رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم ملك علي
= 25 =البارت الخامس و العشرون حظ عاثر 
********************************
لم تستسغ ملك الاقتراح , فكيف تتطلق من رجل , لا تعترف أساسا أنها زوجته و عبس وجهها بشدة
لاحظ المحامي الأمر فأضاف لطمأنتها
"سيدتي أنا فقط أحاول مناقشة الحلول الممكنة , و الطلاق هو آخرها و أصعبها على الأرجح "
هزت ملك رأسها و ضبطت أعصابها , و استمرت في الاصغاء لما يقوله المحامي
" و لكن حتى و إن ألغينا القرار و استعدت جواز سفرك , لا يمكنك المغادرة من هنا ,
لأنك مطلوبة على ذمة قضية محاولة التهريب ,
لم تبرئي منها تماما و أطلق سراحك بكفالة فقط ,
يعني لا يمكنك المغادرة إلا إذا صدر الحكم لصالحك , و إلا استوقفوك مجددا في المطار ,
و إذا حصل ذلك فلن يقبل طلب كفالة مجددا , لأنك ستكونين حينها قد خرقت القانون ,
و ستضطرين إلى المكوث في السجن إلى أن يفصل في القضية , القوانين صارمة في هذا الموضوع "
قاطعته ملك
" و لكنني لا أعرف كيف وصلت تلك القطعة إلى حقيبتي , أكيد هو من دسها لي , تلك خدعة منه "
وافقها المحامي مباشرة
" ربما أنت محقة سيدتي , و لكن حتى لو جاء ذلك الرجل الآن و اعترف بالأمر , و هذا شيء مستبعد ,
إلا أن ذلك لا يغير في القضية شيئا , و سنكون مجبرين على انتظار الفصل فيها , من طرف المحكمة و حصولك على البراءة "
كان المحامي يحاول تحليل القضية , بعيدا عن اعتراف ملك بالزواج من عدمه ,
رغم شكه في الأمر في البداية , إلا أن كل تلك الأوراق تثبت حصول الزواج ,
إضافة إلى أنه كان شبه متأكد , أن علي من دس القطعة في حقيبتها لمنعها من المغادرة ,
لكن ذلك لم يكن ليغير أي شيء , فالكلام دون أدلة لا وزن له .
شعرت ملك بالخوف لما قاله
" و متى يحكم في القضية , يعني فرضا أنني استرجعت جواز سفري ,
متى يمكنني الحصول على الحكم بالبراءة ؟ "
قطب المحامي جبينه
" حسنا سيدتي لن أكذب عليك , يمكن أن تستمر القضية لشهور , قبل عقد أول جلسة في المحكمة ,
هذا يرجع إلى برنامج القضايا , لا يمكن لأحد التدخل به , نحن فقط ننتظر الاستدعاء للذهاب و الحضور "
فزعت ملك مما قاله
" شهور ؟
لكنني لا يمكنني البقاء هنا كل هذه المدة لدي عملي و دراستي , لدي عائلتي و حياتي ,
يا الهي لا يمكنني المكوث هنا "
" آسف سيدتي ,
لكن هذا آخر ما يجب أن تقلقي بشأنه ,
التهمة ليست بسيطة , قد يصل الحكم فيها إلى عشرة سنوات , و القضاء عادة يأخذ وقته للفصل فيها "
صمت المحامي قليلا و بعد تفكير بسيط أضاف
" اسمعي سيدتي إذا أردت رأيي , فأنا أنصحك بأن ترتبي الأمور مع هذا الشخص الذي يقول بأنه زوجك ,
و ان تصلي إلى تسوية معه ,
أولا لأن ورقة الملكية التي بيده هي مفتاح براءتك , لن تكون ذات قيمة إن استمررت في إنكار الزواج
, لأنك حينها لن تكوني مالكة للقطعة ,
و سيتأزم موقفنا في القضية , و ستثبت التهمة عليك لا محال
ثانيا و هذا الأهم , ذلك الرجل له وزنه في المجتمع , و رجل أعمال بنفوذ رهيب ,
يعني سواء قضية الطلاق التي اقترحتها أو قضية التهريب , قد تتأجلان لسنوات بإشارة من أصبعه ,
المحامي الذي يستخدمه ثعلب معروف بألاعيبه , و يجيد استغلال الثغرات القانونية ,
بإمكانه توريطك تماما كما بإمكانه إخراجك ببراءة من أول جلسة "
قال متر جوزيف بكل صدق ناصحا ملك بالتروي , و التوقف عن تحدي علي و إنكار العلاقة بينهما , لأنها ستكون الخاسر الوحيد في النهاية
" سنوات ؟ "
قالت ملك بكل دهشة , و لم تسمع حتى ما أضافه المحامي في الأخير ,
كانت كمن وقعت صاعقة على رأسه ,
هي اعتقدت أن الأمر سيأخذ بضعة أيام في أسوء تقدير , و لكن المحامي هنا يتكلم عن سنوات , و
احتمال بالذهاب الفعلي إلى السجن ,
أي كابوس هذا الذي تعيشه ؟
فكرت ملك في حياتها عائلتها عملها مستقبلها ,
هل ستخسر كل هذا بسبب لعبة سخيفة , من مجنون لا تعرف هدفه مما فعله ؟
لاحظ الرجلان ارتباكها و حيرتها , فحاول المحامي تخفيف وطأة الأمر عليها فأضاف
" سيدتي إذا أردت التحاور معه بكل هدوء , أنا مستعد لمرافقتك و اقتراح حلول في صالحك "
نظرت اليه ملك بتشوش , فهي لم تكن تريد أن تكلم ذلك الرجل , و لا أن تتوسله للتراجع عما فعله ,
في آخر لقاء بينهما في المستشفى , بدا مصرا على ما فعله , و لم يبد حتى بعض الندم , بالعكس كان ينتظر انهيارها و اعترافها بما يريده
و لكن المحامي الآن سد كل الطرق في وجهها ,
لم تعرف فيما تفكر و ماذا عليها أن تفعل ؟
بعد الحوار لأكثر من ساعتين , لم تحزم ملك أمرها بالتوجه إلى ذلك الرجل من عدمه ,
الآن فقط أدركت لم لم يظهر أمامها مجددا ؟
لم تركها ترحل من المستشفى بكل بساطة ؟
لأنه يعرف أنها هي من سيبحث عنه , و يتوسله للعفو عنها و تركها ترحل .
لم يعد المحامي لديه الكثير ليقوله , في نهاية اللقاء وقفت ملك استعدادا للمغادرة , و سلمها جوزيف بطاقة عمله
" تفضلي سيدتي ,
هذه معلوماتي اتصلي بي حينما تتوصلين إلى قرار , و أنا سأكون جاهزا للمساعدة "
أخذت ملك البطاقة دون أية تعابير على وجهها و شكرت المحامي ,
يبدو أنها لا تحصل إلا على البطاقات , منذ وصولها إلى هذا المكان ,
حينما همت بالخروج فتحت حقيبة يدها , للبحث عن محفظتها و وضع البطاقة داخلها ,
فجأة توقفت عند المدخل شحب وجهها و شلت يدها
" محفظتي لا أجدها "
صرخت بفزع و بدأت بالبحث كالمجنونة دون جدوى , أفرغت بعدها حقيبتها كلها على مكتب السكرتيرة , التي كانت تساعدها في التفتيش ,
لكن لا أثر للمحفظة , كان واضحا أنها تعرضت للسرقة ,
فقدت ملك كل قوتها و جلست على الكرسي , فلم تعد رجلاها تحملانها ,
و بادر عبد الحفيظ بالسؤال
" ابنتي ما الذي فقدته بالتحديد ؟ "
نظرت إليه ملك بكل يأس و أجابت
" محفظتي الخاصة بها بطاقة التسليف فيزا , مبلغ من المال و هاتفي كان معلقا في طرفها "
سأل المحامي
" متى استعملتها آخر مرة ؟ "
أطرقت ملك رأسها تحاول التركيز
" الكارت أول أمس حينما أقفلت حسابي في الفندق ,
و الهاتف صباحا اتصلت بوالدتي و بالسيد عبد الحفيظ "
إذا فقد سرقت أثناء قدومها إلى هنا , انزعجت ملك بشدة
" هل سوء حظها وصل الى هذه الدرجة ؟ "
سألت نفسها و فجأة لمعت فكرة في رأسها
" هل يعقل أن هذه مجرد سرقة عادية ؟
هي هنا منذ أيام لم تفقد شيئا , لم تتعرض للسرقة الآن بالذات ؟
هل لهذا الأمر أيضا علاقة بذلك الرجل ؟ "
زاد الخوف في قلبها من هذا الاحتمال , لو كان صحيحا إذا فلا نية لهذا الرجل بالتوقف قريبا ,
كلما اعتقدت بأنه وصل حده و استنفذ خدعه , تظهر مصيبة تنسيها كل ما سبق ,
كيف أصبح حظها عاثرا فجأة , و لم يبدو بأنها تورطت مع رئيس مافيا أو زعيم عصابة ؟
الأسوء الآن ليس بطاقة ائتمانها , فهي تحتفظ ببعض السيولة في حقيبتها في المنزل ,
هي عادة لا تضع كل أموالها في مكان واحد تحسبا لحوادث كهذه
لكن المشكلة في هاتفها , الذي يحوي كل أرقام عائلتها ,
هي لا تحفظ أي رقم غير رقمها , و الآن لا توجد أية وسيلة اتصال بوالديها
لا يمكنها تخيل الرعب الذي سيعيشانه , إن لم يتمكنا من التواصل معها
" لنذهب الى قسم الشرطة لنقدم شكوى , كلما كان أسرع كلما كانت فرصتنا في استعادة الأغراض أكبر "
قال عبد الحفيظ و غادر مع ملك و المحامي متجهين إلى قسم الشرطة .
.
.
.كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحا , حينما تلقى عبد الحميد مكالمة من الشخص ,
الذي طلب منه التحري بخصوص الخطأ في حجز ملك
لكن الرجل فاجأه
" سيدي آسف لاخبارك بأن الحجز لم يلغى , و لكن السيدة احتجزت في المطار بسبب قرار حظر للسفر "
طبعا الرجل دبلوماسي قديم , لا يعقل ألا يعرف ما تعنيه هاته الكلمة
" و لكن كيف صدر هذا في حقها ؟
الشابة هناك منذ بضعة أيام فقط كيف حدث هذا ؟ "
رد الرجل بكل احترافية
" لا أدري سيدي لم يذكر السبب , لكن العاملين في مكتبنا في المطار , أكدوا لي أن السيدة أوقفت قبل يومين و هي بصدد التسجيل على رحلتها ,
و منعت من الصعود إلى الطائرة , لا علاقة لخطأ بالحجز بالموضوع "
شكر عبد الحميد الرجل على خدمته و شعر بالسوء , هو يعرف ملك منذ كانت طفلة فهو مقرب من العائلة كلها ,
صحيح أنه لم يزرهم منذ مدة , لكن لا يعقل أن تتغير أخلاق الفتاة بين ليلة و ضحاها , ليصدر في حقها قرار حظر سفر ,
لم يرد عبد الحميد التسرع في الحكم , كما لم يرد إيصال الخبر سريعا إلى والدها , قبل أن يعرف ملابسات القصة كلها ,
بمجرد دخوله مكتبه إتصل بسفارة الجزائر في أبو ظبي , بعد تقديم نفسه طلب إفادته بمعلومات عن القضية ,
كان السكرتير العام من تحدث إليه , و الذي كان على اطلاع بالأمر من بدايته ,
و لكنه لم يخض في أية تفاصيل , بل أعطاه رقم عبد الحفيظ , بعد أن أخبره أنه يعمل في القنصلية في دبي ,
و أن السفارة كلفته بتولي الموضوع , و بالتالي فهو أفضل شخص سيفيده في القضية ,
بعد انهاء المكالمة مباشرة إتصل عبد الحميد بعبد الحفيظ , ليفهم ما الذي يجري بالضبط ,
أثناء ذلك كان هذا الأخير يرافق ملك و المحامي , في مركز الشرطة لتقديم شكوى السرقة
و لكنه ما لبث أن غادر بسبب انشغاله ,
كان قد برمج الصبيحة لمرافقة ملك , ثم التفرغ لمسؤولياته بعد الظهر ,
لكن بما أن المسالة أصبحت قضية سرقة , فقد استأذن تاركا ملك مع المحامي و انصرف ,
في طريقه إلى مكتبه , تلقى اشعارا من السفارة باتصال من الجزائر , بعدها مباشرة إتصل به عبد الحميد
" مرحبا أنا عبد الحميد تيجاني , دبلوماسي من وزارة الخارجية "
قدم الرجل نفسه باختصار
" و أنا عبد الحفيظ شايب , مسؤول من قنصلية الجزائر في دبي مرحبا "
دخل عبد الحميد بعدها مباشرة في الموضوع
" أنا أريد الاستفسار عن مشكلة ملك الصافي , السكرتير العام قال أنك المسؤول عنها "
أخذ عبد الحفيظ نفسا عميقا و أجاب
" أجل سيدي هل تعرفها ؟ "
" ابنة صديق مقرب لي "
تنهد عبد الحفيظ و هو يحاول ترتيب كلماته
" في الحقيقة سيدي المسألة شائكة بعض الشيء "
بعدها قص عليه كل ما حدث , منذ تكليفه بالاهتمام بقضيتها إلى هذه اللحظة ,
ما قاله صدم عبد الحميد , الذي بقي صامتا لمدة بعد انتهائه
" غير معقول أكيد هناك التباس في مكان ما ,
هذه الشابة أنا أعرفها جيدا و أعرف تربيتها , أخلاقها حسنة لا يمكنها فعل ذلك "
" لا أدري سيدي بما أجيبك , و لكن إذا كنت تتحدث عن الزواج دون علم والديها , فالأوراق التي قدمها الرجل الذي يقول أنه زوجها صحيحة ,
و قد تأكدت منها بنفسي , بعدما اتصلت بمسؤولين أصدقاء لي في المغرب , قاموا بالتحري عن الموضوع و لا لبس عليه ,
أما مشكلة التهريب فالمحامي يعتقد أنها من تدبير زوجها , لاجبارها على البقاء هنا و عدم العودة ,
بعدما يئس من إقناعها بذلك , لكن لا شيء مؤكد "
لم يعرف عبد الحميد بما يجيبه
" ألا يعقل أنه شرك من أحدهم ؟ "
" لا أظن سيدي الرجل شخصية عامة مهمة , رجل أعمال ثري لا فائدة له من ادعاء الأمر , و إحداث شبهات حول اسمه ,
إضافة إلى أنه كان جد مهتم و متفهم معها , دفع مبلغا هاما من المال لإخراجها بكفالة ,
و أوكل القضية إلى افضل المحامين ,
رغم أنها أنكرت أية علاقة به , إلا أنه لا يدخر جهدا لتبرئة اسمها ,
أعتقد أنها تفعل ذلك بسبب حالتها النفسية , أو ربما بسبب خوفها من ردة فعل والديها "
مسح عبد الحميد وجهه بيديه باستياء و استرسل
" و ما الذي قاله المحامي ؟ "
" صراحة لم يكن متفائلا , قد يطول الأمر لأشهر قبل الحصول على براءتها ,
إضافة أن الغاء القرار يتطلب تراجعا من زوجها
و هذا الأخير يرفض فعل ذلك نهائيا , ليس قبل أن تضع مولودها و يطمئن على سلامته "
شعر عبد الحميد بالدوار لكل ما سمعه , حينما اتصل به صديقه اعتقد أن الأمر بسيط , ينتهي باتصال هاتفي ,
لم يعلم أن قنبلة نووية في طريقها إلى الانفجار في وجهه ,
هو الآن فعلا لا يعرف كيف يوصل كل هذه المعلومات المفجعة إلى صديقه ,
إذا كان هو الشخص الغريب , و قد صدمه ما سمعه كيف سيكون رد فعل والدها ؟
" لم لم تعلم عائلتها لحد الآن ؟ "
سأل معاتبا عبد الحفيظ الذي برر موقفه
" اقترحت ذلك عليها و لكنها رفضت ، قالت إنها لا تريدهم أن يعلموا بالأمر حاليا ,
و أنا وافقت لأنها ليست قاصرا , كما أن الموضوع حساس "
" و أين هي الآن ؟ "
" في مكان آمن تحت مسؤولية السفارة , لا داعي للقلق سيدي "
صمت عبد الحميد مجددا قبل أن يقول
" سيد عبد الحفيظ ,
أنا سأبلغ والدها الآن لأنه قلق جدا بشأنها , و سأمرر له رقمك لأنني متأكد أنه سيريد الاطمئنان على ابنته ,
و على الأرجح سيأتي بنفسه لرؤيتها , و لكنني لن أقول كل التفاصيل التي أخبرتني بها حاليا ,
هو رجل مريض بالقلب و قد يصاب بنوبة , و أنا أتمنى عليك إن اتصل بك ألا تخبره كل ما أخبرتني إلا بترو "
رد عبد الحفيظ بكل تفهم
" لا مشكلة سيدي أنا في الخدمة إن أراد المجيء , فقط اتصل بي و أعلمني سأرافقه "
بعد شكر عبد الحفيظ و توصيته على الاعتناء بملك , أغلق الخط و هو لا يزال تحت الصدمة من هول ما سمعه .
بعد أن تردد لبعض الوقت ، قرر عبد الحميد أن يبلغ عز الدين , لأن تضييع الوقت لا معنى له ,
و هو مجبر في النهاية على إخباره ,
في هذه الأثناء كان عز الدين في مكتبه , يحاول دراسة ملف مريض , سيجري له عملية في الغد ,
بمجرد أن لمح رقم صديقه حتى سارع للرد
" صباح الخير عبد الحميد كيف حالك ؟ "
" صباح الخير عز الدين "
قال بصوت محبط
لطالما نعته صديقه بالجزار , مناداته بكل جدية بهذا الشكل منحته شعورا سيئا جدا
" هل لديك أية أخبار عن وضعية ملك ؟ "
سأل مباشرة دون مقدمات
بعد تردد لدقائق أجاب صديقه
" في الحقيقة الشخص الذي سألته , قال أن الأمر لا علاقة له بخطأ في الاجراءات ,
و لكن هناك قرار بمنع السفر يخص ملك , لذلك قاموا بتوقيفها قبل مغادرتها "
بعد دخول والد ملك بكل ثقله على الخط ما هي توقعاتكم ؟
********************************
لم تستسغ ملك الاقتراح , فكيف تتطلق من رجل , لا تعترف أساسا أنها زوجته و عبس وجهها بشدة
لاحظ المحامي الأمر فأضاف لطمأنتها
"سيدتي أنا فقط أحاول مناقشة الحلول الممكنة , و الطلاق هو آخرها و أصعبها على الأرجح "
هزت ملك رأسها و ضبطت أعصابها , و استمرت في الاصغاء لما يقوله المحامي
" و لكن حتى و إن ألغينا القرار و استعدت جواز سفرك , لا يمكنك المغادرة من هنا ,
لأنك مطلوبة على ذمة قضية محاولة التهريب ,
لم تبرئي منها تماما و أطلق سراحك بكفالة فقط ,
يعني لا يمكنك المغادرة إلا إذا صدر الحكم لصالحك , و إلا استوقفوك مجددا في المطار ,
و إذا حصل ذلك فلن يقبل طلب كفالة مجددا , لأنك ستكونين حينها قد خرقت القانون ,
و ستضطرين إلى المكوث في السجن إلى أن يفصل في القضية , القوانين صارمة في هذا الموضوع "
قاطعته ملك
" و لكنني لا أعرف كيف وصلت تلك القطعة إلى حقيبتي , أكيد هو من دسها لي , تلك خدعة منه "
وافقها المحامي مباشرة
" ربما أنت محقة سيدتي , و لكن حتى لو جاء ذلك الرجل الآن و اعترف بالأمر , و هذا شيء مستبعد ,
إلا أن ذلك لا يغير في القضية شيئا , و سنكون مجبرين على انتظار الفصل فيها , من طرف المحكمة و حصولك على البراءة "
كان المحامي يحاول تحليل القضية , بعيدا عن اعتراف ملك بالزواج من عدمه ,
رغم شكه في الأمر في البداية , إلا أن كل تلك الأوراق تثبت حصول الزواج ,
إضافة إلى أنه كان شبه متأكد , أن علي من دس القطعة في حقيبتها لمنعها من المغادرة ,
لكن ذلك لم يكن ليغير أي شيء , فالكلام دون أدلة لا وزن له .
شعرت ملك بالخوف لما قاله
" و متى يحكم في القضية , يعني فرضا أنني استرجعت جواز سفري ,
متى يمكنني الحصول على الحكم بالبراءة ؟ "
قطب المحامي جبينه
" حسنا سيدتي لن أكذب عليك , يمكن أن تستمر القضية لشهور , قبل عقد أول جلسة في المحكمة ,
هذا يرجع إلى برنامج القضايا , لا يمكن لأحد التدخل به , نحن فقط ننتظر الاستدعاء للذهاب و الحضور "
فزعت ملك مما قاله
" شهور ؟
لكنني لا يمكنني البقاء هنا كل هذه المدة لدي عملي و دراستي , لدي عائلتي و حياتي ,
يا الهي لا يمكنني المكوث هنا "
" آسف سيدتي ,
لكن هذا آخر ما يجب أن تقلقي بشأنه ,
التهمة ليست بسيطة , قد يصل الحكم فيها إلى عشرة سنوات , و القضاء عادة يأخذ وقته للفصل فيها "
صمت المحامي قليلا و بعد تفكير بسيط أضاف
" اسمعي سيدتي إذا أردت رأيي , فأنا أنصحك بأن ترتبي الأمور مع هذا الشخص الذي يقول بأنه زوجك ,
و ان تصلي إلى تسوية معه ,
أولا لأن ورقة الملكية التي بيده هي مفتاح براءتك , لن تكون ذات قيمة إن استمررت في إنكار الزواج
, لأنك حينها لن تكوني مالكة للقطعة ,
و سيتأزم موقفنا في القضية , و ستثبت التهمة عليك لا محال
ثانيا و هذا الأهم , ذلك الرجل له وزنه في المجتمع , و رجل أعمال بنفوذ رهيب ,
يعني سواء قضية الطلاق التي اقترحتها أو قضية التهريب , قد تتأجلان لسنوات بإشارة من أصبعه ,
المحامي الذي يستخدمه ثعلب معروف بألاعيبه , و يجيد استغلال الثغرات القانونية ,
بإمكانه توريطك تماما كما بإمكانه إخراجك ببراءة من أول جلسة "
قال متر جوزيف بكل صدق ناصحا ملك بالتروي , و التوقف عن تحدي علي و إنكار العلاقة بينهما , لأنها ستكون الخاسر الوحيد في النهاية
" سنوات ؟ "
قالت ملك بكل دهشة , و لم تسمع حتى ما أضافه المحامي في الأخير ,
كانت كمن وقعت صاعقة على رأسه ,
هي اعتقدت أن الأمر سيأخذ بضعة أيام في أسوء تقدير , و لكن المحامي هنا يتكلم عن سنوات , و
احتمال بالذهاب الفعلي إلى السجن ,
أي كابوس هذا الذي تعيشه ؟
فكرت ملك في حياتها عائلتها عملها مستقبلها ,
هل ستخسر كل هذا بسبب لعبة سخيفة , من مجنون لا تعرف هدفه مما فعله ؟
لاحظ الرجلان ارتباكها و حيرتها , فحاول المحامي تخفيف وطأة الأمر عليها فأضاف
" سيدتي إذا أردت التحاور معه بكل هدوء , أنا مستعد لمرافقتك و اقتراح حلول في صالحك "
نظرت اليه ملك بتشوش , فهي لم تكن تريد أن تكلم ذلك الرجل , و لا أن تتوسله للتراجع عما فعله ,
في آخر لقاء بينهما في المستشفى , بدا مصرا على ما فعله , و لم يبد حتى بعض الندم , بالعكس كان ينتظر انهيارها و اعترافها بما يريده
و لكن المحامي الآن سد كل الطرق في وجهها ,
لم تعرف فيما تفكر و ماذا عليها أن تفعل ؟
بعد الحوار لأكثر من ساعتين , لم تحزم ملك أمرها بالتوجه إلى ذلك الرجل من عدمه ,
الآن فقط أدركت لم لم يظهر أمامها مجددا ؟
لم تركها ترحل من المستشفى بكل بساطة ؟
لأنه يعرف أنها هي من سيبحث عنه , و يتوسله للعفو عنها و تركها ترحل .
لم يعد المحامي لديه الكثير ليقوله , في نهاية اللقاء وقفت ملك استعدادا للمغادرة , و سلمها جوزيف بطاقة عمله
" تفضلي سيدتي ,
هذه معلوماتي اتصلي بي حينما تتوصلين إلى قرار , و أنا سأكون جاهزا للمساعدة "
أخذت ملك البطاقة دون أية تعابير على وجهها و شكرت المحامي ,
يبدو أنها لا تحصل إلا على البطاقات , منذ وصولها إلى هذا المكان ,
حينما همت بالخروج فتحت حقيبة يدها , للبحث عن محفظتها و وضع البطاقة داخلها ,
فجأة توقفت عند المدخل شحب وجهها و شلت يدها
" محفظتي لا أجدها "
صرخت بفزع و بدأت بالبحث كالمجنونة دون جدوى , أفرغت بعدها حقيبتها كلها على مكتب السكرتيرة , التي كانت تساعدها في التفتيش ,
لكن لا أثر للمحفظة , كان واضحا أنها تعرضت للسرقة ,
فقدت ملك كل قوتها و جلست على الكرسي , فلم تعد رجلاها تحملانها ,
و بادر عبد الحفيظ بالسؤال
" ابنتي ما الذي فقدته بالتحديد ؟ "
نظرت إليه ملك بكل يأس و أجابت
" محفظتي الخاصة بها بطاقة التسليف فيزا , مبلغ من المال و هاتفي كان معلقا في طرفها "
سأل المحامي
" متى استعملتها آخر مرة ؟ "
أطرقت ملك رأسها تحاول التركيز
" الكارت أول أمس حينما أقفلت حسابي في الفندق ,
و الهاتف صباحا اتصلت بوالدتي و بالسيد عبد الحفيظ "
إذا فقد سرقت أثناء قدومها إلى هنا , انزعجت ملك بشدة
" هل سوء حظها وصل الى هذه الدرجة ؟ "
سألت نفسها و فجأة لمعت فكرة في رأسها
" هل يعقل أن هذه مجرد سرقة عادية ؟
هي هنا منذ أيام لم تفقد شيئا , لم تتعرض للسرقة الآن بالذات ؟
هل لهذا الأمر أيضا علاقة بذلك الرجل ؟ "
زاد الخوف في قلبها من هذا الاحتمال , لو كان صحيحا إذا فلا نية لهذا الرجل بالتوقف قريبا ,
كلما اعتقدت بأنه وصل حده و استنفذ خدعه , تظهر مصيبة تنسيها كل ما سبق ,
كيف أصبح حظها عاثرا فجأة , و لم يبدو بأنها تورطت مع رئيس مافيا أو زعيم عصابة ؟
الأسوء الآن ليس بطاقة ائتمانها , فهي تحتفظ ببعض السيولة في حقيبتها في المنزل ,
هي عادة لا تضع كل أموالها في مكان واحد تحسبا لحوادث كهذه
لكن المشكلة في هاتفها , الذي يحوي كل أرقام عائلتها ,
هي لا تحفظ أي رقم غير رقمها , و الآن لا توجد أية وسيلة اتصال بوالديها
لا يمكنها تخيل الرعب الذي سيعيشانه , إن لم يتمكنا من التواصل معها
" لنذهب الى قسم الشرطة لنقدم شكوى , كلما كان أسرع كلما كانت فرصتنا في استعادة الأغراض أكبر "
قال عبد الحفيظ و غادر مع ملك و المحامي متجهين إلى قسم الشرطة .
.
.
.كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحا , حينما تلقى عبد الحميد مكالمة من الشخص ,
الذي طلب منه التحري بخصوص الخطأ في حجز ملك
لكن الرجل فاجأه
" سيدي آسف لاخبارك بأن الحجز لم يلغى , و لكن السيدة احتجزت في المطار بسبب قرار حظر للسفر "
طبعا الرجل دبلوماسي قديم , لا يعقل ألا يعرف ما تعنيه هاته الكلمة
" و لكن كيف صدر هذا في حقها ؟
الشابة هناك منذ بضعة أيام فقط كيف حدث هذا ؟ "
رد الرجل بكل احترافية
" لا أدري سيدي لم يذكر السبب , لكن العاملين في مكتبنا في المطار , أكدوا لي أن السيدة أوقفت قبل يومين و هي بصدد التسجيل على رحلتها ,
و منعت من الصعود إلى الطائرة , لا علاقة لخطأ بالحجز بالموضوع "
شكر عبد الحميد الرجل على خدمته و شعر بالسوء , هو يعرف ملك منذ كانت طفلة فهو مقرب من العائلة كلها ,
صحيح أنه لم يزرهم منذ مدة , لكن لا يعقل أن تتغير أخلاق الفتاة بين ليلة و ضحاها , ليصدر في حقها قرار حظر سفر ,
لم يرد عبد الحميد التسرع في الحكم , كما لم يرد إيصال الخبر سريعا إلى والدها , قبل أن يعرف ملابسات القصة كلها ,
بمجرد دخوله مكتبه إتصل بسفارة الجزائر في أبو ظبي , بعد تقديم نفسه طلب إفادته بمعلومات عن القضية ,
كان السكرتير العام من تحدث إليه , و الذي كان على اطلاع بالأمر من بدايته ,
و لكنه لم يخض في أية تفاصيل , بل أعطاه رقم عبد الحفيظ , بعد أن أخبره أنه يعمل في القنصلية في دبي ,
و أن السفارة كلفته بتولي الموضوع , و بالتالي فهو أفضل شخص سيفيده في القضية ,
بعد انهاء المكالمة مباشرة إتصل عبد الحميد بعبد الحفيظ , ليفهم ما الذي يجري بالضبط ,
أثناء ذلك كان هذا الأخير يرافق ملك و المحامي , في مركز الشرطة لتقديم شكوى السرقة
و لكنه ما لبث أن غادر بسبب انشغاله ,
كان قد برمج الصبيحة لمرافقة ملك , ثم التفرغ لمسؤولياته بعد الظهر ,
لكن بما أن المسالة أصبحت قضية سرقة , فقد استأذن تاركا ملك مع المحامي و انصرف ,
في طريقه إلى مكتبه , تلقى اشعارا من السفارة باتصال من الجزائر , بعدها مباشرة إتصل به عبد الحميد
" مرحبا أنا عبد الحميد تيجاني , دبلوماسي من وزارة الخارجية "
قدم الرجل نفسه باختصار
" و أنا عبد الحفيظ شايب , مسؤول من قنصلية الجزائر في دبي مرحبا "
دخل عبد الحميد بعدها مباشرة في الموضوع
" أنا أريد الاستفسار عن مشكلة ملك الصافي , السكرتير العام قال أنك المسؤول عنها "
أخذ عبد الحفيظ نفسا عميقا و أجاب
" أجل سيدي هل تعرفها ؟ "
" ابنة صديق مقرب لي "
تنهد عبد الحفيظ و هو يحاول ترتيب كلماته
" في الحقيقة سيدي المسألة شائكة بعض الشيء "
بعدها قص عليه كل ما حدث , منذ تكليفه بالاهتمام بقضيتها إلى هذه اللحظة ,
ما قاله صدم عبد الحميد , الذي بقي صامتا لمدة بعد انتهائه
" غير معقول أكيد هناك التباس في مكان ما ,
هذه الشابة أنا أعرفها جيدا و أعرف تربيتها , أخلاقها حسنة لا يمكنها فعل ذلك "
" لا أدري سيدي بما أجيبك , و لكن إذا كنت تتحدث عن الزواج دون علم والديها , فالأوراق التي قدمها الرجل الذي يقول أنه زوجها صحيحة ,
و قد تأكدت منها بنفسي , بعدما اتصلت بمسؤولين أصدقاء لي في المغرب , قاموا بالتحري عن الموضوع و لا لبس عليه ,
أما مشكلة التهريب فالمحامي يعتقد أنها من تدبير زوجها , لاجبارها على البقاء هنا و عدم العودة ,
بعدما يئس من إقناعها بذلك , لكن لا شيء مؤكد "
لم يعرف عبد الحميد بما يجيبه
" ألا يعقل أنه شرك من أحدهم ؟ "
" لا أظن سيدي الرجل شخصية عامة مهمة , رجل أعمال ثري لا فائدة له من ادعاء الأمر , و إحداث شبهات حول اسمه ,
إضافة إلى أنه كان جد مهتم و متفهم معها , دفع مبلغا هاما من المال لإخراجها بكفالة ,
و أوكل القضية إلى افضل المحامين ,
رغم أنها أنكرت أية علاقة به , إلا أنه لا يدخر جهدا لتبرئة اسمها ,
أعتقد أنها تفعل ذلك بسبب حالتها النفسية , أو ربما بسبب خوفها من ردة فعل والديها "
مسح عبد الحميد وجهه بيديه باستياء و استرسل
" و ما الذي قاله المحامي ؟ "
" صراحة لم يكن متفائلا , قد يطول الأمر لأشهر قبل الحصول على براءتها ,
إضافة أن الغاء القرار يتطلب تراجعا من زوجها
و هذا الأخير يرفض فعل ذلك نهائيا , ليس قبل أن تضع مولودها و يطمئن على سلامته "
شعر عبد الحميد بالدوار لكل ما سمعه , حينما اتصل به صديقه اعتقد أن الأمر بسيط , ينتهي باتصال هاتفي ,
لم يعلم أن قنبلة نووية في طريقها إلى الانفجار في وجهه ,
هو الآن فعلا لا يعرف كيف يوصل كل هذه المعلومات المفجعة إلى صديقه ,
إذا كان هو الشخص الغريب , و قد صدمه ما سمعه كيف سيكون رد فعل والدها ؟
" لم لم تعلم عائلتها لحد الآن ؟ "
سأل معاتبا عبد الحفيظ الذي برر موقفه
" اقترحت ذلك عليها و لكنها رفضت ، قالت إنها لا تريدهم أن يعلموا بالأمر حاليا ,
و أنا وافقت لأنها ليست قاصرا , كما أن الموضوع حساس "
" و أين هي الآن ؟ "
" في مكان آمن تحت مسؤولية السفارة , لا داعي للقلق سيدي "
صمت عبد الحميد مجددا قبل أن يقول
" سيد عبد الحفيظ ,
أنا سأبلغ والدها الآن لأنه قلق جدا بشأنها , و سأمرر له رقمك لأنني متأكد أنه سيريد الاطمئنان على ابنته ,
و على الأرجح سيأتي بنفسه لرؤيتها , و لكنني لن أقول كل التفاصيل التي أخبرتني بها حاليا ,
هو رجل مريض بالقلب و قد يصاب بنوبة , و أنا أتمنى عليك إن اتصل بك ألا تخبره كل ما أخبرتني إلا بترو "
رد عبد الحفيظ بكل تفهم
" لا مشكلة سيدي أنا في الخدمة إن أراد المجيء , فقط اتصل بي و أعلمني سأرافقه "
بعد شكر عبد الحفيظ و توصيته على الاعتناء بملك , أغلق الخط و هو لا يزال تحت الصدمة من هول ما سمعه .
بعد أن تردد لبعض الوقت ، قرر عبد الحميد أن يبلغ عز الدين , لأن تضييع الوقت لا معنى له ,
و هو مجبر في النهاية على إخباره ,
في هذه الأثناء كان عز الدين في مكتبه , يحاول دراسة ملف مريض , سيجري له عملية في الغد ,
بمجرد أن لمح رقم صديقه حتى سارع للرد
" صباح الخير عبد الحميد كيف حالك ؟ "
" صباح الخير عز الدين "
قال بصوت محبط
لطالما نعته صديقه بالجزار , مناداته بكل جدية بهذا الشكل منحته شعورا سيئا جدا
" هل لديك أية أخبار عن وضعية ملك ؟ "
سأل مباشرة دون مقدمات
بعد تردد لدقائق أجاب صديقه
" في الحقيقة الشخص الذي سألته , قال أن الأمر لا علاقة له بخطأ في الاجراءات ,
و لكن هناك قرار بمنع السفر يخص ملك , لذلك قاموا بتوقيفها قبل مغادرتها "
بعد دخول والد ملك بكل ثقله على الخط ما هي توقعاتكم ؟
