رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم ملك علي
البارت الرابع و العشرون قضية طلاق
بعد أن أغلقت والدة ملك الخط , انتابها شعور سيء ظل معها الى أن عاد زوجها , بمجرد أن جلس الى جانبها على الأريكة بادرته
" عزيزي كلمت ملك قالت أن الأمر لم يحل بعد , لكن صوتها لم يعجبني "
نظر اليها زوجها بعتاب
" ألست أنت من ضغط عليها للذهاب ؟ دعيها و شأنها اذا ,
بمجرد أن تجد حجزا ستعود ملك ليست طفلة , ثم هي في دبي و ليست في النيجر "
تنهدت والدتها و لكن الحيرة لم تغادر ملامحها
" أجل و لكن قلبي يقول بأن ابنتي غير مرتاحة تبدو باكية و حزينة ,
أتعلم قالت أن ممثل السفارة معها لحل الامر لكن لا جديد في الموضوع "
كان عز الدين بصدد النهوض للاغتسال و الصلاة , حينما قالت زوجته هذه الجملة ,
لكنه وقف مكانه و سأل نفسه باستغراب
" منذ متى تتدخل السفارة في أمر تافه كهذا ؟ "
صمت قليلا يفكر ثم أضاف
" و اذا كانت السفارة قد تدخلت , لم لم يحل الأمر اذا لحد الآن ؟ "
بدا الامر غريبا بالنسبة له , عقبت والدتها و قد زاد قلقها
" هذا ما أعنيه ملك ذكية و متعودة على السفر وحدها ,
لا أدري لم تبدو كأنها مكتئبة و تعاني من بقائها هناك بطريقة مبالغ فيها "
" هل تحدثت اليها عبر الكاميرا ؟
هل رأيت وجهها ؟ "
نفت والدتها مباشرة
" لا لم أفعل عادة هي من تتصل باستعمال الكاميرا , حينما يكون المكان مناسبا ,
و أنا أدعها على راحتها "
فكر والدها لبعض اللحظات ثم قرر الاتصال بها بنفسه , زوجته حساسة جدا اتجاه ابنتها و قد تكون مجرد أوهام
عادة هو لا يطيل الكلام معها حينما تكون مسافرة , لا يريدها أن تشعر بأنها مراقبة ,
لطالما أعطاها مساحة لتعتمد على نفسها و تصبح أكثر قوة و ثقة بالنفس , و لطالما لام زوجته على مراقبة كل تحركاتها ,
بالنسبة له تربيتهما الصالحة لها هي أحسن رقيب , و ثقته بابنته تفوق كل تقدير ,
اتصل بها عز الدين بالكاميرا عبر الفايبر و ردت ملك سريعا , كان الاتصال مقتضبا لأنها كانت داخل سيارة ,
أخبرته أنها تقلها الى مكان اقامتها الجديد الى أن تجد رحلة للعودة , لكن دون أن تخبره أين تذهب أو مع من ,
و رغم أن الاتصال لم يدم أكثر من ثلاث دقائق , الا أن توجس والدها من وضعية ابنته بعد اغلاق الخط ,
كان أسوء بكثير مما حاولت والدتها ايصاله , لم تكن مجرد هواجس فارغة
كانت ملك تبدو مرتبكة , تتردد للرد على أسئلته البسيطة , و تحاول تفادي النظر اليه مباشرة في الكاميرا ,
ملامحها متصلبة ابتسامتها مصطنعة , و كأنها تجبر نفسها على اظهارها
و عيناها اللتان تبدوان باكيتين ,
رغم أنها حاولت اخفاء الأمر , بالكذب أنها لم تنل قسطا كافيا من الراحة ,
الا أن تمثيلها لم يمر عليه , هذه ابنته التي رباها و يحفظها كما يحفظ اسمه ,
هو لا يعلم ما الذي يجري معها بالضبط , لكن ما هو متأكد منه أنها ليست بخير , و أنها تخفي أمرا مريبا ,
سرح الرجل قليلا بتفكيره قبل أن تتدخل زوجته
" ها حبيبي ما رأيك ؟ "
أخذ عز الدين نفسا عميقا و ابتسم , و قد قرر ألا يزيد توتر زوجته
" أعتقد أنها منزعجة من بقائها هناك لا أكثر , أنت اهدئي و لا تشعريها بقلقك ,
قد يكون مجرد أوهام , و أنا سأجد طريقة لحل الموضوع "
ربت على يديها قليلا و طبع قبلة على جبينها , قام بعدها مباشرة دخل مكتبه أخرج هاتفه و اتصل على صديقه دون تأخير
" مرحبا عبد الحميد كيف حالك ؟ "
" هاي مرحبا أيها الجزار , لم أسمع صوتك منذ مدة , كيف حالك أيها الشرير ؟ "
ضحك عز الدين بهدوء ثم أجابه
" بخير فقط مشغول مع العيادة كما تعلم , لا أجد حتى وقتا للاسترخاء "
" كيف حال عدراء و ملك هل زوجتها ؟ "
و ضحك بصوت عال
" طبعا لا ليس من دون حضورك "
بعد تبادل الكثير من الأخبار و المعلومات , اقترح الرجل على الخط
" ما رأيك اذا أن نلتقي و نخرج للصيد , لم نفعل ذلك منذ زمن و ابني مشتاق لرؤيتك "
" أكيد عبدو لنجهز للموضوع لاحقا , لكنني في الحقيقة اتصلت الآن , بسبب حاجتي لتدخلك في أمر طارئ "
" بالتأكيد عز الدين أنت أخي أطلب ما تشاء "
شعر الرجل بالقلق لم يسبق أن طلب منه صديقه خدمة أبدا ,
هما صديقين مقربين منذ سنوات طويلة , منذ أن كان عبد الحميد يعمل في السفارة الجزائرية في فرنسا ,
و تعرف اليه لأنه من قام باجراء عملية ناجحة لابنه , الذي ولد بتشوه خلقي في القلب ,
و رغم انشغال عز الدين بعيادته و عائلته , و نقل عبد الحميد ليصبح من أهم الدبلوماسيين العاملين في وزارة الخارجية في الحكومة الجزائرية ,
الا أن علاقتهما لا تزال قوية كالسابق , يميزها الكثير من الاحترام و الود بين العائلتين
لذلك فكر عز الدين في اللجوء اليه لحل مشكلة ملك , لما للرجل من علاقات كثيرة على الصعيد الدولي ,
بعد أن أخبر صديقه بالتفاصيل , طمأنه عبد الحميد أن بامكانه تحري الأمر و ايجاد حل سريعا ,
و طلب اعطاءه بعض الوقت للتصرف ,
ارتاح بال عز الدين و عدراء قليلا , الا أنهما لم يتمكنا من النوم تلك الليلة , و هما لا يعرفان بم تمر ابنتهما الآن في غربتها ,
أما عبد الحميد فقد كان عند وعده , و قام باجراء بعض الاتصالات , حتى وصل الى مسؤول رفيع في طيران الامارات , ليسأل عن امكانية ايجاد حل ملائم ,
و الرجل وعده أن يتصل به لاحقا لافادته بالمعلومات.
.
.
.
بعد أن غادرا المستشفى في سيارة عبد الحفيظ , و تلقي ملك مكالمة والدها و التي لم تزدها الا استياءا , بسبب كذبها عليه و اخفائها الحقيقة ,
اتجها ناحية الشواطئ و بالتحديد الى شاطئ الجميرا الفخم بكل مناظره الخلابة ,
بعد ساعة و نصف من القيادة , توقفت السيارة أمام بيت شاطئي من طابقين مقابل البحر مباشرة
في المدخل شرفة كبيرة فيها كراسي طويلة , و طاولة مقابل حمام سباحة خاص ,
داخل المنزل كان الديكور فاتنا , مع أرضية خشبية تضفي دفئا على المكان ,
معظم الجدران استبدلت بنوافذ زجاجية كبيرة , مع ستائر بيضاء شفافة ,
مما يوحي للجالس داخل المنزل أنه على الشاطئ مباشرة ,
أما الأثاث فكان بطراز يشابه شرق آسيا , و كل شيء باللون الأبيض الفاخر
المنزل كله و كأنه تم تحويله مباشرة من احدى جزر المالديف , راحة و هدوء يمنحان الشعور بالأمان و الطمأنينة , النسيم عليل و الأرجاء هادئة ,
رغم ذلك لم يكن يغطي على شعور ملك بالحزن , بعد كل ما مرت به ,
دخل عبد الحفيظ أولا ثم دعاها الى الدخول , بعد أن فتح لهم أحد الحراس الباب و انصرف
كان هناك صالون مع مطبخ في الطابق الأرضي , أما الطابق الأول فكان يتكون من غرفتي نوم
" تفضلي ابنتي ستبقين هنا الى أن نحل المشكلة "
قال عبد الحفيظ و هو يساعدها في ادخال أمتعتها ,
نظرت اليه ملك بامتنان
" شكرا سيدي و لكن هذا البيت يبدو مكلفا "
واضح أن المكان ذو مستوى عال و سياحي من الطراز الأول , و الليلة هنا تكلف ثروة بالتأكيد ,
رد عبد الحفيظ بابتسامته المميزة
" لا تقلقي ابنتي المنزل تابع للسفارة , بامكانك البقاء هنا قدر ما تشائين مجانا "
شعرت ملك بالارتياح بعدما قاله , و بدأت تجول بعينيها محاولة استكشاف المكان .
بعد اطمئنانه على حالها قرر عبد الحفيظ الانصراف , بعد أن منحها بطاقة عمله التي دون على ظهرها رقمه الخاص ,
و طلب منها أن تتصل به , في أي وقت اذا احتاجت أي شيء
و تواعدا على اللقاء غدا أمام مكتب المحامي جوزيف , و أعطاها عنوان المكتب بعد أن عرض عليها المجيء لاصطحابها ,
لكنها فضلت ان تأخذ تاكسي من هنا بدل اتعابه , و شكرته كثيرا على وقوفه بجانبها .
بعد أن رحل الرجل , صعدت ملك الى الطابق الأول ,
كانت الغرفة التي تقابل غرفتها موصدة بالمفتاح ,
و لم تحاول ملك فتحها و الدخول اليها , حيث رجحت أنها تحوي أغراضا خاصة بالسفارة ,
دخلت بعدها الى غرفتها أخذت دشا و غيرت ملابسها , أثناء ذلك كانت السماء قد أظلمت و حل الليل ,
نزلت بعدها الى الصالون , و استلقت على الاريكة واضعة غطاءا خفيفا عليها , لم تأكل شيئا منذ البارحة , الا أنها لم تكن جائعة ,
فرغم الأبهة التي تحيط بها , الا أنها لم تملك الا أن تشعر بمرارة الغربة التي تحتل قلبها ,
لم تستطع ملك منع نفسها من تذكر كل ما حدث منذ أمس بكل تفاصيله , خاصة صدامها الأخير مع المجنون في غرفة المستشفى
رغم تحليلاتها و محاولة استيعابها , الا أنها تصل في كل مرة الى طريق مسدود , و نفس السؤال يتكرر
" لم يحدث معي كل هذا ؟ "
و لا اجابة شافية واحدة ، كل ما هي متأكدة منه أنها تحقد على ذلك الرجل و تبغضه , كما لم يحدث في حياتها يوما ,
و اذا كانت تتمنى شيئا الآن , هو أن تغمض عينيها و تفتحهما لتجده اختفى من حياتها .
استمر انشغال فكر ملك الى الرابعة صباحا , و لم تتوقف الا بعد أن غالبها النعاس ,
فغفت على الأريكة دون ادراك , و لم تستفق الا و أشعة الشمس الدافئة تداعب وجهها ,فتحت ملك عينيها و قد أدركت أنها قضت الليلة هنا , كانت الأريكة وثيرة ,
لكن الوضعية التي نامت بها جعلتها تشعر بتشنج في رقبتها و ظهرها ,
كانت الساعة تشير الى السابعة صباحا في هاتفها , لم تنم ملك كفاية لكن كان عليها أن تخرج , حتى لا تفوت موعد المحامي ,
مدت يديها فوق رأسها , و حركت جسمها ببعض الحركات الخفيفة , حتى تتخلص من التشنجات ,
ثم قامت غيرت ملابسها و صنعت قهوة لفطورها ,
اتصلت بوالدتها لدقائق معدودة حتى تطمئن بالها , و بعد انتهاء المكالمة كانت قد حزمت أمرها ,
في اخبار والديها بالحقيقة كاملة ,
بعد العودة من مكتب المحامي , اذا لم يظهر أي انفراج قريب في أزمتها , لا يمكنها الاستمرار في الكذب عليهما أكثر
حملت بعدها حقيبة يدها , و استدعت تاكسي ليقلها الى وسط المدينة
بالوصول الى العنوان الذي حصلت عليه البارحة , دخلت ملك البناية التي كانت كلها عبارة عن مكاتب و مقرات لشركات متنوعة ,
تقدمت الى أمام المصاعد , حيث كان هناك الكثير من الناس في صف الانتظار فهذا وقت الذروة ,
انتظرت ملك دورها و صعدت الى الطابق الواحد و العشرين ,
كان المصعد يتوقف في كل طابق تقريبا , حيث يدخل و يخرج منه الكثيرون مع اكتظاظ بالداخل , لكن الأمر كان سريعا ,
بالوصول الى مكتب المحامي , انتظرت ملك في القاعة الى أن حضر عبد الحفيظ كما وعدها ,
و دخلا سويا لمقابلة المحامي
جلس بعدها الثلاثة مطولا و دخلوا في نقاش حاد
" متر أريد معرفة الطريقة التي أستطيع بها استعادة جواز سفري و المغادرة "
سبق و أن سمعت ملك الكثير عن هذا الموضوع , و لكنها الآن تريد مناقشته بهدوء بعيدا عن الضغوط التي عانت منها
ظهرت ملامح قلة حيلة على وجه المحامي
" سيدتي الغاء قرار الحظر يجب أن يتم بعد تنازل زوجك عن طلبه "
انزعجت ملك مما قاله و سارعت للنفي
" متر أخبرتك أنه ليس زوجي , و لا أعرف عنه شيئا "
نظر الرجلان الى بعضهما بصمت , ثم رد جوزيف بمراعاة
" حسنا سيدتي حتى و لو قلت ذلك , لكن الوثائق التي لديه حقيقية ,
و أنت بنفسك أكدت أن امضاءك على العقد حقيقي "
" لكنني لا أعرف فعلا كيف وصل الى هناك "
كررت ملك نفيها للعلاقة و هي تضع وجهها بين يديها
أضاف المحامي بكل موضوعية , بعدما تردد لبعض الوقت
" دعونا لا نتكلم عن معرفتك به من عدمها , هناك عقد حقيقي يقول بأنك زوجته ,
اذا أردنا الحصول على الغاء للحظر ,
اما أن نجعله يتراجع عنه أو نرفع عليه قضية طلاق "
.
بعد أن أغلقت والدة ملك الخط , انتابها شعور سيء ظل معها الى أن عاد زوجها , بمجرد أن جلس الى جانبها على الأريكة بادرته
" عزيزي كلمت ملك قالت أن الأمر لم يحل بعد , لكن صوتها لم يعجبني "
نظر اليها زوجها بعتاب
" ألست أنت من ضغط عليها للذهاب ؟ دعيها و شأنها اذا ,
بمجرد أن تجد حجزا ستعود ملك ليست طفلة , ثم هي في دبي و ليست في النيجر "
تنهدت والدتها و لكن الحيرة لم تغادر ملامحها
" أجل و لكن قلبي يقول بأن ابنتي غير مرتاحة تبدو باكية و حزينة ,
أتعلم قالت أن ممثل السفارة معها لحل الامر لكن لا جديد في الموضوع "
كان عز الدين بصدد النهوض للاغتسال و الصلاة , حينما قالت زوجته هذه الجملة ,
لكنه وقف مكانه و سأل نفسه باستغراب
" منذ متى تتدخل السفارة في أمر تافه كهذا ؟ "
صمت قليلا يفكر ثم أضاف
" و اذا كانت السفارة قد تدخلت , لم لم يحل الأمر اذا لحد الآن ؟ "
بدا الامر غريبا بالنسبة له , عقبت والدتها و قد زاد قلقها
" هذا ما أعنيه ملك ذكية و متعودة على السفر وحدها ,
لا أدري لم تبدو كأنها مكتئبة و تعاني من بقائها هناك بطريقة مبالغ فيها "
" هل تحدثت اليها عبر الكاميرا ؟
هل رأيت وجهها ؟ "
نفت والدتها مباشرة
" لا لم أفعل عادة هي من تتصل باستعمال الكاميرا , حينما يكون المكان مناسبا ,
و أنا أدعها على راحتها "
فكر والدها لبعض اللحظات ثم قرر الاتصال بها بنفسه , زوجته حساسة جدا اتجاه ابنتها و قد تكون مجرد أوهام
عادة هو لا يطيل الكلام معها حينما تكون مسافرة , لا يريدها أن تشعر بأنها مراقبة ,
لطالما أعطاها مساحة لتعتمد على نفسها و تصبح أكثر قوة و ثقة بالنفس , و لطالما لام زوجته على مراقبة كل تحركاتها ,
بالنسبة له تربيتهما الصالحة لها هي أحسن رقيب , و ثقته بابنته تفوق كل تقدير ,
اتصل بها عز الدين بالكاميرا عبر الفايبر و ردت ملك سريعا , كان الاتصال مقتضبا لأنها كانت داخل سيارة ,
أخبرته أنها تقلها الى مكان اقامتها الجديد الى أن تجد رحلة للعودة , لكن دون أن تخبره أين تذهب أو مع من ,
و رغم أن الاتصال لم يدم أكثر من ثلاث دقائق , الا أن توجس والدها من وضعية ابنته بعد اغلاق الخط ,
كان أسوء بكثير مما حاولت والدتها ايصاله , لم تكن مجرد هواجس فارغة
كانت ملك تبدو مرتبكة , تتردد للرد على أسئلته البسيطة , و تحاول تفادي النظر اليه مباشرة في الكاميرا ,
ملامحها متصلبة ابتسامتها مصطنعة , و كأنها تجبر نفسها على اظهارها
و عيناها اللتان تبدوان باكيتين ,
رغم أنها حاولت اخفاء الأمر , بالكذب أنها لم تنل قسطا كافيا من الراحة ,
الا أن تمثيلها لم يمر عليه , هذه ابنته التي رباها و يحفظها كما يحفظ اسمه ,
هو لا يعلم ما الذي يجري معها بالضبط , لكن ما هو متأكد منه أنها ليست بخير , و أنها تخفي أمرا مريبا ,
سرح الرجل قليلا بتفكيره قبل أن تتدخل زوجته
" ها حبيبي ما رأيك ؟ "
أخذ عز الدين نفسا عميقا و ابتسم , و قد قرر ألا يزيد توتر زوجته
" أعتقد أنها منزعجة من بقائها هناك لا أكثر , أنت اهدئي و لا تشعريها بقلقك ,
قد يكون مجرد أوهام , و أنا سأجد طريقة لحل الموضوع "
ربت على يديها قليلا و طبع قبلة على جبينها , قام بعدها مباشرة دخل مكتبه أخرج هاتفه و اتصل على صديقه دون تأخير
" مرحبا عبد الحميد كيف حالك ؟ "
" هاي مرحبا أيها الجزار , لم أسمع صوتك منذ مدة , كيف حالك أيها الشرير ؟ "
ضحك عز الدين بهدوء ثم أجابه
" بخير فقط مشغول مع العيادة كما تعلم , لا أجد حتى وقتا للاسترخاء "
" كيف حال عدراء و ملك هل زوجتها ؟ "
و ضحك بصوت عال
" طبعا لا ليس من دون حضورك "
بعد تبادل الكثير من الأخبار و المعلومات , اقترح الرجل على الخط
" ما رأيك اذا أن نلتقي و نخرج للصيد , لم نفعل ذلك منذ زمن و ابني مشتاق لرؤيتك "
" أكيد عبدو لنجهز للموضوع لاحقا , لكنني في الحقيقة اتصلت الآن , بسبب حاجتي لتدخلك في أمر طارئ "
" بالتأكيد عز الدين أنت أخي أطلب ما تشاء "
شعر الرجل بالقلق لم يسبق أن طلب منه صديقه خدمة أبدا ,
هما صديقين مقربين منذ سنوات طويلة , منذ أن كان عبد الحميد يعمل في السفارة الجزائرية في فرنسا ,
و تعرف اليه لأنه من قام باجراء عملية ناجحة لابنه , الذي ولد بتشوه خلقي في القلب ,
و رغم انشغال عز الدين بعيادته و عائلته , و نقل عبد الحميد ليصبح من أهم الدبلوماسيين العاملين في وزارة الخارجية في الحكومة الجزائرية ,
الا أن علاقتهما لا تزال قوية كالسابق , يميزها الكثير من الاحترام و الود بين العائلتين
لذلك فكر عز الدين في اللجوء اليه لحل مشكلة ملك , لما للرجل من علاقات كثيرة على الصعيد الدولي ,
بعد أن أخبر صديقه بالتفاصيل , طمأنه عبد الحميد أن بامكانه تحري الأمر و ايجاد حل سريعا ,
و طلب اعطاءه بعض الوقت للتصرف ,
ارتاح بال عز الدين و عدراء قليلا , الا أنهما لم يتمكنا من النوم تلك الليلة , و هما لا يعرفان بم تمر ابنتهما الآن في غربتها ,
أما عبد الحميد فقد كان عند وعده , و قام باجراء بعض الاتصالات , حتى وصل الى مسؤول رفيع في طيران الامارات , ليسأل عن امكانية ايجاد حل ملائم ,
و الرجل وعده أن يتصل به لاحقا لافادته بالمعلومات.
.
.
.
بعد أن غادرا المستشفى في سيارة عبد الحفيظ , و تلقي ملك مكالمة والدها و التي لم تزدها الا استياءا , بسبب كذبها عليه و اخفائها الحقيقة ,
اتجها ناحية الشواطئ و بالتحديد الى شاطئ الجميرا الفخم بكل مناظره الخلابة ,
بعد ساعة و نصف من القيادة , توقفت السيارة أمام بيت شاطئي من طابقين مقابل البحر مباشرة
في المدخل شرفة كبيرة فيها كراسي طويلة , و طاولة مقابل حمام سباحة خاص ,
داخل المنزل كان الديكور فاتنا , مع أرضية خشبية تضفي دفئا على المكان ,
معظم الجدران استبدلت بنوافذ زجاجية كبيرة , مع ستائر بيضاء شفافة ,
مما يوحي للجالس داخل المنزل أنه على الشاطئ مباشرة ,
أما الأثاث فكان بطراز يشابه شرق آسيا , و كل شيء باللون الأبيض الفاخر
المنزل كله و كأنه تم تحويله مباشرة من احدى جزر المالديف , راحة و هدوء يمنحان الشعور بالأمان و الطمأنينة , النسيم عليل و الأرجاء هادئة ,
رغم ذلك لم يكن يغطي على شعور ملك بالحزن , بعد كل ما مرت به ,
دخل عبد الحفيظ أولا ثم دعاها الى الدخول , بعد أن فتح لهم أحد الحراس الباب و انصرف
كان هناك صالون مع مطبخ في الطابق الأرضي , أما الطابق الأول فكان يتكون من غرفتي نوم
" تفضلي ابنتي ستبقين هنا الى أن نحل المشكلة "
قال عبد الحفيظ و هو يساعدها في ادخال أمتعتها ,
نظرت اليه ملك بامتنان
" شكرا سيدي و لكن هذا البيت يبدو مكلفا "
واضح أن المكان ذو مستوى عال و سياحي من الطراز الأول , و الليلة هنا تكلف ثروة بالتأكيد ,
رد عبد الحفيظ بابتسامته المميزة
" لا تقلقي ابنتي المنزل تابع للسفارة , بامكانك البقاء هنا قدر ما تشائين مجانا "
شعرت ملك بالارتياح بعدما قاله , و بدأت تجول بعينيها محاولة استكشاف المكان .
بعد اطمئنانه على حالها قرر عبد الحفيظ الانصراف , بعد أن منحها بطاقة عمله التي دون على ظهرها رقمه الخاص ,
و طلب منها أن تتصل به , في أي وقت اذا احتاجت أي شيء
و تواعدا على اللقاء غدا أمام مكتب المحامي جوزيف , و أعطاها عنوان المكتب بعد أن عرض عليها المجيء لاصطحابها ,
لكنها فضلت ان تأخذ تاكسي من هنا بدل اتعابه , و شكرته كثيرا على وقوفه بجانبها .
بعد أن رحل الرجل , صعدت ملك الى الطابق الأول ,
كانت الغرفة التي تقابل غرفتها موصدة بالمفتاح ,
و لم تحاول ملك فتحها و الدخول اليها , حيث رجحت أنها تحوي أغراضا خاصة بالسفارة ,
دخلت بعدها الى غرفتها أخذت دشا و غيرت ملابسها , أثناء ذلك كانت السماء قد أظلمت و حل الليل ,
نزلت بعدها الى الصالون , و استلقت على الاريكة واضعة غطاءا خفيفا عليها , لم تأكل شيئا منذ البارحة , الا أنها لم تكن جائعة ,
فرغم الأبهة التي تحيط بها , الا أنها لم تملك الا أن تشعر بمرارة الغربة التي تحتل قلبها ,
لم تستطع ملك منع نفسها من تذكر كل ما حدث منذ أمس بكل تفاصيله , خاصة صدامها الأخير مع المجنون في غرفة المستشفى
رغم تحليلاتها و محاولة استيعابها , الا أنها تصل في كل مرة الى طريق مسدود , و نفس السؤال يتكرر
" لم يحدث معي كل هذا ؟ "
و لا اجابة شافية واحدة ، كل ما هي متأكدة منه أنها تحقد على ذلك الرجل و تبغضه , كما لم يحدث في حياتها يوما ,
و اذا كانت تتمنى شيئا الآن , هو أن تغمض عينيها و تفتحهما لتجده اختفى من حياتها .
استمر انشغال فكر ملك الى الرابعة صباحا , و لم تتوقف الا بعد أن غالبها النعاس ,
فغفت على الأريكة دون ادراك , و لم تستفق الا و أشعة الشمس الدافئة تداعب وجهها ,فتحت ملك عينيها و قد أدركت أنها قضت الليلة هنا , كانت الأريكة وثيرة ,
لكن الوضعية التي نامت بها جعلتها تشعر بتشنج في رقبتها و ظهرها ,
كانت الساعة تشير الى السابعة صباحا في هاتفها , لم تنم ملك كفاية لكن كان عليها أن تخرج , حتى لا تفوت موعد المحامي ,
مدت يديها فوق رأسها , و حركت جسمها ببعض الحركات الخفيفة , حتى تتخلص من التشنجات ,
ثم قامت غيرت ملابسها و صنعت قهوة لفطورها ,
اتصلت بوالدتها لدقائق معدودة حتى تطمئن بالها , و بعد انتهاء المكالمة كانت قد حزمت أمرها ,
في اخبار والديها بالحقيقة كاملة ,
بعد العودة من مكتب المحامي , اذا لم يظهر أي انفراج قريب في أزمتها , لا يمكنها الاستمرار في الكذب عليهما أكثر
حملت بعدها حقيبة يدها , و استدعت تاكسي ليقلها الى وسط المدينة
بالوصول الى العنوان الذي حصلت عليه البارحة , دخلت ملك البناية التي كانت كلها عبارة عن مكاتب و مقرات لشركات متنوعة ,
تقدمت الى أمام المصاعد , حيث كان هناك الكثير من الناس في صف الانتظار فهذا وقت الذروة ,
انتظرت ملك دورها و صعدت الى الطابق الواحد و العشرين ,
كان المصعد يتوقف في كل طابق تقريبا , حيث يدخل و يخرج منه الكثيرون مع اكتظاظ بالداخل , لكن الأمر كان سريعا ,
بالوصول الى مكتب المحامي , انتظرت ملك في القاعة الى أن حضر عبد الحفيظ كما وعدها ,
و دخلا سويا لمقابلة المحامي
جلس بعدها الثلاثة مطولا و دخلوا في نقاش حاد
" متر أريد معرفة الطريقة التي أستطيع بها استعادة جواز سفري و المغادرة "
سبق و أن سمعت ملك الكثير عن هذا الموضوع , و لكنها الآن تريد مناقشته بهدوء بعيدا عن الضغوط التي عانت منها
ظهرت ملامح قلة حيلة على وجه المحامي
" سيدتي الغاء قرار الحظر يجب أن يتم بعد تنازل زوجك عن طلبه "
انزعجت ملك مما قاله و سارعت للنفي
" متر أخبرتك أنه ليس زوجي , و لا أعرف عنه شيئا "
نظر الرجلان الى بعضهما بصمت , ثم رد جوزيف بمراعاة
" حسنا سيدتي حتى و لو قلت ذلك , لكن الوثائق التي لديه حقيقية ,
و أنت بنفسك أكدت أن امضاءك على العقد حقيقي "
" لكنني لا أعرف فعلا كيف وصل الى هناك "
كررت ملك نفيها للعلاقة و هي تضع وجهها بين يديها
أضاف المحامي بكل موضوعية , بعدما تردد لبعض الوقت
" دعونا لا نتكلم عن معرفتك به من عدمها , هناك عقد حقيقي يقول بأنك زوجته ,
اذا أردنا الحصول على الغاء للحظر ,
اما أن نجعله يتراجع عنه أو نرفع عليه قضية طلاق "
.
