رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم صابرين
25- هذه الفتاة تروق له
جماعة بلاش جملة اني الفصل قصير علشان بجد بتضايق، والفصل اللي بتقرأوه في ربع ساعة بياخد معايا تلات أيام، الكتابة مش حاجة سهلة بالعكس دي متعبة جدًا سواءً في تجميع الأحداث وابتكارها والتفكير في الحبكة، ثم الفصل مش صغير ده ٥٠٠٠ كلمة واحيانًا بيبقى أكتر من ٦٠٠٠ مش فاهمة ايه أكتر من كده عايزين فصل عشرين ألف كلمة ومحدش بينزل كده ابدًا؟!
اتمنى بلاش تقولوا الجملة دي تاني فضلًا 
صلي على من قال أمتي أمتي 
سار بين الأروقة يرتدي الزي الموحد للعمل فهو يعمل من ضمن فنو الصيانة في إحدى شركات البترول، يقوم بصيانة المعدات والأجهزة إن أصابها تلف أو ما شابه
ولج إلى إحدى الغرف الواسعة والموجود بها إحدى الأجهزة الضخمة والتي يستوردوها من الخارج وقد كان يحيط بهذا الجهاز عدد من مهندسي الصيانة مثله، وعندما أبصره أحدهم حتى صاح مناديًا عليه :
-تعالي يا صعيدي واقف ليه
ابتسم ياسر على هذا اللقب والذي أطلقوه عليه منذ أن أتى إلى هنا بعد أن علموا أنه من الصعيد، ربما هذا اللقب معروف عن اسمه الحقيقي، اقترب منهم ليقول ذلك المهندس الذي نادى عليه وقد كان أكثرهم خبرة أي يعمل جميع مهندسين الصيانة تحت إدارته هو :
-بص يا ابني أدي الجهاز قدامك وفيه خلل تعرف ازاي
ابتسم ياسر وعلى الأرجح يظن أنه لا يزال مبتدئ :
-يا بشمهندس انا مش أول مرة اشتغل انا كنت في نفس الفرع بس في السويس واشتغلت هناك خمس سنين
-انت عندك كام سنة؟!
نطق بها الآخر متسائلًا فأجابه ياسر بهدوء :
-عندي ٢٨ سنة
-العمر كله، متجوز بقى؟؟
-لأ لسه بس شبه خاطب وابوها مطلع عيني ادعيلي بالتساهيل
ربت الآخر على كتفه داعيًا له بحسن نية :
-معلش ابوها بيعززها علشان تحافظ عليها، بص بقى بما إنك اشتغلت خمس سنين فعندك خبرة
أخذ يشرح له طبيعية العمل هنا وياسر يستمع له بتركيز ليشرع بعد دقائق في بدئ العمل بحرافية فهو يحب هذا المجال وقد اجتهد في دراسته حتى يصل إليه
وعندما قاربوا على الانتهاء ارتكن إلى ركن وقد اتصل على عائشة يطمئن عليها، أجل الصباح ألقت على قلبه صخرة لكن قبل أن تكون حبيبته هى ابنة عمه ويجب أن يطمئن عليها، حتى وإن كان لا يطيقها الآن
وقد أجابت موظفة الشركة للمرة الثالثة بأن الرقم مغلق أو غير متاح، عقد حاجبيه معيدًا الإتصال بها وقد أتاه نفس الرد فوضع الهاتف في جيبه يشعر بالقلق عليها لكن حاول اقناع نفسه أن الهاتف مغلق لأن البطارية نفذت على الأرجح
اتجه إلى الجهاز ببال شارد ولم ينتبه اين يخطوا إلا عندما صرخ به البقية بأن يتوقف ويعد للخلف ولكن قد تأخر إذ انفجر الجهاز بالدخان ومن قوته اندفع جسده للخلف مصطدمًا بعنف في الحائط وقد أصيب جسده بعدة جورح ورضوض أثر الدفعة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كان الهدوء يعم في الغرفة ينقصها صوت صرصور الليل حتى يكتمل المشهد، إذ كان يمسك كريم بكتاب شقيقته رحمة يحاول أن يفهم منه شئ حتى يشرح لها الدروس التي لا تفهمها، بينما الأخرى تجلس أمامه كفها أسفل وجنتها تنتظر منه أي شئ
وعندما طال صمته وتحديقه في الكتاب صاحت به بغيظ إذ قالت :
-طب ايه اخلص بقى هتفضل مبحلق في الكتاب
أشار الآخر إلى كتابها متسع العينين :
-انا اصلًا مش فاهم حاجة، ايه دولة رومانية وبابلية مش بابل دي في العراق؟ انتوا بتدرسوا تاريخ مصر ولا العراق!؟
قلبت الأخرى صفحات الكتاب بعيدًا عن قسم التاريخ قائلة :
-طب سيبك من التاريخ هو مكلكع فعلًا شوف الجغرافيا كده
نظر الآخر وقد اصطدم في وجهه درس الأقاليم أكثر درس كان يكرهه، ألقى الكتاب إلى رحمة ثم قال :
-بقولك ايه انا اصلًا علمي لا بفهم لا في تاريخ ولا في جغرافيا وآخر مرة اخدتهم كنت في أولى ثانوي روحي لحمزة هو خريج أدبي وكلام المشعوذين ده مر عليه
زفرت رحمة بضيق وهى تسحب كتابها متجهة إلى غرفة أخيها، من ثم فتحت الباب لتجده غافي على الفراش بعمق شديد فعلمت أن لا مجال ابدًا ليفيق، وهذا لأن نوم حمزة ثقيل بشدة ولا يفيق بسهولة
دلفت إلى الداخل جالسة على فراش كريم أي مقابل فراش الآخر لتهزه بشئ من العنف قائلة :
-حمزة قوم ذاكرلي انا عندي امتحان شهر بعد يومين قوم يلا
ولا حياة لمن تنادي وكأنها تنادي على صنم، نظرت بجانبها وقد وجدت كوب ماء ففكرت في سكبه عليه ولكنها تراجعت عن الفكرة، أجل نومه ثقيل لكن إن استيقظ على مثل هذه المقالب لا تضمن رد فعله قد يضربها بدون وعي منه
خرجت مرة أخرى إلى كريم ولكن وجدته يهم بالخروج فقالت متعجبة :
-انت رايح فين يا كريم؟!
وأجابها الآخر وهو يفتح باب الشقة قائلًا :
-رايح أحضر الماتش اخوكي نايم جوا ولو شغلت التليفزيون مش بعيد يقوم يفتحلي دماغي فـعلى ايه انا اخد نفسي واحضره على أي كافيه
عاد لها مجددًا قبل أن يرحل مشيرًا إلى لؤي ابن غادة واسماعيل الغافي فوق الاريكة ثم قال :
-خلي بالك من لؤي، حمزة نايم وابوكي وامك حابسينهم في أوضتهم لو ولع في البيت محدش هيتلام غيرك
ختم حديثه ورحل تاركًا الباب مفتوح فجلست الأخرى على الاريكة ببؤس وهى تحدق في الدرس تحاول أن تفهم منه شئ، وقد تكاسلت عن غلق الباب فتركته مفتوحًا وإذ بها تستمع إلى طرقات الشقة المقابلة وعندما رفعت رأسها وجدتها نور فابتسمت بأمل عندما راودتها فكرة، متجهةً إليها :
-مس نور مس نور ربنا بعتك ليا والله
استدارت نور إلى الصوت لتجدها رحمة وفي يدها كتاب مادة الدراسات الإجتماعية لتكمل الأخرى هاتفة برجاء :
-بصي يا مس انتي النهاردة مجتيش المدرسة وكان علينا دراسات واخدتها أستاذ منصور وشرح درس في التاريخ مفهمتش منه أي حاجة، والمشكلة انه قال الدرس هيجي في امتحان الشهر بعد يومين
وآماءت الأخرى بهدوء تدق الجرس لعل أحد يستجيب بالداخل تزامنًا مع قولها :
-ماشي بس حد يفتح الأول
اخذت تدق الباب بيد والأخرى على الجرس ولا يوجد استجابة فقالت رحمة :
-يمكن مفيش حد جوا؟؟
-مفيش حد ازاي ده المغرب على أذان اومال راحوا فين؟!
ختمت حديثها وأخرجت هاتفها تتصل على براءة بعدما وجدت عدة مكالمات فائتة منها ولم تجب عليها لأن الهاتف كان على الوضع الصامت، ربي متى تنسلخ عن هذه العادة فهى دائمًا ما تنسى هاتفها على الوضع الصامت
استمعت إلى صوتها من الناحية الأخرى فقالت :
-انتي فين يا براءة؟؟
-انتي اللي فين؟! قولتي هنزل اشتري دواء من الصيدلية وروحتي فين؟؟
حكت الأخرى شعرها من أسفل حجابها في حركة اعتادتها فعلها ثم قالت :
-كنت بزور هاجر كانت تعبانة ومش معقول يعني البنت تساعدني وتوديني المستشفى ولما اعرف إنها تعبانة مزورهاش حتى
-خلاص ماشي بصي انا في المستشفى هجيب شروق وجاية، يعني تلت ساعة كده ونبقوا عندك
واتسعت عيني الأخرى من ذكر أمر المستشفى للمرة الثانية اليوم لتقول :
-حتى شروق في المستشفى مالها؟!
-موضوع طويل لما ارجع بس مين تاني في المستشفى
-ياسر حصلتله إصابة عمل وكلمني وقال إنه ادوه أجازة وهيرجع البلد، وصِح سألني عن عائشة وقالي تليفونها مقفول هى معاكم؟؟
هزت الأخرى رأسها نافية وكأنها تراها، تحدق في شقيقتها الغافية على الفراش ورأسها ملتف بشاش ابيض :
-لأ مش معانا انا حتى اتصلت عليها من شوية وتليفونها مغلق
قلقت نور على شقيقتها فمن المفترض أن تكون هنا منذ ساعة ونصف فأين ذهبت، ولما هاتفها مغلق :
-طب سلام دلوقتي هتصل عليها تاني وأشوف
اغلقت معها ثم نظرت إلى رحمة والتي كانت لا تزال واقفة ثم قالت بشئٍ من اللباقة :
-معلش يا رحمة لما براءة ترجع هشرحلك الدرس
وأشارت الأخرى إلى شقتهم مقترحة :
-طب ما تيجي عندنا لحد ما يجوا هتفضلي واقفة هنا يعني
رفضت نور هذا الاقتراح بشدة فلا تريد التصادم مع المدعو حمزة هذا :
-لأ طبعًا أخواتك جوا مينفعش أدخل
-محدش موجود كريم نزل وحمزة في سابع نومه ومش هيقوم خالص وبابا وماما نايمين في أوضتهم يعني مفيش غيري، تعالي بالله عليكي مش فاهمة حاجة في الدرس ولحد ما يرجعوا هتكوني خلصتي
فكرت نور في الأمر مرة واثنين، هى لن تقف هنا بالفعل حتى يأتوا، ولا يستحب أن تهبط إلى الأسفل فقد غربت الشمس وحل الليل :
-خلاص ماشي بس متأكدة اني اخوكي نايم؟؟
-والله نايم حتى مردش عليا ولا رضي يشرحلي حاجة
ختمت حديثها وهى تتجه إلى شقتهم وخلفها نور تقبض على حقيبتها بقلق فلا تحب الدخول إلى منزل أحد غريب خاصةً هذا المنزل الموجود به حمزة والذي قررت تجنبه، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
دعتها رحمة للجلوس ثم قالت وهى تضع أمامها الكتاب :
-ثواني هجيب كراسة وقلم وجاية
تركتها وتحركت بسرعة ناحية غرفتها بينما أخرجت نور هاتفها تتصل على ياسر وتخبره بإختفاء عائشة الغير مبرر، وفي هذه الأثناء خرج حمزة من المرحاض يجفف وجهه بالمنشفة متجهًا إلى البهو وإذ به يستمع إلى صوت فتاة لا يعود إلى اختيه، تتحدث في الهاتف بينما تواليه ظهرها :
-معرفش يا ياسر ما انا بتصل عليها ومغلق ومش مع براءة وشروق، حتى عمتك أسماء معاهم كنت قولت إنها عندها
علم حمزة أن المتحدثة نور ليتوقف بجانب ممر الغرف وهو يستمع إليها يود أن يعلم حقًا هل العلاقة بينها وبين ياسر أبناء عم فقط أم أكثر من هذا، لأنه سمع زوجة عمه أسماء تقول أن ياسر سيتزوج من إحدى بنات عمه علي وهى في حكم خطيبته، وهو يعلم أن بنات علي هما نورهان وعائشة ولا يعلم أن كان هناك ثلاثة أو لا
لكن إن كانت نورهان هى الفتاة التي سيتزوجها ياسر سيخرجها من عقله فلا يحبذ أن يكون طرف ثالث في علاقة
صمتت نور تستمع إلى غضب ياسر وقلقه الواضح على عائشة لتقول :
-طب انت بتزعق فيا ليه دلوقتي ثم ازاي تيجي وانت تعبان، هى إن شاء الله تيجي دلوقتي انا عارفة اختي مبتحبش تلف ولا تروح في حتة تلاقيها اتعطلت في المواصلات
أغلق ياسر معها بعد أن اخبرها أنه سيأتي ولا داعي للنقاش، وضعت نور الهاتف أمامها قلقة على شقيقتها حتى انها لم تنتبه على المحادثة الخافتة التي تقام خلفها إذ سحبت رحمة أخيها بسرعة هامسة :
-حمزة بتعمل ايه هنا؟!
وحدق بها الآخر بتعجب لهمسها بل وهمسه هو أيضًا إذ قال :
-ايه بعمل ايه هنا؟؟ واقف في بيتنا هو انا واقف في بيت دعارة!؟
-طب ادخل أوضتك ومتطلعش منها
وزاد تعجب الآخر قائلًا :
-وده ليه بقى ان شاء الله!؟ ثم انتي بتهمسي كده ليه هو احنا عاملين مصيبة؟
-لا خفيف بس علشان نور متتكسفش منك وتمشي، وانا عايزاها تشرحلي الدرس وقولت ليها إنك نايم يلا بقى اتكل على الله شوف حاجة تعملها ومتطلعش الصالة
ختمت حديثها ودفعته بخفة ناحية غرفته بينما هى خرجت لنور حتى تبدأ الدرس وقد تركت الباب مفتوحًا تحت طلب نور لهذا، أما حمزة حدق قليلًا في ظهر نور ثم اتجه إلى غرفة والديه مسترقًا السمع ولم يجد غير الهدوء مع بعض الهمسات فابتسم وعلم أنهما تصالحها لذا تركهما وعاد لغرفته حتى يكتب قصة جديدة
وقد أخذت انامله تكتب بشغف شديد وقد راوده سؤال، هل نور أحد متابعينه؟؟
أجل يعلم أنها تقرأ له وقد سبق وصرحت برأيها في كتاباته دون أن تعلم أنه هو كاتب الظل، وفجأة ترك الكتابة واتجه إلى محرك البحث وكتب اسم "نورهان علي صفوان" وكم وجد من الأسماء المشابهة ولا يعلم من منهن هى
اتجه إلى الأصدقاء عنده وفتح صفحة ابنة عمه رحاب وبحث في أصدقائها لعلها تكون من بينهم وقد وجدها بالفعل، ابتسم وقرر ان يلعب معها لعبة صغيرة بما أنها تلعب معه الهر والفأر وتبدأ بالتهرب منه وهو يروق له هذا
نشر عدة جمل مميزة وقد قام بالإشارة إليها أسفل المنشور باسم كاتب الظل حتى لا تعلم أنه هو حمزة، وقد كان محتوى المنشور يدل على أن الفتاة المشار إليها هو معجب بها
"لو يعلمن المتبرجات ما مغزى نظرة الرجال إليهن لرفعتِ رأسك مفتخرة بعفافكِ وخجلكِ الذي جذبني كما الفراشة للنيران"
فعل هذا ليجعل قلبها يتعلق بكاتب الظل فهو يعلم أن قلوب الفتيات تعلقهن كلمة، لا يعلم لما يفعل هذا لكنها لا ينتوي سوءًا لها، يريد فقط التقرب قليلًا ومعرفة القليل عنها قبل أن يتقدم لها بشكل رسمي
يشعر أن هذه الطريقة خاطئة، لكنه لا يود التسرع في خطبة كما فعل مع سها، يريد فقط أن يعلم إن كان بينها وبينه توافق ولكن الأخرى لا تدع له فرصة للتحدث إذًا سيلجأ لهذه الطريقة ويرى إن كانت سترسل له على الخاص أم لا
خرج من غرفته يريد أن يرى رد فعلها على المنشور لكن الأخرى كانت منشغلة في شرح الدرس لرحمة وعندما رأته رحمة يقف أشارت له بأن يذهب، وقد كانت نور شديدة الملاحظة إذ لاحظت أنها تشير إلى أحد خلفها
وما إن استدارت وابصرته حمزة حتى انتفضت من مكانها بسرعة وقد عادت بنظرها إلى رحمة بضيق وحِدة وكأنها تخبرها بأن أخيها ها هو وليس نائم كما قالت،سارعت رحمة في التبرير إذ رفعت منكبيها بقلة حيلة هاتفة :
-طب صحي طيب انا اعمل إيه؟!
أتجه حمزة إلى المطبخ متحدثًا بهدوء :
-اقعدي كملي انا داخل المطبخ مش هقعد معاكم يعني
ترجتها رحمة بأن تجلس وتكمل فقد تبقى القليل فقط، وقد جلست الأخرى بالفعل لكن لم تكن مرتاحة أبدًا وكأنها تجلس على جمر مشتعل وقد بدأت تعض اناملها ندمًا أنها دلفت إلى منزل به رجل غريب يتجول حولها ولا تستطيع أن تفتح فمها معترضة فهو منزله
كما أنها تشعر وكأن نظراته كلها مصوبة نحوها ولم تملك الجرأة بأن تستدير وتتأكد، وقد كان حمزة بالفعل يقف مستندًا على إطار باب المطبخ وهو لا يحيد بعينيه عنها ينتظر أن تتحدث ولكنها التزمت الصمت تمامًا ما إن علمت أنه موجود حولها
ابتسم بتعجب شديد لهذه الفتاة لأي درجة هى خجولة؟! وكيف مَن تجلس هكذا بكل خجل حتى تخجل من التحدث، هى نفسها من كانت تتعامل بغلظة وشدة مع الطلاب البارحة؟!
لديها شخصيتين مناقضتين لبعضهما ولكن للحق الشخصيتين تروقان له، هذه الفتاة تروق له
وقفت نور بعدما فشلت في التحكم في نفسها لتسحب حقيبتها تتحدث بلتعثم وسرعة وهى تهم بالذهاب :
-انا همشي دلوقتي وفاضل جزنـ... جزئية أكملها ليكي بكرة علشان كده... كده أجازة رسمية بكرة
خرجت بسرعة من شقتهم وهبطت للأسفل حتى لم تنتظر رد رحمة بينما الأخرى نظرت إلى أخيها بغضب صائحة بتذمر :
-قولتلك يا حمزة متطلعش أهي مشيت أهي
ورفع الآخر منكبيه مبتسمًا بخفة ثم قال :
-وانا مالي هو انا اللي طردتها يعني؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وما أثقل من هذا الصمت عليها إذ كانت تشعر حقًا بخوف من القادم، خاصةً وهى ترى ملامح أخيها الجامدة وهو يقود السيارة بسرعة على غير عادته، حتى أن زوجة عمها في الخلف قالت :
-براحة يا يونس هدي السرعة شوية احنا مش في سباق
نظر لها يونس في مرآة السيارة الأمامية ثم حوّل نظره إلى شروق الجالسة في المنتصف بين شقيقتها وعمتها وهى ما بين الوعي واللاوعي، ورأسها ملفوف بشاش أبيض أسفل الحجاب الملتف بعشوائية حول رأسها، وهذا بعد أن كادت أن تصدمها سيارة أمام القسم وهى تسير بعدم وعي منها ولولا أن عاصم سحبها لكانت صدمتها
لكن وحتى بعد أن سحبها عاصم ابعدته عنها بعنف شديد لدرجة جعلتها تسقط للخلف وقد اصطدم رأسها بالرصيف من ثم فقدت وعيها تمامًا
هدأ السرعة قليلًا ولم يبالي ابدًا بشقيقته الجالسة بجانبه في ضغط نفسي يمارسه عليها بصمته، وهو في هذه الحالة يمنع شيطانه عنها يحاول التحلي ببعض الهدوء حتى لا يطحن عظامها، فهو يود أن يأخذ أسلوب الإستماع ثم بعدها التصرف
لكنه متأكد تمامًا أن تصرفه لن يكون جيدًا فهو ليس مثل يوسف يتعامل بالعقل والرزانة بل غضبه ويديه يسبقان تفكيره، وهذا أكبر عيب في شخصيته للأسف
وصلوا أمام البناية وقد هبط من سيارته وفتح الباب بسرعة لزوجة عمه حتى يخِرجوا شروق والتي لم تكن تقوى على التحرك رغم إسناد عمتها وبراءة لها وكل واحدةٍ من جهة
وعندما رأى يونس هذا أغلق باب السيارة مقترحًا :
-تحبوا اشيلها واطلعها انا؟؟
رفضت براءة بسرعة تحاول أن تجعل شقيقتها تسير ولكن الأخرى لم يكن بها أي أعصاب تستطيع التحكم بها، بالكاد تستطيع أن تقف بمساعدتهم، وعندما شعرت أسماء أنهن لن يستطيعن تحريكها فهى شبه فاقدة للوعي، قالت :
-الضرورات تبيح المحذورات تعالى يا يونس شيلها
ولم يمانع الآخر إذ ما إن ابتعدن عنها حتى حملها هو وصعد بها الدرجات الأولى للباب الداخلي للبناية، وعندما أتجه إلى المصعد رآه يُفتح وقد أطل من خلفه ياسر ونور واللذان فزعا لرؤية شروق على هذه الحالة
انهالا بالأسئلة عليه عن حالتها وكيف حدث لها هذا، وقد كان الآخر لا يملك ذرة صبر فقال بضيق وهو يحكم قبضتيه حولها حتى لا تسقط منه قائلًا :
-طب افتحوا الباب اطلعها وبعدين اسألوا
فتحت نور باب المصعد وصعدت معه هى ورقية التي تحمل حقيبة شروق، بينما أتجه ياسر بشئ من البطء إلى عمته متسائلًا :
-شروق مالها يا عمتي
نظرت له الأخرى بتركيز ولم تغفل عن كونه تحرك ببطء شديد وكأنه يعاني من آلام في ظهره :
-وقعت ورأسها اتخبطت في الرصيف وخيطناها انت مالك بقى؟ ماشي كده ليه ضهرك فيه حاجة؟؟
وأجابها الآخر كاذبًا عن الحقيقة فهذه عادة به منذ صغره أن يخبئ ما يؤلمه حتى إن كان الأمر خطيرًا :
-انا كويس الحمد لله وقعت بس في الشغل جامد على ضهري بس انا تمام
عقد حاجبيه متسائلًا بقلق شديد عما لم يغفل عنه إذ قال :
-عمتي هى عائشة مكنتش معاكم تلفونها مقفول وهى مش فوق
وفزعت أسماء بشدة لما قال فما بال المصائب تتقاذف فوق رؤوس بنات اخوتها هذه الأيام :
-مال عائشة كمان هو كل يوم واحدة تحصلها بلوة؟ راحت فين فين البت!؟
حاولت براءة أن تهدئها قليلًا فصوتها بحق مرتفع :
-تعالي يا عمتي طيب نطلعه مش هنتكلم هنا يعني
أما في الأعلى فتحت نور بالمفتاح الذي في حقيبة شروق ليدلف يونس إلى الداخل خلف نور والتي ارشدته إلى غرفتها، ثم وضعها ببطء وراحة على الفراش محدثًا نور :
-هاتي بطانية تانية علشان تغطيها
أما الأخرى كانت تحدق بملابس شروق التي تملؤها الدماء من الأسفل وعلى أكمامها، ربي ماذا حدث للفتاة بل ماذا يحدث إليهن هذه الأيام، هى منذ يومين والبارحة براءة والآن شروق وياسر، والعلم عند الله ماذا حدث لعائشة ولما هى مختفية
هزته رقية بسرعة عندما لم تجب إذ قالت :
-يا نورهان عايزين بطانية علشان نغطيها
انتبهت له فسارعت وسحبت غطاء آخر من الخزانة وغطتها ثم خرجت خلف يونس ورقية لتجد البقية قد صعدوا بينما تحدث يونس بعد أن تنهد بهدوء لصعوبة ما سيقول :
-مرات عمي سألتيني في المستشفى ليه شروق كانت موجودة معانا انا ورقية في القسم وانا قولتلك هقولك بعدين، الحقيقة شروق حاليًا شاهدة على جريمة قتل ومش أي جريمة دي السفاح اللي مدوخ إسكندرية بقاله سنة ودلوقتي محدش يعرف شكله غيرها هى بس
وما إن لفظ هذا الخبر حتى تهاوى جسد أسماء على الاريكة بصدمة حالها كحال الموجدين لتكمل رقية وهى تشعر بالأسى على ما قد عاشته شروق :
-شافت واحدة في الكلية بتدبح قدامها في الحمام ومن وقتها وهى في صدمة حتى معرفناش نسحب منها كلمة عن شكله
أكمل يونس من خلفه بشكل آمر إذ قال :
-وبما إنها عرفت شكله ممكن تكون في خطر علشان كده المأمور ألزمني بحمايتها، وبما إنها ساكنة معايا في نفس العمارة فشروق متخرجش لوحدها ولا مع واحدة فيكم، الموضوع مش لعبة يا جماعة ده سفاح وقاتل لحد دلوقتي فوق ١٠٠ شخص يعني مش هتصعب عليه أنه يقتلها، ولو حصل أي حاجة انا موجود فوق وحاولوا تخففوا عنها وتخلوها تعدي الصدمة اللي هى فيها
ختم حديثه ونظر إلى شقيقته التي كانت تطالع الجميع بشفقة ليقول بنبرة جامدة مغلفة بالبرود :
-يلا قدامي
تحرك أمامها بينما رقية حدقت في ظهره بخوف لكن ما باليد حيلة، ليتها قالت الحقيقة ليوسف عندما سألها فـعلى الأقل يوسف هادئ في حديثه وتفهم، أما يونس فلا تضمن رد فعله الآن والذي لن يكون جيدًا البتة، خاصةً أن والدها في القاهرة وغير موجود
رحلت رقية تاركة الجميع صامتين في صدمة شديدة لتقول أسماء بشرود :
-لا إله إلا الله، ايه بس اللي حاصل معاكم اليومين دول
رفعت رأسها إلى الفتيات مسائلة بقلة حيلة :
-لو حد معاها رصيد فيكم تتصل على عمها محفوظ عايزة اقوله هبيت ليلة تاني هنا معاكم
أخرجت براءة هاتفها تتصل على محفوظ زوج عمتها، بينما اخرج ياسر هاتفه أيضًا واتصل على عائشة وقد أعطاه أيضًا مغلق فوضع هاتفه مجددًا في جيب سترته وقد قرع قلبه بقلق عليها فأين هى حتى الآن :
-نورهان معاكي رقم أي حد من صحاب عائشة أو زمايلها، أي حد يقولنا هى طلعت من الكلية أمتى ولا راحت فين
نظرت إليه الأخرى وتذكرت ان شقيقتها لم تأتي حتى الآن، وهى لا تمتلك رقم أي أحد من زميلاتها للأسف :
-مش معايا رقم حد من زمايلها يا ياسر ومقالتش هتتأخر كده، أصلًا عمرها ما اتأخرت برا لحد المغرب
وما إن قالت نور هذا حتى اتجه إلى الباب بخطوات واسعةليخرج، فقالت أسماء بسرعة وتركت محفوظ يتحدث على الهاتف :
-رايح فين يا ياسر؟؟
-رايح الكلية على الأقل أعرف هى طلعت منها ولا لأ
سحبت نور حقيبتها بسرعة متجهة إلى الخارج معه ثم قالت قلقة على شقيقتها الصغيرة :
-استنى يا ياسر انا جاية معاك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
فتح الباب بالمفتاح ودلف إلى الداخل ينظر إلى أرجاء الشقة التي عاش بها لأكثر من شهر والآن حان وقت الذهاب، أخذ الأوراق الموضوعة على المنضدة ينهيها قبل أن يأتي أحد زملائه في جهاز أمن الدولة ويبدأ في إحضار المشتبه بهم حتى يحققوا معهم في مبنى أمن الدولة بنفسه
لو فقط تحدثت تلك الشاهدة لانتهى الأمر لكنها تعاني من صدمة تجعلها شبه غير مدركة للواقع الذي يدور حولها كما زعم ذلك المختص النفسي، حقًا يالا سخرية القدر
وضع الأوراق داخل الملف وبدأ يمزق جميع من خرجوا من دائرة الشك وتبقى ثلاث أوراق بثلاث أسماء "عادل الدخيلي، سيد متولي، هاجر حاكم" امسك بورقة هاجر حيث دُوِّن بداخلها جميع ما يخصها من معلومات حتى ماضيها النفسي، حدق بصورتها وهناك ابتسامة متعجبة على ثغره
فرغم ما جمعه عن هاجر من معلومات إلىٰ أن هناك معلومات لا تزال غير معروفة عنها، متعجب أن فتاة بمثل هدوءها ورِقتها كانت تعاني من هلاوس وصرع، ترى ماذا حدث لها جعلها تعاني من هذه الأمراض
لقد استبعدها تمامًا بعد أن قالت شروق أن الذي قتل تلك الفتاة التي تدعى فريال هو السفاح وقد ذكرت أنه رجل إذًا هاجر ليست السفاح رغم الغموض الذي كان ولازال يحاوطها
طرق الباب طرقات خفيفة فترك الورقة فوق الملف واتجه يفتح الباب ليجدها أمامه وكأنها خرجت من تفكيره فقال رافعًا إحدى حاجبيه :
-لو كنت بفكر في عشرة جنية مكنتش ظهرت قدامي بالسرعة دي
واتسعت أعين الأخرى بدهشة هامسة بخجل وقد زاغت عينيها بإرتباك :
-هو انت كنت بتفكر فيا؟!
-لا دماغك متروحش بعيد يا لوزة، ايه اللي جابك عندي بقى
فركت الأخرى كفيها بإحراج مما ستقول :
-القطة بتاعتي عندك؟؟
نظر سفيان إلى الداخل وبالتحديد إلى الشرفة إذ كانت مغلقة إذًا لن تستطيع قطتها الدخول :
-البلكونة مقفولة قطتك أكيد مدخلتش هنا تلاقيها بتصيع مع قط شوارع ولا حاجة
أفرغت هاجر فمها بذهول لما قال وقبل أن تتحدث كان صوت هاتف سفيان بالداخل يصدح في الأجواء فنظر إليها هاتفًا بهدوء :
-شوفي قطتك فين بقى يا لوزة عن أذنك
أغلق الباب دون الإستماع لإجابة منها ثم اتجه إلى هاتفه وقد كان المتصل يونس وما إن فتح الخط حتى أتاه سيل من السباب على الناحية الأخرى :
-يا حيوان يا زبالة قولت لأختي ترجع لأخوك من غير ما ترجع لابوها ولا لأخواتها ليه معندهاش راجل ترجعله ولا مقطوعة من شجرة!؟
أبعد سفيان الهاتف عن اذنيه عاقدًا حاجبيه بضيق من السباب التي يليقها الآخر دون توقف، علم أن رؤيته لعمر مع رقية اليوم لن يمر على خير لكن لم يتوقع أن يكون بهذه السرعة
أعاد الهاتف على اذنه مرة أخرى عندما قال :
-انت فين مش بترد ليه؟!
-مستنيك تخلص قلة أدب
نطق بها بهدوء شديد استفز الآخر فصاح بغضب شديد :
-قلة أدب؟ هو انت لسه شوفت قلة أدب يا سفيان ده انا
قاطعه الآخر بسرعة قبل أن يكمل هاتفًا بجدية :
-يونس من غير غلط انا مكنتش اعرف اني رقية مخبية عنكم، انا آه معنديش اخوات بنات بس اللي مرضهوش على نفسي مش هرضاه على غيري وانا مكنتش ناوي ارجع عمر لرقية غير بعد ما حسيت بيأس إني اخويا ذاكرته مش هترجعله فقولت استعين بيها يمكن تفكره بحاجة خاصةً واني عمر كان بيحب رقية جدًا ولو اتعامل معاها وشافها قدامه طول الوقت ممكن ذكرياته معاها ترجع
-غلطان يا سفيان إنك اتواصلت مع رقية ولغيتني انا ويوسف وابوها مش راجل اللي يعمل كده
صاح سفيان بغضب عندما تجاوز الآخر حدوده معه لكنه يعلم أن غضبه يعميه عما يقال كما أنه يلتمس له العذر :
-يــــونس عندك ومتكملش انا لو مش راجل مكنتش قولت لوالدك عن إني عايز رقية وعمر يرجعوا لبعض، ومش عارف بقى هو قالك انت ويوسف أو مقالكمش ده ميخصنيش لانه مجاوبش عليا أصلًا
وضع يونس يده على رأسه يسحب خصلات شعره بقوة، كيف يعلم والده ولم يخبرهم بأمر كهذا، تنفس بغضب وهو يستمع الي سفيان يكمل :
-مقدر إنك متعصب جدًا وانا لو مكانك هعمل واقول أكتر من كده بس يا يونس اختك بنت محترمة وكان غرضي اني اخويا ترجعله ذاكرته، غلطنا بجد اننا بعدناهم عن بعض من غير ما ناخد رأيهم بس الظروف كانت أقوى وأبوك عارف السبب الحقيقي، لما تهدى اتصل بيا سلام
أغلق معه ثم زفر بضيق شديد فلم يكن ينقصه هذا الأمر أيضًا، رن هاتفه مرة أخرى وقد كان مساعده هذه المرة ليجيب قائلًا :
-ايوه يا أمين فيه ايه؟؟
-ازيك يا سفيان باشا انت كنت قولتلي اراقب موقع كده بينزل فضايح الناس والعياذ بالله خاصةً صفحة اسمها NO باين أو ON
-اخلص يا أمين وخش في الموضوع
حمحم الآخر ثم استرسل :
-المهم صاحب الصفحة دي لسه منزل حالًا صور لواحدة بنت رجل أعمال بتشرب مخدرات والبنت اتفضحت على الآخر
فرك الآخر أعلى أنفه بتعب ثم قال :
-ابعتلي الصور
-تمامًا يا باشا
وفور أن أغلق سفيان معه أتته رسالة بالصور، وما إن فتحها حتى ضيق عينيه يفكر أين رأى هذه الفتاة؟!
وسرعان ما انتفض من مضجعه بصدمة احتلته، هذه الفتاة نفسها التي رآها على حاسوب أخيه، حتى نفس الصورة موجودة بين الصور وهذا الرمز الذي اعتاد أخيه وضعه على أي شئ يخصه وعندما كان يسأله كان يقول
-ده يعني النانو عمر NO أخوك مسمينه النانو في الكلية
تهاوى جسد سفيان على المقعد يتذكر عدة جمل تربط عمر بقضية السفاح
"الكاميرات كلها متهكرة هنا ومحدش عارف يفك التهكير ده أكيد اللي عامل كده هاكر شاطر"
"مش كفاية السفاح قتال قتلة كمان هاكر محترف"
"أو يكون صاحب المنشورات دي هو نفسه السفاح وده الاحتمال الأقوى لاني لو زي ما بتقول محدش عارف يمسكه يبقى هو هاكر شاطر"
عمر هو الهاكر... عمر هو السفاح
انتفض بسرعة راكضًا للخارج لا يصدق أن أخيه الصغير قد يفعل شيئًا كهذا، ولما لا وقد كان الحادث الذي مات به والديه مدبر لأن والده كشف الستار عن رئيس جماعة شيوعية بعدما كان في نظر الجميع رجل فاضل، وعمر ينتقم منهم بفضحهم هم وابنائهم ومن يخصهم على الإنترنت ثم يقوم بقتلهم
اخرج مفاتيح السيارة بسرعة تزامنًا مع توقف عدد من السيارات أمام البناية وهبط منها ضابط زميل له وعندما رآه على هذه الحالة من التشتت قال :
-مالك يا سفيان متلخبط كده ليه
حدق به الآخر بضياع شديد ولأول مرة تظهر هذه النظرة في عينيه منذ اليوم الذي فقد به والديه، ابتلع لعابه بصعوبة وكأن به شفرات مسننة، لن يستطيع الإفصاح عن الأمر، فهذا أخيه الوحيد والمتبقي له ومَن يحيى لأجله
حاول التماسك ليعدل من سترته هاتفًا بهدوء حاول بجهد اصطناعه :
-مفيش بس عرفت اني جدتي تعبانة ولازم انقلها المستشفى
-لا الف سلامة عليها طب فين الملف علشان نجيب المشتبه بهم القضية دي طولت اوي يا سفيان ولازم تخلص دي بقيت رأي عام
اجابه سفيان بتشتت حتى أنه نسيٰ أن ورقة هاجر لم يقطعها أو يستبعدها بل تركها فوق الملف :
-هتلاقيه فوق على الترابيزة في الصالة وانا نسيت باب الشقة مفتوح اصلًا، ابقى خلي الرجالة ترتب المكان انا مدة مهمتي كده خلصت
آماء الآخر ليسأله بقلق وهو يراه يهم بالصعود لسيارته :
-تمام بس متأكد انك كويس لو مش هتعرف تسوق ابعت حد معاك من الرجالة
واجابه بسرعة رافضًا الأمر يشعر أن أعصاب جسده ستنهار إن كان عمر بالفعل هو السفاح :
-لأ انا تمام تمام
شغل سيارته ورحل بسرعة بينما صعد ذلك الضابط ومعه أربع رجال لأجل القبض على المشتبه بهم دون إثارة أي انتباه لهم
أما بالأعلى عند هاجر دلفت إلى شقتها بعد أن أغلق سفيان الباب، تجر خيبة الأمل خلفها فأين ذهبت قطتها العزيزة وهى مكسورة، اتجهت إلى مطبخها وأخذت قطعة كيك من الثلاجة وبدأت تقطم منها بتلذذ، كم كانت تود أن تتناول منه نور لكنها اعتذرت وطلبت أن تذهب قبل أن تغرب الشمس
نظرت بضيق إلى علبة العصير الفاسدة بالثلاجة وكم كانت ستشعر بإحراج إن قدمتها إلى نور فطعمها سئ بشدة، حتى أنها لم تستطع أن تكمل الكوب، وحمدًا لله أن نور لا تحب عصير الفراولة هذا ورفضت أن تشربه وطلبت شيئًا آخر
امسكت بالعلبة والقت بها داخل سلة المهملات وهى تنتوي التشاجر مع صاحب البقالة الذي أعطاها علبة عصير منتهية الصلاحية، رن هاتفها وعندما نظرت إليه وجدت المتصلة "لمار" الابنة الصغرى لحاتم
شعرت بقلق وتوتر حتى أنها لم تجب لكن عندما اتصلت مرة أخرى اجابت بإرتباك قائلة :
-الو
واتاها الصوت من الناحية الأخرى متردد وقلق :
-هاجر هو انت حامل؟؟
سقط قلب الأخرى وشعرت برعب فكيف علموا؟! وبشكل غير إرادي هتفت كاذبة :
-لأ مش حامل
-مش وقت كدب ماما عرفت انك حامل وحالفة لتسقطك وتقتلك المرة دي
احاطت هاجر ببطنها الذي لا يزال مسطحًا وكأنها تحمي ابنها من بطش سعاد بينما أكملت الأخرى وهى تنظر حولها قلقًا من ان تأتي والدتها وتسمعها :
-بصي عادل عرف وهو مش هيعرف يوقف ماما عن حاجة حطتها في دماغي بس هيحاول يوديكي في حتة أمان، اوعي تاكلي حاجة من برا أو أي حاجة حاجة انتي مش ضمناها وقومي دلوقتي لمي هدومك علشان بعد الجنازة عادل هياخدك حتة تانية
-جنازة ايه؟!
واجابتها لمار وهى تنظر إلى أخيها ذو الوجه البارد الهادئ هدوء مبالغ به وكأن من ماتت ليست فتاة كان يعشقها حتى إن لم يكن مقدر لهم الزواج، وهى حقًا تشك في هدوءه هذا :
-فريال اتقتلت الصبح يا هاجر
اتسعت أعين الأخرى بصدمة وعدم تصديق لما يقال بينما قالت لمار من على الناحية الأخرى بقوة :
-سيبك من الجنازة واللي اتقتلت دي علشان لو ممشتيش من عندك هتتقتلي انتي كمان
وسقط الهاتف من يدها عندما استمعت إلى طرقات عنيفة على الباب ليتيبس جسدها بخوف من فكرة أن تخسر جنينها مرة أخرى
تقدمت للخارج بخطىٰ مرتعشة والطرقات تزداد عنفًا لتقف خلف الباب هامسة بصوت مرتعش غير مسموع :
-مين؟ مين برا؟!
ولم تتلقى أي إجابة لتفتح الباب ببطء ماددة رأسها للخارج وقد ابصرت أمامها رجل ضخم يقف خلفه أربع رجال لا يقلون عنه ضخامة، ارتابت هاجر منهم لتقول بخوف شديد :
-مين حضراتكم!؟
نظر الشاب أمامها لورقة بيده لم تعلم ماهيتها بينما رفع الآخر رأسه وقد كانت الصورة مطابقة للفتاة أمامه فقال بهدوء شديد وهو يضع الورقة داخل ملف أصفر اللون :
-اتفضلي معانا يا مدام
زادت الريبة في قلب هاجر ليقفز في عقلها أن هؤلاء الرجال قد ارسلتهم سعاد لقتلها، وبرد فعل غير إرادي منها اغلقت الباب في وجوههم واوصدته من الداخل ثم هرولت إلى المطبخ حتى تأتي بهاتفها بينما علىٰ الطرق مرة أخرى وبطريقة أقوى
عاد الضابط للخلف آمرًا الرجال بأن يقوموا بكسر الباب، بينما هاجر في الداخل كانت تبحث وسط الأرقام عن رقم عادل تستنجد به وعندما استمعت إلى محاولة كسر الباب علمت أن لا مفر غير أن تساعد نفسها وتهرب هى وطفلها من هنا
سحبت سكين تدافع به عن نفسها ثم وقفت بسرعة بجانب عمود يقع تمامًا خلف الباب، أي إن كسروا الباب ودلفوا لن يروها وهى هكذا قد تستطيع الفرار إن دلفوا للداخل
وكما توقعت كسروا الباب وولجوا بسرعة ليقول ذلك الضابط وهو ينظر في أرجاء الشقة :
-هاتوها بسرعة شوفوها مستخبية فين
مدت هاجر رأسها حتى ترى ولكنها وجدت ذلك الشاب الطويل لا يزال يقف عند الباب مواليها ظهره بينما البقية بدأوا يبحثوا عنها في الغرف، فكرت بسرعة كيف تخرج وهو يقف هكذا ليهديها تفكيرها إلى دفعه ثم الهرب
وبالفعل فعلت هذا إذ خرجت من جانب العمود وبكل ما ما أوتيت من قوة دفعته مسقطة إياه ولكن تدارك الآخر الأمر نظرًا لأنه ضابط وعندما استدار وجدها تركض ناحية الأسفل
صاح برجاله بأن الفتاة تهرب ثم هرول خلفها وإن كان تصرفها هذا وهروبها يدل على شئ فهو يدل على أن هذه الفتاة خلفها كارثة تهرب منها
أما عند هاجر فكانت تركض للأسفل بسرعة شديدة محاولة عدم السقوط حتى لا تؤذي جنينها وقبل أن تصل إلى الباب الرئيسي للبناية وجدت يد قوة سحبتها من حجابها بعنف ليدق ناقوس الخطر برأسها وكرد فعل طبيعي صرخت بقوة لعل أحدًا ينجدها :
-الحــقــونـي الحقوني يا نــــاس
كمم الآخر فمها حتى لا تصرخ فلديهم أوامر أن يقبضوا على المشتبه بهم دون لفت نظر، بينما هاجر أخرجت بسرعة السكين وجرحت يده التي تقبض عليها، وعندما خفف قبضته من عليها كادت أن تلوذ بالفرار لولا أن صاح أحدهم من فوق الدرج قائلًا :
-عندك وإلا هضربك بالنار
استدارت هاجر بسرعة وهى ترفع السكين أمامهم بتهديد واهي فهى أضعف من أن تذبح دجاجة لكن غريزة البقاء على قيد الحياة هى ما كانت تشجعها وتدفعها للمقاومة :
-اقسم بالله اللي هيقرب مني هقتله سيبوني امشي
رفع الضابط يديه يحاول أن يهدئها ويحتوي الموقف :
-اهدي انتي كنتي بتضري نفسك
كان يقصد أنه يزيد الجريمة عليها بينما الأخرى كانت تفهم عكس هذا تمامًا إذ صرخت بهم وهى تعود للخلف حتى تخرج من هنا :
-انا مش ههدى انتوا عايزين تقتلوني
ضيق الضابط عينيه بتركيز يلاحظ ارتعاش يدها الممسكة بالسكين فنظر إلى أحد رجاله مشيرًا إليه بإشارة فهمها الآخر إذ وبسرعة سحب زيناد سلاحه حتى يشوش عليها، وبالفعل نظرت إليه هاجر بفزع وقد استغل الضابط تشتت انتباهها وسحب منها السكين من ثم هبط على وجهه بلطمة جعلتها تسقط أرضًا فاقدة للوعي
أطلقت زفرة قوية وهو ينظر إلى يده النازفة ثم حوّل عينيه إلى رجاله آمرًا إياهم بأن يحملوها :
-هاتوها دي ليلتها مش هتعدي النهاردة
