رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم صابرين
24- العيب بها هى؟!
صلي على من قال أمتي أمتي
خرج من سيارته مبتسم الثغر بعدما نجح في كسب قضية أخرى تضاف إلى سجل القضايا التي نجح بها، وما يسعده أكثر أنه أصبح له اسم في مكتب المحاماة الذي يعمل به بعدما كان بالكاد يُرى وسط أكثر من عشرين غيره
حسنًا لا يأتي النجاح بسهولة فها هو على أول درجاته ولديه طريق طويل يشقه حتى يصبح ذو اسم وسط عالم المحاماة، دلف إلى البناية بخطوات شبه متراقصة يتذكر ثناء المحامي المنافس بنفسه إذ قال :
-بص انا مستغرب اني خسرت القضية قدام محامي مبتدئ زيك بس واضح انك شاطر أوي وشطارتك دي في خبثك ولفك حوالين زوايا القضية لحد ما جبت الحل انت كنت بتترافع بثقة كبيرة وأسلوب حلو، استمر حاسس في يوم من الأيام إني هسمع عن اسمك
خرج من المصعد وأخرج مفتاحه الخاصة ثم فتح الشقة ودلف ليجد مشهد لا يراه إلا في حدوث الكوارث إذ كان جميع إخوته مجتمعين في البهو وكأنهم في جنازة، حتى إن إسماعيل يجلس معهم
ألقى تحية السلام وهو لا يزال مبتسمًا ولم يسألهم عن سبب هذا البؤس حتى لا يَفسد مزاجه الجميل، فأكتفى بالجلوس على الاريكة رافعًا قدميه على الطاولة بدون اهتمام والجميع يحدق به في ذهول لمزاجه العالي هذا إذ قالت غادة بتهكم :
-ايه الفرحة المرسومة على وشك دي؟!
وزادت ابتسامة الآخر مجيبًا إياها وهو يعيد رأسه للخلف على ظهر الاريكة :
-مبسوط ومش عايز اي حاجة تعكر مزاجي لو سمحتم
-أمك هتسيب البيت وتمشي
نطق بها اخوته الثلاثة في آنٍ واحد ليس وكأنه اخبرهم منذ ثوانٍ أنه لا يريد أن يسمع شيئًا يفسد مزاجه، قهقه إسماعيل بصوت مرتفع بينما صاح حمزة وهو يحدق في اخوته الثلاثة بحنق :
-اومال لو مكنتش قولت مبسوط ومش عايز اي حاجة تعكر مزاجي كنتوا قولتولي العمارة بتولع
اخفض قدميه من على الطاولة متمتمًا بغيظ :
-منكم لله يا بعدة بوظتوا مزاج، ها احكوا ماما هتسيب البيت وتمشي ليه؟!
ولم يجد أي إجابة مقنعة من أحد إذ قالت رحمة :
-انا رجعت من الدرس لقيتها متخانقة هى وبابا
وقال كريم :
-وانا رجعت من الجامعة لقيت ماما بتحلف وتقول والله لاسيبلكم البيت وامشي
وقالت غادة :
-جيت انا واسماعيل علشان نتعشى سوا زي ما بابا قال لقيت رحمة وكريم بيقولوا ماما وبابا متخانقين ومحدش راضي يفهمني حصل ايه علشان محدش فاهم أصلًا حصل ايه
رفع حمزة حاجبه بتعجب قائلًا :
-وهما ماما وبابا فين دلوقتي؟؟
أشار كريم إلى غرفة نومهم ثم قال :
-ماما بتلم هدومها وبابا بيحاول يقنعها تهدى
وقف حمزة من مكانه متجهًا بهمة ناحية غرفة والديه حيث كانت ناهد بالفعل تجمع ملابسها وتضعهم في حقيبة بينما عثمان يأخذ ما في الحقيبة ويعيده مرة أخرى إلى الخزانة قائلًا :
-ناهد خلاص متكبريش الموضوع سيبي الهدوم مش هتمشي
اخذت الأخرى ملابسها منه صائحة بضغط نفسي شديد :
-مكبرش الموضوع يا عثمان هو مفيش رحمة لسه مرتبة كل حاجة الصبح قبل ما اطلع ارجع ألاقي البيت يضرب يقلب وكل المواعين بقيت في الحوض وكمان تقولي عازم غادة واسماعيل على العشاء وجايب أكل المطلوب مني أعمله وارتب البيت التاني وانضف المطبخ تاني وانا راجعة مهدودة من الشغل هو مفيش رحــــمـة اومال لو مكنش عيالك كبار كنتوا عملتوا فيا ايـــه
وقف حمزة أمام الباب وقد استمع إلى ما قالت والدته فقال بشكل مازح رغم جدية حديثه :
-بصي احنا ولاد ستين في سبعين ولا تزعلي نفسك ومحدش في البيت ده راحمك انا عارف، بس لو مشيتي البيت هيتقلب حريقة من غيرك علشان انتي عمود البيت
سحب مفتاح الغرفة ثم أغلق الباب بالمفتاح هاتفًا بصوت مرتفع من الخارج :
-دكتور عثمان حل بقى علشان مش هخرجكم من الاوضة غير وانت مصالحها، إن شاء الله تجيب اخ رابع لينا
توجه إلى البهو حيث كان يقف الجميع وقد استمعوا لكل ما قيل لتقول رحمة بذهول :
-هو انت بجد قفلت عليهم بالمفتاح
وضع حمزة المفتاح في جيبه مجيبًا عليهم بنبرة هادئة :
-آه الحل سهل نقفل عليهم يعملوا اللي يعملوه جوا وفي الآخر هيطلعوا متصالحين، إن شاء الله يقعدوا تلات أيام جوا
تحدثت غادة وهى تنظر إلى إسماعيل :
-يبقى كده يا إسماعيل اعتقد مفيش عشاء تيجي نروح
وقبل أن يجيب إسماعيل كان حمزة يصرخ بهما بصوت افزعهما عن حق :
-تروحوا فين اقسم بالله ما حد هيروح في حتة قبل ما البيت ده يتعمل
أشار إلى غادة قائلًا بأمر :
-تاخدي اختك دي وتدخلوا المطبخ تنضفوا وتعملوا أكل وانت يا كريم يا بتاع الكورة هات المكنسة واعتبر البيت ماتش والعب فيه وانت يا إسماعيل
أشار إسماعيل إلى نفسه مذهولًا فهل سيجعله هو أيضًا يعمل بينما قال الآخر بأمر :
-يا تغسل الغسيل يا ترتب البيت مع كريم اختارلك حاجة من الاتنين
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أعادت خصلة من خصلات شعرها شديدة النعومة خلف أذنها وهى تفرك يديها بتوتر بينما عينيها تتجول في أرجاء المنزل ليس وكأنها عاشت هنا لستِ أعوام، لكنها بدأت تشعر وكأنها غريبة عنه
وقفت بسرعة عندما وجدت سيدة المنزل قد أتت متقدمة نحوها بخطى ثابتة ثم وقفت أمامها لتمد يدها بهدوء مصافحة يد طليقة ابنها :
-أهلًا يا عايدة خير زياراتك بقيت كتيرة يعني وانتي مطلقة دلوقتي وانتي عارفة المطلقة بالذات لازم تحافظ على سيرتها كويس
دهشت عايدة لوقاحتها المقصودة هذه لكنها حاولت الابتسام قائلة :
-بس انا وعاصم هنرجع لبعض
وشعرت الأخرى بصدمة شديدة جعلتها تجلس على الاريكة الفاخرة في بهو منزلها، مرددة بذهول :
-نعم هترجعوا لبعض؟!
هزت عايدة رأسها بأجل وهى تجلس كما كانت ثم اضافت :
-آه انا اتكلمت معاه في الموضوع وهو قالي هفكر
ضحكت والدة عاصم بسخرية والآن فهمت الأمر :
-اها هيفكر ازاي يرفض من غير ما يجرح مشاعرك، طيب اوي عاصم دايمًا أقول أنه أطيب اخواته مع أنه اكبرهم
لم تفهم عايدة ما ترمي اليه بينما شرحت له الأخرى وهى تحاول أن تجعل نبرتها هادئة قدر الإمكان لكن خرجت منها مبطنة بنبرة مستهزئة :
-بصي يا حبيبتي عاصم مش هيرجعلك لأنه ببساطة قالي من تلات اربع أيام كده إنه بيحب واحدة وعايز يتجوزها اسمها شروق تقريبًا
صعقت عايدة مما قالت بينما اكملت الأخرى غير راحمة صدمتها هذه :
-مش هيرجعلك يا عايدة علشان كده متفتحيش الموضوع ده تاني
نفس الجملة تسمعها للمرة الرابعة، نفس الجملة الرافضة لها مرة من يونس ومرة من رقية وأخرى من يوسف والآن من عاصم، تعرضت للرفض للمرة الرابعة؟!
ابتلعت لعابها بصعوبة تشعر أنها تبتلع شفرات حادة لتقف حافظة ماء وجهها والمتبقي من كرامتها بعد رفض والدة عاصم الصريح لتقول بنبرة خافتة مهتزة :
-بعد إذنك انا همشي
توقفت على صوتها إذ أوقفتها الأخرى قائلة :
-عايدة انا لما جوزتك لابني كنت شايفة فيكي واحدة جميلة محترمة رغم إني اهلك كان باين عليهم انهم طمعانين، ورغم اني طمعهم بان أكتر مع الوقت بس عاصم قال هديكي فرصة وانتي اللي ضيعتيها لما اتغيرتي للأسوء
ختمت حديثها مشيرة إليها من الأعلى إلى الأسفل بالأخص إلى ملابسها مستكملة :
-لو شوفتي صورة قديمة ليكي ودلوقتي هتشوفي فرق فظيع، مش كل الأغنية أخلاقهم منحلة وانا مش بشك في شرفك وإنما لبسك اتغير ١٨٠٪ من الستر للعُرى، وابني راجل واتكلم معاكي أكتر من مرة بس حضرتك كنتي عايزة تعيشي الحياة المرفهة للطبقة المخملية وأدي النتيجة
خرجت عايدة دون الاستماع إلى كلمة أخرى منها، متجهة إلى سيارتها ولم تجلس تبكي بها بل على النقيض انطلقت بسرعة مخيفة وقد فتحت سقف السيارة جاعلة الهواء يتخللها لعل الهواء يطفئ من حرارتها التي تنبعث من كل جسدها
العيب بها هى؟!
جملة تردد صداها في عقل عايدة وكلام والدة عاصم الاخير يتردد في ذهنها مع صوت آخر ليوسف عندما ذهبت إليه في محاولة أن تجعله يساعدها في العودة إلى يونس وقابلها برفض، ربما أشد من رفض رقية ويونس إذ قال :
-عايدة احنا اتخلقنا في الدنيا دي علشان نختار ونندم على اختياراتنا علشان مش كلها بتبقى صح، وانتي اختارتي واتحملي اختيارك وبصراحة واعتبريها نصيحة مني متقلبيش في الماضي وشوفي مستقبلك وحاولي تغيري من نفسك انا معرفتكيش يا عايدة انتي اتغيرتي للأسوء
لم تكن تريد سوى أن تشعر أنها مرغوب بها لكن يبدو أنها بالفعل بالسوء الذي يراها الجميع به، ودعوني قليلًا أروى قصتي من منظوري لكم لربما لا تتخيلوني بالسوء الذي انا به
انا عايدة عبد العزيز
فتاة مثل ملايين الفتيات تحلم منذ مراهقتها عندما تكون في منزل والدها بفتى الأحلام الذي ستعيش معه في تبات ونبات كما يقولون لكن لم تكن الحياة بهذه الوردية التي يحلم بها جميع الفتيات
كاد الأمر أن يسير على هذه الوتيرة إذ تقدم لها عندما كانت في الثانية والعشرون من عمرها شاب وسيم يقربها في العمر يُدعي يونس هواري يدرس في كلية الشرطة ومن عائلة ثرية، وافقت عليه وتم قراءة الفاتحة
وقد علمت منه أنه كان معجب بها كثيرًا منذ الثانوية ولم ينتظر أن يكمل الكلية وتقدم لها، لقد كان يونس يحبها كثيرًا وهى كانت سعيدة بهذا الحب رغم عدم مبادلته لكن مثل أي فتاة تحب أن تتلقى الإهتمام والحب
ولكن لم يكتمل الأمر إذ قبل أن تتم خطبتها من يونس بشكل رسمي تقدم لها شاب آخر يدعي عاصم سعيد غانم وكان أكثر ثراءً من يونس إذ كان والده تاجر ذهب وعندما علما والديها بهذا الأمر جُنا بالمعنى الحرفي
حتى أنهما قبلا به دون الإهتمام بأمر يونس وعندما اعترضت عن الأمر مذكرة اياهم بأنها شبه مخطوبة ليونس الآن ثارت والدتها عليها إذ قالت :
-يونس مين يا بت بقولك عاصم ابوه تاجر دهب انتي متخيلة هينقلك وينقلنا ازاي
-ايوه يا ماما بس يونس مش فقير
لوت والدتها شفتيها بتهكم قائلة :
-ماشي يا اختي يونس مش فقير وابوه معاه كتير وشريك في عمارة في ميامي بس عاصم أغنى بكتير
-بس يونس بيحبني اوي يا ماما أما عاصم ده عايز يتجوزني جواز صالونات
-يا حبيبتي الحياة مفيش حاجة فيها بتمشي بالحب كله بيمشي بالفلوس، ثم الحب قبل الجواز ده مدة صلاحيته بتنتهي بسرعة وانت وشطارتك مع عاصم بالمعاملة الكويسة تكسبيه وهيحبك وتحبيه ويبقى معاكي حب وفلوس
لم تقتنع بالأمر ببساطة لكن والدتها ظلت تلح عليها وكما يقول المثل "الزنن على والودان أمر من السحر" وانتهى الأمر مع يونس بأن جعلتها والدتها ترسل له جميع الهدايا وتخبر شقيقته أن لا نصيب لهما ثم اغلقت خطها تمامًا
وبعد أسبوع واحد تمت خطبتها لعاصم وبعد شهر تم الزواج وقد كان عاصم شاب وسيم ومحترم لم ترى منه سوءًا وهو كان يتقبلها رغم أن زواجهما زواج صالونات كما قالت
كانت الحياة جميلة بشدة وقد استفاد والدها أكثر من هذا النسب إذ ارتفع في المجتمع بعدما كانوا ضمن الطبقة المتوسطة، وهى أيضًا شعرت بإختلاف شديد، إذ بدأت تتعرف على سيدات المجتمع الراقي وقد تغير اسلوبها وشخصيتها
لقد تعلمت من صديقاتها الجدد أسلوب جديد سواءً في طريقة تحدثها أو أسلوب ملابسها الذي تغير من البساطة إلى الأناقة والجمال من وجهة نظرها، وقد بدأت تقلدهن في كشف أجزاء من جسدها تحت مسمى جميع سيدات المجتمع يرتدين هكذا، هذا المسمى الذي يأخذنه جميع هذه الطبقة كحجة
ومع الوقت بدأ يتضايق عاصم من تغيرها في طريقة ملابسها وخروجها الكثير مع صديقاتها والسهرات، وقد تضايق أكثر عندما علم بأمر يونس حتى أنهما تشاجرا
وبدلًا من أن تراجع نفسها روت الأمر لصديقاتها وكان الرد منهن ساخرًا إذ كان
-ده عايز يعمل عليكي راجل يا حبيبتي واحنا مبقناش في زمن سي السيد، يتحكموا فينا ونسكت يزعقوا ويضربوا ونسكت، إحنا في زمن المرأة دلوقتي، اوعي تسبيه يتحكم فيكي ويقولك اعملي ايه ومتعمليش ايه
وبكل غباء انصاعت خلفهن وكثرت المشاكل وإهمالها لعاصم واهتمامها بنفسها وتجربة كل ما حرمت منه، فحياة الطبقة المتوسطة مختلفة اختلاف جذري عن حياة الطبقة الثرية
لتتفاجئ في يوم من الأيام أنها حامل وهذا بعد أن كانت تؤجل الأمر رغم رغبة عاصم في إنجاب طفل، لكنها كانت تود أن تعيش حياتها قليلًا قبل أن تدخل في مسؤليات الأطفال، سعدت هى وعاصم بالخبر وقلت المشاكل كثيرًا بينهما وانجبت طفلة جميلة اسموها تالين
لكن لم يلبث الأمر كثيرًا إلا وعادت لصديقاتها واهتماماتها هى، بالكاد كانت ترى عاصم وابنتها وهذا لأن أصحاب الطبقة الثرية لديهم خدم يربون الأطفال نيابةً عنهم، وظلت على هذا الحال إلىٰ أن تفاجأت في يوم بطلاقها من عاصم لتسأل نفسها كيف حدث هذا وما الخطأ الذي ارتكتبه
ظلت أسبوعين بمفردها تراجع نفسها بعيدًا عن الجميع حتى عن والديها الذين شعرا بالسخط لطلاقها وهى لا تزال في زهرة شبابها، بل ولأنها خسرت رجلًا كعاصم
وظلت هكذا إلىٰ أن افتقدت الإهتمام والشعور بأنها مرغوب بها لتشعر بالحنين إلى الماضي، إلى يونس
لتحاول العودة إليه مرة أخرى وانتم تعلمون ماذا حدث بعدها
كانت تريد فقط أن تشعر بأن هناك من يحبها لكن الجميع رفضها لأن العيب بها ولا أحدًا سواها
توقفت بسرعة بالسيارة عندما غامت عينيها بالدموع فخشيت أن تصطدم أحدًا، نظرت حولها إلى المنطقة لتجد أنها قريبة كثيرًا من قسم الشرطة الذي يعمل به يونس
أعادت تشغيل السيارة وانطلقت بها إلى هناك، لا تعلم ماذا ستفعل أو ماذا ستقول لكنها تود حقًا الإعتذار منه على ما بدر منها في حقه وحق مشاعره فلم يكن يستحق يونس ما فعلته به
توقفت أمام القسم وهبطت من السيارة متجهة بخطوات مترددة إلى الداخل، لتتجه مباشرةً إلى مكتب يونس حيث وجدت الباب مفتوحًا ولا يوجد عسكري، وقبل أن تدلف أصابها الذهول مما ترى
عاصم ويونس في مكانٍ واحد، هذا اللقاء لم تتوقع أن يحدث يومًا
حاولت فهم ما يحدث وما تلك الفتاة التي تجلس بينهما ويبدو الضياع والخوف على ملامحها بينما يونس وعاصم كلاهما يقفان ندًا لند والتحدي يظهر داخل نظراتهمابوضوح، ليقول عاصم بنبرة شديدة الحنو وهو يهبط قليلًا لمستوى تلك الفتاة هامسًا باسمها وبنبرة حانية جعلتها تدرك أن هذه هى الفتاة التي يحبها عاصم :
-شروق انا فاهم إنك مصدومة دلوقتي وخايفة تتكلمي وانا مش هخلي حد يضغط عليكي
جذب يونس المقعد الذي كانت تجلس عليه شروق هاتفًا بغضب :
-وانت مالك يا بني آدم انت؟! انت اصلًا ايه اللي مقعد هنا؟ بصفتك مين؟! لا انت من الشهود ولا ظابط ولا حتى ولي أمرها
وصاح به عاصم وقد تخلي عن رُقيه بعدما استشعر نبرة غيرة من يونس وكأن شروق تخصه هو :
-انا الدكتور بتاعها وانا اللي جبتها هنا وهى دلوقتي في صدمة متقدرش تستجوبها
-طب يا سيدي شكرًا لانك جبتها هنا انا ابقى قريبها وساكن في نفس العمارة اللي ساكنة فيها ولو مش مصدق اسألها، يعني حضرتك اتفضل كده وانا هستجوبها واوصلها البيت بنفسي
-مش هتستجوبها دلوقتي بقولك، انت مش بتفهم ولا ايه
استمعت عايدة إلى صراخ رقية بهما وقد كانت تواليها ظهرها أي لم ترها لتسمعها تقول ما جعلها تُصعق لا تُصدم فقط :
-هو انتوا هتتخانقوا والبنت وسطكم، هتعيدوا الزمن تاني زمان عايدة ودلوقتي شروق؟!
-عن إذنك يا آنسة
نطق بها شاب ضخم لم تتعرف عليه عايدة إذ دفعها جانبًا ثم دلف إلى الداخل بينما هى ذهبت بسرعة قبل أن يراها أحد مستقلة سيارتها، ثم عادت بسرعة إلى منزل والدها الجديد الذي اشتراه كي يليق بمركزه الجديد فهو نسيب تاجر الذهب الأشهر في الإسكندرية، أو لنقول سابقًا
صعدت بسرعة إلى غرفتها لا تستوعب أنها خسرت عاصم وخسرت يونس والآن كلاهما يريدان نفس الفتاة؟! تذكرت تلك الفتاة والتي رأتها قبلًا في مكتب يونس، تلك الفتاة ذات الملابس الأزهرية الفضفاضة، والحجاب الواسع، تكاد تجزم أن لا شئ كان يظهر منها سوى وجهها وكفيها
وقفت أمام المرآة تحدق في نفسها وتسأل ذاتها ما الأفضل في شروق ليس موجود به، إنها أجمل منها بكثير، لكن يونس وعاصم لم يبصرا بها الجمال بل نظروا للشئ الذي ينقصها هى.... الاحتشام والأخلاق
فتحت خزانتها تتطلع إلى ملابسها لتبدأ بسرعة في إخراج جميع ما تملك من فساتين قصيرة أو كاشفة أو بناطيل ضيقة وملابس لا تلائم أبدًا فتاة مسلمة
وضعتهم جميعًا على الأرض ثم جلست بينهم وأخذت تمزق بهم وهى تتذكر كلام والدة عاصم الذي يكوي ضميرها لتصرخ بجنون وهى تبكي وتمزق في الملابس :
-انا مش عايزة ابقى كده، انا مش وحــشــة مش عايزة ابقى كــــده
أتت والدتها بسرعة على صراخها وعندما وجدتها تمزق في الملابس بتلك الطريقة صرخت بها قائلة :
-ايه اللي بتعمليه ده؟! بتقطعي الهدوم كده لـــيـه
وصاحت بها الأخرى بغضب شديد وبدت غير واعية بما تفعل :
-اطلعي برا يا ماما اطلعي برا، سيبيني في حــالـي
دفعتها للخارج واغلقت الباب من الداخل ثم عادت تمزق في الملابس وتصرخ، ووالدتها تطرق على الباب بعنف مرتعبة على ابنتها والحالة التي بها وكأن أصابها الجنون
ولم تهدأ الأجواء إلا بعد ساعة من صراخ عايدة وصراخها هى أيضًا فظنت أنها غفت لذا ابتعدت عن الباب، بينما كانت عايدة تضم نفسها أرضًا كالجنين بين قصاصات الملابس ودموعها أفسدت وجهها بعدما اختلطت بالكحل الأسود الذي كانت تزين به عينيها
ولم تغفو إلا بعد معاناة وآخر سؤالٍ قد طرحه عقلها عليها، هل لا تزال لديها فرصة لتتغير إلى الأفضل وتصبح مرغوب بها؟ أم غرقت في الفساد ولا نجاة لها....
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أما في القسم وقبل عشرِ دقائق من وصول عايدة عندما تفاجأ يونس ورقية بأن شروق هى الشاهدة، وكان الأكثر مفاجأةً بالنسبة إليه هو وجود عاصم معها
دلف يونس إلى الداخل دون إلقاء أي بال لعاصم بينما الآخر حدق به وقد تعرف عليه بسهولة، أجل لم يقابله من قبل لكن يعلم اسمه كاملًا "يونس محمد هواري"
وهذا الاسم كُتب على مقدمة المكتب الذي يجلس أمامه، إذًا مَن أمامه الآن هو يونس خطيب طليقته والذي كان يحبها حبًا جمًا وهو أخذها منه
وقف يونس أمام شروق مواليًا ظهره لعاصم محدقًا في عينيها المرتعبة وهو يشعر بالأسى عليها يبدو أنها رأت ما لا يجب أن تراه :
-شروق
همس باسمها بخفوت حتى يجذب انتباهها، رغم أنها تنظر إليه لكن يبدو أنها لا تراه، اقتربت رقية منها واضعة كفها على كتف الأخرى فانتفضت شروق من مكانها برعب حقيقي، وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة تهدئها كان عاصم يدفع يونس من أمامه بخفة حتى يصبح هو أمامها وبشكل عفوي منه مد يده وامسك بكفيه كفيها الباردين يشعر بخوف شديد عليها :
-شروق اهدي اهدي متخافيش
ولم يلبث لثواني إلا ووجد كف خشن يدفعه بعيدًا عنها ووقف أمامه يونس يطالعه بشرر يقدح من عينيه :
-ايه ده بقى؟ انت بتمسك ايديها عادي مفيش احترام حتى لخمارها اللي لابساه ده
عقد الآخر حاجبيه لا يفهم سر غضبه هذا ولكنه حاول أن يخفض صوته وأن تكون نبرته هادئة إذ قال :
-انا بحاول أهديها هى مش واعية بنفسها عندها صدمة عصبية لأني لحد دلوقتي مدتش رد فعل من اللي شافته، دي شافت واحدة بتدبح قدامها
حدق يونس في شروق خلفه التي اخذت رقية تهدئ بها، ثم عاد بنظره إلى عاصم متسائلًا :
-هو انت كنت موجود أثناء وقوع الجريمة دي؟؟
-لأ انا كنت في محاضرة بس اللي شافوا اللي حصل قالوا إنهم سمعوا صوت صريخ من الحمام ولما كسروا الباب لقيوا فريال ودي طالبة في سنة رابعة مدبوحة على الأرض وشروق جوا واحد من الحمامات وكانت في حالة من الصدمة وتقريبًا شافت اللي حصل
استدار يونس بشكل كامل إلى شروق لينظر إلى عينيها بتركيز شديد قائلًا :
-انتي شوفتي القاتل يا شروق
ولم يتلقى منها اي رد بل بدت وكأنها تسبح في ملكوت آخر، فقال يونس بتركيز شديد يميل عليها قليلًا وهو يستند بكفه على سطح المكتب :
-طب تعرفي توصفي شكله، صوته، سمعتيه قال حاجة للبنت اللي ماتت
بدأ يونس يطرح عليها الكثير من الأسئلة ضاغطًا على أعصاب شروق بدون قصد، فصاح به عاصم وقد تخلى عن هدوءه بسبب طريقة يونس هذه إذ دفعه بعيدًا عنها بخفة، ثم قال :
-لو سمحت مش هينفع كده انت بتضغط على اعصابها
وقف يونس ينظر إليه بحدة والآخر بحدة مماثلة بينما شروق تجلس على المقعد بينهما تشعر بضياع وكأنها لا تعي ما يحدث حولها
ابعد عاصم عينيه عنه ثم تحدث بنبرة شديدة الحنو وهو يهبط قليلًا لمستوى شروق هامسًا باسمها وبنبرة حانية :
-شروق انا فاهم إنك مصدومة دلوقتي وخايفة تتكلمي وانا مش هخلي حد يضغط عليكي
جذب يونس المقعد الذي كانت تجلس عليه شروق هاتفًا بغضب :
-وانت مالك يا بني آدم انت؟! انت اصلًا ايه اللي مقعد هنا؟ بصفتك مين؟! لا انت من الشهود ولا ظابط ولا حتى ولي أمرها
وصاح به عاصم وقد تخلي عن رُقيه بعدما استشعر نبرة غيرة من يونس وكأن شروق تخصه هو :
-انا الدكتور بتاعها وانا اللي جبتها هنا وهى دلوقتي في صدمة متقدرش تستجوبها
-طب يا سيدي شكرًا لانك جبتها هنا انا ابقى قريبها وساكن في نفس العمارة اللي ساكنة فيها ولو مش مصدق اسألها، يعني حضرتك اتفضل كده وانا هستجوبها واوصلها البيت بنفسي
-مش هتستجوبها دلوقتي بقولك انت مش بتفهم ولا ايه؟؟
وهنا تدخلت رقية صائحة بهما، تشعر بالشفقة على شروق بينهما :
-هو انتوا هتتخانقوا والبنت وسطكم!! هتعيدوا الزمن تاني، زمان عايدة ودلوقتي شروق؟!
قطع هذه الأجواء دلوف سفيان إلى المكتب وقد لاحظ أن الأجواء مشحونة، كما أنه استمع إلى جملة رقية لكنه لم يفهم مغزاها الخفي لذا قال منتحيًا عن الأمر فهذا ليست وقته :
-فين الشاهدة اللي اسمها شروق؟؟
اتجهت الأعين نحوه ليقول يونس متعجبًا وجوده هنا وليس في الكلية أي في مسرح الجريمة :
-انت بتعمل ايه هنا؟! ليه مروحتش الجامعة؟؟
-انا لسه جاي من هناك فعلًا والظابط اللي هناك بلغني إني الجثة اتنقلت للمشرحة والشاهدة اللي كانت في الحمام لما وقعت الجريمة اتنقلت للقسم وبالنسبة للقاتل طلبت تفريغ كل الكاميرات لعل وعسى نعرف شكله مع اني أشك إني ده مش السفاح
-هو
نطقت بها شروق بصوت خافت جعلت حواس الجميع تنتقل إليها لتقول رقية بسرعة وهى تقترب منها :
-هو السفاح يا شروق انتي متأكدة؟؟
نظرت إليها شروق بأعين زائغة تتذكر تلك الجملة التي نطق بها، والتي هى نفسها التي سمعتها من الفيديو الذي نشره السفاح قبل أن يقتل إحدى ضحاياه، ذلك الفيديو الذي شاهده الجميع وهى من ضمنهم :
-بلغي سلامي لأبويا لما تروحي جهنم يا فريال، قال كده، هو السفاح
اقترب منها سفيان بسرعة وها هو السفاح الحقيقي قام بخطأ سوف يوقعه، وهو كان ينتظر هذا الخطأ منه بفارغ الصبر :
-طب انتي شوفتي شكله؟؟
هزت رأسها بأجل فقال يونس بتركيز أشد :
-تعرفي توصفي شكله يا شروق انا هطلب رسام
-وليه رسام انا هوريها صور اللي انا شاكك فيهم يمكن يطلع واحد منهم
نطق بها سفيان وقد هم بإخراج هاتفه حتى يتصل على مساعده يرسل له الصور بينما شروق عادت تتخيل وتتذكر ما حدث لترفع يديها الملطختين بالدماء وإذ بتنفسها يضيق بشدة وبالكاد تشعر أنها تلتقط انفاسها
علىٰ صوت شهقاتها وعندما لاحظت رقية هذا علمت أنها تمر بنوبة ضيق تنفس فصاحت بالجميع أن يخرجوا حتى تفك عنها حجابها :
-اطلعوا برا هى مش عارف تتنفس
خرج الثلاثة بعد أن رأوا حالتها هذه ليقول عاصم بغضب شديد :
-قولتلكم متضغطوش عليها لسه في صدمة عصبية مينفعش تستجوبوها دلوقتي خالص، على الأقل لحد ما تهدى وده أشك انه هياخد أيام
تنهد يونس ولا يعجبه أن يوافقه في الرأي لكن ما باليد حيلة :
-سفيان الصور معاك انا هحاول على الأقل اخليها تشاور على واحد فيهم لو هو القاتل
هز عاصم رأسه نافيًا هذا الاقتراح أيضًا :
-ايًا يكن الصور دي، لو القاتل واحد فيهم هتتعرض لإنهيار عصبي شديد
-هو انت دكتور نفسي؟؟
تساءل بها سفيان متعجبًا طريقته ليقول عاصم بإيجاب :
-انا أخصائي نفسي بس بتدرس في كلية الآداب قسم علم النفس
-طب انت ايه علاقتك بالجريمة؟؟
تنحنح عاصم فهل سيقول أنه أتى مع شروق خوفًا عليها وأنه ارتعب عندما رآها وسط الدماء في المرحاض :
-احم انا مليش علاقة الجريمة ومشوفتهاش
-خلاص اتفضل شكرًا لخدماتك
نطق بها يونس وهو يرسم على وجهه بسمة بدت مصطنعة بشدة فقال عاصم مندهشًا من وقاحته هذه :
-هو فيه ايه؟! كل شوية تطرد فيا، هو علشان انت ظابط هنا فاكر القسم كله بتاعك، انا مش همشي علشان تفضلوا تضغطوا عليها لحد ما تنهار منكم
أشار يونس إلى الداخل بكفه هاتفًا بسخرية وحِدة :
-ما تدخل تستجوبها انت؟! ما الباشا فاكر نفسه وكيل نيابة بقى
-هو انتوا الاتنين بتحبوا البنت دي؟!
نطق بها سفيان ملقيًا هذا السؤال بجرأة معروفة عنه فهو صريح لأبعد الحدود ولا يبالي بالحديث الذي يقوله مهما كان
نظر عاصم ويونس لبعضهما متفاجئيّن من سؤال سفيان هذا
عاصم لم يكن يعلم أن هناك رجل آخر يكن لشروق مشاعر لكنها لا ترتدي خاتم خطبة إذًا لا تزال عزباء، ويجب أن يسرع في أمر التقدم لطلب يدها ما دام هناك آخر يريدها وهو يجب أن يسرع
بينما يونس يعلم أن لا مشاعر الآن لديه بإتجاه شروق، هى قد بدأت تشغل جزءًا من تفكيره مؤخرًا لكن عاصم يبدو أنه حقًا يريدها وهذا ما سيجعله يتمسك بشروق، فحتى إن كانت مشاعره لا تزال غير مفهومة بالنسبة إليه لكنه لن يتركها لعاصم ويتنازل كما تنازل سابقًا
وعندما رأى سفيان الصمت منهما اتجه إلى الباب طارقًا عليه حتى تفتح رقية بعدما أغلقته، تزامنًا مع قوله :
-طالما سكتوا يبقوا انتوا الاتنين بتحبوها وفي الحالة دي اطلعوا منها انتوا الاتنين وانا اللي هستجوبها
فُتح الباب بسرعة قبل أن يطرق لتخرج رقية مهرولة، فقال يونس بقلق من سرعتها هذه وقد خشى أن يكون مكروهًا أصاب شروق بالداخل :
-رقــيــة فيه ايه؟!
بينما الأخرى لم تجيب بل لم تسمعه وصوت عمر يصدح من هاتفها الذي تمسكه يقول من على الناحية الأخرى وهو يخرج من سيارة الأجرة متجهًا إلى القسم :
-انتي يا بنتي روحتي فين انا قدام القسم
توقفت رقية أمام الباب الداخلي للقسم، أمام الدرج بالتحديد، وقد ابصرت عمر مر من البوابة دخولًا للداخل فهبطت على الدرج بسرعة تمنعه من الدخول، وهذا لأن يونس إن رآه قد يحدث ما لا تتوقعه وما لا تحسب له حساب :
-عمر استنى
وقفت امامه بسرعة تمنعه من إكمال الدرج بينما عقد الآخر حاجبيه يسمعها تقول وهى تسحبه خلفها للأسفل :
-تعالى تعالى متطلعش
سحب عمر يده منها متعجبًا حقًا اسلوبها هذا من أول يومٍ تعاملت معه، تتحدث وتتعامل معه بأريحية ليس وكأنها تعلمه من أسابيع فقط بل وكأنها تعلمه منذ سنوات، كما أنه لم يمرر وجودها في منزل جدته ومحاولة جدته إخفاء كيفية وجودها وإدعائها انها ابنة عمته رغم أنها أول مرة ترى رقية
أو ربما ليست أول مرة فهناك شئ يحاك من خلف ظهره له علاقة بهذه الفتاة، وبالطبع طلب سفيان أن يعمل في نفس الجريدة التي تعمل بها ليس من محل الصدفة
وهو مستمر في جعلها في حياته حتى يعلم ما خلفها وليس لكشف السفاح كما طلبت هى، فطريقة دخولها لحياته وسرقتها للفلاشة مريبة بالنسبة إليه، والمريب أكثر هو تصرفاتها هذه الأيام ومحاولاتها لإبعاده عن أي شئ يخص السفاح سواءً هنا أو آخر مرة منذ يومين
وهناك شعور داخلي يخبره أن الأمر بعيد كل البعد عن السفاح فهناك ما تخفيه رقية ولا تود أن يعلمه هو، لذا تحدث بنبرة حادة فور أن سحب ذراعه منها قائلًا :
-هو فيه ايه بالظبط ها؟! ايه مخبياه ومش عيزاني اشوفه؟؟
ختم حديثه وهو يصعد مرة أخرى متجهًا إلى الداخل لكن عادت رقية وسحبته مرة أخرى بقوة تعجب لها حتى أن نبرتها كانت متوترة خائفة اثارت الريبة أكثر وأكثر بداخله :
-لا متدخلش ما اصل اصل الشاهدة مطلعتش في القسم ده، طلعت في مكان تاني تعالى هنروح هناك
زادت في سحبه للأسفل فأنصاع الآخر إليها مندهشًا لهذا، ليصدح فجأةً صوت جمد رقية في مكانها وقد شعر أن كفيها تيبسا حول ذراعه :
-رقــــيــة
استدار عمر للصوت ليجد أن صاحبه هو يونس شقيق رقية وقد كان يقف أمام الباب في نهاية الدرج وعندما رآه اتسعت عينيه مصدومًا وكأنه ابصر عفريتًا أو ما شابه، عاد ببصره إلى رقية ليجدها تحدق في أخيها برعب والصدمة والخوف مرتسمين على وجهها الذي بهت بشدة وكأن الدماء ما عادت موجودة به...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ربطت خصلات شعرها جيدًا ثم وضعت فوقهم البندانة حتى تلف عليها الحجاب وأثناء هذا لاحظت انعكاس زوجها في المرآة يقف أمام الباب وقد كان يحدق بها مبتسم الثغر
استدارت إليه بعدما أنهت ارتداء حجابها، تسأله عن سر تحديقه هكذا :
-مالك يا إسماعيل فيه ايه؟!
واجابها الآخر بنبرة حانية بشدة وهو يتقدم إلى الداخل بعدما تأكد أن لا أحد في الغرفة غيرها :
-شكلك بقى أحلى بالطرح الكبيرة متلبسيش تاني طرحة صغيرة
وكعادة الأخرى العنيدة لم توافق بسهولة بل همهمت بمراوغة وهى تنظر إلى نفسها بالمرآة :
-هفكر
اقترب إسماعيل منها ضاممًا جسدها من الخلف وهو يستند بذقنه على كتفها هاتفًا بتذمر :
-اخوكي خلاني امسح الأرض يرضيكي كده، وانا كنت فاكر حمزة أكيت واحد في العيلة، ده طلع مفتري
عضت غادة شفتيها تنظر بطرف عينيها إلى شقيقتها التي كانت تجلس على المقعد أمام مكتبها الصغير وعلى الأرجح لم يراها زوجها وإلا ما كان ليفعل هذه الحركات :
-إسماعيل احنا مش في البيت عيب
-طب يلا نروح البيت
وفي هذه الأثناء دلف كريم إلى الغرفة وعندما أبصر هذا المشهد شهق بقوة شهقة جعلت إسماعيل يبتعد بفزع عن غادة وعندما ابصره كريم صاح بغيظ قائلًا :
-ايه يا كريم مش تخبط
-اخبط على ايه يا اخويا هو انت فاكر نفسك في اوضة النوم، ثم عيب قلة الأدب دي متتعملش هنا
ورفع الاخر حاجبيه مرددًا بذهول :
-قلة أدب ايه دي مراتي، ثم محدش كان في الاوضة غيرنا انت اللي دخلت زي قطر من غير سواق
وتحدثت رحمة من خلف المقعد الذي تجلس عليه مسببة لإسماعيل صدمة :
-وانا ايه يا إسماعيل كيلو طماطم؟!
أشار إسماعيل إليها محدثًا زوجته بذهول إذ قال :
-هى كانت معانا في الاوضة وانا مكنتش شايفها؟!
آماءت غادة ضاحكة ليقول إسماعيل وهو يضع يدها داخل ذراعه :
-خلاص نروح بيتنا أحسن نتستأذن إحنا واه لؤي الصغير هيبات معاكم النهاردة
ختم حديثه ومر من جانب كريم والذي هتف بصوت مرتفع اندمج بالضحكات :
-لو ناويين على بيبي جديد هيبقى اسمه كريم يا إسماعيل ماشي
وافقه إسماعيل مودعًا إياه وعندما خرجوا من المنزل وجدوا حمزة في الخارج يضع كيس القمامة في الحاوية الصغيرة بجانب الباب، ليقول بتعجب وهو ينظر إليهما :
-انتوا رايحين فين مش هتتعشوا معانا؟!
-لا هاخد غادة ونتعشى برا
ابتسمت له غادة بسعادة فلم تكن تتوقع هذا، بينما قال حمزة وهو يضع يده في خصره لاويًا شفتيه بتهكم وكأنه حمىٰ لغادة إذ قال :
-حافظ على فلوسك يا ابني المرتب بيخلص بسرعة ثم دي أشكال تدخل مطاعم خسارة فيها
-يا حــيــوان، وانت مالك انت
صرخت بها غادة وهى تهم بضربه لولا إسماعيل الذي حال بينها وبين حمزة يدرك جيدًا أن الآخر قال هذا لإغاظتها فقط لا غير :
-خلاص يا غادة يلا نمشي وانت كفاية كيد لو سبتها عليك هتقطعلك شعرك
-طب تبقى تعملها كده بنت ناهد المقشفة دي
ولولا أن إسماعيل ادخلها إلى المصعد لعادت غادة وقطعت له خصلاته بالفعل، ضحك حمزة وهو يستمع إلى سبابها عليه وكاد أن يدلف لولا أنه استمع إلى باب الشقة المقابلة يُفتح وظهرت من خلفه نور ترتدي فستان شتوي من اللون البنفسجي الغامق يعلوه خمار مزركش من اللونين الأبيض والبنفسجي
ابتسم لها عندما رفعت عينيها ولكنها اخفضتهما بسرعة حتى قبل أن تصطدم عينيها بعينيه، وكأنها تبينت هويته ثم انطلقت ناحية المصعد تضغط على زر الصعود فقال حمزة وقد شعر أنها شبه هربت عندما رأته :
-طب قولي مساء الخير حتى مش السلام لله زي ما بيقولوا
ولم ترد الأخرى أو تستدير بإحراج ملقية التحية بل توجهت بسرعة إلى الدرج ولم تنتظر المصعد، وهنا علم أن حمزة انها تتهرب بالفعل فرفع حاجبيه مرددًا بذهول :
-هى لسه مكسوفة من وقت اللي حصل الصبح
أما بالنسبة إلى نور كانت تهبط الدرج بسرعة عاقدة الحاجبين من رؤيته، تريد حقًا تفادي أي موقف يجمعهما فيبدو أنها تساهلت في التعامل معه مؤخرًا فظنها فتاة سهلة يريد العبث منها
أخرجت هاتفها من حقيبتها متصلة على هاجر والتي لا تجيبها منذ البارحة، تود شكرها حقًا على مساعدتها، وحمدًا لله لقد اجابت هذه المرة إذ استمعت إلى صوتها على الناحية الأخرى تقول :
-الو يا نور
-ايه يا بنتي انتي فين انا قولت موتي ولا حاجة
نطقت بها بمزاح فقالت هاجر مبتسمة بإرهاق :
-لا يا حبيبتي انا تعبانة اليومين دول علشان كده مقدرتش اجي المدرسة، انتي عاملة ايه والحمى عملت فيكي ايه؟؟
تعجبت نور صوتها المتعب بشدة من الناحية الأخرى رغم أنها تستمع إلى أصوات أخرى وكأنها في الشارع :
-لو انتي تعبانة بتعملي ايه في الشارع؟!
-بشتري شوية حاجات للبيت يا نور معنديش حد يطلع غيري حتى لو تعبانة.... ولا ليا حتى حد يزورني
همست بآخر جملة بصوت خافت سمعته نور من الناحية الأخرى وكم آلامها هذه وشعرت بشفقة عليها، فكم هو يؤلم شعور الوحدة خاصةً أنها تذكرت كلمتها عندما كانت عندها
"انا يتيمة ومليش حد في الدنيا دي غير ربنا وقطتي المكسورة دي"
ذمت نور شفتيها تفكر في أمر جنوني لكنها لا تحب أن ترى شخص وحيد يتمنى أن يسأل عليه أحد، تشعر وكأنها في يومٍ من الأيام ستصبح هكذا تتمنى لو أن أحدًا يفكر بها حتى :
-طب بقولك ايه عندك غداء حلو انا جيالك زيارة
عقدت هاجر حاجبيها بدهشة وعدم تصديق لما تقول :
-جاية عندي بجد؟!
-اممم هركب مشروع على قولتك بس أوصفيلي بالله عليكي علشان متوهش، وانا هجيبلك زيارة حلوة واجي ما زيارة المريض صدقة
آماءت هاجر بسعادة وكأنها تراها لتقول بسرعة :
-هستناكي عند المكان اللي بيوقف عنده المشروع اركبي واحد ينزلك في سيدي بشر ولو حسيتي نفسك تايهة اتصلي عليا ماشي
اغلقت معها تشعر بسعادة لأن أحدًا سيسأل عليها لتنظر إلى البقال طالبة منه أشياء كثيرة لتعدها فاليوم لن تأكل لمفردها ككل يوم
أخذت منه الطلبات وسارت في الشارع دون أن تدري أن هناك من يراقبها لتصطدم في شخص وسقط ما معها وما معه، هبطت بسرعة معتذرة منه وهى تلملم ما يخصها بينما سحب ذلك الشخص علبة عصير كبيرة ووضع أخرى تشبهها مكانها حتى تأخذها هاجر ثم اعتذر منها ورحل
بينما الأخرى وضعت كل ما اشترته داخل حقيبة المشتريات خاصتها وتحركت عودةً لبنايتها حتى تبدأ في صنع الطعام قبل أن تأتي نور
ارتكن ذلك الرجل إلى إحدى الجدران متصلًا على ربة عمله إذ قال :
-ايوه يا سعاد هانم العلبة اللي فيها العصير اللي حقنتي فيه السم معاها دلوقتي
