رواية عديل الروح الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم الكاتبة ام حمدة
الفصل الرابع والعشرون - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
**************
أظلمت شمس حياتي بغيابك يا غالية!!
وأصبحت كصحراء جرداء خالية.
انطفأ نورك، وصرت دونك ضائعة!!
فيا ليت دمعاتي تعيدك!!...فلكنت ملأت الكون وديانا.
تبكيك عيونهم دمعات عصية، لروح غادرت دنياهم.
رحلتي ورحل شذاك، وخلى فراشك من دفاك.
بحثت عنك بين الوجوه، لعلي ألقاك بينهم، ولم أجد سوى عيون باكية.
ضعيفة أنا دونك يا أمي!!..فقوتي غادرتني برحيلك.
أناديك...وأهمس باسمك، فأين السبيل للقياك؟؟
فيا رب السموات رحماك، لقلوب تعلقت لفرقاك.
" إن لله وإن إليه لراجعون".
هذا ما كانت تلتقطه أذناه خلال الثلاثة الأيام المنصرمة، كأن باقي الكلمات قد اختفت، وأن الحروف الأبجدية تكونت فقط من تلك الأحرف لتشكل كلمة أبى قلبه تصديقها إلى الآن!!.. لكن وجود المعزين يؤكد الحقيقة المرة، وأنه بيديه هاتين قد وارى جسدها تحت الثرى، وتركها تواجه الوحدة بمفردها دون رفيق يعينها على الغربة الموحشة.
هي لم تتخلى عنهم أبدا، فكيف استطاع هو أن يتخلى عنها؟!!
هو ابن عاق!!.. غير بار بالمرأة التي ربته وضحت بكل ما عندها في سبيل حصوله على حياة هانئة وسعيدة.
جلس على كرسيه دون حراك، فقط يده تمتد بآلية ليتلقى تعازي الحضور بجدته الغالية وكلماتهم تصم أذنيه، تخبره بحقيقة يريد أن يتغافل عنها، ونفسه تعاتبه لتركها لوحدها بظلمات القبر دون أن يؤنس وحدتها.
كان عليه أن يبقى بجانبها... كان عليه أن يظل دون أن يترك جانبها.
" يجب أن أكون بجانب أمي!! ".
ولم يعرف بأنه أسرها جهرة، وأن لسانه رحم حاله الكسيرة فأبى إلا مساعدته قبل أن تسحبه وساوس الشيطان، فينتصر ذلك المرتد عن إيمانه بلحظة ضعف وتخاذل، وما كاد يهب بجلسته كي يعود إليها مسرعا إلى من أهدته حنانا يتدفق دون أي مقابل، وأعطته حبا وسع المحيط، واحتوته بعز حاجته بين رمش عينيها، حتى شعر بقبضة من حديد تعيده لكرسيه وهمس يأتيه من بعيد، فعالم الضباب أرحم به من عالم الواقع:
" أنت لن تذهب إلى أي مكان يا محمد!! ".
رفع لمحدثه عينان خاويتان، منكسرتان، وبداخلهما لجة من بحيرات راكدة وكأن الحياة قد غادرتهما وخلفت خلفها خراب لا مجال لإصلاحه.
هاله ما رأى!!.. من رؤية كم الحزن والألم الذي تملك كيانه لفراقها، وتساءل بقلب خافق... إن كانت حال محمد هكذا؟؟.. فماذا عن محبوبته؟!!
أغمض عينيه بإعياء، وبألم استعر بدواخله لرحيلها، يشعر بأن شيء ما قد فقد من روحه، كأن قطعة من جسده قد شطرت منه، فجدته كانت كالأم الثانية له، ولا يصدق بأنها قد غادرت هذا العالم للأبد، وأنه لن يراها بعد الآن!!.
لقد مضى على وفاتها ثلاثة أيام...
ثلاثة أيام لم يخف بها عدد الحضور، بل في كل يوم يزداد جموع المعزين وهذا آخر يوم للعزاء.
اعتقد بأن أحوالهم ستتحسن بمرور الأيام لكن مازال الحزن هناك يجثم على صدورهم يمنعهم من التنفس، يمنعهم من الرغبة بالشعور بالحياة، و كأنها قد ماتت للتو.
تحركت أنظاره تراقب الوجوه الشاحبة لكل فرد من عائلة النعيمي، والده وعمه في حال يرثى لهم ويدعوا من أعماق قلبه أن لا يصيبهم أي سوء، أولاد أعمامه يجلسون بملامح هادئة نوعا ما لكنه يعرف أن في داخلهم حزن عميق لا يقدرون على إخراجه، فقط تلك اللحظة الوحيدة عندما حملوا جثمانها ووقفوا ينظرون لتلك الحفرة الصغيرة التي ستنام بها عزوتهم للأبد، تلك هي الثانية الوحيدة التي استطاع بها رجال آل النعيمي ذرف دمعات سخية لم يقدروا على كتمها، فهطلت دون خجل تبكي فراقها، تبكي رحيلها، تبكي وداعها الأبدي.
فقد كان فقدها كبيرا جدا عليهم وخلف فراغا بمكانها، فقد كانت كشعاع النور الذي ينير درب التائه في ظلمات الليل، كانت كالشمس الدافئة تعطي بكرم وسخاء دون أن تنتظر أي مقابل، كانت.... وكانت ومهما عدد فضائلها على الجميع فلن ينتهي أبدا من حصرها.
لمعت مقلتيه بدموع متحجرة، وتحول بياضها لاحمرار أحرق عينيه، رمش عدة مرات، هي لا تريد هذا!!.. لا تريد أن ترى عائلتها بهذا الكم من الحزن لموتها، فلو كانت هنا لنهرتهم على ما يفعلونه بحالهم، فالموت حق على كل إنسان، وعلى الجميع تقبل الأمر من أنها لن تكون بينهم بعد اليوم، وأن الحياة ستستمر ولن تتوقف بموت شخص ما.
زفر زفرات حارة وساخنة، يعرف بأنه سيصعب عليهم تقبل الأمر لكن هذه هي سنة الحياة!! " كل نفس ذائقة الموت ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ".
شحذ طاقته الكامنة بداخله، وشعر بقوة غريبة تسري بشرايينه، وإحساس بأن روحها بجانبه، وتشد أزره، تطالبه بالوقوف بصلابة فالمسؤولية تقع فوق عاتقه بإخراج عائلة النعيمي من أحزانهم، وسيبدأ مع هذا الصغير الذي يرى أن نهايته توشك على الاقتراب من حافة الانهيار التام، وإن لم يسارع باجتثاثه من القوقعة التي أدخل بها نفسه قصرا فسيلقي بروحه بالهاوية.
أمسك سلطان بكف محمد البارد كبرودة الثلوج وسحبه خلفه لينقاد كالطفل المطيع، وخرج به لمكان خاص كي يستطيع التحدث معه براحته دون أن يقاطعهم أي شخص.
اتجه به لمجلس الرجال بما أنه خالي بسبب أن استقبال المعزين كان بخيمة خارج المنزل، جلس محمد بسكون وتبعه ابن عمه يجلس بجانبه وأخذ يحرك المسبحة بأصابعه وعيناه تراقب حبات العقيق بلونها العشبي وهي تتساقط حبة تلو الأخرى مصدرة صوتا خفيضا جذب أنظار محمد إليها، ليراقبها هو الآخر وهي تتحرك تحت أصابع سلطان ليباغته مباشرة دون أي مماطلة، فالأمر لا يحتاج للمداهنة، وعلى محمد أن يستيقظ من البئر المظلم الذي ساق نفسه بها ومتناسيا أن تلك هي إرادة الله ولا راد لقضائه.
" هل كفرت يا محمد بعظمة الله تعالى!! ".
وكأن ماء بارد انسكب عليه، وشعر بقشعريرة تسري على كامل جسده كأن ماسا كهربائيا قد أصابه لينتفض من هول الجملة ويلتفت برأسه بقوة ناحيته صارخا:
" هل جننت يا سلطان لتقول عني بأني كفرت بالله!! ".
ناظره سلطان بقوة، وعيونه شعت بشكيمة ولد عليها وقال معاتبا:
" إذا... لما تمنع حكم الله؟؟ ".
تصلب بجلسته، وفتح فمه ليجيبه فعاد يغلقه ثم أعاد نفس الحركة يبغي خروج أي حرف فخانته حروفه، فماذا سيقول؟؟.. وماذا سيرد عليه؟؟.. هو مؤمن بحكم الله، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن الروح ستطير لبارئها دون تقديم أو تأخير، فقد سطر هذا منذ أن خلق في سجل كتاب كل إنسان.
أغمض عينيه بإعياء وحزن اكتنف روحه، فالفراق صعب، وبالخصوص إن كان شخص عزيز على قلبك.
ربت سلطان على قدمه وتابع حديثه بهدوء:
" أعلم أن تقبل هذا الأمر صعب عليك، بل هو صعب على الجميع، لكن علينا أن نستمر بالعيش، وهل تظن أن البكاء سيعيدها لنا؟!.. هو لا يفيد بشيء أبدا سوى أنه يتعب النفوس ويرهقها، علينا فقط بالدعاء ثم الدعاء ولا شيء سواه، فهو سيمدنا بالطاقة لنصبر على فاجعتنا، هي لا تحتاج لدموعنا، بل تحتاج لدعواتنا التي ستساعدها بتلك الحياة الأخرى ".
سكت ليستمع لما يقوله، فوصله صوته مخنوقا متألما.
" الأمر صعب تقبله، ما زلت لا أصدق بأنها قد رحلت للأبد، وأنني لن أراها بعد اليوم ".
احتضنه سلطان من كتفه وقال بصوت حزين وهو يهز رأسه موافقا على ما يقوله:
" وأنا أيضا مثلك يا محمد، ما زلت لا أصدق، لكن الحقيقة هي بأنها قد رحلت ولم تعد بيننا، ولكن ما يزال حبها باق في قلوبنا ولن ننساها أبدا، كما أنها لا تريد أن تراك بهذه الحالة، عليك أن تكون قويا كما عهدتك دوما، وأن تكون عونا لشقيقتك فهي بأمس الحاجة إليك الآن!! ".
اعتصر محمد عيناه يمنع دموع أخرى تهدد بالسقوط، فتذكر حديثها معه بعد أن سقطت طريحة الفراش عندما أبلغته بالاتصال بكل أولادها، فهي تريد رؤيتهم بالحال.
جلس بجانبها يحاول إقناعها بالذهاب للمشفى ليطمئن على صحتها، لتقابله بابتسامة حنونة وواهنة، وقالت تغالب أنفاسها الشاقة لرئتيها:
" بني... أريد أن أموت بفراشي، وبين أولادي وأحفادي، وليس بسرير بارد وبعيد عنكم ".
أسرع محمد يرفض تلك الفكرة التي وضعتها برأسه وقال:
" أطال الله بعمرك يا أمي!!.. أنت ما زلت بريعان شبابك، هي نكسة بسيطة كما كل مرة وسترين غدا كيف ستنهضين من هذا الفراش، وتقولين تبا لمرض يجعلني حبيسة فراش لا أطيقه!! ".
قهقهت الجدة لكلامه ثم اختنقت بموجة من السعال الحاد جعل وجهها يحمر، وشفتيها تزرق، فأسرع يسحب كمامة الأكسجين بجانبه ويضعها على فمها وأدار الآلة لتبخ الأكسجين لرئتيها، لحظات كأنه الدهر وهو يرقب صدرها يرتفع وينخفض دون أن يرمش، خوفا من أن تباغته تلك الثانية وتسرقها منه.
عادت شفتيها للونها الوردي الباهت لكنه دليل عودة الحياة لجسدها، فتنفس الصعداء، وهم بالتحرك من مكانه وهو يتحدث:
" حالتك سيئة يا أمي، يجب أن آخذك للطبيب!! ".
رفعت يدها بوهن ووضعتها على يده تمنعه المغادرة ثم أبعدت قناع الأكسجين وقالت بلهاث صعب:
" أنا بخير يا بني لا تقلق!! ".
" لكن... ".
" اسمعني يا محمد ولا تقاطعني!! ".
سكتت تلتقط أنفاسها، ودار صراع بداخله بتحقيق رغبتها بالبقاء أو بتحقيق ما يريده بأخذها للمشفى، ففازت بما تريد وعاد للجلوس بجانبها وكفها بكفه.
" بني.. عليك أن تكون قويا من بعدي، ولا تستسلم لليأس والحزن لفراق لا بد منه، وكن قويا بعقلك، ولا تتسرع بأحكامك على الآخرين، فتخسر كل شيء ".
استمع بذهول لكلامها المخيف الذي جعل قلبه يتخبط بجنون بين جنباته، وحروف لم يستطع فهمها كأنها تتحدث بطلاسم؟؟.. لم يرد أن يستوعب ما تقوله، ونفى كلماتها بعمق سحيق بذاكرته وبعدها جرى كل شيء بسرعة.
عاد من رحلة الذكريات المؤلمة، وكلماتها ترن كما الناقوس بعقله توقظه من الغرق ببحور الحزن والألم، لتهطل دمعة خائنة فرت من رمش عينه لتسقط على باطن كفه مختفية خلف قبضته التي محت وجودها، وكأنما روحه قد عادت إليه ليهمس بعد أن التفت لابن عمه:
" مريم شقيقتي، كيف هي أحوالها؟؟ ".
تنهد بحرارة، وقلب مشتاق لرؤية حبيبته، ثلاثة أيام لم يستطع فيها مشاهدتها، فقط أخبارها تصل إليه لتزيد من أوجاع خافقه، وهمس ببؤس:
" حالتها كما تقول أمي لا تسر عدو ".
حل الصمت بينهما وهما يفكران بنفس الشخص، وكيف السبيل لإخراجها من تلك الحالة التي تعيش بها؟؟.
فز سلطان من جلسته وتبعه محمد مستفسرا:
" هل ستذهب لمريم الآن؟؟ ".
هز رأسه وقال وهو يتحرك قاصدا الخروج:
" لا يا محمد، علينا أن نكرم ضيوفنا وبعد مغادرتهم سيكون لكل حادث حديث ".
****************************
وقفت أم سلطان تودع إحدى المعزيات وشاكرة لها حضورها ثم عادت تجلس بالقرب من امرأة كبيرة بالسن كانت صديقة للجدة.
مدت يدها ناحية دلة القهوة وسكبتها بفنجان ثم رفعتها للمرأة لتتلقفها العجوز وتشربها دفعة واحدة، هزت فنجانها غير راغبة بالمزيد وعادت عيونها خلف برقعها تسرح للبعيد، بصديقة عزيزة قد غادرتها، وشعرت هي الأخرى بأن أوانها قد اقترب أيضا، نفضت رأسها تستغفر الله وتعود دموعها الخائنة تنهمر على وجنتين مجعدتين وأخذت تهمهم ببعض الكلمات الموجعة للقلب.
رق قلب أم سلطان لحالها، وربتت على كفها الضئيل وأخذت تحادثها بهدوء تحثها:
" تجلدي يا أم مانع!!.. هذه إرادة الله، وكلنا ذائقون الموت ".
مسحت دموعها وقالت بصوت متحشرج:
" أعرف يا ابنتي، أعرف. لكني لا أستطيع سوى البكاء عليها، فكما تعلمين هي رفيقة دربي ".
وعادت تستغفر الله وتطلب العون والصبر، وتدعو لرفيقتها بجنات الخلد ثم عادت تتكلم متسائلة:
" وكيف حال ابنتي مريم؟؟ ".
تنهدت أم سلطان بحسرة وتطلعت عيناها للباب المفتوح وخلفه تقبع مريم.
" حالها لا يسر عدو يا أم مانع، تعرفين مدى تعلقها بجدتها، كما أنها لم تخرج من الغرفة منذ أن أخذوا الجدة وكل من يريد تعزيتها يدخلون للغرفة، وكل ما يطالعهم هو جسد بلا روح كأنها هي الأخرى قد ماتت بموت الجدة ".
هزت العجوز رأسها بحزن وألم لتلك الصغيرة لخسارتها الكبيرة، وقالت بعد صمت دام لدقائق:
" لا تقلقي عليها يا أم سلطان، مريم قوية وستتخطى الأمر، فقط عليكم بالصبر، هي بمرحلة لم تستوعب بعد أن جدتها قد رحلت، وأن الحياة تستمر دون توقف، وعليها أن تسايرها وإلا ستدفن نفسها وهي حية ".
عادت عينا العمة تطالعان الباب المفتوح وقد توشحت نظراتها بألم لمصابها، وللحال التي هي صارت عليها، لقد حاولت، ويشهد الله على أنها حاولت كثيرا إخراجها من الشرنقة التي أدخلت نفسها بها، لقد أوجعها قلبها لمرآها منكسرة ضعيفة كأن العالم قد استطاع هزمها وهز قوتها الخيالية التي كانت تستمدها من جدتها، فاغتال نقاط ضعفها ليسلبها شكيمتها، ويظهرها للكل كم هي مخادعة بالصورة التي تظهر عليها أمام الجميع.
لم ترد تركها هكذا لكن ما بيدها حيلة فقد استخدمت كل الطرق وكأنها لا تستمع، كأنها بعالم آخر غير الذي يعيشون به، فقط جسدها هو من يخبرهم بوجودها معهم، وبالجهة الأخرى ولدها سلطان والخوف ينهش قلبه على زوجته، يريد أن يراها لكن يداه مقيدتان، فقد أقامت النسوة في بيت الجدة ولم يقدر على الدخول، ولم يكن بيدها سوى أن تجبره على الصبر ريثما ينتهي العزاء، ويعود الجميع لمنازلهم، وبعدها يستطيع رؤيتها فهو الوحيد القادر على فك القيود التي سلسلت بها نفسها، وتركت نفسها تغرق باستسلام دون أن تقاوم تلك المياه التي تسحبها للأعماق، فهمست تجبر نفسها هي الأخرى على الصبر، وأنه لم يبقى سوى القليل وتعود مريم للحياة.
" نعم...أتمنى أن تتخطى مريم هذه المصيبة وأن تعود لتستمر بالتطلع للمستقبل ".
وخلف تلك الجدران كانت هناك على سرير الجدة بغرفة مظلمة، لا يتسلل إليها ضوء الشمس سوى الشحيح منه، مضجعه الجسد، ملتحفة الغطاء، لا يظهر من جسدها سوى عينيها الراكدتان كمستنقع مظلم لا توجد به بوادر لمخلوق على قيد الحياة، ومسلطتان على سقف الغرفة.
خواء، فراغ، تيه وضياع، تشعر بروحها شريدة غير قادرة على التفكير، كأن عقلها قد اختفى وحل مكانه صفحة بيضاء فارغة، لا ذكريات ولا صور ولا ألم، تسير بدغل متشابك ومظلم غير قادرة على الخروج، وكلما تعمقت للداخل باحثة عن منفذ أو طريق يرشدها للخارج فتواجهها جدران عملاقة وقاتمة اللون، فتعود أدراجها لتتيه بين ظلمات دهاليز هذه المتاهة.
تصرخ مستنجدة، باحثة عن مصدر قوتها، باحثة عن أمانها، فتتلفت حولها تبحث وتنادي، تحرك رأسها وعيناها تجري دون هوادة تبحث وتفتش عنها بين حلكة الليل وبين الأشواك التي تخدشها وتدمي جسدها لكنها تتابع وتجري تبحث وتنادي باسمها، تصرخ تطالب بنجدتها، لكنها لا تراها، ولا تسمع صوتها، لتتوقف فجأة وقد سرت بأوردتها برودة جمدت دماءها، ورياح قوية لفحت بشرتها تدفعها بشدة فتوقعها بسهولة دون أن تجد من يقاومها كأن جسدها تحول لريشة خفيفة الوزن.
فعادت تهمس باسمها لعلها تسمعها، فيجيبها صفير الرياح العاتية، لتشعر بعدها بالمتاهة تضيق وتكتم على صدرها، تقترب تبغي إزهاق روحها، فتقع على ظهرها مستسلمة راغبة هي أيضا بالرحيل، فلا مكان لها دون وجود أحضانها.
عيناها تأبى الانصياع لأوامرها، وقلبها يرفض الخضوع لِتَجبُرِها وما تريد منه فعله بسبيل راحتها والخلاص.
محاولة أخيرة منها وصرخت بصوت عالي فخرج مكتوما بداخلها، فعادت تفتح فمها تبغي مناجاتها، أن تعود إليها فهي بحاجتها لكن لا مجيب!!.. لم تظهر كما تعودت منها!!
لقد تركتها وتخلت عنها كما والديها، رحلت متخلية عنها لتتخبط بغياهب الظلام، باحثة عن نورها الذي طالما أمسك بكفها آخذا بها لبر الأمان.
فعادت تستسلم للظلام الذي أحاطها وتركته ليبتلعها.
همس من بعيد يناديها ولم تلبي النداء، عاد الصوت من جديد لكن هيهات أن تجيب وهي قد خضعت بانهزام لمصيرها الذي اختارته بنفسها.
لم يكن يصدق ما التقطته عدسة عيناه!!.. ولم يتخيل أن ما يراه هو حقيقة وليس بخيال!!.. هل من تقبع بهذا الفراش هي تلك المرأة الحديدية التي لا تكسرها أعاصير ولا فيضانات؟!.. هل تلك هي من تقف راسخة مثل الجبل شامخة بقوته ضد من يحاول زعزعة ثقتها؟!
هز رأسه رافضا تلك الرؤية، فعاد يرمش بسرعة يحاول إجلاء الصورة المشوهة التي لم يستسغها، فلعل عيناه قد أصابها العطب.
أخبرته والدته بأن حالتها سيئة لكن أبدا لم يتوقع أن يراها جثة هامدة شاحبة كما الأموات، وقد خلت من بوادر الحياة!!.
ازدرد ريقه بصعوبة، وعيناه جاحظة غير مصدقة ما تراه!!.. هل تلك هي زوجته ومحبوبته مريم؟!
لقد استغل خلاء الخيمة من الزوار واتصل بوالدته يستفسر إن كان ما يزال هناك ضيوف بالمنزل، فأخبرته بأن المتواجدون فقط من العائلة، فالجميع قد رحل ليعودوا لحياتهم الطبيعية.
فانطلق مسرعا متلهفا لرؤيتها، وراغبا باحتضانها وإخبارها بأنه موجود لأجلها، وأنه سندها بهذا العالم، و لن يترك جانبها مهما حدث، وأنه سيكون لها الأب والأم والأخ والزوج وكل ما تريد.
تحرك ناحية السرير الذي يتوسده جسدها، وكلما اقترب كلما هاله ما يرى... وجه هزيل وقد غادرته دمائه ليغدوا كما الأشباح، عيون غائرة وقد أحاطتها هالات سوداء وشاخصة للأعلى، كأنها تنتظر رؤيتها هناك بالأعلى وخائفة من أن ترمش فتضيع منها تلك اللحظة التي انتظرتها طويلا.
ناداها بصوت خفيض فمازال الذهول مرسوما على ملامحه ولم تجب، تحرك رأسه ناحية الشهقة التي صدرت بجانبه ليرى الصدمة على وجه محمد، وهنا تأكد بأن ما يراه حقيقة وليست أوهام!!.
تحرك محمد ما أن رآها بهذه الحال ناحيتها والهلع يسري بداخله وناداها بخوف نهش قلبه:
" مريم!!.. شقيقتي ".
لا رد، أمسك كفها ليشهق من برودته فأمسك كفها بين كفيها وأخذ يبثهما من حرارة جسده وهو يناديها ويترجاها أن ترد عليه، لن يتحمل أن يفقدها هي الأخرى، سيموت!!.. يعرف هذا، سيفارق الحياة كمدا وحزنا على فراقهما.
"مريم....أرجوك ردي علي!!.. أنا محمد، أرجوك لا تتركيني لوحدي!!.. لن أتحمل رحيلك، صدقيني لن أتحمل أن أكون لوحدي دونك ".
سكت يلتقط أنفاسه، صمت يشرق ببكائه، ودموعه تهطل دون إنذار، دون رادع، فهو على وشك خسارة شخص آخر عزيز على قلبه، عاد يناديها وصوته غارق ببؤس ويتم آخر يهدد حياته.
ترك يدها وأحاط وجهها يطبع قبلة على جبهتها لتتساقط دموع الألم على وجنتيها، تتحدث عن دموع الرجال، عن آلام القلب، عن فراق لن يقدر على مواجهته.
" مريم..... مريم أنا أرجوك أن لا تفعلي هذا بي!!.. لا تتركيني أواجه هذا العالم لوحدي!!.. أهذا وعدك لي بأن لا تتركي يدي!!.. أهذا وعدك لوالدتي بأن تحافظي علي وتعينيني بمسيرتي!!... أتتخلين عني بهذه السهولة؟؟ ".
ولم يستطع المتابعة أكثر، فلسانه عجز عن الإكمال، عن الاستجداء، وطلب عدم ترك يده ليخوض غمار حياة قاسية لم ترحم حاله.
اقترب منه سلطان ووضع كفه على كتفه وعيناه قد غامت بمشاعر متضاربة من الخوف والهلع، ومن الغضب والحنق لاستسلامها، وقال يهمس لهذا الطفل نعم فقد عاد محمد لطفولته لينتحب لرحيل عائلته الواحد تلو الآخر، وها هو الآن يرى شقيقته ستلتحق بالباقيين لكن لا.... أبدا لن يتركها، كيف استطاعت أن تبعد عنهم بهذه السهولة؟؟.. كيف قدرت على نسيانهم، وأنها الوحيدة من تتألم لفراق جدتها؟؟.. كيف طاوعها قلبها على هجرهم؟؟.. واختيار الهرب وسيلة لتحمي نفسها من مواجهة واقع الحياة!!.. كم أنت جبانة ومستسلمة حبيبتي!!
" اهدأ يا محمد، شقيقتك لم ترحل ولن تتركنا، نحن لن نسمح لها بهذا!!.. هي ستعود وسترى ".
رفع له عينان محمرتان دامعتان، وبداخلها هم اكتنف كتفيه منذ الصغر، ابتسم له سلطان بهدوء وعاد يربت على كتفه ويكمل حديثه المطمئن:
" هي بخير...ستكون بخير، لا تقلق ".
ليعيد الآخر كلماته ليؤكدها لنفسه:
" نعم هي لن تتركنا، نحن لن نسمح لها بهذا!! ".
هز سلطان رأسه موافقا ثم أمره بالابتعاد، اقترب من السرير ليرفع الغطاء عنها ومال ناحيتها ليطبع قبلة على جبهتها مشتاقة خائفة، عاشقة وراجية بالعودة، فحياتهم دونها لا طعم لها.
ثم افترقت شفتيه عن بشرتها الباردة ووضع إحدى ذراعيه تحت ركبتيها والأخرى تحت رأسها وحملها بالقرب من صدره وهمس بالقرب من أذنها:
" عودي إلي، وإلا أقسم أن أعاقبك أشد العقاب أينما كنت!! ".
وتحرك لتوقفه والدته.
" انتظر يا بني سألبسها العباءة ".
" لا داعي يا أمي، فالمكان الذي سأقصده لا تحتاج فيه لملابس ".
تحرك ناحية الحمام الملحق بالغرفة لتفهم والدته ما سيفعله، وقالت:
" دعني أنا يا بني أقوم بهذا ".
" لا يا أمي، مريم زوجتي ومسؤوليتي وأنا من سيفعل هذا ".
" لكن يا سلطان.....".
قاطعها
" أمي مريم زوجتي!!.. يبدوا أنك نسيت هذا!! ".
ارتبكت الأم للحظات، هي قد نسيت بالفعل بخضم الأحداث التي أطارت بصوابها وأجابته بابتسامة واهية:
" يبدوا أنني قد هرمت وأصبحت خرفة ".
ليأتيها صوت من خلفها أجش نافيا باعتراض:
" خسئ من قال أنك عجوز!!. فأنت ما زلت بريعان شبابك ".
التفتت لتنظر لصاحب الصوت فهي تعرفه كما تعرف نفسها، وابتسمت إليه شاكرة كلماته تلك، تحرك والد سلطان ناحية ابنه ومسح على وجنة ابنة أخيه ثم قبل قمة رأسها وقال يحادثها:
" ستكونين بخير يا ابنتي، فعودي إلينا كما عهدناك دائما قوية شامخة ".
وابتعد لتتحدث الأم:
" حسنا سأجهز لها ملابس أخرى ".
" شكرا أمي ".
تحركت خارجة من غرفة الجدة متجه ناحية غرفة مريم وتبعها زوجها بعد أن رمى ابنه بنظرات تحدثت بأن يحميها ويعيدها إليهم، فأومأ الآخر بوعد قطعه لنفسه قبل الآخرين، فلن يسمح لها أبدا بتركه بعد أن ذاق طعم السعادة بين يديها.
وقف محمد بضياع ينظر لسلطان دون أن يفقه ما سيفعله وعندما تحرك باتجاهه راغبا بالبقاء بجانب شقيقته أمسك به عمه يسحبه خلفه.
" تعال معي يا بني، فأنا أريد أن أحداثك بشي هام ".
" أريد البقاء مع شقيقتي ".
" لا تقلق يا بني سلطان معها ".
ناظر سلطان بصمت لكن عيناه كانت تحادثه ليومئ له بتفهم وغادروا مغلقين الباب خلفهم.
تحرك سلطان حاملا إياها بخفة فقد فقدت الكثير من وزنها خلال هذه الأيام الثلاث، فكما علم بأنها لم تذق طعم الزاد أبدا فقط قطرات قليلة من الماء.
دخل للحمام وأمسك بجسدها بيد واحدة كي يثبتها، وبيده الأخرى فتح الماء وعدل من وضع الحرارة، ثم بدأ بخلع ملابسها بلطف ورقة وهو يحدثها بهمس وحنان تاركا صوته الرخيم يتغلغل لداخلها لعلها تستيقظ عندما تسمعه.
كانت بعالمها المظلم وقد ارتضت به فهو أفضل من النور، فهنا لا ألم، لا حزن، لا كره، ولا حقد، هنا لا شيء، لا مشاعر، ولا أحاسيس فقط ظلام دامس لا شيء سواه.
همسات من بعيد تفسد سكونها، فلم تلتفت ولم تهتم، فاختفت الهمهمات التي شعرتها كأنه بكاء حار وساخن فبشرتها الباردة استشعرت حرارة المياه الدافئة التي انسكب عليها لكنها توقفت واختفت تماما، فعاد الهدوء والسكون يلفها من جديد، وبعدها بلحظات عاد الهمس وهذه المرة قريب... قريب جدا لم تفقه ما يقوله لكن تلك الحرارة التي انبثقت فجأة من حيث لا تدري جعلتها تشعر وتترقب، والظلمة لم تعد حالكة كما السابق بل خف لونه وأصبح باهتا تكاد ترى من خلاله ظلال تتحرك، أرخت السمع جيدا ليصلها صوته كأوتار موسيقية عذبة جعلها تغمض عينيها باسترخاء، ثم ما لبثت أن أحست بطوفان يجرفها ويجرها بعيدا عن الليل السرمدي الذي اتخذته ملاذها الأخير، سحبها الوادي دون هوادة، ودون أي رحمة أو شفقة، وأخذت تتلاطم يمنه ويسرة تفتح فمها ليمتلئ بمياه تكاد أن تغرقها، فتعود وتشهق باحثة عن الهواء لكن المياه تعود من جديد فترفرف بأذرعها تحاول النجاة من هذا المصير المؤلم، لم ترد أن تكون نهايتها هكذا وحيدة، أرادت الموت بين أحبائها وهناك من بعيد شاهدتهما يقفان ويمدان أيديهما باتجاهها وعلى ملامحهما الحزن، فتحت فمها تستنجد بهما فأبى صوتها الخروج فالمياه تتدافع مانعة إياها التفوه بحرف واحد.
ابتلعت الماء وعادت تحاول خوض الطوفان الجارف الذي لا ينفك يدفعها بقوة يمنعها الاقتراب منهما أو يرميها بالصخور المسننة فتتراجع للحظات لكنها تعود من جديد تقاوم تياره ما أن تشاهدهما يبتعدان عنها غير قادران للوصول إليها.
عادت تقاوم وتحاول وتعارك الأمواج الطاغية، وفتحت فمها ما أن رأتهما يكادان يختفيان من ناظريها وصرخت.... نعم صرخت بعلو ما تستطيع بها أحبالها الصوتية وخرجت تستنجد مترجية باحثة عن أمان خسرته ودفئ فارقها:
" سلطان لا تتركني، محمد لا تبتعد عني ".
وعادت تنتفض مرة أخرى وذراعيها تحاربان بقوة التيارات العنيفة، فتصد أمواجها الهادرة، وتقاوم ضراوة الرياح تسبح فتدفعها، فتعود من جديد راغبة بالوصول إليهم لتسمع صوته الصلب والقوي يحثها ويشجعها على المحاربة:
" عودي إلي حبيبتي، ولا تتركيني لوحدي، قاومي وحاربي، فأنت أقوى من هذا كله ".
وكأن لحروفه طاقة تشبع به جسدها، وكأن بكلماته تلك كهرباء صعقها بها لتعطيها قوة استطاعت بها أن تخوض غمار الطوفان وتسبح....وتسبح باتجاههم وهي تناديهم عدم إفلاتها وتركها لوحدها، فيعود صوته يخبرها بأنه هنا باقي بجانبها ولن يفلتها أبدا حتى لو رغبت هي بذلك.
فتعود وتناجيه المساعدة فيجيبها هو هنا بجوارها، فقط عليها أن تراه وستجده بقربها، وبالفعل كأن تلك القوقعة قد تكسرت ليشع النور بداخلها منيرة إياها لطريقها، فتحت عيناها وحركت رأسها تبحث عنه ووجدته هنا كما قال بجانبها، تشابكت نظراتهما إحداهما بفرح ولهفة وأخرى ما تزال ضائعة لكن تنبض بالحياة.
وزع قبلاته السعيدة لعودتها للواقع، وقبلها على ثغرها باشتياق، واحتضنها غير عابئ للمياه التي أغرقته عندما بدأت بهذيانها ومحاولة دفعه عنها فتمسك بها بقوة ودخل معها تحت رذاذ الماء بانتظار عودتها من رحلة الهرب والاستسلام.
ثوان هي فقط وبدأت تلك الماسات الغالية على قلبه تهطل الواحدة تلو الأخرى، لينهار سدها الذي بنته حول نفسها، وجعلها تغوص بالظلام الدامس.
بكت بكاء حارا تبكي موتها، تبكي فقدها، تبكي يتما عاد إليها من جديد، تمسك بها واحتضنها بالقرب من أضلاعه، لتتشبث به كطوق نجاة وانتحبت فوق صدره بدموع سخية.
لم تشعر به وهو يلفها بإحدى المناشف الكبيرة، ولا بخروجه من الحمام ما أن بدأت موجة الدموع فقد خاف عليها بوجودها بالحمام وهي تبكي.
جلس بها على الأرض وهي ما تزال بحضنه وتركها تفضي ما بداخلها إلى أن هدأت تماما بعد فترة من الوقت، وهو فقط جلس ينتظر زوال تلك النوبة وما بيده سوى أن يعتصرها بين أضلاعه لتشعر به أنه بجانبها ولن يتخلى عنها وأنها ليست لوحدها.
عاد ليحملها ويتحرك بها وهذه المرة ناحية السرير، وضعها برفق بوضعية الجلوس وسحب منشفة أخرى وجدها على السرير مع بعض الملابس لها وله وبداخله شكر والدته.
نشف شعرها الطويل بتأني وعيناه تراقب ملامحها المتعبة والمسهدة، وجلست هي مستسلمة ليديه يفعل بها ما يريد، ألبسها ملابسها، وبعدها ابتعد وخلع ملابسه المبللة بالماء ومسح جسده وارتدى ملابسه بسرعة وعاد إليها يحتضنها بالقرب من قلبه الشاكر لرجوعها، وحمل هاتفه وانتظر الرد ليأتيه بسرعة:
" أمي... هل يوجد أحد بالخارج؟؟ ".
" لا يا بني، فقط والدك ومحمد ".
" جيد... أمي هل يمكنك أن تخبري الخادمة أن تجهز بعض الطعام الخفيف ".
" في الحال يا بني ".
أغلق الهاتف وحمل مريم الخاضعة لسلطته التي أحاطتها غامرة إياها بسلام واطمئنان جعلها ترضخ لما يفعله دون أي اعتراض، وأرخت رأسها متوسدة صدره الذي طالما شعرت فوقه بالسلام والراحة.
خرج بها من غرفة الجدة متجها لغرفتها ليهب شقيقها باتجاهها منذ أن شاهدهما يخرجان.
كان القلق قد استتب به وهو يسمع صراخها ونحيبها لكن عمه منعه من الذهاب إليها وسأله إن كان يثق بسلطان ليجيبه بنعم، وانتهى الأمر بعودته للجلوس بمكانه، وجلس متململا وكأن جمر ملتهبا يحترق تحته فمهما كانت ثقته بابن عمه كبيرة إلا أنه خائف لحد الموت على شقيقته الغالية.
مر على رجوع مريم لليقظة يوم واحد استطاعت به أن تصلب نفسها، وتطلب الصفح من الله على فعلتها تلك، وأدت جميع فروضها التي فاتتها بحالة غيابها عن الوعي، ودعت لجدتها من أعماق قلبها بجنات الخلد.
استردت عافيتها تحت أنظارهم المشددة، وانصاعت لأوامرهم دون أي رفض منها، فحالتها لا تسمح لها بأي اعتراض وإن حاولت فلن تقدر على مواجهة الجميع، ففضلت السلام ريثما تعود لها قوتها الشريدة.
جلست بمكان جدتها المفضل وبجانبها عمتها أم سلطان تحدثها عن رغبة عمها بأخذ محمد معهم ليسكن بمنزلهم، شكرت الله على تسخيره عائلة محبة لهم، وعدم تخليهم عنهم، أجابتها بابتسامه شاكرة لصنيعهم الذي لا تعرف كيف السبيل لرده.
تحركت أم سلطان مستأذنة لعمل ما، فشيعتها مريم بنظراتها ثم عادت أنظارها تتجول بالمكان وغامت بذكريات عديدة لها ولجدتها، وهناك شاهدتها تقف عند عتبة الباب بابتسامتها المعهودة، ووجهها المنير تهز لها رأسها موافقة تقبلها لرحيلها وسعيدة لعودتها، لتغمض عينيها براحة بال، وسلام شعرت به يتسلل لأعماقها، فتحت عينيها وابتسمت مودعة إياها ووعد بأنها لن تنساها أبدا وستظل بقلبها وبذكرياتها لحد الممات.
أرخت جسدها على المركأ، وأسندت رأسها على الجدار، وأسدلت رموشها بأمان عاد يرفرف حولها.
صوت عالي لنقرات كعب مدقق كسر الهدوء الذي غلفها وكادت أن تأمر صاحبة الحذاء بأن تخلعه فقد أصابها بصداع.
أفرجت عن بندقيتيها اللتان عاد لمعانهما إليها وتطلعت لصاحبة الحذاء المزعج لتتوسع عيناها بتعجب، ثم ما لبثت أن عاد وجهها لوضعه الطبيعي ووصلها صوتها:
" لقد سمعت بأنك كدت أن تموتي وقد جئت لأرى هذا!! ".
رفعت كتفيها بحسرة وأكملت:
" لكني أرى بأنك كما القط بسبعة أرواح ".
فأجابتها مريم بهمس متعب فلا طاقة لها للجدال معها:
"شكرا لزيارتك يا سلمى، هذا لطف منك ".
أشاحت سلمى بيدها وقالت غاضبة:
" أنا لم آتي لزيارتك أيتها الحقيرة، جئت لأرى موتك لكني أراك بخير، لما لا ترحلي مثل تلك العجوز الشمطاء، وتريحي البشرية منك أيضا ".
وبدأت تتحدث بشماتة وسعادة بموت جدتها وأنها ارتاحت من هم كان يجثم على قلبها ويتحكم بمصائرهم، ولم تشعر بالبركان الذي اشتعلت حممه بعد أن كان راكدا، ولم ترى الدخان المتطاير ولا عيناها الملتهبة ببريق الغضب فهبت كما الإعصار المدمر وصرخت فقط باسمها:
" سلمى....".
لتتراجع تلك بخوف ولم تنتبه للمنخفض خلفها فوقعت على ظهرها وصرخت بألم من شدة السقطة.
*****************
كان جميع رجال العائلة يقفون بالخارج بعد أن عادوا من تأدية صلاة العصر فأخذوا يتسامرون مع بعض الرجال الذين جاءوا للسلام والتقصي عن أحوالهم، لتقف سيارة فخمة بالقرب منهم، ويترجل رجل أقل ما يقال بأنه خرج من مجلة لعارضي الأزياء، واقترب منهم مصافحا الجميع ومقدما أسفه بأنه قد كان بسفر ولم يعلم بموت الجدة فتقبلوا اعتذاره بتفهم وسأله والد سلطان باستفسار وشك:
"هل أعرفك يا بني؟؟.. فكأني شاهدتك من قبل!! ".
ابتسم الرجل وأجابه:
" أجل يا عم، أنت تعرفني. لكن غيابي الطويل عنكم أنساكم من أنا ".
" اعذرني يا بني لعدم تعرفي عليك؟؟ ".
" لا تتأسف يا عم، فالخطأ خطئي أنا، ما كان علي مقاطعتكم لكن أمني نفسي بعودة الوصال إن سمحتم لي بهذا ".
فسأله سلطان بتوجس، وقد شعر بنفور غريب ناحية هذا الرجل الذي يوشك أن يعرفه فهو أبدا لا ينسى وجه قد مر عليه، وملامح هذا الرجل ليست بغريبة عليه، هي فقط غائبة عن باله.
" أهلا بك، وهلا ذكرتنا بمن تكون فملامحك ليست بغريبة علي أيضا!! ".
" أجل أنا.......".
قاطع تعريفه صرخة حادة صدرت من الداخل، ليهرع الجميع ناحية المصدر ويصدموا من رؤية سلمى على الأرض ومريم تقف فوقها كالطود الشامخ وتناظرها من عليائها كالوحش الكاسر الذي ينوي الفتك بفريسته.
ركض سلطان ناحية سلمى وسألها:
" هل أنت بخير؟؟.. كيف تشعرين؟؟.. تحدثي... هل الطفل بخير؟؟ ".
أمسكت به وبكت على صدره متمسكة بدشداشته وصارخة ومتهمة:
" مريم أرادت قتل طفلي!!.. لقد دفعتني كي تقتله وتتخلص مني، كي تنفرد بك لوحدها ".
فتح فمه لينكر قولها، فهو يثق بحبيبته ثقة عمياء ويستحيل أن تقوم بهذا الشيء حتى لو كانت غيرتها عمياء!!.. لكن الصوت خرج من خلفه صائحا ومستهجنا:
" لا بد وأنك تمزحين؟!!.. أي حمل وأي جنين هذا!!.. فأنت عاقر ولا تستطيعين الإنجاب!! ".
