولته، سلام"

+



        
          

                
أغلق الاتصال قبل أن تجد فرصة لتفسير موقفها، فخرجت منها تنهيدة مهمومة تنطق اسمه بحزن قبل أن تنفجر في بكاء صامت…

+


أما عنه فرمى بالجوّال بعيدًا قبل أن يزفر بقوة، حرك لسانه على شفتيه ببطء وهو يهز رأسه ويردد في غيظ وتوبيخ لذاته:
_" ليه أعمل في نفسي كدة ليه؟ إشمعنى دي؟! "

3


بالطبع لا يعرف اجابة، جذب خصلاته بعنف وعاد يزفر بقوة أكبر تُعبر عن اختناق حقيقي وللمرة الأولى يتذوق نيران مشاعر سكنته دون اراده....

+


---------------

+


كانت تُتابع الشارع من النافذة، أصابعها تعبث بطرف الستارة في ترقب قاتل، لا تعلم لِمَ تنتظره لكن قلبها لا يخلو من القلق بشأن تأخره، فجأة اخترق السكون صوت الموتور المألوف فاعتدلت في وقفتها تبحث عن مصدره حتى ظهر هو من وسط الظلام.....

+


_" شادي" نطقتها بخفوت ورفعت يدها بلا وعي تُلوّح له، وكادت ترفع صوتها بندائه، لكن عقلها تدارك الساعة المتأخرة فأغلقت فمها في اللحظة الأخيرة مُكتفية بمراقبته وهو يقترب نحو المبنى المقابل.

+


شعرت ببتول جوارها فنظرت لها وهي تشير للشارع وتهتف بلهفة:
_" شادي لسة واصل، اتصلت بيه كتير ماكانش بيرد، خفت عليه أوي "

+


أومأت لها بتول بتفهم وعادت سلمى تُتطالعه لتعقد حاجبيها باستغراب:
_" هو!!! ... حاسة انه مش طبيعي مش..."

+


لم تكمل جملتها وشهقت بفزع حينما ترنح وكاد يسقط على السلم وهنا اندفعت تُردد بأنفاس عالية:
_" باينله تعبان خالص، هو ممكن يحصله حاجة لواحده!! المرة اللي فاتت سيف لحقه إنما دلوقتي مين هيساعده؟! "

1


تصعبت بتول على حاله، والأخرى شاورت حالها لثوانٍ قبل أن يزيد عليها الخوف فلم تتحمل، أسرعت لغرفتها ترتدي إسدالها وهي تقول بجرأة رغم ترددها:
_" هروح أطمن عليه ولو فيه حاجة هكلم خالي سكر ييجي "

1


-------------

+


كانت تجلس جوار سريرها في غرفة شبه مظلمة، ينفذ ضوء القمر من بين الستائر المهترئة ليخطف ملامح وجهها المتعب لا توحي بمراهقة لم تتم عامها السابع عشر، مبلل بدموع لا تتوقف، ساكنة ورجفة خفيفة تهتزّ في جسدها وكأنها تكافح مع نفسها بين عاصفة الذكريات والندم الذي يلتهم قلبها.

+


منذ سلمت من صلاتها وهي على حالها ذاك تستغفر وتشتكي وتبكي لمن لا يغفل ولا يغيب... 

+


_"يا رب… سامحني… سامحني على كل اللي عملته…أعني على نفسي وعلى بشاعة البشر... يارب خرجني من الكابوس ده... أنا تعبت وانت عالم بصدق ندمي..."

+


ظلت سُهى تردد دعواتها المبعثرة وداخلها يقين أنه المُنجي، وستتخلص يومًا من أشباح الذنب...

+


همت تمسح دموعها سريعًا حينما شعرت بالباب يُفتح ودخلت منه أختها الصغيرة سالي تحمل سجادة صلاتها وقالت بحماس:
_" جيت أصلي جنبك يا سُهى "

+



        
          

                
ابتسمت لها سهى بدفئ وقالت بمداعبة:
_" تنوري يا شيخة سالي، تعالي "

+


فرشت سجادتها جوار سجادة أختها ثم مدت يدها لها بقطعة ما وقالت:
_" امسكي دي مكافئة امبارح " 

+


دُهشت وضحكت بعدم تصديق تسأل بإمتنان:
_" جبتي شوكولاتة عشاني؟"

+


تلاءمت الصغيرة وقالت بمرح:
_" امممم... أكيد مش أنا... ده نوح "  

+


بذكر اسمه خفق قلبها وهتفت بتيه:
_" جايبها ليكِ؟ " 

+


_" جابلي واحدة وانتِ واحدة لما قولتله اننا صلينا سوا القيام والفجر امبارح "

+


ثم اقتربت كأنها ستخبرها سرًا:
_" هو قالي اديهالك بس ماقولكيش انها منه "

+


عاد يحرقها ألم الندم على ما اقترفته في حقه فلم تستطع الصمود وانفجرت تبكي كأنها ماكانت تبكي منذ دقائق فأدمعت سالي لأجلها وأسرعت تحتضنها وتخفف عنها لتتشبث بها سُهى بقوة كأنها آخر داعميها بينما ارتفع صوت الصغيرة يردد برجاء:
_" يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين "
ظلت تُكررها مِرارًا حتى بدأت سهى تنطقها هي الأخرى بتضرع وعيناها تلتقيان بوميض من الأمل...

1


-------------

+


وصولُه لباب شقته الآن يُعد معجزة فعلية؛ جسدٌ لا يقودُه عقل، وقلبٌ لا يشعر بحياة، ماءٌ مثل نار، وبردٌ مثل دفء… بالأحرى جثة تفتقد للروح، روح تأبى العودة ويحاصرها الضياع، عيناه نصف المفتوحة راحت على الباب المُغلق، وكل ما تطمح إليه أن تُدخل ذاك المُغيب إلى عزلته، 

+


_" أبيه... شادي " صوتها الهامس اخترق السكون، لكن لم يكن كافيًا ليخترق مدارك عقله فيستجيب لندائها اللاهف...

+


اقتربت منه حتى أصبحت أمامها وهي تسترسل بقلق:
_" مالك انت تعبان؟ "

+


انتبهت فجأة لكل ذلك الغبار على وجهه وملابسه فأسرعت تنفضه وهي تسأله برعب:
_" ايه ده، ايه اللي عمل فيك كدة يا أبيه؟ " 

2


ما كان منه إلا أن رفع يده وأزاحها بوهن:
_" سبيني " 

+


صدمها حاله حتى عصفت برأسها ذكرى مشابهة.... نعم الأمر يتعلق بصديقه، لمعت عينيها وقلبها اعتصره الألم وهي تسأل بشفقة:
_" انت كنت في المقابر صح؟ "

+


ذهبت عينيه نحوها قبل أن يومئ بتيه:
_" صح "

+


_" ليه؟ ليه روحت هناك دلوقتي! " 

+


ابتلع ريقه وظهر كأنه يستحضر اجابه ضائعة هامسًا:
_" كنت بسأله ليه اختار مايكملش معايا الطريق! ليه انسحب؟! وليه لما قرر ينسحب ماخدنيش معاه "

+


قاطعته بدموعها التي سبقت ردها وهي تنهره بعتاب:
_" بعد الشر، حرام عليك ازاي تفكر كدة!!، لكل إنسان أجل وده أجله ليه رابط نفسك بيه؟! "

+



        
          

                
سحبت المفاتيح من يده وهي تمسح خدها بقوة وتستطرد في ضيق:
_" تعالى ندخل انت مش كويس ولازم ترتاح " 

+


خطى معها للداخل ولا يقوَ على الرد رمى بمعطفه على أقرب مقعد ثم طالع الشقة ذات الألوان الجديدة في نظرة مطولة ثم ابتسم ساخرًا كونه يجهزها للزواج الذي لا يعرف معالمه،

+


أما سلمى للتو أدركت سوء فعلتها ومدى جرأة قرارها في المجيء الآن خاصةً مع الشكل الجديد التي اتخذته علاقتهما، فاقت على سؤال غير متوقع منه لفظه في يأس:
_" حتى انتِ كمان حاسة إني مبوظ حياتك مش كدة؟ "

+


لاح التعجب على وجهها ولم تكد ترد حتى أكمل واعدًا نبرته لم تكن متزنة إطلاقًا:
_" هخلصك مني بسرعة ماتقلقيش.... مش... مش هكون عائق قدام أحلامك، كل اللي عايزه إني أطمن عليكِ....أنا .... أنا مش قاصد أغصبك عليا أو أضيع عمرك معايا أنا... "

+


أوقفت حركة ثغره بيدها وتنهدت تلومه بحزن شديد:
_" انت ليه بتعمل كدة؟ "

+


ثم انهارت تبكي وتسترسل:
_" العيب مش فيك انت يا شادي، بالعكس انت اللي بتضحي مش أنا، ودايمًا انت اللي بتضحي، بتعاتب نفسك ليه حرام عليك نفسك، ربنا ما خلقهاش عشان تعذبها "

+


فزعت وارتدت للخلف خطوة حينما صرخ فجأة بصوتٍ مرتعش يبكي داخله الوجع:
_" مش قادر أسيطر على احساسي أنا برا إرادتي... "

+


تنفس بعنف واستكمل كأنما يجلد ذاته:
_" أنا إنسان مش طبيعي ومش سوي، كل اللي حواليه معرضين للخطر بسببه، هو قالي... قالي بلاش... قالي سيب القضية ونفذ أوامرهم بس ماسمعتش كلامه... ماكنتش قدهم بس ركبت دماغي عشان أنا غبي.... "

+


ثم أرجع جسده للخلف وأشار على نفسه بجنون وهو يسترسل في صراخه:
_" و أهو لبسوني بدل القضية اتنين، خسرت شغلي واتسجنت وهو ماكنش ليه ذنب بس عملوا معاها زي ما عملوا معايا... حصل فيه كدة بسببي، قرر يمشي عشان ماستحملش العار والذل والظلم عشان اختار صاحب عنيد وفاكر نفسه يقدر يطهر الكون، يبقى ازاي مش أنا اللي قتلته؟! "

+


صك أسنانه وتلفظ يؤكد بإنهيار:
_" أنا مش بريء من دمه وهي قالتها وبكرا عُمر هيقولها وقتها هتبقى أصعب بمراحل... مش هستحمل أشوف نظرة الاتهام في عينين ابنه... الموت أرحملي ألف مرة "

1


هبطت دموعه أمام تلك التي بُهتت من حالته، تراها للمرة الأولى، لم تفهم كامل كلامها كل ما كان يشغلها كيف تحتوي وجعه الحالي، اقتربت منه بحذر حتى لم يعد يفصلها عنه شيء وبهدوء تُحسد عليه عادت تنفض الغبار عن ملابسه وصدره يعلو ويهبط بعنف أسفل يديها ثم رفعت عسليتيها نحوه وقالت بثبات:
_" تقرر ايه اللي مستعد تستحمله وايه لأ في حالة لو حياتك ملكك لواحدك بس انت اختارت تشاركني فيها حتى لو كان ده حصل تحت ظروف خاصة.... عارف يعني ايه؟ "

+



        
          

                
لم يبدي معها أي تفاعل لكنها أكملت بإصرار:
_" يعني أنا أنانية يا شادي و مش هقبل يشاركني فيك ذنب وهمي يبوظ حياتنا، وزي ما بتفكر في صاحبك فكّر فيا أنا محتاجاك أكتر من أي حد، ماتضعفش وخليك معايا، ياخي من باب الحي أبقى من الميت حتى "

3


أنهت حديثها ببسمة متعبة تنتظر أثر كلماتها عليه وعينيها امتلأتا بالحزن والأمل في آنٍ واحد...

+


_" حقيقي شادي فارق معاكِ يا سلمى " كان سؤال مرهق بصوته الأكثر ارهاقًا...

+


ابتسمت بدموع وأومأت بقوة تؤكد في صدق:
_" من وأنا قد كدة وانت فارق في كل حاجة في حياتي، وكل ما أكبر أحتاجلك أكتر لحد ما بقيتش أشوف الحياة دي من غيرك "

1


ثم أمسكت بكفه وقالت بغصة مليئة بالرجاء:
_" عشان خاطري أوعى تستسلم وتسيبني، لسة أضعف من إني أبقى لواحدي "

+


شددت على يديه تستعطفه بإلحاح، تُقدر وجعه وفي ذات الوقت ترفض أن يُسيطر عليه ويأخذه منها بل ومن نفسه، هي خير مَن يعلم عُمق الصداقة والأخوة التي جمعته بصاحبه الراحل لكنه حزن بما يكفي، سمعته يتنهد بثقل ثم شعرت بأصابعه المرتجفة تزيل دموعها، راحت كفه فوق رأسها ثم تحامل على نفسه يُطمئنها رغم افتقاره للطمأنينة:
_" مش هسيبك... اطمني "

+


اتسعت ابتسامتها وتنفست الصعداء ثم تركت رأسها ترتاح فوق صدره لأول مرة في سكينة تامة كأنما تستشعر وجوده أو تُشعره بوجودها، لمسة حية للمواساة وترياق لا ينكر سرعة مفعوله في تخدير الوحش الصارخ داخله.... 

+


_" الله الله الله !!! بقيت قُرني رسمي يا سكر!!!! " انتفضا الاثنان من وقع اللحظة على صوت هادم اللذات الذي اقتحم خلوتهما دون سابق إنذار

5


تفاجأت سلمى و صاحت متعجبة:
_" خالي انت ايه جابك؟! "

+


اقترب ينتزعها بعيدًا عن شادي المندهش من ظهوره المفاجئ وعاد يصرخ فيهما:
_" يعني أصحى من أحلاها نومة وأجري زي العبيط في الشقة ألبس حاجة تسترني وأطلع من الأول للرابع عشان ألحق البيه التعبان اللي بيطوح آجي ألاقيكم بتلوثوا شرفي؟! "

1


اتسعت عيني سلمى وهي تسب بتول داخلها فبالتأكيد هي من أخبرت سكر بينما أمسك شادي رأسه بألم وحقًا ليس بخير لذلك حاول امتصاص غضب ابن عمه قائلًا بهدوء:
_" ماحصلش حاجة يا سكر، سلمى كانت نازلة حالًا "

+


رفع حاجبه ونظر لها بتحفز قائلًا:
_" قدامي يا أم قلب حنين بدل ما اطلبلكم بوليس الآداب "

+


ضحكت بإحراج لكن جادلته بمزاح تقول:
_" هنطلّعله القسيمة ويبقى بلاغ كاذب يا سكر "

1


هنا جذبها بخفة وغيظ من مؤخرة رأسها وهو يردد:
_" مش شاطرة غير في اللماضة... امشي اوديكِ لأمك وحسابي مع أخوكِ لما يرجع "

+



        
          

                
كتمت ضحكاتها ومشت معه بعد أن لمحت ابتسامة شادي وقالت:
_" تصبح على خير يا أبيه "

+


_" وانتِ من أهله يا سلمى " نطقها بهدوء ونبرة مستقرة طمأنة قلبها بعد تلك الليلة العاصفة....

3


---------------

+


في صباح اليوم التالي دخل المقر بسرعة باديًا عليه الخوف يبحث بعينيه في المكان المتواجد به بعض أفراد الفريق حتى وجهه أحدهم لغرفة يامن الذي يرقد فيها بإعياء، يظهر على جسده بعض الجروح وجبيرة توضح وجود كسر في أحد ذراعيه،

+


اقترب منه مصطفى يصيح بلهفة: 
_" يامن انت كويس؟ رجعتوا امتى وفين عز ؟! "

+


فتح يامن عينيه بإرهاق وهو يتأوه وعليه آثار مشقة ليلة أمس ثم قال:
_" حيلك يا عم، خُد نفَسك، احنا تقريبًا بخير.... اقعد "

1


جلس جواره ومازال يسأل في قلق:
_" هو فين الخير ده دا انت مفيش فيك حتة سليمة! " 

+


ضحك الآخر بتعب وقال حانقًا:
" يا اسطى الملافظ سعد! "

+


_" حقك عليا حمدًا لله على السلامة، طمني "

+


رد يامن برضا:
_" الحمد لله على كل حال المهم العملية تمت بأقل الخساير والضحايا كلهم اتسلموا للجهات المختصة، و فيه تنسيق دلوقتي مع السفارات عشان يرجعوا لبلادهم."

+


استوضح مصطفى وقد أطمئن قليلًا:
_" عاش عليكم، فهمني بقى التفاصيل عشان دماغي مش مجمعة حاجة خالص و خصوصًا من لما عرفت أنكم رجعتوا مصر، عز متعود يتم مهماته بنفسه للنهاية "

+


تنهد يامن وهو يهز كتفيه بقلة حيلة:
_" كله لأجل عيون ست نور "

+


رفع الآخر حاجبيه في صدمة وسأل:
_" نور دا ايه؟ ايه وصلها ليكم، مش نور في فرنسا؟ "

+


ضحك يامن بسخرية مردفًا:
_" فرنسا!! دا انت قديم ومعلوماتك أقدم... لا يا سيدي نور من حيث لا ندري ظهرت في نص النار اللي كنا فيها! "

+


لم ينطق مصطفى فقط ظهَر مشدوهًا، فاستكمل الآخر بجدية:
_" بص هي التفاصيل غريبة وربنا نجدنا منها بأعجوبة... الشاحنة كانت من غير فرامل ومفخخة، أول ما السواق اتسحب من مكانه اشتغل المؤقت، وعز كان مخطط يمشي بيها لآخر مدى بعيد عن النطاق المدني "

+


قاطعه مصطفى بتيه:
_"أنا عارف كل ده والمفروض كنّا مأمنين ليه نقطة خروج عند الكوبري، بس... نور دي دخلت منين؟!"

+


يامن بجهل :
_"أهي دخلت من حتة ما حدش يعرفها غير ربنا، واضح إنها راقبت التحركات من الأول"

+


ضغط على قبضته بضجر وصاح:
_" البت دي بقت خطر حقيقي... وعز اتعامل معاها ازاي؟! "

+


_" ناولني العصير ده بس الأول نشفت ريقي " 

+



        
          

                
_" اطفح "

+


ارتشف يامن القليل وهو يضحك بهدوء ثم اعتدل وهو يسترسل كلامه:
_ " عز أمرها تتنقل مع الأطفال للعربية التانية عشان نرجعها البيت، بس هي عاندت ورفضت تسيبه.... و زي ما انت عارف عز كان مأمن معانا نقطة إسقاط عند أول الكوبري، والإحداثيات كانت مع فريق الإنقاذ البحري قبل التحرك، الفرقة كانت متمركزة في المية في انتظاره " 

+


أومأ له الآخر فكل تلك التفصيلات سبق وجهزوها جيدًا لتأمين العملية، أكمل يامن شرحه الصادم:
" بس عز قرر يخليها هي تنط وهو يبعد بالعربية من المكان، احنا كنا سامعينهم في اللاسلكي طبعًا نور ركبت دماغها والصراحة كان باين قد ايه خافت عليه وبدأوا يتجادلوا ... فجأة العربية انحرفت وعلى أقصى سرعتها نزلت الماية بطريقة عشوائية وغير محسوبة إطلاقًا "

+


زفر يستجمع شتاته وعواصف ليلة أمس تضرب برأسه:
_ " أنا قلبي كان هيقف، سيبت الضحايا مع الباقي، ورجعت للمكان فورًا ماكنتش شايف قدامي وكل اللي واصلني على اللاسلكي تشويش وكلام فرقة الانقاذ، شوفت من بعيد نار الانفجار وماحسيتش بنفسي والموتوسيكل بيتقلب بيا فوقت لقيتني في الطيارة وعز جانبي، واللي فهمته منه انهم خرجوا من الشاحنة في الثواني الأخيرة وفرقة الغطس سحبوهم بعيد عن الانفجار "

1


تنفس مصطفى من بين ضيق أنفاسه وقال بخفوت:
_" الحمد لله... هما عاملين ايه دلوقتي؟ "

+


_ "الاتنين بخير... خدوا شوية كدمات وتخدير من البحر، عز كويس بس نور كانت فاقدة الوعي خالص ولما سألت عليها دكتور كارم من شوية قال انها لسة مافاقتش بس حالتها مستقرة " 
------- 

1


بعد ليلة طويلة قضاها جوارها غلبه النعاس رغم ضوء الشمس الذي عبأ الغرفة وجلسته غير المريحة فوق المقعد لكن ثلاثة أيام دون نوم أهلكته حتى أضحى لا يشعر بجسده المُنهمك....

+


_" عز.... " كان نداء هادئ من قِبل أليكسي

+


فتح عينيه بإعياء ليكمل أليكسي بشفقة:
_" حمدًا لله على السلامة، بقيت أفضل؟ "

+


أجابه بإبتسامة ودودة:
_" الله يسلمك يا تميم، ماتقلقش أنا كويس"

1


ضحك أليكسي بخفة وقال مُتفاجأً:
_" أوه! اسمي الغالي أوشكت أنساه، ايه فكرت؟ "

+


انتابه شعور بالحسرة لحاله وحال صديقه ثم تنهد وقال:
_" طول عمرك متغرب عن بلدك وأصلك، على الأقل مايبقاش اسمك كمان! "

2


هز رأسه وحاد بوجهه عن عز يتصنع اللامبالاة:
_" مش هتفرق كتير.... "

+


ثم ضرب جبهته هاتفًا:
_" أوبس نسيت، قوم ليك عندي مفاجأة خطيرة "

+


ضيق عز جفونه واستفسر:
_" أقوم على فين؟ " 

+


_" الغرفة المجاورة مش هتعبك... تحب أشيلك" قالها بمرح فوقف الآخر يرمقه بضجر مزيف وهو يقول:
_" خفيف ياض!، حبة كدمات على كام التواء وشوية دروخة ماتشليتش أنا يعني! "

+



        
          

                
حدق أليكسي فيه بأسى مزيف وقال بخبث:
_" ومن الحب ما قتل "

+


لم يفهمه عز حتى راحت عينيه على نور الراقدة في الغرفة الداخلية حيث يفصلها عنهما زجاج شفاف ثم عاد ببصره لأليكسي الذي قابله بغمزة عبثة، لم يتحمل الآخر نظرته المشاغبة فلكزه بقوة فوق معدته...

+


ثم تركه يتأوه واتجه للخارج فخرج أليكسي خلفه وهو يضحك بألم ويصيح بالروسية:
_" روميو ذو الدم البارد، انتظرني "

2


-----------------

+


داخل أحد الشوارع البعيدة نسبيًا عن محل سكنها، كانت تمشي بحذر وتراقب الطريق بتركيز خشية أن يلمحها أحد ترتدي سترة داكنة غطائها يُخفي شعرها وجزء كبير من وجهها  حتى وصلت لسيارة مظلَّلة النوافذ لتصعد إليها سريعًا....

+


استقرت ليلى جواره وعندها أزالت الغطاء عن رأسها وقالت:
_" معايا نص ساعة عشان أرجع قبل ما يشكوا في غيابي"

+


التفت لها ذلك الشاب الغامض بملامحه الحادة ثم قال في جدية ادهشتها :
_" مش شايفين منك جديد وفات أكتر من شهرين على وجودك هنا "

+


كتمت ضيقها وقالت بعملية:
_" وفكرك هكسب ثقة عميل استخباراتي في شهرين بس! الموضوع مش سهل و بكر مش غبي عشان يآمن لي"

+


_" يعني ايه؟ "

+


_" أنتم عارفين انه مراقبني من يوم ما عرف بوجودي، وكان مخترق تليفوني وبيسمع كل مكالماتي من البداية وحبكت الكذبة وصدق أني هربانة من ظلم عيلة أمي بمساعدة عمي ابراهيم، بس كل السناريو ده يخليه يادوب يتعاطف معايا، انما مش هيحط قدامي لابتوب عليه أسرار دولة وأسماء مناصب في الجهاز "

1


لم يهتم بمنطقية حديثها بل رفع لها هاتفًا وقال:
_" الباشا عايزك "

+


التقطت نفسًا كاستعداد ثم وضعته على أذنها ليصلها تعليمات جديدة جعلتها تسأل بلغة أجنبية:
_" وما الذي يجبرني على اتخاذ مثل هذا الدور سيدي؟ " 

+


حلت الصدمة على ملامحها تدريجيًا وهي تستمع للأوامر لكن لم تستطع غير أن ترد بطاعة:
_" أجل فهمت سأبدأ التنفيذ"

+


أغلقت المكالمة بإنزعاج واضح ثم نظرت للذي يجاورها وسألته وتتمنى داخلها أن ينفي:
_" كان عندك علم بالأوامر دي؟ "

+


تهرب من نظراتها قائلًا بعدم اكتراث:
_" طبيعة شغلنا وماينفعش نعترض، متعاهدين نقدم لهم فروض الولاء والطاعة "

+


جذبت وجهه نحوها وسألته بحزم:
_" والعهد اللي بينا "

+


ضحك ساخرًا يسألها بدعي عدم الفهم:
_" ماله احنا علاقتنا زي ما هي تخلصي مهمتك وترجعيلي "

+


لم تصدق البساطة التي يتحدث بها لكنها هزت رأسها عدة مرات ونبست بتهكم:
_" صح معاك حق.... سلام "

+



        
          

                
أمسك يدها قبل أن تهبط وقال في لهفة:
_" ايه ده رايحة فين، استني شوية "

+


نظرت له تنتظر منه اعتراضًا يوحي بحبه ودفاعه عن ذاك الحب لكن تبخرت آمالها حينما لمحت نظرات قذرة تسكن عينيه قبل أن يميل نحوها وكاد يقبلها لكن كانت الأسرع حينما دفعته بإشمئزاز وهي تردف في سخرية ممزوجة بالحزن:
_" نأجل الكلام ده لما أخلص مهمتي و... أرجعلك" 

1


كان آخر كلامها قبل أن تغادر المكان بقلبٍ يأن متعبًا وروحٌ أرهقها الاستعباد....

+


-------------------

+


أما في تلك الحارة البسيطة كان نوح داخل محل الجزارة منهمكًا في عمله ويبدو أنه منشغلًا بأمرٍ ما يجعله يشرد بين الحين والآخر..

+


_" سيب اللي في ايدك يا نوح وتعالى عايزك " قالها صاحب العمل الجالس أمام محله يدخن في الأرجيلة بأريحية...

+


خلع نوح الرداء المطبخي ونظف يديه سريعًا ثم اتجه نحوه يقول:
_" نعم يا معلم "

+


_" نعم الله عليك، شد كرسي واقعد"

+


فعل ما طلبه على عجل وجلس ينتظر حديثه فوضع الرجل ما بيده على الطاولة أمامه ثم سأل في توجث:
_" انت ايه أحوالك مع عمتك وبناتها بعد اللي حصل؟ "

+


غُمت ملامحه لكنه أوضح بعقلانية:
_" ماحصلش حاجة يا معلم، دي عمتي وفي مقام أمي وبناتها اخواتي وهيفضلوا كدة دايمًا "

+


سكت الرجل للحظة يطالعه عن كثب ثم عاد يسأل:
_" طب وجوز عمتك مفيش أخبار عنه!؟ "

+


نفى نوح قائلًا:
_" لا مفيش للأسف، الغايب حجته معاه " 

+


_" أيوة يعني، بس انت خرجت من حبستك يقوم هو يختفي حاجة توغوش ولا ايه؟ "

+


فهم نوح تلميحه جيدًا فجاء رده صريح يُظهر انزعاجه:
_" لو بإيدي أعرف مكانه وأرجعه مش هستنى حد يقولهالي يا معلم، دا مهما كان الراجل اللي اتربيت في بيته ١٩ سنة وأنا أول واحد أقلق عليه "

+


ضحك الرجل بفظاظة وهو يقول:
_" حيلك حيلك انت فهمت ايه! صلي على النبي أومال أنا عايز أقولك انك دلوقتي مكانه لحد ما يرجع من مطرح ما هو مخفي "

+


عقد حاجبيه يستوضح:
_" قصدك ايه يعني؟ "

+


تنحنح الآخر يتحدث وهو يضبط شاربه:
_" أنا عارف ان الست عتاب مكافحة وواكلها بعرق جبينها عشان تكفي بيتها وبناتها وأنا داري بالظروف وشاري بحلال ربنا "

+


صُعق نوح في جلسته وصاح بضجر:
_" ايه الكلام ده يا معلم؟ هو حد قال لحضرتك ان جوزها مات ازاي تفكر في حاجة زي دي!! ، لا اسمعني بقى...  "

+


قاطعه الآخر بصوتٍ مرتفع:
_" اسمعني انت وأقعد، انت على طول مستعجل كدة؟! سيبني أخلص كلامي "

1



        
          

                
_" كلام ايه يا معلم هو فيه كلام بعد اللي فهمته ده؟ "

+


جذبه الرجل ليجلس أمامه مرة أخرى وقال بضيق:
_" وانت لحقت تفهم حاجة، أنا مابتكلمش على أم سُهى قطع لساني دي ست متجوزة.... أستغفر الله العظيم هتركبنا الغلط ليه يابني بس؟ " 

+


هدأ نوح أخيرًا ومسح على وجهه قبل أن يتجمد مكانه حينما أكمل الرجل بخبث:
_" أنا قصدي على سهى ست الصبايا..... أنا طالبها في الحلال قلت ايه؟ "

2


-----------------

+


امتصت المفاجأة الهواء من حوله، فتجمد في مكانه كمن صُعق، حتى باتت دقات قلبه تضج داخل أذنيه، وصار وجهه باهتًا ساكنًا، عينيه ثبتت على الشاشة أمامه وعقله ذهب في متاهة مُظلمة، بينما يقف أليكسي يتابعه بنظرات مُشفِقة، وحينما طال صمته قلق عليه وتقدم يُحيط كتفيه بذراعه، وكأن لمسته تلك كانت المفتاح وبها أُفرج عن دمعتين كانتا محتجزتين في مقلتيه الجامدتين.

+


_" هي فين؟ " هكذا شق الصمت بنبرة مختنقة

+


فأشار أليكسي للشاب الذي أوصل له الصور ليخرج، وتبقى هو مع عز فقط في المكان ثم أجابه بنبرة مبشٍّرة:
_" موجودة عز، في مكان قريب وآمن... مع أكتر شخص يقدر يحميها بعدك "

1


لم ينتبه السراب لمقصده بل شد أعصابه بقوة يحكم شهقاته النادرة ولم يقوَ على طرح سؤاله الثاني فقط تحركت رأسه ففهم أليكسي ونبس بتأنٍ كأنه يخشى أن يجرحه بصوته:
_" الأول اهدأ وأنا هفهمك كل حاجة، تمام! "

+


أماء برأسه كطفل ضائع واستجاب لصديقه الذي أجلسه أمامه ثم مهد له قائلًا:
_" عز أنا مش عارف اللي هقوله هيفرحك ولا هيخوفك لكن واثق انه يهمك بشدة "

+


كان يتحدث وعينا الآخر بل وقلبه متعلقان بصورتها المعروضة على الشاشة، كأنما روحه حلقت إليها دون إذن مُسبق...

+


_" في مصر؟ " كان سؤال خافت من قِبل عز 

+


فأكد له أليكسي قائلًا:
_" صح هي في مصر.... بتول في مصر بس أنا مش قادر أتكلم و ده حالك... ماتخيلتش الخبر يأثر فيك أوي كدة " 

+


_" ولا هتتخيل" همس بها ونبرته تتفتت بين شهقة ودمعة، قبل أن يدفن وجهه داخل كفيه في صمتٍ مهزوم واللحظات تمر بطيئة موترة...

+


هدّأ ذاته بصعوبة وتنفس يتظاهر بالثبات وهو يرفع عينيه في الشاشة مرة أخرى آمرًا:
_" احكي " 

+


أومأ له أليكسي بإبتسامة داعمة وقال:
_" الراجل اللي كان هنا من الناس اللي مصطفى كلفهم يراقبوا سيف حسب طلبك"

+


_" سيف! " نطقها عز بحيرة ثم أضاف:
_" وايه دخل سيف في.... " 

+


بتر جملته واتسعت حدقيته يستوعب ما قاله أليكسي في البداية، انتفض واقفًا ينظر له كأنه يراه للمرة الأولى، فحرك الآخر حاجبيه بخفة وهو يلقي ببُشرته:
_" بتول مع سيف يا عز، هو أخدها من عمها "

+


قالها تزامنًا مع ضغطه على زر في جهاز التحكم فظهرت الصورة كاملة، كانت هي بجوار توأمه على احدى الألعاب الشائعة في الملاهي....

+


شلَّت الصدمة لسانه فقط صمت يُدرك ما يتلقاه، يُحملق في الصورة كأنه يطبعها داخل عقله قبل أن تشق وجهه الجامد ابتسامة غريبة بدأت مكذبة، ثم انقلبت لأخرى تحمل مزيجًا من المشاعر... تتصدرها فرحة لم يتخيلها يومًا، وهو يتمتم بتيه:
_" يعني مش معاهم ومش في خطر؟ "

+


هز أليكسي رأسه عدة مرات بتأكيد:
_" بالظبط، بعيد عن الكل صدقني أنا اتأكدت بنفسي، عز صغيرتك على ما يُرام "

+


وكم أثلج قلب السراب بكلماته! فخرجت منه ضحكة أقرب للبكاء، نعم يبدو للبعض مجنونًا لكن وللحق له كلَّ الحق، كيف لا وهو يرى العالم أمامه مختصرًا في قُرتيْ عينه، شِقَّي قلبه مجتمعَان في لوحة واحدة بالطبع ستكون الأغلى على الاطلاق.....

+


أقبل عليه أليكسي يسأله في تريث:
_" انت بخير؟ "

+


غطى عز عينيه بكفه يواصل ضحكه الشبيه بزفرة النجاة وفرحة الوصول، بعدها رفع يديه لشعره يسحبه للخلف يُعيد عينيه للشاشة ورأسه بدأت تتحرك يمينًا ويسارًا ثم ذهب بناظريه لأليكسي المنتظر ردِّه وأجاب:
_" عمري ما كنت بخير زي دلوقت، أنا اتنفست "

+


ثم فاجأه حينما ضمه بقوة يردد عبارات كثيرة أوضحها:
_" كان حلم بعيد وتعبني، الأمل مَلّ مني وبدأت أصدق إني بجري ورا سراب وعمري ما هوصل"

+


بادله الآخر العناق يقول بسعادة لأجله فهو كثيرًا ما شهدَ معاناته:
_" مبروك عز أتمنى تجتموا قريبًا " 

+


شدد عز من احتضانه كأنه يشكره دون لفظ وقلبه يبتهل بحمد ربِّه، أما عن عقله والمنطق فأبعد ما يكونان عنه، لا يريد التفكير سوى في وجودها القريب، مرت لحظات مؤثرة حتى حمحم أليكسي وادّعى الضيق وهو يصيح بلٌغةٍ روسية:
_" سنايبر الوضع أصبح مثيرًا للشكوك عزيزي، كما أنك بلَّلت قميصي يا رجل "

+


في ثانية دفعه عز عنه بغيظ مصطنع وهو يسبه ضاجرًا مما جعل الآخر ينفجر في الضحك وهو يُردد:
_" مقدر مشاعرك العجيبة دي لكن القميص جديد وهيفركش"

+


ضحك الآخر رغمًا عنه وهو يمسح وجهه بإحراج وقال مصححًا:
_" قصدك هيكرمش " 

1


_" آه هي دي "

+


تركه عز واقترب يأخذ جهاز التحكم وابتسامته لا تفارق وجهه يستكمل رؤية باقي الصور القليلة ومازال يرفض السؤال عن شيءٍ آخر، كيف وصلت بتول لسيف أو منذ متى معه؟ ولماذا؟!، لم يُرِد أن يُفسد لحظةً طالما حلمَ بها، كأنما قلبه أغلق على فرحته فقط يتشرب منها حتى يرتوي....

1


----------------☆☆☆☆☆☆

+


البارت قصير لذلك هنكمل يوم الخميس ان شاء الله ♥️

3


لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا في كل بقاع الأرض، دمتم في أمان الله ♥️ 

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close