اخر الروايات

رواية عملتان لوجه واحد الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم آية الطري

رواية عملتان لوجه واحد الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم آية الطري


٢٤- انفجار


                                              
صلوا على خير الأنام ♥️♥️

+


----------------☆☆☆☆☆☆

+


قد مر يومان على الأحداث السابقة، لازالت الأوضاع كما هي لا جديد يُذكر فقط هدوء ما قبل العواصف،

+


مع غروب الشمس في تلك الدولة الباردة، اجتمع الفريق الاستخباراتي في مكان سري سبق وتم تجهيزه لمثل تلك الاجتماعات الخاصة، سيف جالس على كرسي مكتب دوَّار يهتز به بهدوء بينما يغمض عينيه وملتزم الصمت، مالك مُمد على إحدى الأريكات يُعلن ملله من كثرة الانتظار، أما أكثرهم تحفزًا كانت العميلة " ٢٦ " تمسك الهاتف وتحركه بسرعة بين يديها كأنه تستدعي رنينه الآن...

+


_" وقفتك مالهاش لازمة " قالها سيف بهدوء ومازال يحاوط عينيه بذراعه في وضع النوم...

+


ردت " لمار " تكشف عن مخاوفها من جديد:
_" فات وقت كتير يبقى مش هيرد، وممكن شَكّ كمان، انت خاطرت جامد لما اتواصلت معاه من حساب " آنا " مع اننا عارفين إن مفيش بينه وبينها تواصل سابق أصلًا، ده غير أنها أكيد شكت فيك هي كمان مش معقول ظهرت لها ليلة واختفيت كدة "

+


فتح سيف عينيه ببطء، ثم قال بنبرة عملية:
_ " كان لازم نجرب..... خلينا نفكر بالعقل، " آنا " كانت تحت تأثير الدوا اللي حطيته في العصير ومستحيل لما تفوق تفتكر ايه اللي حصل بينا... وأكيد ماكذبتش في أي معلومة قالتها، هي أكدت إنها سمعت اسم عماد يونس أكتر من مرة أثناء الاجتماعات، وإنهم كانوا بيبعدوا تواصله عنها عمدًا كسياسة مُتبعة في المنظمة لمنع الاتحاد الشخصي بين الأعضاء "

+


قاطعته تسأل بإدراك:
_" طب ازاي انت وصلت لحسابه من عندها؟ "

+


استحسن اندماجها الخالي من التعالي وبدأ يشرح بدقة مصحوبة بالثقة:
_ "آنا من النوع اللي مش بتمسح حاجة... دخلت على حساب بريدها المشفر اللي مربوط بتطبيق VPN، لقيت نسخة باك آب لملف جهات الاتصال اتعملت من سنة ونص تقريبًا، الملف ده كان فيه رقم دكتور عماد، غالبًا كانت المنظمة وزّعت أرقام الطوارئ داخليًا في البداية، قبل ما يعزلوهم عن بعض"

+


ثم تابع وهو يعدل من جلسته:
_" بعتله الرسالة من تطبيق التشفير اللي كانت "آنا" بتستخدمه زمان، نفس الواجهة و نفس الشكل، وحتى نفس مفتاح التشفير، وبعدين اديته الرقم الجديد اللي هنتواصل عليه وحددت نتكلم النهاردا، بس كدة وعملت wipe كامل للـ session، وحظرت الرقم من عندها كأنه محاولة اختراق مشبوهة "

+


عمل رائع لا تُنكر لكن لم يقلل من قلقها بل بالعكس هتفت تعترض مرة أخرى: 
_" سيف احنا مش بنتعامل مع ناس عادية عشان كل ده يفوت عليهم، حسب الكلام اللي قالته " آنا " مفيش بينهم مصلحة تخليه يخاطر ويصدق رسالتك ويكلمنا على الرقم ده "

+


لا ينكر أن هناك نسبة لفشل مخططة لكنه رد بتفاؤل وتريث مُحكم:
_" معاكِ حق، هو فيه احتمالين.... الأول إن " عماد " شغال معاهم تحت التهديد وبالتالي تعامله مع عضو منشق عن المنظمة زي "آنا" هيكون بالنسبة ليه قارب نجاة "

+



                                      

                
كان قد اعتدل مالك مستفسرًا:
_" والاحتمال التاني! " 

+


أكد سيف بنظرات غامضة:
_" انه متواطئ معاهم برغبته وهتبقى فرصة حلوة ليه يقنع " آنا " ترجعلهم ويكسب ثقة القادة "

+


فجأة اهتز الهاتف بين يدي لمار كأنه بوق الحرب وها هي البداية، انتشله سيف من بين يديه يدقق في الرقم المخفي بإبتسامة ماكرة ثم نظر لها وقال:
_" وريني مهاراتك " ٢٦ " "

2


كأنها تبدلت، اختفت تلك الفتاة القلقة لأخرى تتمتع بثقة لا مثيل لها وهي تضغط زر الإجابة وتتلبس صوت " آنا " بمهارة فريدة من نوعها.....

+


-------------------

+


منذ علم من الطبيب هاشم بالإعلان المنشور عنه وقد فهم أن أمره كُشف خاصةً وسيرة مسك لم ترِد قط، فقط ذُكر كونه مُختفي بعد سرقته لمقتنيات ثمينة من قصر المدعو " سلمان منصور "

+


مرَّ اليومان ولم يُحدثها أو يهتم لوجودها رُغم دفاعها المستميت عنه في مواجهته مع هاشم الذي لازال يظنها زوجته...

+


ضميره يؤنبه بشده وقلبه ينهره في هجوم ثنائي، ما ذنبها هي لتتجنبها؟ يكفي ما تعانيه من صعوبة في علاجها وتعبها النفسي والجسدي!؟ لِمَ تربطها بأفعال والدها وهي أكثر مَن عان بسببه؟ أ عاقل لتعذبها وتعذب ذاتك بكبرياء يأبى الاعتراف بما اعتمر به صدرك وسكن كيانك!!؟

+


خرج من معركته مع الذات، على ضجة غريبة بالخارج وسرعان ما تلبَّسه القلق وقد أيقن أنها محور تلك الضجة لتؤكد له صدق حدثه نورا التي اندفعت لحجرته تهتف بنبرة مليئة بالاضطراب والخوف:
_" مسك بتمر بنوبة انسحاب عنيفة، ما قادرة أسيطر عليها "

+


شحب وجهه فجأة ودون تفكير دفع ساقيه للأرض في عجلة كأن أوجاع جراحه اختفت في تلك اللحظة،
حاولت نورا إسناده لكنه لم يدع فرصة وهرول للخارج رغم عدم اتزانه ، وكلما اقترب من حجرتها سحبه أنينيها أكثر، ضاقت به الدنيا واختنق كأنه على مشارف البكاء بعدما سقطت حدقتاه التائهة عليها،
تتقلص على نفسها في أحد الأركان بينما تضغط أسنانها وتصرخ دون صوت وجسدها النحيل ينتفض في مكانه بينما قبضتها تضرب الأرض بعنف...

+


كانت تهزي برجاء وحوجة لعينة تطالب بالقليل مما يريحها:
_" شوية بس يا نورا عشان خاطري... أوعدك أبدأ من بكرا... ساعدني بس دلوقتي بالله عليكِ مش قادرة " 

+


_" مسك " غمغم بها بثقل بنبرة مختنقة 

+


دفنت وجهها بين يديها أكثر وداخلها يرجوه ألا ينظر إليها في تلك الحالة الرثة، ألقى بنفسه أمامها أو أوقعه الوهن وهو يهتف في لهفة:
_" مسك ارفعي راسك، حاسة بإيه!... ردي عليَّ " 

+


بدأت تنتحب دون هوادة وتردد كلمات كثيرة برجاء صارخ:
_" اطلع برا يا راجح وابعد عني... عشان ربنا امشى وسيبني، ماتشوفنيش كدة "

+



        
          

                
خرجت أنفاسه المكتومة وحرر دموعًا حبيسة لم يتخيل يومًا أنها موجودة داخله، يراها بأعين حبيبٍ اعتاد اشراقها وأحرقه هذا الانطفاء اللعين الذي حلَّ عليها كالطوفان، لعن كل من كان سببًا في عذابها، حتى لعن نفسه و هو عاجز عن ضمها لصدره بل متجمد عن أي فعل يُخفف عنها، فخرَجَ عجزه في صورة دموع غزيرة...

+


واهتزت نبرته الصادقة تدعمها بيقين:
_" اسمعيني، أوعى تداري وجعك مني، ولا تفكري إنك عار وذنب لازم يتخبى "

+


مد أصابعه المترددة يرفع خصلاتها بحنين ويُكمل في صدق كلمات غريبة عليه:
_" أنا فخور بيكِ وبالخطوة اللي أخدتيها لواحدك، فخور بإصرارك وعزيمتك وقوتك، حتى في أضعف حلاتك هفضل شايفك قوية،...."

+


اضطربت الحروف على شفتيه اهتزت:
_" صدقيني راجح اللي بتتداري منه ده لو أب يتمانكِ بنته، ولو أخ يتمناكِ توأمه.... ولو حبيب ماتمناش غيرك تملكي قلبي " 

+


كان يتحدث وأنفاسه في تسارع ولسانه يسرد ما يُمليه عليه قلبه، تبدلت رجفتها بأخرى أشد وطأً، ورفعت رأسها له ببطء شديد كأنها تود أن تراه في تلك اللحظة، وهو لا يحيد بأنظاره عنها ويستطرد بنفس النبرة الرخيمة التي تبث الأمان لنفسها:
_" أنا شوفت رسالة صاحبتك وعارف انك مش مذنبة، انتِ ملاك بس ذنبه انه اتربى وسط أبلسة، و ده ماضيعش نقائك وجمال روحك، وهتفضلي في نظري ملاك.... حرّك مشاعري من تاني، خلاني أرجع أخاف وأقلق وأهتم ... "

+


صمت يلتقط نفسًا أعمق، وهي خفت رعشتها وتراخى جسدها أمامه، وعيناها المستغيثة ارتفعت لعينيه في خجل وضعف وهو يضيف في إستسلام:
_" وأحب " 

+


تعلقت أنظاره نحوه في صدمة وكذبت ما وصلها، لكنه لم يترك لها فرصة وأكًّد اعترافه بآخر أعمق وأشد وضوحًا:
_" راجح حبك وسط أزمات كبيرة قوي، وهيفضل يحبك مهما زادت التحديات حوالينا.... أنا.... "

+


أخرج زفير بطيء وعاد يستكمل:
_" أنا كنت فرد و بقيتي عيلتي... ماتحلميش أسيبك وأبعد... طول عمري أناني في المنافسة وماحبش أخسر، فكرك هسيب حبيبي يخسر قدام نفسه! "

+


توقف الزمن بها واختُصرَت الحياة في عينيه ثم صوته الذي أقرَّ فخرًا:
_" مسك... والله العظيم أنا حبيتك... أنا بحبك ومش هسيب إيدك لآخر يوم في عمري حتى لو اليوم ده هيجي بدري بسببك... هحبك لآخر نفَس " 

+


وكأن السابق لم يكن بكاءًا أمام بكائها بعد اعترافه وهي تنطق بعدم تصديق تخشى أن تكون خدعة جديدة من عقلها ويختفي من أمامها فجأة:
_" انت بجد موجود؟ "

+


أومأ بإبتسامة باهتة تحمل مشاعر متخبطة فرفعت أناملها لوجهه تتأكد من صدقه فمال يقبل يدها بحنان طاغي، وهمس بتأني:
_" موجوعة؟ "

+



        
          

                
أومأت وهي تعتصر عينيها بقلة حيلة فهز رأسه برفض وهتف في قوة:
_" بس مش ضعيفة... الوجع مش هيطول وحبيبتي هتهزمه... البنوتة القوية اللي رمت نفسها قدام عربية دفع رُباعي عشان توقفهم ينقذوني هي نفسها اللي هترمي بالأوجاع برا حياتها "

+


استمرت تشهق بلا رد تشك في قدراتها وسط ذلك الشعور القاسي الذي يحرقها داخليًّا مطالبًّا بتلك السموم، لكنه لم يتركها لأوامره المُميتة، احتضن كفها المرتجف بكفه الدافئ وقال بإصرار يبثه فيها:
_" هتقدري يا مسك، وبحق الكسرة اللي شايفها في عينيكِ هتقومي وتنَدّمِي كل اللي وصلك للحالة دي... وهتكملي مسيرة نجاحك... عشان أميرتي العنيدة مايليقش عليها غير الفوز ولبس التاج على راس مرفوعة "

1


صوته وتحفيزه وعشقه الظاهر أغرقها في الأمل من جديد، استكمل تشجيعه صامتًا، وعيناه المشتعلة تخاطب عيناها البائسة والدقائق الثقيلة تمر بينهما في عالم غير مرئي لكنه محسوس، ببطء هزت رأسها بالإيجاب فابتسم بإنتصار وسحب كفها يقبله بعشق وهو يقول:
_" قومي ارتاحي في سريرك وهفضل جنبك.... مش هبعد أبدًا "

2


----------------

+


_" ملقتيش غير اللون ده ياختي " قالتها مجدة بإستنكار لاختيار ابنتها لألوان العفش داخل المعرض...

+


التفتت سلمى تنظر لذلك الشارد ونبست بخفوت يعكس حزنها الداخلي:
_" ايه رأيك يا أب... يا شادي؟ "

1


تراجعت عن نطقها في اللحظة الأخيرة وانتبه لها شادي قائلًا بلا اهتمام:
_" اللي يريحك "

+


تجنبهم يجري مكالمة كوسيلة للتهرب من نظراتها المعاتبة فاقتربت هاجر تجذب يدها قائلة:
_" تعالي نكمل يمكن تتفقوا على حاجة ونفرش الشقة بقى ونرتاح "

+


أثناء نقاشاتهم الحادة تدخل أحد العاملين في المكان وبدأ يشاركهم الرأي ويبدي إعجابه بكل شيء وأي شيء ليرضيهم بنفاق عملي معروف.... 

+


حتى قالت سلمى بإصرار:
_" خلاص أنا شايفة الركنة البينك أجمل ولايقة على ديكور الشقة "

+


اعترضت مجدة وكذلك عزة التي قالت:
_" لا بلا بينك بلا سينك ماله اللون الجملي ده أساسي في العفش "

+


ردت عنها هاجر بتهكم:
_" جملي ايه بس يا أم منة مش هيمشي مع ألوان الشقة خالص "

+


_" وانتو ايش فهمكم، دا هيبقى لايق وزي الفل "

+


تدخل الرجل يقول بإبتسامة سمجة:
_" الأفضل العروسة تختار يا فندم.... وأنا شايف انه ذوقها رقيق زيها ما هو الجمال بينادي بعضه ولا ايه "

+


تجهم وجه سلمى من مغازلته الصريحة ونظراته الجريئة تلك وكادت ترد قبل أن يستدير الرجل بعنف بفعل كف ذلك المشتعل أمامه وهو يتلفظ بغيرة واضحة:
_" بتقول ايه ماسمعتش! " 

1



        
          

                
ابتلع الرجل ريقه وضحك بإصطناع قائلًا في ارتباك:
_" مش قصدي حاجة يا أستاذ أنا بس بحاول ... "

+


_" ماتحاولش" نطقها شادي بضجر ثم ضرب على كتفه بقوة وهو يكمل آمرًا:
_" اتكل على الله وكُل عيش... لما نتزنق فيك هندعيك "

+


على الفور ابتعد الرجل من مرمى بصره بينما وجَّه هو نظرة نحوها كادت تحرقها، فرفعت كتفيها بعدم فهم كأنه تسأل ماذا فعلت! 

+


لكنه حاد بعينيه عنها وقصد مجدة بحديثه مردفًا:
_" هناخد اللي اختارته سلمى، وياريت نخلص مش هنقضي النهار هنا " 

+


هنا صاحت عزة باستنكار مصحوب بخبث:
_" اللي يشوفك يقول جاي غصب عنه، أومال جريت كتبت عليها ليه لما مش طايق دبان وشك كدة؟ " 

+


أُحرجت سلمى من حديثها خاصةً أمام صديقتها " هاجر " وهذا ما استشفه هو بفراسة فاقترب يحاوطها بذراعه تحت صدمتها وقال بإبتسامة واسعة رسمها فجأة:
_" عايزها في بيتي النهاردا قبل بكرا، وهي عارفة اني مشغول في حجز القاعة وألف حاجة تانية ومقدرة ده كويس.... وبالنسبة للدبان فماحدش بيطيقه عامةً ولا ايه؟ "

+


رفعت جانب فمها في حنق وقالت بتهكم:
_" أيوة ياخويا كلامك بقى مذوق دلوقتي، يامة تحت السواهي دواهي "

1


بعد وقت استأذنت سلمى للمرحاض على عجلة شككته في أمرها، ما أن دخلت حتى أخرجت هاتفها تجيب في توتر كبير:
_" انت مين وعايز مني ايه؟ ما تسيبني في حالي هو أنا أذيتك في حاجة"

+


رد عليها ذلك المبهم ردًا ساخرًا:
_" هعيد طلبي تاني حاضر.... من الآخر كدة عايز أقابلك وهتيجي برضاكِ يا إما ما تلوميش غير نفسك "

2


جف حلقها من شدة الخوف ولكنها استدعت بعض الثبات وهي تقول:
_" مستحيل أعمل كدة، ولو اتصلت بيا تاني هصدرلك اللي يقدر يوقفك عند حدك أنا مش خايفة منك لو معاك صور ولا قرف زي ما بتقول ابعتهم أشوفهم وبعدين اتشرط "

+


كان تتحدث بقوة مضادة تمامًا للرعب والعار داخلها وما زاد رعبها أكثر جملته الأخيرة حينما قال بحقارة:
_" وماله يا لومة الشجاعة مش عيب، بس هتعمل ايه الشجاعة دي لو كمال الصيفي عرف إن الأستاذ شادي جبران هو اللي ورا اللي حصل لابنه"

1


هوى قلبها ذعرًا وهزت رأسها بدموع وهي تقول بصوت مهزوم:
_" ماحصلش، شادي مالوش دعوة حرام عليك انت بتعمل كدة ليه "

+


_" بعمل كدة عشانك يا قلبي، اختارتك ونفسي في قربك، هسيبك تاخدي نفَسك دلوقتي وبعدين نتفق على ميعاد للقاء المنتظر ولا أنا مش زي سي حسام " 

+


أنهى كلامه بضحكة قذرة وقد خرت هي أرضًا وهزمتها كلماته التي تحقر منها وتحط بها آلاف الدرجات، وندمها يتجدد على خوضها لتلك التجربة الدنيئة التي أفقدتها روحها، كان العقاب أقسى مما تتخيل......

+



        
          

                
خرجت بخطوات هلامية بعدما أخفت آثار بكائها بالماء، وجدته في وجهها فاضطربت للحظة قبل أن تهتف في ارتباك:
_" هنمشي؟! "

+


رد سؤالها بسؤال آخر في ارتياب:
_" انتِ كويسة يا سلمى! "

+


أومأت له بإبتسامة كاذبة فاقترب يرفع وجهه بأصابعه فقابل عيناها المرتبكة ليتحدث بهدوء:
_" تعبانة؟! "

+


تنحنحت في خجل وقالت:
_" رجلي وجعتني من كتر اللف، ودوخت شوية "

+


تبدلت ملامحه وأحنى رأسه يعتصر عينيه بمشاعر ما بين الشفقة والغضب وحقيقة حملها تجلده جلدًا ثم تركها دون إضافة ورحل من المكان كله، 

+


سالت دموعها التي لا تنقطع وهي تعطيه آلاف الأعذار، من حقه أن يكره تلك الزيجة الإجبارية عليه، بالتأكيد ضاعت أحلامه على يديها وتغير مسار حياته الهادئة كما تظن....

1


---------------

+


جالس في مشغله الصغير غارق بين عشرات الأجهزة المطلوب تصليحها بعد إلحاح والده عليه كي يعود لعمله لينشغل عن أحزانه قليلًا، 

+


كان ينظر لهاتفه بين الحين والآخر ويزفر في توتر وجزَع، ثم رمى بما في يده وأمسكه يجري إتصالًا حيث بادر يقول:
_" أيوة يا فارس ايه الأخبار؟ "

+


رد عليه فارس من الجهة الأخرى بقلة حيلة:
_" والله يا بكر الوضع يقلق جدًا مش عارفين نوصله، لسة راجعين من بيته في البلد، جدته استقبلتنا وكانت هتموت على معلومة عنه.... بتقول ضربوا عليه نار عشان حكاية التار دي ومن وقتها اختفى ومحدش عارف مكانه "

+


أخرج بكر تنهيدة متعبة وداخله يتآكل خوفًا عليه، عاد سأل في امتعاض:
_" وبنت سلمان زفت ده مفيش أخبار عنها هي كمان؟ "

+


_" كانت معاه وقت ما هرب.... ماتقلقش احنا مراقبين موبايله وموبايلها مستنيين أي إشارة بس وهنحدد مكانهم غير إن مصطفى بعت فرقة بحث في الأماكن الصحراوية القريبة من هناك "

3


رد بكر بقلة حيلة:
_" ماشي يا فارس ربنا معاكم... عرفني الجديد أول بأول "

+


أنهى المحادثة وهو يستند بذراعية على الطاولة أمامه ويديه تتشابك مُقابل عينيه في مظهر يُوحي بشدة التيه والتعب، جذب انتباهه ذلك الظل الذي يدل على وقوف أحدهم بالخارج فضيَّق عينيه وهتف بتوجث:
_" مين برا؟! "

+


فزعها سؤاله فتحركت بسرعة نحو الداخل تظهر أمامه وهي تقول:
_" القهوة يا أستاذ بكر " 

+


كانت ليلى في مظهرها الصبياني ( نعمان ) اقتربت تضع الفنجان أمامه بإبتسامة متوترة وقالت بتبرير:
_" استنيتك تخلص مكالمتك عشان مقاطعكش " 

+


كانت حُجة جيدة لتغطي على فعلتها التجسسية وبالفعل لم يشك في أمرها وقال:
_" تسلم ايدك يا ليلى، معلش لو عطلتك عن شغلك " 

+



        
          

                
ردت في سرعة:
_" لا أبدًا احنا خلاص بنشطب، وبُثينة قالتلي أجيبلك القهوة اللي طلبتها منها "

+


أومأ بتفهم وعاد ينظر للشاشة التي يعمل عليها فوقفت تنظر للأرض في تردد لاحظه فقال:
_" عايزة تقولي حاجة؟! "

+


_" لا.. آه.... هو كنت عايزة أتكلم معاك "

+


رحب بها يشير لها لتجلس على المقعد أمامه:
_" اتفضلي سامعك "

+


تنحنحت في ثبات وأقرت بصدق:
_" الصراحة يا أستاذ بكر أنا..... أنا كنت في الشقة لما حضرتك وصلت متأخر يوم ال... "

1


_" عارف " هكذا قاطعها ببرود ثم أكمل بتفسير:
_" شوفت تسجيل الكاميرا اللي قدام الباب "

+


ادعت الصدمة وسألت ببراءة مصطنعة:
_" هو فيه كاميرا قدام الباب!!؟ "

2


_" امممم "

+


هنا أخذت نفس تجدد به ثقتها وقالت بقوة ترمي عنها أي تهمة:
_" بُص بقى حضرتك عشان دماغك ماتوديش وتجيب ولا تفكرني حرامية... كان فيه تسريب ماية في سقف الشقة عندي، فقلقت تكون ناسي المية شغالة فوق وكنت هكلم مؤمن بس قولت هقلقهم على الفاضي فطلعت أنا أشوف فيه ايه بما أني عارفة مكان المفتاح.... وقبل ما أخرج سمعت صوت وعرفت انك رجعت بس على ماطلعتلك كنت نمت فجريت على تحت أعرفهم... بس كدة "

+


كانت علتها حقيقية، كذبة مُحكمة استنجدت بها بعدما لاحظت وجود تلك الكاميرا الصغيرة جدااا أمام شقته، كان بكر يراقب تحفزها وأسلوبها الجديد ذاك وهو يبتسم بهدوء ثم قال:
_" وأنا ماتهمتكيش بحاجة يا آنسة... "

+


ثم مال نحوها وقال في غموض:
_" ومتأكد إنك أمينة وبتحفظي العيش والملح "

+


تركت جملته أثرًا داخلها قاومته،ثم انتبهت لبكر وهو يقدم لها علبة نابسًا:
_" انتِ سبق ورفضتيه قبل كدة وأنا احترمت رفضك بس دلوقتي أنا مُصر تقبليه... خلصي عليه مشاغلك بدل ما انتِ واضعة يدك على تليفون بُثينة "

+


اتسعت عيناها في فزع تسأل بدهشة:
_" مين قال كدة! "

+


_" بثينة قالتلي"

+


ثم استطرد سريعًا يطمئنها:
_" ماكشفتش السر كله ماتقلقيش، كل اللي قالته انك بتحتاجي موبايلها كتير "

1


عادت تتنفس وصاحت بتوعد:
_" ماشي يا بثينة ما بيتبلش في بوقها فولة" 

+


رمقها بمكر طفيف وسأل في عبث:
_" بتكلم بنات ها؟! " 

+


_" نعم!!!! " لفظتها بصدمة فانفجر في الضحك بعد أيام من الكآبة المتواصلة، بينما احمرت خجلًا وغيظًا وكادت تنهض لكن بحركة عفوية أمسك يدها يعتذر سريعًا:
_" بهزر معاكِ متزعليش " 

+



        
          

                
نظرت ليده الممسكة بيدها، اضطربت وسحبتها بإحراج فادرك فعلته معتذرًا:
_" آسف.... قولي ياستي بتحتاجيه في ايه؟ "

+


حمحمت وشرحت في بساطة شديدة كأنها تقول الصدق:
_" بتابع كورسات انجليزي في أوقات الفراغ عادي "

+


شجعها بإعجاب:
_" برافو والله ياريت تشدي بثينة معاكِ بدل ماهي شاغلة نفسها بشَبكِة فولانة و حِنة علّانة وفي الآخر عاملة اضراب عن الجواز "

2


جذبها نبرته الأخوية اللطيفة وهو يتحدث عن بثينة كما لو كانت أخته حقًّا فأومأت له وهي تضحك بخفة...

+


مرت ثوانٍ من الصمت وكلاهما لا يجد حديث عندها وقفت ليلى تود الاستئذان فوقف هو أيضًا معها لتقول:
_" همشي أنا بقى كفاية ضيعت وقتك أ..."

+


صرخت فجأة قبلما تُكمل حديثها وقد احتضنت إحدى يديها التي تلامست مع أحد الأسلاك أمامه فصُعقت بتيار كهربي ضعيف، فزع يجذب يدها منها بتلقائية يستكشف ما حدث وهو يردد:
_" معلش خير خير... ابقي خلي ايدك جنبك طول ما انتِ هنا "

+


صاحت فيه بحنق:
_" يا سلام يعني أنا الغلطانة!!.. أوف بتوجع"

1


بدأ يبرد اصبعيها بأنفاسه ببلاهة كما لو كانت حُرقت، في تلك اللحظة دخلت سيدتان تحمل احداهما تلفاز صغير والأخرى مروحة أرضية ووقفتا تتشخصان أمام المشهد، المهندس بكر المُوقّر يمسك بيد الشاب الصغير نعمان وينفس فيها برقّة كأنما يقبلها من زاوية النظر عندهم والأدهى الصوت الانثوي الذي يتحدث به الشاب عن ألمه... 

+


_" ده ايه أصله ده " صاحت بها إحدى السيدتين بحاجب مرفوع وملامحها اشمئزت تعبر عن بشاعة أفكارها...

+


انتفضا الاثنان مبتعدين عن بعضها لترفع السيدة الأخرى جانب فمها بتهكم متشدقة:
_" حسرة على رجالة المُستقبل.... امشي ياختي نجيلهم وقت تاني "

3


استدارتا تتحركان للخارج لتخطوا خلفهم ليلى المصدومة، تنفي التهمة بنبرة على وشك البكاء:
_" لا والله يا طنط أنتم فاهمين غلط... يا طنط "

+


التفتت بملامحها المتذمرة لتجده واقف يكتم ضحكاته فصاحت بغيظ:
_" كمان ليك نفس تضحك دا أنا سمعتي باظت قدامهم "

+


_" ياريتها تيجي لحدهم... بكرا تلاقي الحي كله عنده خبر " قالها بلامبالاة فضاعف حنقها...

+


ثم استطرد متذكرًا:
_" هو مش دي برضو كانت نظرتك ليا سابقًا ولا أنا كداب؟! "

+


رمشت عدة مرات وامتقع وجهها تقول في تعلثم:
_" أنا! لا ازاي.. م.. مين قالك؟! "

+


كالعادة رد ببساطة:
_" بثينة قالتلي "

+


تأففت تتوعد لصديقتها ثم غمغمت بسخرية:
_" انت مبرمج بثينة تقولك كل حاجة كدة! " 

+



        
          

                
حرك يده بتقريب يقول:
_" حاجة زي كدة "

+


بعدها تخلى عن المزاح واسترسل بنبرة جادة صادقة:
_" هي مش بتبقى قاصدة تقول أسرار هي بس عفوية واللي في قلبها على لسانها، ولو استأمنتيها على سر حقيقي مستحيل تخذلك، غير أنها جدعة ويُعتمد عليها وبسبب شخصيتها التلقائية دي كانت بتعاني من قلة الصحاب، لأنها مابتعرفش تجامل ولا تجمل الكلام ولا تنافق، نقية وعلى فطرتها، عشان كدة أنا مبسوط جدًا أنها لقت صاحبة زيك تعيش معاها جنونها وانفتاحها على الحياة أتمنى تفضلي جنبها "

1


أدمعت عيناها دون أن تشعر، كم الحنان في كلماته القصيرة كان كافيًّا ليعبث داخل مشاعرها فما كان ردها إلا أن أومأت بهدوء وهمت تخرج...

+


وقفت لحظة حينما صاح عليها بإدراك يقول: 
_" صحيح قبل ما انسى.. "

+


التفتت تنتظر بقية جملته فاسترسل بهدوء:
_" مبروك رجوع عمك "

2


تعجبت بشدة من معرفته أن عمها حدثها والظروف لم تسمح لها بإخبارهم لذلك سألت بفضول:
_" عرفت از... "

+


لكن قطع هو سؤالها يرد بجواب مُتوقع:
_" بثينة قالتلي"

+


غمز في آخر كلامه فضربت وجهها باستسلام وذهبت وضحكاتها تزين وجهها، تركته لا يختلف عنها، سارح ينظر إلى طيفها بشرود وقد أخذه الحوار معها لنقطة بعيدة عن وجعه الأليم، فنسي همومه لحظات شحَن فيها بعض الطاقة الإيجابية.... 

4


-------------

+


اختفت الشمس ولم يظهر قمرٌ، ووصل الليل الفحمي لمنتصفه في سكون أخطر من ألف ضجيج، ساحة واسعة فارغة تمامًا، لا مبنى فيها ولا حياة، الدقائق أخذت أدوار الأيام في الحركة، تمر ببطء لا يُطاق، لا يكسر الصمت سوى أنفاسه المتأهبة، بريق حاد يسكن عينيه البادية من قناع مُريب وجسد مغطى بالأسلحة كأنها ملابس إضافية فوق ملابسه....

+


مرحبًا بصافرة الإثارة، حضر المكان شاحنة نقل عملاقة محاطة بسيارتين سوداوَين ملغمة بالرجال المسلحة...

+


راقب " السراب" تجمعهم حول بوابة أرضية ضخمة، رفعوها لأعلى لتكشف عن مخزن سري في باطن الأرض حيث تُخبَّأ بضائعهم غير القانونية....

+


هبط بعض الرجال لأسفل في حين بقي الكثير بالخارج، أما هو تسلل كالسراب لمكان السيارات دون همسة تشعرهم أن الموت يحاصرهم...

+


بدأوا يسوقون تلك البضاعة البشرية التي تتحرك على أقدام مرتجفة، وكيف لا ترتجف وهم يساقون إلى مصائر بشعة، بعضهم قِطع في ثلاجات باردة، والبعض بين أحضان الفاحشة، وآخرين يُجبرون على التجنيد ليتحولوا إلى مجرمين جُدد....

+


ما يزيد عن خمسين روحًا تُرمى في الشاحنة دون أن يجرأ أحدهم على البوح بصرخة...
لاح الجحيم في عينيه يرى نفسه في وجه كل طفل ومراهق أمامه.... والباقي يراهم أقرانه الذين مروا بنفس المصائر قبل ثلاثة عشر عامًا...

+



        
          

                
_" هيا انطلق سريعًا يجب أن نُنهي عملية التسليم فورًا " كانت كلمات أحد المجرمين باللغة الروسية وهو يعطي أمر التحرك من المكان...

+


بالفعل انطلقت الشاحنة وخلفها السيارتان غافلين عن ذلك الملتصق أسفل الشاحنة كثقب في جوف السفينة...

+


انتظر حتى وصلوا لنطاق مُعين مدروس، ليصدر هو أوامره خلال اللاسلكي نابسًا بنبرته المرعبة:
_" نفِّذ "

+


كانت تلك كلمة من قلب الجحيم، ما مرت عليها سوى دقيقة و دوَى انفجار ساحق في السيارتين تبعه صراخ مرتعب من الأطفال في الشاحنة....

+


توهجت عيناه ببريق النيران في تشفٍّ ولازال يتوعدهم بهلاك أكبر، يتأسف فؤاده لهؤلاء الأبرياء عما مروا به دون ذنب، 

+


فجأة جذب انتباهه صوتٌ دافئ يطمئن الأطفال ويهدئ من روعهم، للحظة شعر بالألفة اتجاه الصوت لكنه طرد الأفكار من رأسه واندفع بحركة لولبية حذِرة إلى سقف الشاحنة، 

+


اهتاج السائق ورفيقه بعدما رأوا ما حدث للبقية، علموا بوجود أحدًا بالأعلى فأخذوا يتمايلوا بالشاحنة يمينًا ويسارًا في عنف، بينما "عز" بالكاد يحافظ على توازنه فوقها، خرج مرافق السائق من النافذة وبدأ يطلق النيران نحوه بعشوائية يصيح في صديقه بغِل:
_" أرى طيفه بالأعلى أزد السرعة "

+


لم يتم جملته وصرخ صرخة الموت بعدما حُطِّم رأسه ببارودة لكنها ليست تابعة لعز بل.... لببغاء الكوارث الخاص به!!!...

1


نعم كانت "نور" في قلب الشاحنة بعدما تسللت بين الضحايا، صوبت عليه من الفتحة التي بينهم وبين كبينة القيادة، في نفس اللحظة فتح عز الباب على السائق وتماسك فيه بصعوبة، حاول السائق التصويب عليه لكنه لم يأخذ فرصته وجذبه السراب ليرمي به خارجًا ومن ثمّ حل محله....

+


_" أحيه هو انت طلعت السراب!! " كان سؤال مصدوم منها بعدما رأته بالقناع، كانت صدمتها أخف من ذهوله حين سمع صوتها...

1


_" يا بنت المجانين " هكذا هتف بدهشة وعيناه اتسعت في صدمة لا مثيل لها....

+


ثم خاطب باقي فريقه بسرعة وهو يقول:
_" عشر دقايق والضحايا يكونوا في العربية التانية، استعجلوا "

+


أنهى أمره ونظر لها بغيظ يصرخ فيها:
_" انتِ ايه جابك هنا؟! " 

+


تخطت صدمتها وردت بجواب تائه:
_" راقبتك وجيت وراك واستغليت انك بتحط متفجرات في العربيتين اللي فرقعوا وقومت دخلت هنا واتخبيت ورا الصناديق دي على ما حملوا العيال "

2


ثم استطردت تهزي بعدم تصديق:
_" انت ليه لابس قناع السراب انت كام واحد بالظبط؟!.... أحيه يعني مَثَلي الأعلى كان قدامي طول الوقت وأنا زي الأطرش في الزفة!! " 

4


_ " أنت بجد كارثة وملعونة " هكذا صرخ فيها ثم تمالك أعصابه وقال بنبرة لا تحتمل نقاش:
_" بالعقل هتتنقلي مع الولاد للشاحنة اللي هتيجي دلوقتي و "يامن" هيوصلك البيت سامعة!! " 

+



        
          

                
لم تفهم مقصده حتى شعرت بباب الشاحنة يُفتح من الخلف ولازالت على نفس سرعتها فسألت بصدمة:
_" احنا هنتنقل ازاي والعربية بتتحرك.... ليه ما توقفهاش ايه الهبل ده! "

1


صك أسنانه ونبس بفحيح مميت:
_" نفذي وبس "

+


أشاحت وجهها عنه في حين ثبَّت الرجال كوبري حديدي بين السيارتان بعدما ضبطوا السرعات حتى لا يحدث خلل ومن ثمَّ بدأوا في نقل الأطفال بحذر شديد، ونور تتابعهم في ذهول وعقلها يكاد ينفجر بحثًا عن السبب.... لِمَ لا يتوقف عز بالشاحنة وتهبط الضحايا بسلام؟!!

+


انتبهت على بكاء الأطفال حولها وخوفهم من التحرك فاستعادت ثباتها مع ابتسامة حنونة تشجعهم بقوة:
_" يلا يا حبايبي امشوا مع عمو هنروح مكان جميل بعيد عن الناس الوحشة اللي كانوا خاطفينكم يلا " 

+


أعادت جملتها بلهجات كثيرة ولغات مختلفة ليصل حنانها لجميع الأطفال من مختلف الأجناس والأعراق ثم أخذت تساعدهم في المرور عبر الكوبري حتى آخر طفلة حيث تمسكت بها تبكي وتردد:
_" كوني معنا، لا تتركينا معهم لحالنا "

+


غلبتها الدموع مع غصة حارقة على تلك المسكينة التي اعتادت الخوف فما عادت تأمن لأحد، كيف عاشوا هؤلاء في جوف الأرض بين ظلام وجوع وغربة... ينتظرون الموت في كل لحظة ويرونه أكثر من رؤيتهم للضوء مع وحوش دون أنياب بل ببارود وخناجر وقلوب متحجرة...

+


حملتها نور وعبرت بها للشاحنة الأخرى لتضعها بين أقرانها ثم انتبهت ليامن الذي أشار لأحد رفاقائه كي يضغط الزر ويرفع الكوبري.... لكنها كانت أسرع حينما ركضت بإصرار وعناد تعود للشاحنة الموجود بها عز...

1


صُدم يامن وحدث عز عبر اللاسلكي بتوتر:
_" الآنسة نور رجعت تاني يا باشا "

+


عض شفته يحاول تمالك أعصابه ثم نظر لساعته ليعلم أن الوقت ليس معه فنبس باستسلام:
_" سيبها واتحرك باللي معاك زي ما اتفقنا " 

1


نفَّذَ الآوامر بينما حرَّك عز رأسه لتلك التي قفزت للداخل من النافذة رغم سرعة الشاحنة وخطورتها، سكنت جواره بإبتسامة واسعة مستفزة له بشدة وقالت غامزة:
_" الكلام على ايه يا زيزو؟ "

+


رفع يده وكاد يلكمها فتكورت بعيدًا عنه في حين شاط فيها بسخط:
_" آخرتها ايه معاكِ عايز أفهم!! "

+


صاحت فيه هي الأخرى بضيق:
_" ماتزعقش... ما أنا مش همشي قبل ماعرف ليه ماوقفتش الزفتة دي وليه لسة سايقها!! " 

+


هنا ارتسمت ابتسامة مجنونة على وجهه قبل أن يهمس بتشفي:
_" العربية هتوقف ازاي وهي من غير فرامل أصلًا!!! "

+


_" أحيه؟! " نطقت بها بصدمة في حين شحب لونها 

+


فضحك بجنون أشد وأضاف:
_" تاخدي التقيلة بقى!! "

+



        
          

                
ابتلعت ماء حلقها وأومأت برأسها كالبلهاء فأجاب:
_" العربية كلها متفجرات وأول ما شديت السواق من مكانه اتفعل المؤقت بتاعها وبدأ العد التنازلي... ١٠ دقايق فات منهم ٨ "

+


لطمت خديها بقوة وبدأت وصلة ندب لا تنقطع في حين أخرج هو زجاجة صغيرة وبدأ يتجرع منها مشروبه الخاص في انبساط عجيب لتصيح فيه بجنون:
_" هو ده وقت نجاسة!! بتشرب دم واحنا هنتفرتك خلال دقيقتين!!!!! "

1


ضحك بتسلية وجعل سرعة السيارة أقصاها ثم جمدت ملامحه فجأة ونطق بأمرٍ صريح:
_" أول ما نطلع الكوبري هطرَّف العربية وانتِ هتفتحي الباب وتنطي في الماية "

+


كأنها صعقت وأدركت ما يتفوه به والخطر الواقعين في قاعه فسألته بخفوت:
_" وانت ازاي كنت عارف كل ده وخاطرت برضو؟!! "

+


رمقها سريعًا وهو يشرح ببرود:
_" عشان ده فخ للسراب وأنا رحبت بيه... المهم سلامة الضحايا " 

+


بدأت تُحرك رأسها بعدم استيعاب وقد سالت دموعها ثم فاجأته بلكمة عنيفة سددتها لصدره وهي تصرخ بعتاب:
_" انت بجد مجنون!!!؟... انت بتنتحر!!! "

1


لم تتغير نبرته الباردة وقال:
_" أنا هتصرف بعد ما أطمن عليكِ.... مش هموت بالسهولة دي وأسيبك يا بنت الديب "

+


_" مش بنت زفت أنا.... أوعى تعمل كدة " اختلط رجائها ببحة البكاء في نفس الوقت وصلوا للكوبري المنشود فصرخ فيها يأمرها بالتنفيذ:

1


_" افتحي ونطي يا نور " 

+


بقوة أزالت دموعها وصاحت بعناد في رفض قاطع:
_" انسى... لو انت اختارت الموت فأنا معنديش سبب للحياة خليها تنفجر بينا احنا الاتنين "

+


كان ذاك آخر حديث يُسمع بينهما قبل أن نرى حدثًا مُعقدًا للثواني الأخيرة لتلك الشاحنة وهي تقفز بهما في قلب المياة من على ارتفاع مخيف تزامنًا مع انفجار مُدمر وصلت نيرانه عنان السماء....

4


-----------------

+


وكأن الحياة عادت تُشرق أمامها، سُهى تلك المراهقة الطائشة التي أخذتها صحبة السوء لطريق ظنته النهاية المأساوية لحياتها القصيرة أو ربما هو كذلك بالفعل، لكن الآن وجدت قارب النجاة فتمسكت به كسلاح وحيد ضد الغرق، 

+


بعدما قصت على تلك الطبيبة ما حدث معها بالتفصيل بين بكاء لا يتوقف، سمعتها تهديها بشفقة:
_" أوعي تخافي يا سُهى، انتِ مش لواحدك "

+


جففت دموعها وضبط الهاتف أمامها مرة أخرى تتحدث بخفوت:
_" طب وشهد صاحبتي؟! "

+


تنهدت روزالين التي تُمثل الطرف الآخر في المكالمة الهاتفية وقالت:
_" أنا اتواصلت معاكِ الأول بعد ما عرفت عنك حاجات كتير وحسيت انك مغصوبة ومش ده طريقك أما صاحبتك فسُعمة عيلتها حدث ولا حرج محتاجة ملف آداب "

+



        
          

                
طأطأت رأسها بخزي تتذكر كم نصحتها والدتها كي تبتعد عن تلك الشهد لكن اتخذت المبدأ القائل لن أتعلم حتى أقع في الخطأ....

+


_" بس صدقيني هي كمان رافضة الاستغلال ده زيي و... " 

+


قاطعتها روز تقول:
_" ده هنتكلم فيه بعدين يا سهى المهم دلوقتي نتقابل بس لازم حد من أهلك يكون معاك عشان يدعمك ويساعدنا احنا كمان، تفتكري مين محل ثقة لمهمة حساسة زي دي! "

+


ما جال في رأسها سواه " نوح " لكن بعدما حدث آخر مرة ترددت كثيرًا فقالت بقهر وقلة حيلة:
_" مش عارفة... أنا خايفة بجد " 

+


----------------

+


منذ وَصلها الإخطار من المحكمة يحمل خبر زواجته الثانية وهي في حالة من الصدمة والذهول وداخلها يغلي كرهًا ووعيدًا لتلك الوضيعة التي سرقت زوجها منها كحد تفكيرها...

+


هاتفته ليأتي لكنه أخبرها بانشغاله ومع ذلك ألحت أن تراه اليوم والآن تنتظره رغم تأخر الوقت، تحاول تمالك أعصابها وقد أخرجت له وجهًا جديدًا كانت تحاول اخفائه طوال فترة زواجهما...

+


_" ماشي يا شادي، مادام الحالة استقرت والعقل ثبت ورَكَز أوريك أنا بقى الجنان على أصوله " هكذا تحدثت من أسفل أسنانها ويديها تأكل بعضها في سخط شديد...

+


سمعته يفتح الباب فركضت للداخل تتأكد من هيئتها سريعًا ثم رمت بالمئز الذي يعلو ثوب النوم ، للمرة الأولى ترتدي مثل ذلك في وجوده...

+


_" جنى " ناداها بهدوء كي لا يُزعج الصغير النائم كما يظن... 

+


وضع الهاتف والمفاتيح على الطاولة وعينيه تبحث عنها حتى توقفت عندها حين خرجت من الغرفة بإبتسامة جميلة وغريبة...

+


_" حمدًا لله على السلامة كنت فقدت الأمل انك تيجي" قالتها برقة غير معهودة، بينما هو دخل في توتر وارتباك كبير بعد رؤيتها..

+


حمحم ورد مدعيًّا الهدوء:
_" على ما خلصت شغل... عمر أكيد نام هدخل أشوفه "

+


همّ بالتوجه لحجرة الصغير لكن يدها التي أمسكت بذراعه اوقفته وهي تتشدق بمرح زائف:
_" عمر عند ماما الليلة دي... حبيت نحتفل سوا لواحدنا "

+


طالعها في تساؤل فاقتربت تخلع عنه المعطف وهي تقول:
_" هفهمك بس خد نفَسك الأول... مالك حساك مش مرتاح؟! "

+


من أين تأتي له الراحة يا امرأة بعد تلك النظرات والأفعال والثياب المُريبة.... 

+


رد ينفي بإبتسامة مجامِلة:
_" لا أبدًا بس اليوم كان مُتعب وكمان عمر واحشني "

+


_" طب وأم عمر؟ " غمغمت بها في رقة 

+


فابتلع ريقه وأجاب:
_" طبيعي البيت باللي فيه بيوحشني يا جنى "

+



        
          

                
ستقتله! أشعر بذلك من نظراتها الحانقة التي اخفتها خلف قناع التبسم ثم سحبته للداخل وهي تتحدث بحماس:
_" طب مش عايز تعرف هنحتفل بإيه؟! " 

+


_" آه صحيح ماخدتش بالي! " قالها ثم طالع الغرفة المزينة بشكل دقيق ورائع بالورود ثم ذهبت عينيه نحو قالب الكيك الموضوع فوقه بعض الشموع ويحمل رقم " 32 "

+


_" كل سنة وانت طيب عقبال المية يا حبيبي " هكذا همست له بحب للمرة الأولى تُظهره بهذا الوضوح ثم أكملت بتعذر:
_" عارفة انه كان من كام يوم بس للأسف كنت تعبانة " 

+


لا أخفيكم سرًّا سعد قلبه بتلك المفاجأة حتى أنه نظر لها في امتنان وقال:
_" شكرًا يا جني... مكانش فيه داعي لكل ده انا مش متعود أحتفل بيه أصلًا "

+


ضغطت على يده بخفة ونظرت داخل عينيه وهي تهمس بتحدٍّ خفي:
_" بس المرة دي بتمنى يكون مميز.... عايزاه بداية جديدة لينا مع بعض " 

+


هو ليس بالغبيّ بل يتفهم ما ترنو له بالضبط لكن علاقتهما واضحة منذ البداية، علمت سر شروده فتحسست صدره بإبتسامة تحمل رجاء ومشاعر خاصة ثم قالت:
_" مش هتطفي الشمع؟ " 

+


وكأنها وجدت له مهربًا، أومأ في احراج وقال:
_" آه صح... هو يعني حاجة طفولية شوية و.. "

+


_" دي بالذات مفيهاش طفل وشاب على فكرة..... يلا بس وأنا هساعدك " قالتها بضحك وشجعته بكلمات احتفالية وتصفيق ومرح فاندمج معها قليلًا حتى جاءت اللحظة الحاسمة واطفأ الشموع لتحييه وتعيد تهنأته:

+


_" كل سنة وانت بينا يا شادي " 

+


_" وانتِ طيبة يا جنى " 

+


ردودة مفحمة نعلم، لكنها تغاضت عنها وقطعت الكيك بحب، تناولوا القليل بين دردشات مرحة حتى وقفت تقول:
_" هشيل الحاجة على ما تاخد دش وتبدل هدومك "

+


أومأ بهدوء وقال بتلقائية قاصدًا إنهاء الليلة:
_" خلصي ونامي انتِ أكيد تعبتي في التجهيزات والوقت اتأخر... أنا هاخد شاور في الأوضة التانية وهنام هناك عشان تاخدي راحتك و..."

+


قاطعت كلامه الذي أوجعها بشدة وقد تحولت ملامحها المتحمسة لأخرى شاحبة وهي تهتف فيه بمرارة حقيقية:
_" هو انت مش فاهم ولا مصمم تتهرب... أنزّل من كرامتي أكتر من كدة ايه عشان تحس بيا وتشوفني في حياتك كزوجة مش مجرد سد خانة وتخليص ذنب!! "

+


منذ رآها في هيئتها الجديدة وتمنى ألا تأتي تلك اللحظة، أغمض عينيه برهة يستجمع كلمات تراضيها حيث نطق في خفوت:
_" أنا آسف لو حسستك بده من غير قصدي بس انتِ أكتر واحدة عارفة قد ايه متلغبط، أنا.... "

+


سكت بعدما فشل في إيجاد مبرر أو وصف لِما يشعر به ويدور داخله فضحكت بتهكم وانفجرت فيه بدموع:
_" انت ايه؟!! انت شخص أناني... كان ممكن ماتدخلش حياتي من الأول ولا تعلقني بيك بس اختارت تسكِّت صوت الذنب اللي في جواك بجوازك مني واهتمامك بابني ياحضرة الظابط... سابقًا "

2



        
          

                
تعمدت كل كلمة نطقتها تتلاعب به بمهارة ونجحت بالفعل في حصاره لكن ما استطاع فعله أن ترجاها بإختناق:
_" بلاش تيجي منك يا جنى... خليكِ الركن اللي بيخبني من نفسي بلاش تقسي انتِ كمان عشان خاطري.. مش هقدر"

+


لم تلقي بالًا برجائه وعمتها رغبتها في الثأر لكرامتها التي تراه دعسها برفضه، غمغمت تُكمل بقسوة:
_" ضايقِتك الحقيقة!!... يمكن عشان حبي ليك منعني أواجهك بيها كل السنين اللي فاتت، كنت فاكراك هتعوضني بجد وتكون قد الرباط اللي بينا واللي انت طلبته بنفسك عشان تنسى ذنب صابر ويُتم ابنه بسببك "

+


_" مكانش قصدي والله ماكان قصدي " صرخ بها في انهيار لكنها أكملت تجابه صراخه:
_" مش مهم القصد مدام النتيجة واحدة، كان طول عمره واثق فيك وماشي وراك لحد ما غرقته معاك و النتيجة انتحر واتحرمنا منه بسبب غباءك "

3


جلدت قلبه بالمعنى الحرفي، أضحى يعيش نفس الأحداث المأساوية كأنها تنعاد في تلك اللحظة، دارت به الدنيا وشحب شحوب الأموات وبدأ يتصبب عرقًا...

+


_" وانا كمان اتحرمت منه... مكنتش أعرف انه هيمشي... أنا آسف " بدأ يهزي بتلك الجُمل وقد ضاق به المكان كأن الجدران تسلب منه الأنفاس بل وتُذكره بمحبسه، فَرَّ من أمامها يتخبط في كل ما يُقابله، لا يعرف كيف التقط المفاتيح رغم الغيمة اللامرئية التي تحجب عنه الرؤية...

+


تدحرجت قدماه على السلالم كأنها أرض مستوية حتى وصل لدراجته البخارية التي أخذته بسرعة جنونية في طريق لا يراه ولا يشعر به فقط يلفحه الهواء كجلدات من الماضي ويقرصه البرد كالطعنات، اتهام عاش يُحاربه سنوات حتى ظن أنه دُفن وعادت له حياته التي طُمست بين رُكام الذنب، لكن مع أول هجوم منها أعادت له الوحش ينهش صدره دون رحمة.....

1


------------------

+


الساعة تخطت الثانية عشر بعد منتصف الليل، السكون يعم المكان والمنزل مظلم تمامًا إلا من إنارة صغيرة تخرج من هاتفها وهي ممددة على فراشِه الذي فارقه منذ أيام....

+


قد تفاجأت بتول وطارت من الغبطة حينما رد عليها بعدما فقدت الامل في التواصل معه لكنه أخيرًا عطف عليها بردًا دافئًا على رسالتها الصوتية التي حملت لفظ اسمه بجملة واحدة أنعشت روحها:
_" أول مرة أحب اسمي كدة "

+


وأرفق رسالته بشكل قلب سحَر عينيها رغم بساطته واعتيادها رؤيته، على الفور انهالت بوابل من الرسائل تطمئن عليه وتستفسر عن حاله وميعاد عودته وسبب عدم تواصله معهم....

+


لكن للأسف لم يراهم ولم يرد وقد مرت أربعة ساعات وهي تنتظر دون فائدة، تأففت بحزن ووضعت الهاتف جوارها ثم أغمضت تستدعي النوم بقلة حيلة...

+


وللمرة الألف تشرد في نفسها وتفكر في نهاية ذلك الحب الذي يتفاقم داخلها نحوه، ظهر الأسى على ملامحها، كيف سيراها وبها الكثير من العيوب من وجهة نظرها ونظر تلك المدعوة منة؟!... حتى أنه لا يفهمها سوى بواسطة الأحرف التي تخطها فوق الأوراق كوسيلة التواصل الوحيدة بينها وبين الجميع!!!، ما المُبهر بها كي ينتقيها قلبه من بين كل ما يرى ويقابل....

2


انتفضت على رسالة لا بل اتصالًا... إنها مكالمة مرئية!!! منه؟!! 

1


-------------------☆☆☆☆☆☆☆

+


يتبع....
كفاية كدة تعبت 🤐 

+


عذرًا مكانش عندي نت امبارح ومعرفتش أنشر

+


☆ تشجيع بقى عشان النفسية ماشية بالزق🙂

3


رأيكم؟؟ رأيكم بجد محتاجة أسمعه عشان ماحسش إني بهاتي مع نفسي!

5


ثانية ايه بهاتي دي؟!!🤦‍♀️

+


الأهم: لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا في كل بقاع الأرض، دُمتم في أمان الله ♥️ 




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close