رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم الكاتبة شموسة
الفصل الثالث والعشرون
(1)
ليس لأنك تتنفس فهذا يعني بأنك حي ..
فبعض الأوجاع تُميتنا ونحن أحياء .. وبعض الأحياء ربما ماتت أرواحهم منذ زمن..
وبعضهم .. قد اختاروا الموت ولا يزال بهم نفس .. فلا تفترض أبدا بأن كل من يتنفس .. حي .
قالت مليكة .. نطقت بها قبل أن تهرب منها شجاعتها .. نطقتها بدافع حبها الكبير لمفرح .. وبدافع رغبتها القوية التي دوما تخسر أمام إرادتها .. رغبتها في أن يكون سعيدا .. قالتها لحبيبها وعيناها تفيضان ألما " أنا .. أطلب منك أن تتزوج يا مفرح "
ساد صمت ثقيل .. بثقل شاحنة مرت ببطء من فوق قلبيهما ..
صمت موجع حاد النبرات رغم خرسه..
فتحاملت مليكة على نفسها لتضيف" أنت ليس لك ذنب .. وتحملت بما يكفي لسنوات .. تحملت بؤسي وشقائي .. من حقك أن تحصل على ما تريد كرجل .. وعليّ أنا ما دمت لست بقادرة على التحسن ألا أقف أمامك .. عليّ أن .. اشجعك على فعل ذلك .. فأنت تستحق السعادة .. لقد تحملتني كثيرا .. لذا آن الأوان لأن أتحملك أنا "
ظل مفرح صامتا ..
رغم الوجع ظل صامتا ..
يتنازعه شعوران .. شعور بالغضب الشديد منها وشعور آخر ..شعور مؤلم جدا .. بالشفقة عليها ..
شفقة وحسرة على مليكة صوالحة ملكة النساء التي قررت الاستسلام.. التي قررت أن تترك نفسها لأن تكون مثيرة للشفقة.. وهذا أيضا يزيد من شعوره بالغضب منها ..
بكرامة عاشق قد طعنت للتو قال بلهجة باردة ساخرة وهو يحتفظ بجمود ملامحه "الحقيقة لا أعرف كيف استقبل هذا الطلب .. أو ماذا تتوقعين أن تكون ردة فعلي عليه .. هل من المفروض أن أتأثر! .. أو أقول ( رااائع يا حبيبتي المضحية ) أم ماذا ؟... أم تريدين أن أصنع لك تمثالا للزوجة المضحية .. الزوجة التي تطلب من زوجها أن يتزوج بأخرى لأنها غير قادرة على تلبية رغباته .."
ساد بعض الصمت والعيون في مواجهة عاتبة ليضيف مفرح بغضب بارد " عموما يا مليكة هانم أعدك بأنني لن أثقل عليك بمطالبي بعد الآن .. أما بالنسبة لأمر الزواج فهذا يخصني أنا"
قالها مشيرا بإبهامه على نفسه ببعض الكبرياء الذكوري الذي استُنفِر ليخفي جرح ذلك العاشق المتألم بداخله وأضاف بنفس اللهجة الحادة " وأنا من أقرر.. وأقرره في الوقت الذي أراه ..وإن نويت عليه سأفعله يا مليكة لن أنتظر الإذن منك ..( وأضاف بلهجة ساخرة ) ولن أتركك تعذبين نفسك بأنك الزوجة المضحية التي طلبت من زوجها الزواج من أخرى .. لا .. سأعزز عندك الإحساس بدور الضحية أكثر وأقوم أنا بدور الرجل النذل غير المراعٍ وأفعلها في الوقت الذي أحدده .. لأعطي لك مساحة أكبر لأن تغرقي في عذاباتك أكثر "
وكأنه قد نهش بأنيابه ومخالبه في قلبها المثخن بالجراح فنزفت بقوة وهي ترد بلهجة متألمة" بقدر ما أنت مراعي بشكل استثنائي لا أتوقع أن يكون لدى أي أنسان آخر .. بقدر ما لك لسانا لاذعا حين تغضب يا مفرح.. يجعل كلماتك وانفجاراتك الغاضبة مؤلمة بشدة وحادة كنصل السكين "
اندفع يقطع المسافة بينهما بسرعة هادرا بصوت عال أرسل رعدة في أوصالها "حتى تفيقي يا مليكة .. (وحفر بأظافره في ذراعيها واستمر صياحه في وجهها وهو يهزها بقوة ) حتى تفيقي .. لأني لا أحب أن أراك بهذا الضعف .. دوما كنت أحب فيك صمودك أمام الفواجع .. كنت استمد منك القوة.. كنت افتخر بثباتك .. ماذا حدث لك؟ .. ماذا حدث؟ .. من المفترض أننا قد غادرنا الماضي .. باعدت بيننا وبينه السنون .. الذكريات السيئة تُدفن مع الوقت يا مليكة والحياة تستمر .. أنا تعبت .. تعبت .. ماذا حدث لك.. "
هتفت بانفعال تصرخ في وجهه لتنفس عن بعض من مشاعرها التي تبالغ في ضبطها "قدرتي على المقاومة ضعفت .. لا أدري ماذا حدث .. كنت أشعر حتى وقت قريب بأني اسيطر على الأمور .. فجأة شعرت بها تنفرط كالعقد من بين يدي ولم استطع إعادة ضبطها كما كنت من قبل .. لم استطع اعادتها للوضع الحازم المتحكم "
قال مفرح بإصرار حازم " إذن نطلب المساعدة "
تخلصت من يديه وارتدت للخلف تقول برعب "لا أريد المساعدة من أحد .. ولا أريد التحدث مع أي شخص عن أي شيء ..(ثم هتفت متألمة بشدة) ارفقوا بحالي ولا تضغطوا علي أرجوكم"
شعر بالإحباط بعد ثوان زارته فيها بارقة أمل في اقناعها .. فعاد ليأسه من حدوث أي تحسن أو تغيير وغمغم بهدوء بائس متألم "حسنا يا مليكة ..كما تريدين ابق كما أنت .. أما عن عرضك السخي فلم أكن أنتظر منك السماح .. سأفعلها حينما أريد .. (وأضاف بقسوة متعمدة لعلها تستفيق ) وقد أفعلها قريبا جدا حتى أمنحك الفرصة للتلذذ بدور الضحية"
قالها وخرج يصفع الباب خلفه مرسلا رعدة في كيانها كله .. ولم تكن تعلم بأنها اختارت بإرادتها الموت بأبشع صورة لو كان ينوي التنفيذ بالفعل .
××××
في المساء
لم تمر عليها لحظة استثنائية كهذه أبدا .. وإن لم تمر عليها إلا هذه حتى تموت ستكتفي بها .. فمالم تجرؤ على أن تحلم به .. مالم تتمناه يوما .. قد حدث .
جابر يجلس في غرفة الضيوف هو وأمه يتحدثان عنها .. جابر يتحدث عنها ..
التقطت أذناها اسمها منطوقا من بين شفتيه مرتين خلال بضع دقائق .
كانت تسترق السمع من المطبخ وتنفخ في كفيها المضمومين أمام فمها رغم حرارة الطقس .. لكن ما في صدرها من حرارة كان يحتاج للتنفيس .. خاصة وهي تنتظر أن ينادي عليها عمها وتدعو الله ألا يغلبه قلقه بشأن ارتباطها بجابر فلا يوافق.
جاءها النداء ..
أتى النداء يا أم هاشم لتدخلي وتجلسي مع الغالي ..
أتى النداء فارتبكت على غير عادتها .. وارتجفت كل ذرة فيها.. فأسرعت بحمل الصينية الكبيرة فوقها أكواب من العصير وأطباق من الحلوى وتحركت .. وبحركة انثوية غريزية حتى لو كانت تعتقد بأنه ليس ارتباطا حقيقيا اختلست نظرة سريعة في انعكاس صورتها في الصينية المعدنية اللامعة المعلقة فوق الرف ..
نظرة جعلتها تخفض نظراتها بإحباط .. إحباط أنثوي .. فرغم كل شيء ورغم معرفتها ورضاها بالارتباط المزيف كانت تتمنى أن تكون أنثى جميلة ..لكنها ليست كذلك.. هكذا ترى نفسها .. أو .. اعتادت أن ترى نفسها ..
لكن الشعور حين يكون متعلقا بالغالي تكون مرارته غير محتملة ..
لا .. لن تدع لأي شيء أن يفسد عليها فرحتها بهذا الحدث .. بهذه اللحظة الاستثنائية.. أنها ستجلس مع الغالي ..
مرت أم هاشم من الطرقة حيث بنات عمها يتسمعن ما يحدث في الغرفة الداخلية و دخلت تحمل الصينية الثقيلة بمهارة فعبس جابر وصمت لوهلة قلقا من ثقل الصينية في يدها ثم راقبها حتى وضعتها على الطاولة وهي تلقي سلاما خافتا .
بمجرد أن اطمأن لوضع الصينية رفع عينيه إليها يرد "وعليكم السلام ورحمة الله "
بحركة عفوية كسر عينه عن النظر كما هو معتاد بشكل عام مع النساء .. لكنه انتبه لأن الوضع أضحى مختلفا فرفع أنظاره مرة أخرى يرمقها بنظرة خاصة وهو يسألها" كيف حالك يا أم هاشم ؟"
جلست على طارف الاريكة المقابلة مستقيمة الظهر تضم ساقيها وقبضتيها في حجرها وترد بهدوء وثقة تداري بهما ذلك الخجل الأنثوي الذي يعتريها لأول مرة .. فجابر وحده القادر على إشعارها بهذا الشعور بأنوثتها وردت" حمدا لله (وأضافت في سرها) سلمت من كل شر يا رب (ثم بادرت الحاجة نجف بالقول) كيف حالك يا خالتي؟"
ردت نجف بابتسامة "بخير برؤية الطيبين"
قال جابر ليحيى وهو يشير لعلبة الشيكولاتة الكبيرة وعلبة الجاتوه " لا تؤاخذني يا حاج يحيى لم استطع أن أحمل معي أكثر من هذا حتى لا ألفت الانتباه لكن سأعوضها إن شاء الله "
قال يحيى بحرج " لا تقل هذا يا جابر البيت بيتك وخيرك سابق "
لم تستطع صباح أن تداري شعورها بالحقد على أم هاشم منذ أن علمت بالخبر خاصة حينما فكرت في أن محسن قد لا يفكر بمصاهرة يحيى مرة أخرى فقالت" ألا يوجد لديك إلا العباءة السوداء يا أم هاشم !"
تجعد جبين جابر من فظاظة المرأة ولم يعجبه أن تحرجها أمام الحاضرين بينما حدج يحيى زوجته بنظرة لائمة جعلتها تمرر أنظارها بين جابر ونجف وهي تقول بابتسامة محرجة " دوما ألح عليها أن تخلع الأسود لكنها متشبثة به "
لم تسمح لها أم هاشم بأن تعكر عليها مزاجها السعيد بوجوده .. ولم تشغل بالها بتعمدها لإحراجها بل ردت بمزاح ويديها في حجرها تحك ابهامها في ظفر الابهام الأخر "ولمَ نغش البضاعة للرجل؟ .. عليه أن يراها على حقيقتها"
لمعت عيناها ببريق الحياة حينما أضاءت ابتسامة جابر وجهه .. ابتسامة كفيلة بمداواة الروح المثخنة بالجراح .. فقط لو تتمكن من أن تراها دوما .. بينما غمغم الأخير" لازلتِ مشاغبة يا أم هاشم "
ردت بابتسامة هادئة وهي لا تزال تحك ظفر ابهامها دون شعور "نوعا من التغلب على الملل"
ضحك الجالسون عدا صباح التي كانت تلوي فمها غير مستوعبة أن شخصا بهيبة جابر يقدم على الزواج من أم هاشم وهو يستطيع أن يتزوج ممن هي أجمل وأصغر منها ..في الوقت الذي اختلس جابر نظرة أخرى لأم هاشم ثم شعر بالحرج من نظراته المختلسة وبارتباك مراهق كان غريبا عليه .. الموقف كله كان غريبا عليه .
أما أم هاشم فكانت ترفع عينيها اللامعتين لتلتقط لمحات من وجهه ثم تعود لتكسر نظراتها .. رغم أنها لم تبدو في هيئة العروس الغارقة في خجلها بل كانت تجلس بثقة وأريحية تسرق ما تقدر عليه من النظرات الخاطفة بينما أذناها تدققان في صوته الرخيم وطريقة نطقه للكلمات ..
هل أخبره أحد أن له لهجة مختلفة بعض الشيء عن الجميع .. إنها متوسطة اللكنة بين اللهجة الريفية ولهجة أهل المدينة وتخرج بلحن خفيف لا يلاحظه سوى المدقق مثلها .. لحن متأثر بلهجة أهل الخليج الذين عاشرهم لسنوات .. أو ربما هي وحدها من لاحظت ذلك .
قال جابر " كما أخبرتك يا حاج يحيى سنؤجل إعلان الخبر حتى أبعد أم هاشم عن أي شيء يخص زيجتي السابقة ولكي أطمئنك بشأن هذا الأمر "
تكلم يحيى وهو ينظر لأم هاشم" ما رأيك يا أم هاشم؟"
كانت الأخيرة تطفو فوق غيمة من السعادة فانتبهت لسؤال عمها ثم قالت بتلك الثقة التي أضفت لها هالة خاصة" الرأي رأيك يا عمي"
غمغم يحيى" على بركة الله"
أسرع جابر بالقول" لنقرأ الفاتحة إذن"
قال يحيى بابتسامة مستسلما "لنقرأ الفاتحة"
يا لبركة كلمات الله !
ويا لوقعها في النفوس من راحة ! .
قرأت أم هاشم في سرها وعيناها لا تكفان عن اختلاس النظر إليه ..
أخيرا تستطيع أن تتطلع فيه بأريحية دون الشعور بالذنب ..
قالت نجف "لولا أننا سنؤجل اعلان الخبر لكنت زغردت يا بنيتي "
ابتسمت أم هاشم بينما قال جابر "الحقيقة لقد نويت تجديد البيت بما يليق باستقبال العروس.. كما أني أريد أن أدخل بعض التعديلات عليه لذا أريد أن أعرف إن كان لأم هاشم أي طلبات خاصة "
ردت بعفوية" أنا؟!!"
رفع حاجبيه مندهشا ثم رد "ألست العروس أم أن هناك عروسا غيرك هنا ؟"
تمالكت نفسها المبعثرة في المكان حوله .. ثم ردت وهي تظن بأنها تجاريه في خطته "ليس لي أية طلبات افعل ما تراه مناسبا "
قال جابر "عموما قبل أن أجدد ألوان الحوائط سأسألك إن كان لك لونا مفضلا "
هزت أم هاشم برأسها توافقه ورغم اعتقادها بأنه يفعل ذلك ليوهم كاميليا بأنه مقبل على الزواج بالفعل لم تشعر بأي شعور سيء ..
بل كانت سعيدة .. سعيدة جدا .. ربما قد يتهمها البعض بالجنون لكنها بالفعل سعيدة!..
بعد قليل كانت لا تزال تجلس في نفس مكانها ..بنفس الهيئة على طرف الاريكة تضم قبضتيها في حجرها .. كانت وحدها في الغرفة بينما عمها قد خرج ليوصل جابر وأمه على الباب ..
وأخذت تتطلع في الهدية الملفوفة بالتل الأبيض والتي يظهر من تحتها طبقا لامعا من الفضة وبه قطعا من الشيكولاتة هدية جابر لها .
أحست بنظرات بنات عمها من خارج الغرفة فلملمت مشاعرها التي تركها مبعثرة خلفه ورحل .. واستقامت تلتقط الهدية ثم خرجت إلى الواقفات يناظرنها بنظرات تتباين بين الحقد والغبطة والانبهار .. لتبادرها صباح بلهجة لئيمة "أريد أن أقول لك شيئا يا أم هاشم حتى أخلص ضميري "
بهدوء شديد نظرت لها أم هاشم وهي تحضن الهدية فقالت صباح "أريد فقط أن أنبهك يا بنت الحلال لأنه قد يحن لطليقته وقد يردها في أي وقت ..بل أنني أشك بأنه يفعل كل ذلك لتعود إليه .. كما أنه لا تؤاخذيني من الممكن أن يكون قاصدا أن يكايد زوجته بالزواج منك .. فلا تؤاخذيني أنت .. لا تؤاخذيني ..."
ظلت أم هاشم تتطلع فيها لبضع ثوان ثم سألتها بنفس الهدوء الغريب الذي اعتراها طوال اليوم "هل هناك تكملة بعد كلمة (لا تؤاخذيني) أم أن الارسال انقطع؟!"
ناظرتها صباح بوجه محتقن بعد أن فشلت في استفزازها فتركتها أم هاشم وتحركت لتدخل الحمام .. المكان الوحيد الذي تكون فيه وحدها بعيدا عن العيون ..
راقبتها الواقفات باندهاش قبل أن تقول سامية باستنكار "هل دخلت الحمام بالهدية!!"
ردت صباح تعوج شفتيها يمينا ويسارا " لا حول ولا قوة إلا بالله !... الفرحة أذهبت عقلها .. فالغبية تصدق بأنه قد جاء من أجل شخصها .. طبعا وهل كانت تحلم بأن يأتيها جابر دبور بشخصه عريسا "
في الحمام وقفت أم هاشم خلف الباب تحضن الهدية بقوة وكأنها تحضن جائزة .. سيقولون عنها مجنونة .. سيقولون ذهب عقلها .. لا تبالي ..
يحذرونها منه لا تبالي ..
فهي ممتنة لتلك الفرصة حتى لو كانت زائفة .. ممتنة لجلسة معه .. ولحديث ترى فيه ابتسامته .. ممتنة لتلك الدقائق في حضرته .. وستكون ممتنة لأي شيء قد تحصل عليه مقابل أن تساعده فيما يحقق له السعادة ..
أليست سعادتها مرهونة بسعادته ؟.. فما بال لو كانت هي التي ستساعده على الحصول عليها .. وما بال أن تحصل على تلك الفرصة المختلسة من الزمن ... طالت أو قصرت المدة ستكون ممتنة بشدة لكل لحظة فيها .. لكل مرة ستقدر على التطلع فيه بأريحية دون شعور بالذنب ..
تطلعت في طبق الشيكولاتة ثم قبلته قبلة بطيئة وهي تتخيل بأنها تقبل صاحبه .
××××
بعد قليل
"رحمك الله يا شيخ زكريا .. ونعم الاختيار يا جابر أصلا ونسبا ..والله كنت أشعر بأنك ستختار شخصا مميزا وهذه البنت يعجبني فيها كبريائها وعزة نفسها "
قالها مصطفى لجابر في الهاتف فرد الأخير "كنت أخشى أن يكون الأوان قد فات .. ودوما كان يساورني القلق من أن ترضى بزيجة لا تحقق لها ما تتمناه مثل أي فتاة هربا من الوحدة أو العنوسة .. وكم كنت مستاء يا مصطفى لأني لم أفكر فيها حينما أردت الزواج لكن يعلم الله أنها لم تكن أمام عيني وقتها وأنا كنت ذهنيا مشغولا بأمور كثيرة ومع هذا لازلت ألوم نفسي على تركها حتى هذا العمر دون زواج وهي تستحق أفضل من هذا بكثير "
قال مصطفى بثقة " كله قسمة ونصيب وكل شيء بقدر يا جابر .. لعله خير .. عموما مبارك لك بإذن الله"
بعد قليل استلقى جابر على سرير نُصِب بشكل مؤقت في حجرته الفارغة إلا من متعلقاته الشخصية .. وأغمض عينيه بأريحية يشعر بالراحة .. وبأنه على الطريق الصحيح فقال" اكتب لي ولأم هاشم من الأقدار خيرا يا رب"
××××
في اليوم التالي
الشروق من جديد ..
لقد افتقدت استقباله الأيام الماضية حتى اكتشفت بأن فيلا غنيم بها سطح واسع يشبه الحديقة .. تمارس فيه سوسو زراعة الزهور .. وبه ركن لجلسة عائلية وركن أخر به أجهزة رياضية .. لكنها تركت كل هذا ووقفت أمام السور المطل على حديقة الفيلا تستقبل الشروق .. تستقبل ظهور شمس النهار على رائحة القهوة .. صحيح ليست تلك القهوة المركزة التي يصنعها لها كامل قبيل الظهيرة في المطعم بل قهوة سريعة لأن الوقت لا يزال مبكرا لكنها تفي بالغرض .. وكافية برائحتها وطعمها أن تستقبل بها يوم جديد أمام قرص الشمس الذي لا يزال يثير فيها مشهد ظهوره لينير الكون شعورا بالشجن والتأثر لا تعرف له سببا .
على أخر درجات السلم المؤدي للسطح راقبها كامل تولي ظهرها تستقبل قرص الشروق .. وتذكر صبيحة اليوم التالي لعودته للقرية بعد أن قرر أن يستسلم لمشاعره .. تذكرها تقف فوق سطح البناية في المشروع تتطلع في الشروق .
كالعادة تكبله مشاعره التي تتعاظم وتتداخل بقوة في صدره .. ورغم مرور الوقت يعترف بأنه لم يحل شيئا من العقد المتشابكة بداخله .. بل إن المشاعر تزداد قوة وحدة وتعقيدا وهذا كله يجعله يتحاشى التواجد معها وحدهما بقدر الإمكان خوفا عليها منه..
الشعور قاسي .. الشعور بأنك لا تجد طرف الخيط لتبدأ .. وتخشى من نفسك على الأخر .. تتمنى التواصل معه وفي الوقت نفسه تريد أن تحميه من تعقيداتك .. خاصة وأن جحيم جنون الغيرة الذي تملك منه لو انفجر يعلم بأنه سيقضي على الأخضر واليابس ..
تركها تستمتع بخلوتها وتحرك ينزل على السلم ليستلم دوره على السرير بعد ليلة طويلة من الصراع مع جحيمه الخاص..
بعد قليل جلست بسمة على الارجوحة تشعر بهدوء وسكينة لم تشعر بهما منذ مدة طويلة ورفعت هاتفها تتصل بأم هاشم.. ليس فقط من أجل المشروع ولكن للاطمئنان عليها فبادرتها الأخيرة قائلة بمزاج رائق" كيف حال عروستنا مع الرجل الغامض؟"
ابتسمت بسمة وردت" أنا بخير كيف حالك أنت يا مشمش"
تنهدت أم هاشم ترد "مشمش في نعمة والله"
تعجبت بسمة وقالت "عجيب أنك لم تتذمري من (مشمش)"
قالت أم هاشم متصنعة الرقة في وقفتها في وسط المشروع تتابع وصول الفتيات " ما دمتِ مصرة على مناداتي بهذا فلن أدقق معك"
عقدت بسمة حاجبيها وسألتها" ماذا يحدث معك هل هناك جديدا؟"
تنهدت أم هاشم وهي تتحرك لتدخل الغرفة التي تمارس فيها عملها الإداري ثم قالت بقلب انفرطت دقاته كما يحدث كلما فكرت في الموضوع" بسمة أريد أن أخبرك بخبر لكن لابد أن يكون سرا لفترة مؤقتة "
بعد دقائق كانت بسمة تقول بانفعال" ماذا! .. جابر دبور !! .. ولماذا وافقت ؟ لماذا؟؟؟"
ردت أم هاشم بهدوء" لأنه يحتاج لتعليم بنت العسال الأدب "
بعدم استيعاب هتفت بسمة "لم أفهم .. لم أفهم وما شأنك أنت بذلك ؟.. كما أنني متأكدة بأنك لست من هذا النوع الشامت في الغير "
قالت أم هاشم بلهجة قاطعة " كاميليا ليست طرفا في الموضوع ولا تهمني إن كانت هي أو غيرها.. أنا أريد أن اساعد جابر في تحقيق ما يصبو إليه من السعادة"
دلكت بسمة جبينها وغمغمت بضيق " أنا لا أستوعب ما يحدث .. هناك أمر لا أفهمه (وسحبت نفسا عميقا ثم قالت ) أنا أعرف بأن جابر فرصة جيدة لك يا أم هاشم لكن الارتباط به ..."
قاطعتها الأخيرة بلهجة مراوغة لا ترغب في أن يعكر أي شخص مزاجها الرائق لحظتها.. فلن يفهمها أحد أبدا فقالت "سنتحدث فيما بعد يا بسمة .. حينما أراك عندما تزورين البلدة .. فالحديث على الهاتف لن ينفع ..عموما هذا الأمر لا يزال سريا ولا يعرف به أحد فقط أخبرتك أنت وسأخبر مليكة حينما أتصل بها .."
بعد قليل كانت بسمة تصرخ في مليكة باستنكار" ماذا؟؟؟ .. طلبت من مفرح ماذا يا مليكة !!... أنا اتصلت بك حتى أشكو لك المختلة أم هاشم لأجدك أشد منها جنونا واختلالا .. وتصفينني بالمجنونة فيما فعلت بحياتي!! .. ماذا تسمي ما فعلتيه أنت مع مفرح إذن !"
بصوت مبحوح حزين ردت مليكة" أنا أريد له السعادة يا بسمة ولست قادرة أن أوفرها له كاملة .. ولست قادرة على إيجاد حل للأمر بيني وبين نفسي ..ولا أريد الذهاب لطبيب نفسي لا أريد أن ...."
ارتعش صوتها ثم صمتت فقالت بسمة بهدوء مشفقة" لا أعرف ماذا أقول لك.. لكن هذا الأمر لو طاوعك فيه مفرح سيكون نهايتك يا مليكة "
غمغمت الأخيرة بصوت خافت لكنه مسموعا لصاحبتها "ليتها تكون النهاية .. ربما هذا سيريحني من كل شيء .. بشرط ألا يحزن مفرح لفراقي وأن يعيش سعيدا"
سحبت بسمة نفسا عميقا ثم أطلقته لتسيطر على الشعور العميق بالضيق في صدرها ثم غمغمت بأسف " لا حول ولا قوة إلا بالله لا أعرف ماذا أقول بصراحة "
سألتها مليكة ببعض القلق "هل تعتقدي من كلامه أنه سيفعلها أو أن هناك من يفكر فيها؟"
هتفت بسمة بغيظ " لا اله الا الله !.. ألم تكن سعادة مفرح في المقام الأول منذ عدة ثوان !!"
قالت مليكة تحدق في سقف الغرفة وهي ممددة على السرير "أجل وأنا صادقة لكن .. لكن الأمر ليس سهلا عليّ أنا أعطيته مباركتي لكنه لن يكون سهلا عليّ وسأظل من هذه اللحظة في حالة قلق وترقب وحرقة أعصاب خاصة بعد ما قاله"
أمسكت بسمة بين عينيها وسألتها " ماذا فعل حينما عاد بعد ذلك ؟"
ردت مليكة " لا شيء كلمات مقتضبة ونام في غرفة الولدين وطلب مني أن أنقل له ملابسه معهما في الغرفة"
شعرت بسمة بالحيرة الشديدة ولم تعرف مع أي طرف تتعاطف مليكة أم مفرح فقالت باندهاش "الحقيقة لا أجد ما أقوله لكما فقصتكم معقدة .. عموما لا أتوقع أن مفرح قد يفعلها .. لكني في الوقت نفسه أقول بأنه رجل وله احتياجاته وقد صبر كثيرا وقد يضعف"
غمغمت مليكة" هذا ما كنت أقصده .. ولا أريده أن ينزلق للحرام في لحظة ضعف"
قالت بسمة شاعرة بقلة الحيلة " أسأل الله أن يهدي لك نفسك ويقومك عليها ويكتب لك السعادة يا مليكة .. سأطمئن عليك مرة أخرى .. وسأزوركم قريبا إن شاء الله"
ودعت صاحبتها وألقت بالهاتف بجوارها على الأرجوحة ثم زفرت بقوة تميل للأمام وتسند رأسها بكفيها بحيرة شديدة واندهاش من هذين الخبرين اللذين تلقتهما من أول اليوم ثم غمغمت بسخرية مرة " ويطلقون عليّ مجنونة !"
×××××
الحادية عشر صباحا
تركت بسمة مكانها على الأريكة فوق سطح فيلا غنيم ولملمت كتبها واللابتوب الخاص بها وهمت بالنزول وقد اشتدت حرارة الجو..
لقد اخذت كتبها إلى هذا المكان رغبة منها في إعطاء فرصة لكامل لأن ينام مرتاحا في سريره حينما نزلت بعد الشروق ووجدته نائما ..
تحركت ناحية سور السطح لترى إن كان غنيم وسوسو لا يزالان يجلسان في الحديقة فوجدت غنيم وحده يقرأ الجريدة فخمنت بأن سوسو ربما في تلك الغرفة التي تمارس فيها الرياضة كل صباح ..
ابتسمت وهي تفكر في شخصية حماتها فأحيانا تشعر بأنها حازمة تشعرها بالرهبة وأحيانا أخرى تجدها طفلة تطلب الاهتمام ممن حولها .
همت بالعودة لكتبها على الأريكة حينما لمحت من بعيد تسونامي بهيئتها المستفزة وملابسها الفاضحة تخرج من فيلاتها التي يقف على بابها رجل ضخم وتتوجه ناحية المطعم ..فمطت شفتيها بقرف وتحركت لتلتقط كتبها واللابتوب وهي تشعر بالراحة من أن كامل لا يزال نائما .. لكنها تساءلت إن شامل كذلك أيضا ؟.. لكنها حينما نزلت إلى غرفتها بعد دقائق تفاجأت بعدم وجود كامل في الغرفة .
××××
يا مالكاً قلبي
يا آسراً حبي
النهرُ ظمآنٌ
لثغركَ العذبِ
مِل بي له .. مِل بي
يا مالكاً قلبي
على الأنغام التي تتسلل بنعومة من السماعات في المطعم وقّع كامل على إحدى الفواتير يتسلم بعض الطلبات الخاصة بالمطعم .. وقع باسم (شامل نخلة ) حينما ادعى أمام المندوب بأنه هو في الوقت الذي أضطر فيه شامل للخروج مبكرا لتخليص بعض الأوراق الرسمية الخاصة بالمعهد الذي ستلتحق به ونس ..
قال المندوب لكامل بأدب" باقي الطلبية ستكون جاهزة خلال يومين بالضبط على حسب الاتفاق .. شكرا مستر شامل "
هز كامل برأسه في الوقت الذي قال شامل متهكما وهو يدخل من باب المطعم بعد أن أرسل رسالة لونس يخبرها بأنه قد وصل "صباح الخير كيف حالك مستر شامل؟"
قال كامل متهكما "انتهيت يا فلذة كبدي من إجراءات تسجيلها في جامعة كامبردج! "
ابتسم شامل ولم يعقب فأضاف كامل بنفس التهكم "نذر عليّ لأصنع لها بنفسي السندوتشات في أول يوم لها في الروضة "
انفجر التوأمان في الضحك يضربان كفيهما ببعض ثم لف شامل ذراعه حول رقبة توأمه يحاول أن يضغط عليها ليحنيها للأمام .. في الوقت الذي دفعت فيه تسونامي الباب الزجاجي للمطعم وتهللت أساريرها وهي تتطلع في التوأمين اللذين تجمدا بمجرد أن لمحاها لتقول بابتسامة سعيدة" صباح الخير أنتما الاثنان تضحكان كيف سأفرق بينكما الآن؟"
عاد التوأمان لجديتهما وقال شامل بلهجة رسمية" سيأتي ديمتري حالا تفضلي"
قالت ببعض الدلال وهي تقترب منهما بخطوات استعراضية "البركة فيكما أنتما موجودان وليأتي دمترة على مهله"
نظرة سريعة تبادلها التوأمان قبل أن يتحرك كامل ليتركها ببرود بينما ابتسم لها شامل ابتسامة صفراء وكلاهما يفهم بما تحاول أن تلمح له .. لكنها لا تعرف بأنهما حتى لو كانا لم يتزوجا بعد فأي شقاوة منهما مع الجنس الناعم تكون بعيدا عن محيط العمل تماما ... فهما لا يطلقان العنان لأي نوع من العبث إلا في محيط الأصدقاء وفي أوقات وأماكن المرح بعيدا عن أوقات ومكان العمل .
أشار لها شامل لتجلس فاختارت طاولة في واجهة المطعم .. لينادي شامل على أحد الندل ليلبي طلباتها ثم تركها فمطت شفتيها تشعر بالإحباط و قالت للنادل ببعض الغيظ" أين دمترة .. هو يعرف طلباتي .."
غمغم النادل بأدب" سيحضر حالا "
أشار شامل لكامل يخاطره فكريا " ما الأمر؟"
رد الأخر بابتسامة عابثة على زاوية ثغره "جاءت في الوقت الضائع بعد أن تزوجنا ..ليتها كانت لحقت بنا في أيام الشقاوة كنا وجدنا لها حلا لمشكلتها "
قهقه شامل بضحكة عابثة متسلية وضرب كفه في كف كامل في الوقت الذي دخلت بسمة للمطعم بملامح باردة وخلفها ونس تقلب مقلتيها وتتطلع في تسونامي بملامح خطرة .
تفاجأ التوأمان بزوجتيهما وابتلعا باقي الضحكات بعد أن سقطت الشقاوة عن وجهيهما فوقفا يتطلعان فيهما بملامح متفاجئة..
اقتربت بسمة من كامل بينما سأل شامل ونس باندهاش "لماذا نزلت كنت سأصعد لك؟"
عوجت ونس شفتيها ووقفت متكتفة في منتصف المطعم تتطلع في تسونامي التي احست بغيرة الفتاتين منها فعادت بظهرها لتستند على الكرسي واضعة ساقا فوق الأخرى وذلك الشورت الساخن يكشف عن بياض لحمها .. ثم أخرجت سيجارة من العلبة التي وضعتها بجوار هاتفها وأشعلتها بحركة إغواء تسحب منها الدخان وتطلقه عاليا باستمتاع وهي تستند بمرفقها على ظهر المقعد.
قالت بسمة لكامل الذي كان يقف خلف طاولة ركن القهوة "استيقظت ونزلت رغم أنك لم تنم سوي ثلاث أو أربع ساعات تقريبا !"
رد عليها بهدوء " لأن شامل كان لديه مشوار وكان لابد لأحد أن يوقع على استلام طلبية تخص المطعم "
اختلست النظر لتسونامي التي هتفت بمجرد خروج ديمتري من إحدى الغرف الداخلية "دمترة أين أنت؟"
اتسعت عيني الأخير وتطلع في وجوه الجميع ثم أرسل تحية لبسمة وونس بإيماءة مؤدبة من رأسه وتحرك نحو تلك البلوى التي يبتلى بها كل صباح .
سأل كامل بسمة "ولماذا نزلت أنت الآن؟.. ألم تكوني على السطح تدرسين "
دون أن تنظر لتسونامي ردت بصوت عال "جئت لأشرب قهوتي رغم أني أعلم بأن المطعم يفتح للزبائن في الواحدة ظهرا "
قال كامل وهو يتحرك ليضع البن في الماكينة" من عينيّ الاثنتين باشمهندسة باسمة "
ردت عليه متهكمة وهي تربع ذراعيها أمام جذعها "الحقيقة أشفق على عينيك وأنت توزعهما على زبونات المطعم كلهن"
لم يعرف إن كانت هذه غيرة أم لا لكن عبارتها غازلت كبريائه الذكوري فرد غامزا والقهوة تتقطر من الماكينة في الكوب "عيني كامل نخلة فداء للغاليين فقط "
خطف قلبها بحركته تلك فبلعت ريقها وهو يقترب من المنصة عيناه في عينيها حتى وضع لها الكوب فبقيت العيون متعانقة رغم أنف أصحابها بينما عبد الحليم يغني بينهما بصوت عذب.
قل لي إلى أين المسير
في ظلمة الدرب العسير
طالت لياليه بنا
والعمر لو تدري قصير
يا فاتناً عمري
هل انتهى أمري
أخاف أن أمشي في غربتي وحدي
قال شامل لونس بهمس "ونس أنا اتحدث معك لماذا تقفين بهذا الشكل؟!"
ظلت الأخيرة عاقدة ذراعيها أمام جذعها تتطلع بمقلتين مقلوبتين في تسونامي التي تسند بذراعها على ظهر الكرسي ويديها مرفوعة لأعلى بينما دخان السيجارة ينبعث في الهواء.. لتقول تسونامي لونس ببرود وعلى وجهها ابتسامة سعيدة " هل تريدين شيئا؟"
شعر شامل بالحرج من ونس وبرغبة في صفع تسونامي التي يوليها ظهره فقال ببعض الغيظ وهو يسحب زوجته" هيا يا ونس"
تحركت ونس معه لكن عيناها ظلتا مسلطتان على تسونامي لبضع ثوان وكأنها ترسل لها رسالة تحذير ..فتابع كامل المشهد ثم تفاجأ هو وبسمة بضحكة مستمتعة من تسونامي بعد أن أشاحت بوجهها للناحية الأخرى وكأن ضحكتها غير متعمدة ..ثم سحبت المزيد من الدخان من سيجارتها وأطلقته في الهواء وهي تؤرجح ساقها الموضوعة فوق الأخرى.
قبضت بسمة على كوب القهوة تكبح جماح أعصابها وتحتفظ ببرودها المعهود وهي تخبر نفسها بأن واحدة كهذه لن تخرج بسمة الوديدي عن السيطرة بينما شعر كامل بالاستياء الشديد من تسونامي لاستخفافها بونس فأظلمت ملامحه وحدج الأخيرة بنظرة خطرة أرسلت رعدة في أوصالها ..لكنها أعجبتها .
أسرعت بسمة تقول بغيظ "متى ستعلمني قيادة السيارة؟"
نظر إليها كامل يرد "كنت أنوي أن نبدأ اليوم بعد الظهر بعدما أستيقظ لكني اضطررت لأن انزل للمطعم دون نوم"
قالت بإصرار طفولي" اليوم"
تحركت ابتسامة على زاوية شفتيه وأومأ برأسه قائلا بطريقة أربكتها "من عيني "
××××
في بهو الفيلا قال شامل لونس مداعبا " هل جنيتي تغار؟"
ناظرته بمقلتين مقلوبتين متكتفة فقهقه قائلا "أنا شامل وهذه النظرة تخص كامل"
لم تضحك فقال وهو يلف ذراعه حولها" لمَ تغارين من امرأة لا تسوى شيء .. قلت لك نحن علينا أن نتعامل مع كل أنواع الزبائن "
اقتربت سوسو بملابسها الرياضية تقول "صباح الخير يا ونس"
أومأت ونس برأسها لسوسو التي أضافت "أريد أن أتحدث معك في شيء ما تعالي معي"
سأل شامل بقلق" هل هناك شيئا يا أمي؟"
قالت سوسو بهدوء "لا موضوع عادي اذهب وافعل شيئا واتركنا نتحدث قليلا "
قالتها وهي تسحب ونس إلى إحدى الغرف.. فتتبعهما شامل مقتربا من الغرفة يتسمّع بقلق بينما قالت سوسو لونس بلهجة حانية " ونس النزول من الغرفة لا يكون أبدا بملابس النوم "
نظرت ونس للملابس القطنية التي ترتديها ..بنطال رمادي وبلوزة من نفس اللون بكم طويل ومطبوع عليها صورة قلب أحمر كبير ثم أخرجت من جيبها الدفتر تكتب "هذا ليس رداء النوم كما أنه محتشما "
قالت سوسو" أنا أعلم يا حبيبتي لكن هذا اشبه بالمنامة ولا يصح أن تدخلي به المطعم (ونظرت للخف المنزلي الذي ترتديه في قدميها وقالت) ولا هذا أيضا"
ابتسم شامل في الخارج ثم ابتعد وتركهما بعد أن اطمأن أن الأمر بسيط بينما وقفت ونس أمام سوسو تشعر بالحرج فقالت الأخيرة "المطعم يعتبر مختلفا عن الفيلا والدخول إليه لابد أن يكون بملابس لائقة .. أما هنا في الفيلا فسأتركك تلبسين ما تشائين بشرط ألا يكون لدينا ضيوفا .. ما رأيك أن أساعدك في اقتراح الملابس المناسبة في حالة دخولك للمطعم؟"
هزت ونس رأسها موافقة فقالت سوسو وهي تربت على ذراعها بحنان" وما رأيك أن نخرج أنا وأنت وبسمة وحدنا ذات مرة لنشتري بعض الملابس والأشياء النسائية وندلل أنفسنا ؟"
اتسعت ابتسامة ونس بسعادة وهزت رأسها موافقة ثم كتبت لها في الدفتر" أنا أحبك جدا"
رغم شعورها بالسعادة لا تدري سوسو لمَ تأثرت .. هذه البنت تلمس وترا حساسا بداخلها دوما .. فغامت عيناها ورفعت يدها تربت على خدها قائلة" وأنا أحبك يا حبيبتي .. ألن تريني ما رسمتيه أو صممتيه مؤخرا أم أن شامل أصبح يشغلك ؟"
ابتسمت ونس وهزت رأسها في حرج ثم كتبت" سأريك ما رسمته إنه في الغرفة سأصعد لأحضره "
هزت سوسو رأسها موافقة فتحركت ونس لتعود وتنادي عليها سوسو " ونس "
استدارت الأخيرة فقالت سوسو" لماذا طلبت من زيلا ألا تأخذ سلة الغسيل من غرفتك ؟"
عبست ملامح ونس بشكل مضحك ثم أخرجت الدفتر وكتبت شيئا ورفعته أمام سوسو " بسمة أخبرتني بأنها لا تحب أن تتطلع زيلا على ملابس كامل وأنا أيدتها وطلبت أنا الأخرى من زيلا ألا تفعل ذلك سأغسل أنا الملابس لقد علمتني بسمة كيف استعمل الغسالة الأوتوماتيك "
ضحكت سوسو وقالت" لا بأس افعلا ما يريحكما ..لكن عليّ أن أخبركما أولا ببعض النصائح للتعامل مع الملابس حتى لا تتلف في الغسالة "
بعد قليل
أمام الفيلا كان كامل يقول بعصبية وهو يجلس بجوار بسمة التي تمسك بعجلة القيادة" أنا لست عصبيا يا باسمة "
هتفت في وجهه بغيظ "تقولها وأنت تصرخ في وجهي بأنك لست عصبيا !!"
جز على أسنانه ثم قال" يا بنت الحلال أنت تحركت بالسيارة جيدا منذ قليل دعست على البنزين وبدأت في التحرك ثم فقدت التركيز للسير في خط مستقيم وكدت أن تدخلي في عامود الإنارة"
صرخت في وجهه بغضب تداري احباطها من عدم استيعابها لكل التعليمات التي أخبرها بها" أنت تربكني بعصبيتك وتشعرني بأني أخطأت خطأ فادحا"
ضرب كامل كفيه ببعضهما وهتف "هل لأني افهمك الطريقة الصحيحة أكون مخطئا!"
قالت بعصبية "طريقتك يا كامل تثير أعصابي"
رد ساخرا " المرة القادمة حينما أراك سترتطمين بعامود الإنارة سأطلق زغرودة لأحذرك.. هل هذا جيد !"
اتسعت عيناها الفيروزيتان الغاضبتان أمامه وهي تقول من بين أسنانها "هل تتهكم عليّ؟ .. أنت .. (وبحثت عن وصف مناسب ) أنت مدرب سيء"
قبل أن يرد كامل فتح توأمه الذي كان يتابع ما يحدث باب السيارة وسحب أخاه من ذراعه قائلا" افسح لي المجال وارحمنا من الفضائح ستفضحوننا في الشارع "
قال كامل بغيظ وهو يقاومه" اتركني يا شامل"
هتفت بسمة لتغيظه "أجل أريد شامل أن يعلمني "
أدار كامل وجهه نحوها يناظرها بغضب بينما سحبه شامل بإصرار ليترك المقعد ويترجل من السيارة ثم جلس مكانه يغلق الباب خلفه بالقفل من الداخل .
مال كامل ليناظرها من خلال النافذة بغيظ فبادلته بسمة النظرات المغتاظة .
بلهجة ظريفة منغمة مد شامل يده لبسمة قائلا" مساء الخير شامل نخلة مدرب عالمي على قيادة السيارات"
ابتسمت بسمة وهي تمد يدها لتسلم عليه بينما رفع كامل زاوية شفته العليا بامتعاض ليقول شامل "انسي ما فعله هذا الشخص.. إنه فاشل .. ودعينا نبدأ التدرب واحدة ..واحدة شغلي السيارة"
سحبت بسمة نفسا عميقا ثم نفذت فقال شامل مازحا" ما شاء الله ما هذه النباهة !"
قالت بسمة ضاحكة وقد هدأ توترها قليلا "شامل لا تتهكم عليّ"
قال الأخير مؤكدا" اطلاقا هيا دوسي على البنزين ببطء (وأبعد ذراع أخيه من فوق النافذة بخشونة قائلا) ابتعد يا بني ودعنا نقلب أرزاقنا "
ضحكت بسمة من جديد ثم توترت حينما بدأت السيارة في التحرك معها مبتعدة عن كامل الذي وقف بالقرب من الفيلا متخصرا على وجهه امتعاض شديد وهو يراقب السيارة تبتعد أمامه في الشارع .
في السيارة قال شامل بهدوء وهو يلمس المقود ليعدل اتجاهه قليلا" سيري في خط مستقيم يا بسمة خط مستقيم بقدر الإمكان"
تركت بسمة الطريق ونظرت إليه تقول "أحيانا لا يكون الطريق مستقيما و.."
قاطعها شامل بلهجة حازمة " انظري أمامك وركزي في الطريق وأنت تتحدثين مع من يجاورك"
أعادت عينيها للطريق تحاول التركيز مغمغمة " آسفة"
بعد نصف ساعة كانت بسمة تمر من أمام الفيلا للمرة الرابعة آتية من الشارع الخلفي .. وقد تمكنت أكثر من التحكم في السيارة .. أما كامل فكان لا يزال واقفا يراقب بغيظ وعندما مرت من أمامه أخرج شامل رأسه من النافذة وضرب قبضته في كفه الأخر يغيظ توأمه مرقصا حاجبيه فشتمه كامل عن طريق التخاطر الفكري بينهما .
عاد شامل لبسمة وأعطاها المزيد من التعليمات قبل أن يقول وهو يعدل لها عجلة القيادة "لا لا .. ممنوع أخذ عواميد الإنارة بالحضن يكفي أن تحييها من بعيد فقط"
ضحكت بسمة بشدة فشاركها شامل الضحك بينما ذلك الذي يقف أمام الفيلا ظل متخصرا يتفتت من الغيظ .
بعد عدة أيام
كعادتها خرجت من باب الفيلا مندفعة تكاد تطير وهي تهرول نحو والدها الذي يقف في حديقة الفيلا .
تأمل عيد فستانها الكحلي بنقوش بيضاء من الشيفون الناعم بكمين حتى مرفقيها وشعرها المعقوص للخلف يغطي نصف ظهرها وهي تقترب منه وتحيطه بذراعيها بسعادة .
ضمها يربت على ظهرها قائلا" افتقدتك بشدة يا الهي"
ابتعدت ونس تتأمله وتربت على صدره ..فقاوم عيد الدموع وتماسك يقول" تبدين في أحسن حال بعيدا عن والدك يا بنت الكلب "
ضحكت ونس وشدته ليدخل الفيلا فقال بإصرار " لا بل سأجلس هنا في الحديقة "
تدخل شهبندر مقتربا من الضيف الجديد بفضول فمالت ونس تحضنه وتربت على فرائه بحنان وبدا الأخير مستمتعا بتدليلها له.. ثم تركت الكلب وشدت والدها لتجلسه على أحد المقاعد في الحديقة وجلست هي على الاريكة المتأرجحة أمامه تكتب في الدفتر بينما شهبندر يجلس في الأرض بجوارها " اشتقت إليك يا عيد"
قال وهو يناظرها بامتعاض وعيناه تقرآن عليها كل أدعية الحفظ من الحسد " تبدين في أحسن حال بعيدا عن عيد فلا تبادري بأسلوبك العاطفي المائع هذا الذي تسرقين به قلب والدك العجوز"
ضحكت بملء شدقيها ..فتأملها بسعادة قبل أن يسألها سؤالا كان جوابه واضحا أمام عينيه " هل يعاملك زوجك وأهله جيدا ؟.. أخبريني بأي شيء يضايقك "
هزت الأرجوحة لتقترب منه وأمسكت بيديه ولثمتهما بابتسامة ثم ابتعدت بالأرجوحة تمسك بدفترها وتكتب " "أنا بخير الحمد لله سعيدة جدا جدا لأن شامل معي "
تأملها شاعرا ببعض النضوج والهدوء في ملامحها قبل أن ترفع له الدفتر مجددا بسؤال "هل هناك جديدا فيما يخص موضوع البيت؟ "
رد عيد مطمئنا "يبدو أن صاحب التهديد قد خاف من انفضاح أمره بعد الموقف الأخير وبعد أن أفشل له مصطفى ومفرح ما كان يحيكه باستخراج أمر بإزالة البيت .. صحيح لم نكتشف من هو لكن لا يهمني غير أنه توقف عما يفعل وأتمنى ألا يعود "
كتبت مجددا " الحمد لله .. أخبرني إذن كيف هي حياتك بدون ونس "
اشاح بيده قائلا بامتعاض "الحمد لله لم يعد هناك من كان يمنعني من النوم براحة قلقا عليه"
ضحكة رائقة أطلقتها ونس دغدغت قلبه وهي تتأرجح بالأرجوحة أمامه فسألها "أين زوجك؟"
كتبت "سيأتي حالا طلب مني أن اسبقه لاستقبلك"
خرج غنيم من باب الفيلا يقول بترحيب "أهلا أهلا بالرجل الطيب لا تؤاخذني كنت أصلي الظهر "
استقام عيد واقفا ومد يده لغنيم يسلم عليه وهو يقول " لقد سبقتك وصليت في مسجد قريب "
نظر غنيم للأقفاص والأسبتة الموضوعة بجوار البوابة وقال بلهجة عاتبة "ما كل هذا يا حاج عيد؟.. لم يكن هناك لزوما للتكاليف"
رد عيد بحرج "لن يأتي من بعد خيرك شيئا يا بيك ( ثم سأل ونس )متى سنذهب للطبيبة؟"
ردت في دفترها "بعد قليل إن شاء الله"
قال غنيم لونس بلهجة عاتبة " لمَ لم تضيفي والدك حتى الآن يا ونس هل هذا يصح !"
ابتسمت ثم اشارت لهما بما يعني ( دقيقة واحدة ) واسرعت للفيلا فراقبها الاثنان قبل أن يقول غنيم لعيد مشيرا على المقعد" تفضل يا حاج واسترح .. إنها متحمسة بشدة من أجل السماعات التي سترتديها اليوم أتمنى أن تشعر براحة بعدها "
ناظره عيد لا يعرف ماذا يقول له أو لابنه .. فالكلمات لا تكفي لوصف امتنانه لآل غنيم خاصة بعد أن علم من ونس المبلغ الكبير الذي دفع من أجل السماعة فجلس وهو يقول لغنيم بتأثر " أعزك الله يا بيك ورفع عنك وعن أولادك كل بلاء "
غمغم غنيم بحرج" ولك بالمثل يا حاج .. والله لا تعرف كيف أن بسمة وونس قد أدخلتا الحياة إلى بيتنا منذ أن أتيتا إليه"
لم يجد عيد ما يقوله مجددا فهز رأسه متأثرا ثم رفع كفه لفمه يقبل باطنها وظاهرها بشكر عميق لمن خلقه.
××××
"أبي"
قالتها ميس بسعادة وهي تتطلع في جابر الذي يترجل من سيارته أمام المدرسة بينما اتسعت ابتسامته وهو يستقبلها بين ذراعيه ثم قال للسائق التابع لبيت العمدة" أنا سأوصلها للبيت يا عم طه تفضل أنت بألف سلامة "
قالها وهو يشير لأدهم الجالس بجوار مقعد السائق بتحية فردها له الأخير بابتسامة ثم وقف جابر يراقب السيارة تبتعد بأدهم وإياد ومنة الله .
قالت ميس وهي ترافق والدها لسيارته "اشتقت إليك جدا جدا يا أبي"
رد وهو يساعدها على الركوب بجوار مقعد السائق ويغلق الباب جيدا" وأنا أيضا يا ميسة "
حين ركب أمام المقود سألها" اليوم أخر يوم لك في المدرسة أليس كذلك؟"
هزت رأسها فقال" إن شاء الله سنرتب أنا وأنت كيف نتقابل .. وسأشتري لك رقم هاتف يخصك تضعيه في التابلت حتى نتحدث سويا "
قالت ميس بحزن" ألن نعود لبيتنا أنا وأمي؟"
قال جابر وهو يتحرك بالسيارة وقلبه يعتصر ألما" بيت والدك هو بيتك يا ميسة وإن أردت أن تعيشي فيه سأكون سعيدا جدا لكنه لم يعد بيت والدتك "
قالت ميس بلهجة باكية "هل توقفت عن حبنا لهذا طردتنا من البيت؟"
كان يعلم بأنها لن تستوعب ما يحدث بشكل جيد وبأن الأمر سيكون صعبا على سنوات عمرها الست لكنه قال بحزن وهو يسحبها ليضمها إلى صدره" يا ميسة.. أبوك يحبك كثيرا وحين تكبرين ستعرفين بأنه من أجلك تحمل كثيرا ..لكن الكبار أحيانا تحدث بينهم أمور تجعلهم يقررون الانفصال والابتعاد عن بعضهما (وحاول تبسيط الأمر لتفهمه فأضاف) ماذا لو كنت تملكين صديقة ثم تشاجرتما ألن تقرري أن تبتعدي عنها؟ .. هذا ما حدث بيني وبين أمك .. لكنك ابنتي وستظلين ابنتي لا يوجد بين الأب أو الأم وأبنائهم انفصالا "
قالت ميس بنفس اللهجة الباكية " أمي أخبرتني بأنك طردتني من البيت لأنك لم تعد تحبني ولأنك ... "
صمتت فسألها جابر وهو ينزل نظراته نحوها" ماذا قالت؟"
ابتعدت ميس عن صدره لتواجهه قائلة "وبأنك لست أبا جيدا "
تمالك جابر نفسه بقوة حتى لا ينفجر غضبا ثم سأل ابنته" وهل أنت ترينني كذلك؟ "
هزت ميس رأسها نافية.. فمال يطبع قبلة على رأسها قبل أن يعود لينظر للطريق قائلا "أنا أحبك يا ميسة أحبك كثيرا لكن أنا وأمك نتشاجر كثيرا لهذا لم يعد هناك فرصة لأن نكون معا .. ستبقين في بيت العسال مع أمك لفترة وبعدها ربك كريم وسأجد طريقة لتأتي وتعيشي معي كالسابق إن شاء الله "
قالت ميس بإصرار "لكني لا أريد أن أترك أمي"
صمت جابر ولم يعقب .. صمت متألما رغم تفهمه لأنها صغيرة ولا تزال متعلقة بأمها .. صمت وشرد في الطريق أمامه يداري وجعا سيصاحبه للأبد كلما نظر في عيني ميس..
يعلم بأنه سيشعر تجاهها بالذنب للأبد .. وبأنه سيتحسر على حظها لأنها لن تحظى بالحياة مع والديها معا .. سيتألم قلبه على كونها ليست في بيته حتى يحين الوقت ويستطيع ضمها .. وسيظل للابد يشعر بالذنب تجاهها بأنه قد جانبه التوفيق في اختيار أمها .
ربما يكون قد استراح من علاقة فاشلة لكنه سيظل متألما على قدر ابنته للأبد ..
وما يخيفه حقا ألا تتفهم ميس مستقبلا ما حدث وتلومه خاصة مع افتراءات والدتها المستمرة عليه ..
لم يجد جابر ما يقوله لنفسه إلا أن بلع طعما مرا في فمه وغمغم "لله الأمر من قبل ومن بعد"
××××
كم من لحظات فاصلة تمر علينا في الحياة .. لحظات تغيير مسار كانعطاف مفاجئ في المسيرة.. يتغير بعدها كل شيء حولنا .
وما أصعب من أن تكون فاقدا لحاسة من الحواس أو تعاني من ضعف فيها وتحصل بعد عمر على ما يساعدك لأن تكون شخصا طبيعيا أو أقرب للطبيعي .
كانت ونس ترتجف وحماسها على أشده وهي تتطلع في الجميع .. والدها وزوجها والطبيبة ومندوب الشركة المتخصص الذي أحضر لها السماعة المطلوبة.
أمسك شامل بيدها بتشجيع بينما عيد يراقبها من مقعد بعيد بجوار باب غرفة الكشف يتابع ما يحدث ويكاد قلبه يحطم صدره وهو ينتظر بترقب ..
ما أصعب أن يكون لديك طفلا من ذوي الهمم .. وما أصعب الشعور بالعجز وأنت تحاول أن تساعده كي يحيا حياة طبيعية ..
ما أصعب اللحظات التي تشاركه فيها احباطه ويأسه .. تتمنى أن تملك عصا سحرية لتغير بها حياته للأفضل .. تطبب.. تشجع ..تبحث له عن حلول بديلة ..
وأنت تداري ألمك وحرقة قلبك .. ولا يهونها عليك إلا الرضا بقضاء الله وقدره ..
نظرت ونس للسماعتين الصغيرتين جدا بحجم عقلة الإصبع في يد الطبيبة .
الجزء الخارجي منها أصغر بكثير من سماعتها القديمة بل إنه إذا ما وضع خلف صوان أذنها لن يكون ملاحظا .. كان باللون الوردي .. لون أنثوي بامتياز.. يخرج منه انبوبا رفيعا جدا وشفافا .. يكاد لا يرى .. في نهايته الجزء الداخلي الذي سيوضع بداخل أذنها والذي بدأت الطبيبة في تركيبه في أذني ونس تباعا ومندوب الشركة يشرح لشامل مميزات السماعة.
ارتجاف لحظي تملك من جسد ونس بمجرد أن ارتطم الصوت بأذنيها ..
نعم ضربت ذبذبات الصوت برأسها ..فهو لم يكن أبدا بهذه القوة .. لم تسمعه أبدا بهذا الوضوح .. رغم احساسها بعدم اتزان مؤقت .. وكأن المخ يحاول أن يتعامل مع ما يستقبله من السماعة .
اتسعت عينا ونس وصوت المندوب يأتيها قويا .. صحيح هناك كلمات لم يستوعبها مخها بعد ولكن ليس لأنها لم تسمع .. بل سمعت .. سمعت بوضوح .. سمعت أفضل من أي مرة سابقة .. فقط مخها لم يتعود بعد على الالتقاط السريع للكلمات .. الواضحة .
نظر إليها شامل وسألها" هل تسمعين يا ونس أخبريني"
ضربات قلبها ازدادت جنونا وفغرت فاهها تتطلع في شامل بملامح مصدومة ..فعبس الأخير وتبادل النظرات مع الطبيبة التي تراقب بابتسامة ثم قال لونس وهو يحاول السيطرة على ارتباكه الشديد وحماسه كأنه هو الذي ينتظر ارتداء سماعة طوال عمره
"ونس أخبرينا كيف الحال هل تسمعين ؟"
كلما استرسل شامل في الكلام كان الشعور بالحماس بداخلها يزداد وبدأت تهز يديها في الهواء من الإثارة وهي تقترب منه عيناها تناظرانه باتساع فابتسم الأخير ولمعت عيناه بالدموع وهو يسألها بلهجة أكثر هدوءً "تسمعين بشكل أفضل أليس كذلك؟"
مدت يدها تتلمس شفتيه وكأنها لم تكن تسمعه من قبل .. صوته واضح ..قوي ..رخيم ..وله ذبذبات تسربت إلى أذنيها فدغدغت أعصابها.
قال شامل مبتسما" طمئنينا يا ونوس ما الاخبار؟"
صوته خشن وجميل ..فضحكت بسعادة .. وألقت بنفسها عليه تحضنه بقوة .. حضنته تبكي وتصدر همهمات من حنجرتها فازدادت لمعة الدموع في عيني شامل وتغضنت ملامحه متأثرا وهو يضمها قائلا وكأنه لا يصدق " تسمعين بشكل جيد أليس كذلك؟"
ابتعدت بوجهها لتتأمله ثم أشارت له بإصبعها حتى يتحدث فقال شامل مشاكسا "سألت السؤال أكثر من مرة حتى أني بدأت أشك في عمل السماعة ..هل تسمعيني الآن بشكل أفضل من ذي قبل ؟"
وضعت يديها على حنجرته وهو يتحدث لتشعر بذبذبات صوته كما تسمعها .. كانت تسمع صوته قبل ذلك بعيدا مكتوما .. فعادت لتحضن شامل بقوة باكية...
أتاها صوت عيد يقول بصرامة " تحشمي يا بنت عيد وأجيبينا على السؤال ما هذه الميوعة !"
تركت ونس شامل على الفور واستدارت ناحية الصوت تبحث عنه وقد هالها أن تسمعه بهذا الوضوح من هذا البعد ..فاقتربت من عيد ذي العينين الحمراوين من الدموع والذي استقام واقفا قبل أن تندفع نحوه كالعاصفة المشبعة بالحماس تحضنه هو الأخر وتبكي .
مسحت الطبيبة عينيها من التأثر واستعادت لهجتها المهنية تقول" أعتقد بأن ونس حاليا في حالة من الحماس الشديد ولن تستقبل كل ما سنقوله من تعليمات .. لذا أرى أن نمنحها الفرصة لأن تتوازن شعوريا "
قال المندوب " ميزة هذه السماعة أنها لن تحتاج لضبط من متخصص بل يستطيع المستخدم أن يضبطها على أكثر من وضع بنفسه ..والكتالوج شارح لكل شيء ..ومع هذا رقمي مع الأستاذ شامل لأي استفسار أنا موجود"
قالت الطبيبة "ومع هذا أريد أن أرى ونس مرة أخرى لأطمئن عليها"
استدارت ونس للطبيبة وقد استجمعت بعضا من أعصابها لتشير لها بإبهامها مطمئنة .. فأعطى المندوب جهازا صغيرا بحجم اصبع يشبه الريموت لشامل قائلا" هذا جهاز للتحكم عن بعد في ضبط السماعة "
اقتربت ونس من جديد تحدق في الرجل تارة منبهرة بوضوح صوته ..وتحدق في الجهاز في يده تارة أخرى وهو يضيف "ومع السماعة يوجد قطعة صغيرة كالميكروفون تستطيعين توجيهه لالتقاط صوت شخص معين دونا عن بقية المحيطين .. مثلا حينما تكونين في قاعة للدرس من الممكن أن تضعيه على الطاولة أمام المعلم "
امسكت ونس بملحقات السماعتين من العلبة الكرتون تتفحصها ليضيف المندوب وهو يغلق حقيبته" وبالطبع كما شرحنا من قبل ستوصلين السماعتين بهاتفك عبر تطبيق خاص بها على الهواتف الذكية وتتحكمين بكل شيء فيها عن طريق الهاتف أيضا "
إن كانت ونس تستطيع الكلام لما وجدت هذه اللحظة ما تعبر به عما تشعر به .
إنها سعيدة بشكل استثنائي .. سعيدة إلى درجة تكاد تفقدها عقلها .
قال المندوب وهو يستأذن للمغادرة "رقم هاتفي مع الأستاذ شامل والشركة تقدم الدعم لعملائها في أي وقت .. مبارك يا فندم السلام عليكم "
غادر المندوب فقالت الطبيبة" ألف مبروك يا ونس سنتركك لفترة لتجربي السماعة وأريد أن أراك مجددا للاطمئنان عليك "
قال شامل بامتنان "نحن نشكرك بشدة يا دكتورة هبة على كل شيء"
ردت الطبيبة" لا شكر على واجب وأتمنى أن تتابعوا مع أخصائي تخاطب "
نظر شامل لونس التي عادت لتقف بجوار والدها تتأبط ذراعه وتشاكسه بميوعة بينما عيد يغطي عينيه بكفه ويبكي فقال شامل "الحمد والشكر لك يا رب "
××××
بعد ساعة
استقبل آل غنيم ونس وشامل بسعادة شديدة فوقفت بسمة في البهو تتطلع في سوسو التي تحضن ونس قائلة "أنا سعيدة جدا أنك تشعرين بتحسن كبير في التقاط الأصوات "
قال غنيم لشامل "لماذا لم تصر على الحاج عيد أن يعود معكما؟"
رد شامل بيأس "حاولنا يا أبي وألحينا عليه لكنه كالعادة رأسه يابس .. حتى أنه كان يصر أن نوصله للمحطة حتى يركب القطار لكنني طلبت من السائق أن يقابلنا بالسيارة الأخرى في الطريق وأخذه ليوصله للقرية "
ظلت ونس تتابع أصواتهم حولها بعينين متسعتين فاقتربت بسمة تقبلها على وجنتيها وقالت" ألف مبروك يا ونس .. علينا أن نتصل بمليكة في مكالمة مرئية حتى تراك لقد اتصلت مرتين اليوم لتطمئن عليك "
هزت ونس برأسها بحماس فقالت سوسو "نتجمع على الغداء سويا أولا (ونادت على الخادمة ) زيلا جهزي الغداء على السفرة "
انتهز كامل انشغال الجميع بونس واقترب منها ثم مال على أذنها يقول "توووت "
انتفضت الأخيرة تقفز من مكانها مجفلة تمسك بشامل بينما انفجر كامل ضاحكا وهو يبتعد يديه في جيبي بنطاله فناظره الجميع باستنكار ليقول بلهجة عابثة " كنت اساعدها في تجربة جودة السماعة"
هتف غنيم بتوبيخ "ألن تكبر على هذه التصرفات الصبيانية !"
أبعد شامل يدي ونس عن ملابسه وأسرع إليه يقول" أنت تحتاج لتربية وأنا سأربيك "
راقبت بسمة بابتسامة محاولات كامل الإفلات من توأمه يمينا ويسارا ويديه لا تزالان في جيبي بنطاله ضاحكا قبل أن يهرب منه ويهرول للوقوف خلفها .
اتسعت عيني شامل وهتف" تختبئ خلف زوجتك !"
رد كامل مغيظا" لأنك لن تستطيع الاقتراب أكثر .. "
ضحكت ونس فأشار كامل عليها قائلا" ها هي تضحك لماذا انفعلتم جميعا!! "
كتبت ونس في الدفتر ورفعته لكامل" أنت صوتك مثل صوت شامل بالضبط "
من خلف بسمة قرأ كامل ما كتبته مستندا بكفيه على كتفي زوجته ثم علق بلهجة متهكمة" ما شاء الله وازدادت نباهة أيضا بعد تركيب السماعات! "
على السفرة بعد قليل تفاجأت بسمة بنظام السفرة الذي تراه دوما في التلفاز أطباق فارغة فوق بعضها وشوك وملاعق وسكاكين مرصوصة حولها ..
كانت المرة الأولى منذ زواجها التي يجتمعون فيها على وجبة الغداء فالطعام كان يتشاركه العرسان في غرفتيهم .
جلست بجوار كامل تشعر ببعض الارتباك وتتذكر ما مر عليها من معلومات عن أن السكين في اليد اليمنى والشوكة في اليد اليسرى لكنها لا تعرف كيف ستكون مهارتها في الاستخدام .
أخذت زيلا تصب الحساء في الأطباق ثم ابتعدت .. فبدأت به بسمة وهي تشعر بالانزعاج ولا تشعر بالراحة في جو مشحون بالتقيد وأخذت تشرب من الحساء على مهل وهي تستمع لحكايات شامل عما فعلت ونس في العيادة ورد فعلها .
أما كامل فكان مشغولا بالإنصات لتوأمه وهو يقطع شريحة لحم في طبقه فراقبته بسمة بنظرات مختلسة كيف يمسك بالسكين والشوكة بمهارة .. ثم غمغمت في سرها "المشكلة في أني سأبدو غير متمرسة "
ازداد ضيقها كما يحدث دوما حينما تجد نفسها تفتقر لمهارة ما .. شعور بات يحاصرها منذ مدة وكأنه نوعا من التوبيخ الذاتي .. وصعقت بشدة حينما راقبت ونس وهي تمسك بالشوكة والسكين وتقطع قطعة اللحم أمامها فرفعت زاوية شفتها العليا بطريقة كامل الشهيرة وهمست في سرها بامتعاض ذاهل " ونس بنت عيد !"
قال كامل لأخيه وهو يضع الطبق أمام بسمة بعد أن انتهى من تقطيع قطعة اللحم " كان عليك أن تصور تلك اللحظة وهي ترتدي السماعة وكيف كانت ردة فعلها "
تفاجأت بسمة بما فعل كامل وراقبته وهو يأخذ طبقها ليضعه أمامه في الوقت الذي رد شامل على أخيه "صدقني كنت أخطط لذلك لكن الحدث كان مربكا وحماسيا .. الشعور كان لا يوصف "
قال غنيم قبل أن يضع الشوكة في فمه" كلنا سعداء من أجل ونس "
مال شامل على ونس وهو يراها تتعامل بالشوكة والسكين وغمغم هامسا "جنيتي التي تتعلم من الانترنت جيدا "
ابتسمت في حرج وأشارت له وكأنها تسأله إن كانت تفعلها بشكل جيد ..فرفع لها إبهامه غامزا .
سألت سوسو "متى ستقابلون أخصائي التخاطب؟"
رد شامل" في أقرب وقت ممكن ( ونظر لونس يتأملها مضيفا ) أنا متحمس جدا .. وأنت يا ونس ؟"
هزت الأخيرة رأسها توافقه بينما ظلت بسمة تحدق في كامل الذي قطع رحلة الشوكة لفمه وناظرها باندهاش يسألها" لماذا لا تأكلين؟"
لملمت شفتيها تشعر بالحرج وهمست له بمشاكسة "هل كنت تخشى من أن احرجك؟ .. عموما أعترف بأني ارتبك من استخدام أدوات المائدة المتفزلكة هذه "
اتسعت ابتسامته فبدا وسيما بشكل مستفز .. ثم وضع الشوكة وفرد ذراعه على ظهر مقعدها مقتربا بوجهه منها يقول أمام عينيها" أعلم بهذه المعلومة من قبل "
كانت رائحة عطره اللاذعة تأتيها مختلطة بدفء جسده القريب جدا فأربكتها لتسأله بغباء" أية معلومة؟"
رسم وجهها بنظراته ثم حدق في طابع الحسن في ذقنها يقاوم رغبة متوحشة في عضه وهو يقول" أنك حورية من عصور ما قبل التاريخ كنت تهيمين على وجهك في الغابات وتعيشين على الجمع والالتقاط .. رأيت هذا بعيني "
ردت متهكمة ودائرة الدفء تحكم اغلاقها حولهما "غوريلا تقصد أو انسان الغابة؟"
اتسعت ابتسامته وقال" أنا شخص مهذب وقلت حورية .. أما إن كنت ترين نفسك غوريلا فهذا يخصك "
أشاحت بعينيها عنه لثوان فشعر وكأن حجريهما الفيروزتين يسحبان قلبه معهما قبل أن تعود للنظر إليه قائلة" عموما شكرا على تقطيع اللحم أنا كنت سأقطعه لكني لم أكن لأشعر بالراحة "
وضع يده على صدره وقال بنفس الابتسامة الوسيمة التي تستفزها" على الرحب والسعة يا باشمهندسة "
تدخل غنيم قائلا بلهجة متهكمة" آسفين على المقاطعة هلا احترمتما الجلسة العائلية وأجلتما التسبيل حتى تصبحان وحدكما "
تلون وجه بسمة واعتدلت تدفن وجهها في طبقها بحرج بينما قال شامل لوالده باعتراض صبياني" لماذا يا أبي قاطعتهما .. كنت انتظر القبلة!!"
كتمت ونس ضحكتها بينما قال غنيم يتصنع الحزم وهو يلملم ابتسامة على شفتيه "أخرس وكُل (ونظر لكامل ) وأنت كف عن التسبيل وكُل"
عاد كامل ينظر في طبقه ضاحكا بينما مال غنيم على سوسو يهمس "ما رأيك في هذا الحزم؟"
فابتسمت سوسو ورفعت له يدها تشير بعلامة ( تمام )
××××
بعد اسبوعين
خرجت بسمة للحديقة تسأل كامل" ألم يحضر مفرح بعد ؟"
استدار الأخير إليها يقول بامتعاض "على وشك الوصول وأتمنى أن تنتهي من كل أسئلتك له في زيارة واحدة"
عقدت حاجبيها الجميلين وسألته "لماذا ؟!"
رد بلهجة مستخفة " لأنه لا يعجبني"
سألته باندهاش "مفرح لا يعجبك؟!"
أجابها بامتعاض "مجيئه ليدرس لك لا يعجبني"
قالت مبررة " إنه سيساعدني في بعض الأمور العالقة معي في البحث "
قال بإصرار "لا يعجبني"
عقدت ذراعيها تقول ببرود " هل تمنعني من الدراسة؟ "
هز كتفيه ورد بهدوء " بالطبع لا ..ادرسي كما تريدين وتعلمي ما تريدين لكن بدون الاستعانة بمفرح"
سألته باندهاش " لماذا؟.. إنه ابن عمتي وصاحبك"
أجاب بإصرار " صاحبي أنا ..وليس أنت"
ضيقت عينيها وهتفت باستنكار "ما معنى هذا .. تحكم في حياتي !"
ببرود رد عليها وهو يتطلع أمامه يديه في جيبي بنطاله "سمها كما تريدين"
هتفت بتحدي " وأنا لن أقبل أن يتحكم أحد في حياتي"
أدار وجهه إليها يقول ببرود " يؤسفني أن أخبرك بأني لدي ورقة تمنحني ذلك الحق"
جزت على أسنانها تقول بغضب "كامل"
استدار بكليته ليواجهها قائلا " نعم "
قالت بغيظ "أنا لا احب ذلك"
مال عليها يتأمل عينيها قائلا ببرود " اشربي من اقرب بحر ( ونزلت أنظاره إلى شفتيها حينما عضتها بغيظ فبلع ريقه وأكمل بنفس البرود ) أو اضربي رأسك في أقرب حائط ..(وصمت لثوان ثم اردف ) لكن لا تجرحي رأسك حتى لا اسمع (وقلدها بصوت رفيع متهكما ) كامل دم يا كامل"
أخذت ضربات القلوب بينهما تعزف لحنا صاخبا فلملمت بسمة شفتيها ثم قالت بمناكفة "لماذا تشعر بأنك شخص مهم ؟!!"
هز كتفيه ورد بثقة استفزتها "لأنني كذلك"
ضربت كفا بكف تضحك ثم قالت ساخرة "لم أرى شخصا في مثل غرورك !"
رد ببساطة "أمامي امرأة أكثر مني غرورا"
هتفت باستنكار " أنا مغرورة !!.. بل أنت المغرور وبصراحة لا أجد سببا لهذا الغرور (وأضافت بعد أن ناظرته بنظرة مقيمة ثم أشاحت بيدها تتصنع اللا مبالاة) فكل شيء بك عادي"
اتسعت ابتسامة واثقة مستفزة على وجهه في الوقت الذي اسرع شهبندر إليها ونبح فجأة بجوارها حينما وجدها تشيح بيدها .. فصرخت الأخيرة مفزوعة وهي تقفز في اتجاه كامل الذي فرد ذراعه يمسك بها مبتسما قبل أن تتجاوزه هاربة ..فالتصقت بصدره حينما اقترب الكلب .
ضمها كامل إليه أكثر حتى التحمت به .. بينما وقف شهبندر على قدميه الخلفيتين أمامها ..فخبأت وجهها في صدره تقول برعب ابعده "يا كامل أرجوك"
بابتسامة متسعة وبأنفاس ثقيلة قال وهو ينزل أنظاره ليتطلع في رأسها المدفون في صدره "يريد أن يسلم عليك"
قالت وهي على وشك البكاء" لا يا كامل أرجوك بالله عليك"
نزل شهبندر على أربعة ثم عاد ووقف على قدميه الخلفيتين مجددا يخرج لسانه من جانب فمه منتظرا .. في الوقت الذي تمنى كامل أن يضمها بقوة لكنه قال وكفه يتحسس ببطء خصرها وظهرها دون إرادة منه" لن يفعل لك شيئا يا باسمة أنا معك .. إنه يحبك ويريدك أن تعيريه اهتماما"
غمغمت ووجهها مدفون في صدره وقبضتها تمسك بملابسه "لا أريد .. ابعده"
مال برأسه يمس شعرها بشفتيه ثم قال "مسكين .. أنظري لا يزال ينتظر.. مدي يدك وسلمي عليه ولن يؤذيك ..ألا تثقين بي ؟!"
نظرت بعين واحدة ثم ابعدت وجهها عن صدر كامل ببطء بينما يدها التي خلف ظهره تمسك التيشيرت بقوة ..فمدت يدها الأخرى ( اليسرى ) لتسلم على شهبندر الذي عاد بعدها على أربع وحاول أن يتشممها فقالت بسمة بخوف" كامل أرجوك"
مال الأخير وربت على ساقه يطلب من شهبندر أن يأتي إليه على الجانب الأخر بعيدا عنها فلبى الكلب النداء ليمد كامل ذراعه ويمسح على رأسه الكلب الذي رفع قدميه الأماميتين يستند على ساق كامل .
انتبهت بسمة أخيرا لوقفتها الملتصقة به فاشتعل جسدها واسرعت بتخليص نفسها من ذراعه مبتعدة بتوتر .
شعر كامل بالإحباط لكنه لم يبدي أي ردة فعل بل تحاشى النظر إليها حتى لا تنفضح مشاعره ..ومال ليداعب كلبه ويفرك وجهه بين يديه هامسا "كف عن مغازلة زوجتي أم أنك تعلم بأنها تخصني لهذا تحبها مثلما تحبني ؟"
عدلت بسمة من ملابسها وشعرها وهي تحاول السيطرة على ما تشعر به من مشاعر انجذاب قوية نحو كامل .. فاحمرت وجنتيها في الوقت الذي رن جرس البوابة فقال كامل وهو يستقيم واقفا ويترك كلبه "هذا مفرح بالتأكيد "
بعد ثوان دخل مفرح يقول ضاحكا" العريس النذل الذي نساني هو وتوأمه بعد الزواج"
ضرب كامل كفه بكف مفرح في سلام رجولي ثم حضنه وهو يقول بمحبة واضحة "اشتقنا إليك والله يا ابن العمدة .."
قال مفرح وهو يرى بسمة تقترب منه" يا عمي أنا تركتكما قليلا لتنعما بالعسل لكن أكثر من ذلك لن أسمح (ومد يده يسلم على بسمة قائلا )فاتنة المجرة بنت خالي كيف حالك؟"
سلمت عليه بسمة وابتسامة هادئة ترتسم على شفتيها لم يرها من سنوات بينما قال كامل من بين أسنانه" هلا توقفت عن مناداتها بهذا اللقب "
قال مستمتعا باستفزازه" لماذا؟ .. هل عميت ولا تراها كذلك! "
هتف كامل بتهديد" مفرح "
انفجر الأخير ضاحكا بينما تطلعت بسمة فيهما بتساؤل ظل معها حتى حينما تحركا للداخل.
سألها مفرح على باب الفيلا الداخلي بينما كامل يتصل بشامل في المطعم ليخبره بوصول صاحبهما " هل كل شيء بخير ؟"
ردت بسمة بابتسامة " الحمد لله "
غمغم مفرح براحة "لا تتصورين مدى سعادتي يا بنت خالي .. لك ولكامل .. ولأن ابنة خالي ارتبطت بصاحبي .. أتمنى أن تنسي الماضي بكل ما فيه لتفكري في مستقبلك يا بسمة "
كلامه صنع تساؤلات كثيرة بداخل بسمة ولم يكن هناك فرصة لأن تسألها له لأن كامل انتهى من مهاتفة شامل وتطلع فيهما بتساؤل .. فبلعت بسمة لسانها وتحركت نحو إحدى الغرف معهما .
في المطعم وضع شامل الهاتف ليرد على نظرات ونس المتسائلة "هذا كامل يخبرني بأن مفرح قد وصل "
قالها وهو يقترب منها في ركن من أركان مطبخ المطعم الواسع .. ركن يخص صنع الحلوى وتأمل تلك الشخصية الكرتونية الشهيرة التي صنعتها ونس من عجينة السكر فقال بإعجاب" رائع جنّيتي ..رائع جدا "
اتسعت ابتسامتها ومالت لتكمل ما تفعله فتحركت ملعقة معدنية بجوارها أجفلتها لثانية قبل أن تنظر لها أولا ثم لشامل الذي سألها" لا زلت تتفاجئين بالأصوات التي لم تكوني تسمعينها من قبل ؟"
هزت رأسها بابتسامة فقال مقترحا "إن كان في هذه السماعات اختيارا لعزل هذه الأصوات فعّليه "
هزت ونس رأسها ولم تستطع اخراج هاتفها من جيبها لتكتب له ما تريد لكن شامل قال وكأنه بات يقرأ أفكارها" هل تريدين التعود عليها ؟"
هزت رأسها بنعم وعادت للتركيز ..فلف شامل ذراعا حول خصرها وأخذت يده تمارس بعضا من الشقاوة على جسدها من الناحية التي لا يراها باقي الطباخون المشغولون بشدة في تلبيه طلبات المطعم بالخارج .. فرمقته ونس بنظرات محرجة موبخة ليبتسم بشقاوة ويتوقف عما يفعل قائلا "متى سأسمعك وأنت تحاولين نطق اسمي؟"
تطلعت فيه للحظات ثم عادت لما تفعله .. فاستمر في محاولة اقناعها أن تحاول التحدث دون الحرج من كيفية النطق فقال "اخصائية التخاطب قالت بأن عليك التدرب أيضا في البيت.. وهذا نوع من التدريب هيا قولي (شامل) ولا تهتمي كيف ستخرج من فمك "
هزت ونس كتفيها بعناد وعادت لتركز فيما تفعله بينما وقف شامل يتطلع فيها .. وتذكر كيف رفضت أن يحضر النصف الثاني من جلستها مع اخصائية التخاطب حتى لا يراها أو يسمعها كيف تحاول النطق .. فاضطر لأن يترك الغرفة لهما احتراما منه لرغبتها .. لكنها لا تزال تتحرج من محاولة النطق أمامه .. وتذكر مشاعرها المحبطة بعد جلستها مع الأخصائية التي اخبرتهما بصراحة أن تعلم النطق في هذا العمر سيواجه الكثير من الصعوبات ويحتاج لإرادة ونس لتساعدها على تحسن الوضع .
قال شامل بلهجة مازحة متوعدا "عموما لنا غرفة بالأعلى سأتصرف معك فيها (وقرصها من خصرها فنظرت له عابسة ليقول بهمس غامزا ) إن لم تنطقيها سيكون لك عقابا شديدا"
قالها وهو يتطلع في شفتيها فاحمرت وجنتاها وعادت لما تفعل سعيدة لأنها باتت تسمع همسه بجانبها بوضوح ليقول شامل "انتهي مما تفعلين بسرعة فعليّ أن أعد الغرفة التي سنجلس فيها أنا وكامل مع مفرح فلن نستطيع استقباله في غرفة الألعاب بعد الآن لذا سننقل جلستنا إلى غرفة أخرى في الدور الأرضي وعليّ اعدادها قبل أن ينتهي مفرح من المذاكرة مع بسمة "
في إحدى الغرف في الفيلا قال مفرح وهو يشير لشاشة اللابتوب الخاص ببسمة" هذه المواقع ستفيدك جدا وقد أرسلت إليك الروابط الالكترونية الخاصة بها من قبل كيف لم تفتح معك ؟"
ردت وهي تهرش في مؤخرة رأسها محرجة "لم استطع نقل الروابط من الواتساب للابتوب "
رفع الأخير حاجبيه ثم قال "ألا تستطيعين فتح الواتساب من اللابتوب يا بسمة !؟"
نظرت له بملامح طفولية ترمش عدة مرات بعينيها الزرقاوين ولم ترد فضربها مفرح على رأسها بالقلم الذي كان يكتب به قائلا "كان من الممكن أن ترسلي الروابط لنفسك على البريد الالكتروني يا ذكية المهم أن تتصرفي"
نحنحة أتت من أمامهما فالتفت مفرح لكامل المرابط في الغرفة معهما يرمقهما بامتعاض فقال له مفرح متهكما " والله أنت تنير الجلسة بوجودك يا كامل بك .. ألا يوجد لديك عمل؟"
قال كامل ببرود " لا تتطاول على زوجتي يا مفرح وانتهي مما تفعل وخلصنا "
قال مفرح مستمتعا بإثارة غيرته " حبيبي.. زوجتك هذه ابنة خالي من واحد وثلاثين سنة .. وأنا من كان تأتيه المصائب فوق رأسه بسببها "
قال كامل بلهجة مستخفة "لقد أخذنا عنك المصائب من الآن فصاعدا فوق رؤوسنا وانتهى الأمر فخلصنا"
لم تفهم بسمة إن كان ما يقوله كامل يقصد به المزاح أم الشكوى .. خاصة وأنه منذ بداية الجلسة يصدر منه ردود أفعال تربكها وتدخلها في حيرة .. أخرجها مفرح من شرودها حين علق على كلام كامل قائلا "اشبع بها يا حبيبي"
قالت بسمة ببعض الغيظ "مفرح هلا انتهيت من وصلة توبيخي هذه .. لا تشعرني بأني عالة عليك"
ضربها بالقلم مجددا على رأسها قائلا" بل غبية"
اعتدل كامل يهتف "يا عمي سأكسر يدك هذه .. (وانقض يمسك به قائلا ) قم يا مفرح هيا انتهى الدرس "
حاول شده ليقوم فحاول مفرح المقاومة ضاحكا لكن الأخير أصر حتى أجبره على ترك مقعده وتحرك معه ..فصاحت بسمة باستنكار "لم انتهي من كل أسئلتي"
رد كامل وهو يسحبه للخارج " الباقي سجلي له على الواتساب وهو يرد عليك .. أو يرد عليّ وأنا سأرسل لك الرد "
قالها وهو يجر مفرح الذي تعلو ضحكاته يخرجه من الغرفة فغمغمت بسمة بغيظ وعدم فهم " يرسله لك فترسله لي !!"
بعد ساعة
دخلت بسمة إلى تلك الغرفة في الدور الأرضي التي تم نقل الشاشة الموجودة في غرفة الألعاب إليها فوجدت الثلاثة شباب يلعبون لعبة كرة قدم الكترونية .
حدجها كامل بنظرة تمسح على تفاصيلها ببطء أربكها ثم أشار على طرف الأريكة التي يجلس هو أمامها على مقعد كي تجلس بجواره فأطاعت في صمت ..
تأملها في ذلك الجلباب الأنيق المطرز الذي ارتدته .. كان باللون الأخضر الفاتح به تطريز لؤلؤي صغير الحجم على هيئة شريط طولي من الرقبة حتى ذيل الجلباب وبأكمام طويلة لما بعد المرفقين حتى منتصف ساعديها ..وشعرها صففته كضفيرة سوداء نامت بارتخاء على أحد كتفيها.. فتطلع بنظرة سريعة أخرى عليها وعيناها الجميلتين تناظرانه بنظرات حائرة لم يفهم معناها ثم عاد للنظر في الشاشة أمامه يندمج في المنافسة مع شامل ومفرح وهو يشتمهما من بين أسنانه بصوت خافت يضيع مع صوت المباراة العالي حتى لا تسمعه السيدتين .. لكن قلبه كان شاعرا بالدفء لتلك الجلسة المكتملة بوجودها بجواره ..
لو فقط يعرف فيما تفكر؟ .. ما هي انفعالاتها؟ .. هل تحب التواجد بجواره ؟.. هل لا تزال متعلقة بزوجها السابق ؟..
كاد أكثر من مرة أن يسأل مفرح عن علاقتها بزوجها السابق .. أو إن كان هناك سببا أخر للانفصال غير أنها لا تستطيع الانجاب لكنه تراجع وشعر بالحرج أن يتحدث عن زوجته مع أخر حتى لو كان ابن عمتها .. وليس هذا وحده السبب ولكنه وجد بأنه لن يتحمل معرفة أي تفاصيل عن زيجتها السابقة قد تزيد من جحيمه فيكفيه ما هو فيه .
أما ونس فكانت تجلس على الناحية الأخرى من الغرفة حيث يجلس شامل يركز على الشاشة بينما هي مشغولة باستكشاف سماعتيها الجديدتين عن طريق الهاتف الذي تم توصيله بهما .. وأخذت تتطلع في الشاشة وفي الاصوات المنبعثة من اللعبة وصيحات الجماهير الافتراضية الآتية منها وصوت المعلق الذي يعلق باللهجة الإنجليزية كلها أصوات لم تكن تلتقط معظمها بهذا الوضوح..
جاءها صوت صفير من هاتفها يعلن عن وصول رسالة على الواتساب لتجده من رقم والدها الذي أصبح بمساعدة كريم يتلقى رسائل واتساب منها .. فضغطت على الرسالة الصوتية لتسمعها في سماعتيها دون المحيطين فوجدت عيد يقول بانفعال "اسمعي يا ونس هذا الزفت الذي ارسل لك عليه الرسائل الصوتية هذه يعصبني .. بل إن هذا الهاتف كله الذي يعمل باللمس يكاد يزهق روحي .. كريم علمني لكني أشعر بأني تائه فيه ولا زلت لا أفهم أي شيء إلا أن اضغط على العلامة الخضراء لتسجيل رسالة صوتية لك .. على أية حالة أنا لن أتلق على هذا الزفت أي مكالمات عادية بعد الآن .. سأتلقاها على الهاتف القديم ذي الأزرار ..وهذا الزفت سيكون فقط للتواصل معك .. المهم طمئنيني عليك.. لم ترسلي لي شيئا منذ الصباح "
اتسعت ابتسامتها وكتبت له "أنا بخير والحمد لله يا عيد .. اليوم انشغلت في المطبخ مع شامل ..كان يعلمني عجينة اسمها عجينة السكر نشكل بها أشكالا ملونة تزين الكعكات ..سأرسل لك صورا مما صنعته"
أرسلت له الصور المخزنة على هاتفها ثم ضغطت على كاميرا الهاتف تصور نفسها في عدة وضعيات رأسها وشعرها المموج الذي يحيطها بهالة كستنائية جميلة وارسلتها لعيد .. فسحب شامل عينيه عما يفعل لينظر لها بنظرة متسائلة فوضعت السماعات الخارجية في الهاتف واسمعته رسالة عيد الممتعضة ..فقهقه شامل ضاحكا.
أخذت بسمة تتطلع في مفرح الذي يجلس على مقعد في المنتصف بين كامل وشامل ومندمج مع اللعبة يصيح ..ويلعن ..ويغيّظ ..ويتهكم ..ويضحك ..ويتشاجر مع التوأمين كصبي صغير ..
كانت المرة الأولى التي ترى هذا الجانب منه .. جانب صبياني عابث مشاكس ..ولا تدري لمَ اشفقت عليه .. ارتباطه بالتوأمين رغم أنه فاجأ الجميع لكنها الآن تأكدت من عمق هذا الارتباط حينما رأت مفرح بهذا الانطلاق بينهما .. ذكرها بمفرح القديم قبل خمسة عشرة سنة قبل أن تهاجمه الهموم والبلايا .. لكن ما كانت تريد أن تعرفه رد فعله على العرض الذي عرضته مليكة عليه ..تلك المجنونة صاحبتها التي لا تعرف إن كانت تخنقها أم تشفق عليها .. فتمنت لو تستطيع أن تطمئن منه بأنه لن يطاوعها في الجنون الذي قالته مليكة .. وفي الوقت نفسه كانت تشعر بالحرج من التدخل في الأمر ..فدوما هي ومليكة صديقتان حميمتان بعيدا عن قرابتها لمفرح ولم تتدخل يوما بينهما .
استغلت بسمة فرصة أن كامل جاءه اتصالا هاتفيا فأوقف اللعب واستقام ليقف خارج الغرفة بعيدا عن الصوت العالي لتسأل بسمة مفرح الذي كان يتمطى متضررا من جلسته الطويلة "كيف الحال يا مفرح طمئنني على الجميع؟"
انقلب وجهه ليصبح جديا وهو يرد بلهجة متهكمة" حال مَن بالضبط تريدين الاطمئنان عليه ؟"
قالت بمراوغة "الجميع (و ترددت قليلا ثم اضافت معترفة) مليكة "
رد بلهجة ساخرة "أنت أدرى بها مني ..أليست صاحبتك ..أنا مجرد شخص في حياتها"
قالها بصوت خافت ولهجة تقطر مرارة ..فقالت بسمة مدافعة "والله يا مفرح مليكة تحبك جدا.. تحبك لدرجة لا تتصورها "
قال باقتضاب ليغلق الموضوع " أعلم ذلك.. عموما أتركيني بالله عليك لا أريد التحدث في أي موضوع يخص القرية كلها.. أنا هنا مفرح صاحب زوجك فقط"
اقترب كامل يسأل "ما الأمر؟"
أسرعت بسمة بالقول" كنت أسأله عن أحوال القرية"
سأله كامل بدوره وهو يجلس على المقعد "هل هناك جديدا بشأن تلك الحرائق الغامضة يا مفرح ؟"
رد مفرح وهو يستأنف اللعبة "للأسف لا جديد ..لا زالت مستمرة ..لكننا لم ننجح في الوصول للجاني ..فمن الصعب تعيين حراس على كل الأراضي الزراعية في البلدة خاصة وأن هذا الفاعل يختار الحقول الموجودة على أطرافها البعيدة جدا عن البيوت وأنه غير منتظم.. تارة يفعلها كل أسبوع وتارة أخرى يغيب أسبوعين أو ثلاث ثم يعود .. الموضوع غريب "
علق شامل وهو ينظر للشاشة "ألا زلتم لا تريدون اللجوء للشرطة؟"
رد مفرح مفسرا" كما وضحت لكما من قبل .. لا نحب إدخال الشرطة فيما بيننا ونفضل أن نحل مشاكلنا بأنفسنا .. خاصة وأن التلفيات صغيرة يتم السيطرة عليها بسرعة قبل أن تتفاقم .. لكن لا تزال هوية الجاني محيرة وغير معروفة"
قال كامل باندهاش" شيء غريب جدا .. ماذا يستفيد الجاني إذا من هذه الأفعال؟"
رد مفرح مدققا في الشاشة أمامه " أتوقع بأنه شخص صغير السن .. شاب مراهق مثلا .. فلا أتوقع أن يفعلها رجل ناضج لأن الطريقة بدائية جدا وكأنها لعب أطفال وليس جريمة مخطط لها ..فمن يريد أن يحدث كارثة أو حريق قوي يستطيع أن يفعل أشياء أخرى غير ما يفعله هذا الغامض "
سألته بسمة بقلق" وهل سنظل هكذا للأبد ..حتى لو كانت الأجزاء المحروقة صغيرة قد يتطور الوضع لأكثر فيما بعد"
سحب مفرح نفسا عميقا ثم رد وقد عادت إليه اللهجة المهمومة "لا يزال لدينا أمل في أن نمسك به .. ونتمنى أن يكون ذلك قريبا .. فلنصبر قليلا وإن فشلنا في الإمساك به سنضطر لإخبار الشرطة "
××××
بعد منتصف الليل
ألقى الظل بقطعة القماش المشتعلة فوق أحد الحقول وتحرك بهدوء فوق دراجته مبتعدا.. لكن هذه المرة لمحه أحد الأشخاص من بعيد فأطلق العنان لساقيه ليلحق به صائحا "امسكوه .. هذا هو الجاني امسكوه.."
كانت المسافة بينهما كبيرة .. وصوت الرجل يضيع في الظلام الممتد والمساحة الواسعة للحقول .. لكنه ظل يعدو في محاولة لتقليص المسافة بينهما ثم فشل بعد فترة من العدو والصراخ من اللحاق به ..فتوقف يلهث بقوة وهو يراقب ذلك الشخص الملثم يبتعد بالدراجة .. وما أدهشه أن هذا الملثم لم يبد عليه أي ذعر من صياح وعدو الرجل خلفه .. بل أنه لم يلتفت حتى وإنما أكمل سيره حتى أختفى في الظلام .
لم يستطع الرجل فعل شيء إلا أن يعود للحقل ليلحق بالنار قبل أن تلتهم المحصول كله مخبرا الجميع فيما بعد بأن الجاني ملثم ويركب دراجة.
××××
بعد يومين
نزلت ونس من سيارة التوأمين تفرد ذراعيها وهي تطلق صيحات فرح من حنجرتها مستقبلة والدها الذي يقف في استقبالها أمام البيت.. فألقت نفسها عليه بشوق تحضنه بينما عيد يحاول ألا يظهر تأثره مستنكرا أن تدمع عيناه كلما رآها أمامه .
أشار شامل لبسمة و كامل الذي يجلس خلف المقود فودعهما ليستكملا طريقهما داخل القرية ثم التفت يقول لعيد مهللا "حماي العزيز اشتقت لك فقررت أن أخطف ساعتين لأطمئن عليه ..كيف حالك وكيف حال الفحم والدجاج المشوي ؟"
قال عيد مناكفا" الفحم والشواية موجودان والدجاج في انتظارك لتشويه "
أحاط شامل خصر ونس بذراعه وقال بلهجة غامضة لم يفهمها عيد " والله يا حاج أتمنى أن استعيد كل لحظات حفلة الشواء التي حدثت المرة الماضية "
الحلو حياتي وروحي وأقوله إيه
إيه إيه
أن قلت بحبه الحب شوية عليه
ليه ليه
دة حياتي وروحي .. وأقوله إيه
على الطريق وعلى صوت عبد الحليم تطلع كامل في بسمة وقد أصبحا وحدهما أخيرا .. فقد كان مقررا أن يحضرها اليوم بسبب إلحاحها في الحضور لمتابعة أمور المشروع بعد أن مر شهر وهي بعيدة عنه فقررا أن يزورا القرية في رحلة سريعة ويعودا قبل حلول الليل لكن شامل أصر على الذهاب معهما بعد أن طلبت ونس ذلك .
راقبها كعادة باتت ملازمة له شاردة طوال الطريق متعجبا أن مر شهر على زواجهما .. مر سريعا في أوقاته الحلوة وقاسيا مؤذيا في لحظاته السيئة .. وتذكر حديثه مع شامل ليلة أمس ولم يدري كيف سيساعد نفسه .
ليلة أمس
هتف شامل في ركن من المطعم وهو يراقب مغادرة أخر زبون بعد أن تأخر الوقت "بصراحة يا كامل رغم أنك توأمي لكني مندهش ولم أتوقع أن تصمد لشهر كامل أمام امرأة تشاركها الغرفة .. بعيدا عن كونها حلالك وأنك تحبها فصمودك هذا مفاجئا لي .. لقد كنت أحاصرك طوال الوقت لأذكرك بالحلال والحرام حتى لا تتمادى في زلاتك ثم نقضي بقية الوقت نبعد عنك معجباتك "
أطرق كامل برأسه فسأله شامل" يا بني ماذا حدث لك؟.. هل من المعقول أنك لم تحاول مغازلة بسمة !.. لم تحاول جس نبضها .. أنا أراكما منسجمان حتى شجاركما أراه مناكفة بينكما.. وأنت خبير في تلك الأمور ونتعلم منك يا كيمو "
غمغم كامل بضيق "المشكلة عندي أنا يا شامل"
وضع شامل يده على موضع قلبه وقال بلهجة مسرحية متفاجئة" حبيبي يا فلذة كبدي !.. لا .. لا تقولها .. لا تصدمني .. كنت أحسبك مثلي الأعلى في ..."
قاطعه كامل قائلا بمزاج عكر" لا أقصد هذا الأمر يا **** فلا تمزح فيه لأني قنبلة ستنفجر في أي وقت"
قهقه شامل ثم سأله" ما الأمر إذن يا عبقري زمانك؟"
أجاب كامل ببؤس" أنا خائف من الاقتراب منها"
هتف شامل بغير تصديق " نعم !! .. قل مرة ثانية .. أنت ماذا ؟؟.. يا حبيبي أنا لولا تعقبي لك لحظة بلحظة لكنا نلملم أولادك من كل الجنسيات .. ( ونظر حوله ليتأكد من خلو المكان وأضاف بصوت أخفت ) كامل قل لي كلاما أفهمه "
هتف كامل بنفاذ صبر "أغلق فمك الثرثار هذا حتى أوضح "
وضع شامل كفه على فمه ليقول كامل" أنت تعرف تلك الأفكار السوداء التي تحاصرني .. الأمر يتفاقم معي كلما ازداد احتكاكي ببسمة .. كلما ضحكت يهاجمني السؤال هل كانت تضحك له بهذا الشكل ؟.. كيف كان يشعر تجاه هذه الضحكة؟.. وقس على هذا كل شيء كل تفصيلة كل نظرة عين .. اتساءل كم مرة كان يتأمل تفاصيلها مثلي .. كيف كان يشعر بها .. ولماذا يمر هو مع امرأتي أنا بهذه المشاعر .. لماذا"
تطلع فيه شامل باتساع عينيه ذاهلا فأضاف كامل "لهذا أنا أخشى مما قد أفكر فيه حينما تكون بين ذراعيّ .. أظنك تفهم ماذا أقصد ..وتفهم حجم الكارثة التي أخشى من مواجهتها .. بصراحة يا شامل بكل صراحة أخاف عليها من لحظة يجن فيها شيطاني بسبب ما أفكر فيه .. أخاف أن أؤذيها.. هل تتصور الجحيم الذي أعيشه .. لا أعرف ماذا فعلت لأبتلى بما يحدث معي .. ولماذا أعذب معها.. لماذا أحبها وأتعلق بها رغما عني .. ثم تصبح حلالي فلا أقدر على الاقتراب منها .. أنا خائف بشدة من أن تزورني تلك الوساوس وهي في فراشي .. هل تفهم ما أقصده .. بالتأكيد تفهم ومن سيفهمني غيرك"
ساد الصمت قليلا ليقول شامل بعده" أنت فقدت عقلك يا أخي وتحتاج لمساعدة"
عقد كامل حاجبيه وقال باستنكار" مساعدة!!.. هل سأحكي لشخص غريب عن علاقتي بزوجتي وعلاقتها بزوجها السابق "
قال شامل بجدية وحزم " أنت تحتاج طبيب نفسي أو ربما شيخ ليطرد هذه الشياطين من رأسك .. ما هذا الجنون !.. أفهم جيدا مدى حبك لها .. ولن أنكر بأني سأكون مستاء وأشعر بالغيرة لو كانت ونس قد سبق لها الزواج .. لكن أن يصل الأمر إلى هذا الحد فأنت وصلت لمرحلة الجنون .. شيطانك تغلب عليك يا أخي وعليك بمقاومته .."
أطرق كامل برأسه دون تعليق فأضاف شامل بلهجة موبخة "عليك بمجاهدة نفسك وطرد هذا الوسواس .. ماذا حدث لك؟.. لم تكن بهذه الغيرة المرضية من قبل !.. ابدأ بمقاومة نفسك ولا تستسلم لتلك الأفكار حينما تزورك وأكثر من قراءة القرآن حتى يذهب عنك شيطانك يا كامل وإلا ستدمر نفسك .."
أخرج كامل نفسه من أفكاره وقال بلهجة ساخرة وكأنه مرشد سياحي "مرحبا بك في قريتكم باشمهندسة باسمة نتمنى أن كانت الرحلة مريحة ..( وأضاف مشير بيده للخلف) تركنا خلفنا بيت الحاج عيد القللي ..وما تجدينه على يسارك هي الأراضي الزراعية التي يملك مفرح الزيني نصفها على ما أعتقد "
ابتسمت وهي ترد مصححة "لا هذه لا تخص أولاد الزيني بل الناحية الأخرى من البلدة "
قال كامل من خلف نظارة الشمس وهو يتطلع في الطريق "آه نسيت بأن ابن عمتك قد جعلنا ندخل البلدة أول مرة من طريق أخر يضم أرضهم .. المهم (واستمر شارحا ) كما ترين حولك لا يوجد سوى بيت واحد خلفنا والباقي مناطق زراعية وسأريك بيوت القرية بعد قليل "
اتسعت ابتسامتها فأدار وجهه لها يتأمل ذلك الإشراق الذي يطل على وجهها وأضاف وهو يضع يده على صدره "وأنا يا فندم اسمي كامل نخلة زوجك"
الكلمة الأخيرة وتلك الطريقة التي نطقها بها وهيئته الجذابة بشدة فجرت الدقات القوية في قلبها فأشاحت بنظراتها بعيدا عنه تغمغم "تشرفنا يا فندم"
رمقها كامل بابتسامة سعيدة لتخليها عن ذلك الوجه البارد المقيت شاعرا بأن صبره عليها كل الأيام الماضية أتى بثماره وأشعرها بالراحة في محيطه ..
رمقها بابتسامة سعيدة ولم يلحظ هو ولا هي تلك السيارة التي مرت بجوارهما من الاتجاه المعاكس .. سيارة بدير العسال .
لم تخفى على بدير هيئة سيارة التوأمين المميزة وهو يراها آتية من بعيد .. وسقط قلبه بين قدميه شاعرا بخروج روحه من جسده وهو يقترب وتلتقط عيناه صورتها تجلس بجوار قائد السيارة ..
ولوهلة ساورته نفسه أن يصطدم بسيارتهما متمنيا أن يكون قائدا لشاحنة عملاقة لحظتها حتى يدهسهما معا .. لكنه تراجع وطلب من نفسه بقوة التعقل فاستمر في طريقه حتى مر بجوارهما ثم ابتعد والنار تشتعل في صدره خاصة بعد أن بديا أمامه سعيدان ..فضرب على المقود عدة مرات بغل شديد حتى كادت عجلة القيادة أن تختل في يده لكنه عاد وسيطر على السيارة ثم قال لاهثا والجنون يتراقص كالشياطين في عينيه" لا .. أنا لن أتحمل رؤيتها من جديد تأتي إلى القرية سعيدة مع هذا ال ****.. لابد أن أقلل زيارتها لهذه القرية بأي ثمن.. أي ثمن "
××××
بعد ربع ساعة
نزلت بسمة من سيارة كامل تعدل من ذلك الوشاح الخفيف الذي غطت به رأسها ومن البلوزة الطويلة البيضاء التي ترتديها على البنطال الجينز والحذاء الرياضي ونظرت إليه عبر نافذة السيارة ليقول" انتهي مما تريدين بخصوص المشروع بسرعة فلا نريد أن نتأخر بينما أمر أنا على مفرح لأسلم عليه ثم أعود إليك "
قالت مطمئنة "لا لن اتأخر فأنا أريد أن أمر على أمي لأسلم عليها ثم على مليكة قبل أن نعود"
قال كامل بشقاوة وهو ينظر لبيت الجد صالح خلفه" لولا أن لدي التزامات في العاصمة كنا قضينا الليلة في بيت الجد صالح"
لهجته العابثة المغازلة أربكتها فأسرعت بالقول بلهجة مغيظة "البيت مغلق "
رد وهو يهم بالمغادرة" سيفتح .. البيت سيفتح أبوابه لي يوما أعدك بذلك "
قالها غامزا ثم تحرك بالسيارة مبتعدا فاشتعلت وجنتا بسمة وتطلعت في تلك السيارة المغادرة تتذكر يوما قد ودعها هنا في نفس المكان.
انقبض صدرها عند تلك الخاطرة .. خاطرة وداعه وطردتها بسرعة من رأسها ثم عادت لتفكر فيما قال منذ قليل ..
هل يلمح لشيء خاص بينهما؟ .. جزء منها يريد .. بل عليها أن تعترف بأنها تريد بشدة .. كما لم ترد هذا الشيء من قبل .. ربما نضجت وأصبحت امرأة ولها احتياج وربما لأنها تحبه .. لكن حتى لو كان يلمح لزواج حقيقي بينهما .. على أي أساس يرغب في أن يتمما الزواج؟ ..
هل ستكون عنده كنزوة؟ .. فرصة للمتعة المؤقتة !.. معاشرتها كزوجة هدية له فوق البيعة!..
على أي أساس يمكن أن توافق وهو لم يخبرها ماذا سيفعل في قرار الهجرة ؟.. كيف يشعر تجاهها؟ ..
هل يرغب في أن يكمل معها حياته؟ ..
في أن تكون هي أما لأولاده ؟
كلها تساؤلات لا تجد لها إجابة كلما فكرت في تلميحاته في الأيام الأخيرة .
"أي خدمة يا مدام .. تريدين خضراوات لدينا تشكيلة رائعة"
استدارت بسمة لأم هاشم تبتسم فاستمرت الأخيرة في مناكفتها قائلة" هل أنساك الوسيم أين عنوان عملك يا بسمة فتقفين في وسط الشارع حائرة !"
اقتربت منها بسمة فقابلتها أم هاشم بالقبلات والأحضان تضمها بشوق قائلة بتأثر "اشتقت إليك يا عروس"
ربتت بسمة على ظهرها وقالت "وأنا أيضا اشتقت إليك "
ابعدتها أم هاشم عنها تتطلع فيها قائلة "بسم الله ما شاء الله تزدادين حلاوة وجمالا مع الزواج يا بنت الوديدي.. أرزقنا يا رب "
قالت بسمة وهي تسحبها من يدها للداخل "على سيرة الزواج تعالي فأنا جئت خصيصا من أجلك أنت بسبب تهربك مني في الهاتف .. تعالي لأحطم رأسك ولكني سأسلم على الفتيات أولا وأبارك لنصرة وأعطيها (نقوط) عقد قران ابنتها لأني لن استطيع الحضور "
بعد قليل كانت بسمة تقف أمام أم هاشم في تلك الغرفة الداخلية تواجه الأخيرة ولا تسمح لها بالمراوغة أو الإفلات.
فقالت أم هاشم بابتسامة تعجبت لها بسمة كما تعجبت من هدوئها ومزاجها الرائق منذ أن أخبرتها بأمر جابر" أنا لا اعرف مم أنت ومليكة متخوفتان؟!"
هتفت بسمة باستنكار " لا تعرفين أم تستهبلين يا أم هاشم؟.. الرجل طلق زوجته من شهر واحد وتقدم لخطبتك بعد أسبوع واحد من طلاقه وأنت بنفسك تظنين بأن هناك ما حدث واستفزه في بيت العسال حتى أتى ليطلب هذا الطلب ..كل هذا وتسألين مم نحن متخوفات؟! "
قالت أم هاشم بهدوء " يا بسمة قلت لكما هو يريد مساعدة وأنا وافقت أين المشكلة؟"
هتفت بسمة متسعة العينين " المشكلة أنه يستغلك يا أم هاشم .. لو جابر يقصد ما تظنينه ونظنه نحن فهو يستغلك"
قالت أم هاشم بحمائية مدافعة "لا ..هذه ليست أخلاق جابر أبدا "
ضربت بسمة كفيها ببعضهما تقول " لا حول ولا قوة إلا بالله! .. إذن فسري لي ما يحدث؟"
بنفس الهدوء قالت أم هاشم " الأمر ببساطة أنه لا يدري بما يفعل .. أراد مكايدة بنت العسال وإذلالها بالإعلان عن الزواج مني لترى بأنها لا تستحق وبأنه فضل عليها من هي أقل منها جمالا فيكسر شوكتها وترضخ له وتعود إليه بعد أن تكون قد تعلمت الدرس"
بعدم فهم غمغمت بسمة " لا يدري بما يفعل !!!"
ردت بثقة " أجل لا يدري .. جابر لا يتعمد الإساءة لأي أحد أو التقليل منه لكنه بشر وقد يتصرف أحيانا بشكل غير متعمد .. "
رمشت بسمة بعينيها تحاول بصعوبة استيعاب منطقها ثم سألتها باستنكار "وأنت توافقين على هذا ؟!"
ردت ببساطة "أجل ..قلت لك أريد أن اساعده"
قالت بسمة تحاول ابعاد صاحبتها عما تظن بأنه سيؤذيها " اسمعي يا أم هاشم .. أنا أعلم جيدا بأن شخصا في مكانة وأخلاق ورجولة جابر دبور لا يعوض ..وبأنه فرصة رائعة لك .. لكن يا بنت الحلال هذه فرصة محفوفة بالمخاطر وأنا أخشى عليك من التجربة .. أخشى عليك من كسرة القلب .. ماذا تتوقعين مصيرك بعد تلك الخطة العبقرية التي تقولينها ؟"
هزت أم هاشم كتفيها وردت بهدوء استفز بسمة بشدة " لا شيء ..على حسب في أي مرحلة سنكون.. هل سيصل الأمر لخطبة حقيقية أم سيتطور لعقد قران .. سننفصل"
هتفت بغير تصديق " سيطلقك بكل نذالة؟!!"
قالت بسرعة مدافعة " قلت لك جابر لا يفعل هذا .. حتى لو انتبه فيما بعد لأنه قد تورط معي لن يفعلها ويطلقني ويظلمني أبدا"
بدأت بسمة تشعر بالدوار بسبب عدم الاستيعاب فسألتها "إذن هل توافقين أن تكوني زوجة لرجل متزوج بأخرى .. فبالتأكيد لو كان ما يقصده جابر أن تعود له بنت العسال هل ستقبلين بهذه الحياة ؟"
ردت أم هاشم بلهجة قاطعة "لا طبعا لن أقبل بهذا ..لو كنا مخطوبين سأطلب فسخ الخطبة ..ولو كان قد عقد عليّ سأتحجج له برده زوجته واطلب الطلاق وأبتعد عن المشهد"
صرخت بسمة باستنكار "وتصبحين مطلقة!! .. تسعين لأن تكوني مطلقة يا أم هاشم؟!!!"
هزت كتفيها وردت بنفس الهدوء المستفز "ما المشكلة أفضل من لقب عانس "
بغير تصديق قالت بسمة " أنت لا تعرفين كيف هو الشعور أن تكوني مطلقة يا أم هاشم "
ردت الأخرى بجدية تقارعها " وأنت لا تعرفين كيف هو الشعور أن تكوني عانس يا بسمة .. "
بهتت الأخيرة وهي تتطلع فيها ذاهلة لتضيف أم هاشم " على الأقل المطلقة جربت وفشلت ونظرات وهمس الناس تحاسبها على فشلها في الزواج ..لكن العانس تحاسب على فشلها في أن تجد لها زوجا .. وكأن الأمر بيدها ..وكأنها اختارت أن تفشل في إيجاد عريس .. ( وأضافت بسخرية لا تخلو من المرارة )كما أنني لست بسمة الوديدي فلا تقلقي عليّ.. كل ما سيحدث أنني سأغير اللقب من عانس لمطلقة وسأبقى عفريتة القرية في نظرهم كما أنا"
لم تجد بسمة ما تقوله فصمتت للحظات تحك جبينها بأناملها ثم قالت باستماتة لإقناعها بعدم الزج بنفسها في التهلكة "اسمعي يا أم هاشم أنا متفهمة شعورك بالوحدة لكن لا أريدك أن تزجي بنفسك في هذا الأمر وبالذات مع كاميليا .. لا أريدك أن تختاريه لأنه الفرصة الوحيدة فتبرري له ما يفعل كلـ .. "
قاطعتها أم هاشم تقول بلهجة جادة "بسمة أنا وافقت على جابر بإرادتي الحرة وليس لأنني يائسة من الزواج .. ما أخفيته عنك وعن مليكة أن محسن أيضا تقدم للزواج مني علمت بذلك يوم عودتي من حفل زفافك"
اتسعت عينا بسمة هاتفة "محسن قريبك؟؟؟"
"أجل"
صاحت بغير تصديق "ولماذا لم توافقي عليه؟.. الشاب مناسب جدا"
تنهدت أم هاشم وردت " كدت أن أوافق عليه رغم أني لا أشعر نحوه بأي انجذاب هربا من وحدتي ..لكن ظهر جابر وطلب ما طلب فوافقت عليه ورفضت محسن "
صرخت بسمة مذهولة " هل أنت مجنونة لماذا فعلت ذلك؟"
تنهدت أم هاشم وقد بدأ صبرها ينفذ فضربت كفها فوق الأخر على بطنها تقول "حتى أساعد جابر ..هل أعلقها على صدري يا ناس!!"
شحب وجه بسمة فجأة من تلك الخاطرة التي ضربت برأسها فسألتها بسرعة "أم هاشم ..هل .. لديك مشاعر خاصة لجابر دبور ؟"
تسارعت دقات قلبها بعنف وصمتت هاربة بنظراتها عن بسمة ولم تستطع الإنكار .. تشعر بأن إنكار مشاعرها له خطيئة فلم تجب ولكن أطرقت برأسها تستند بكفها على سطح المكتب .. فمدت بسمة يدها ورفعت لها ذقنها تواجهها وتعيد السؤال" هل هناك شيء في قلبك لجابر لهذا تفعلين هذا الجنون؟"
بصوت خرج مختنقا بالبكاء رغما عنها قالت أم هاشم "صدقيني السبب الأساسي هو مساعدته لكن ...( وصمتت قليلا ثم أضافت بحشرجة ) لا بأس من بعض الهدايا المجانية بالتواجد معه بأي صورة "
سقط قلب بسمة بين قدميها وهي تستوعب هذا الخبر .. أم هاشم عاشقة !!..
بصوت متحشرج قالت بسمة " هذه المعلومة المفاجئة تجعلني أصر على اعتراضي على ما تفعلين .. ( وأضافت بلهجة صادقة ) يا بنت أنت لا تعرفين عذاب الشعور بالتواجد بجوار شخص لا يفكر فيك .. رجل يحب امرأة أخرى ..اقسم لك إنه الجحيم بذاته"
قالت أم هاشم بصوت مبحوح وابتسامة متألمة " هذا في حالة أن تكوني متوقعة منه اهتماما .. أما أنا فلا أتوقع شيء ولا أطالبه بشيء .. بالنسبة لي الجحيم في قربه جنة .. التواجد في محيطه وأمام عينيه نعمة كبيرة ..فرصة التحدث معه دون أن يعلق الناس أو يسيء هذا له أو لي أمنية لم أجرؤ بأن أحلم بها يوما يا بسمة "
تألم قلب الأخيرة شفقة على صاحبتها وهالها ما تراه من مشاعرها تجاه جابر فقالت وقد تملكها خوف شديد عليها " وكاميليا ؟.. وعلاقته بكاميليا؟.. وخطته التي لا تدخل عقلي بقرش ولا افهمها .. هل ستتحملين هذا حينما تعود له زوجته "
قالت أم هاشم بصوت متحشرج "قلت لك بمجرد أن تنتهي مهمتي سأرحل .."
سألتها بسمة مقارعة " وإن رفض بتلك الشهامة والأخلاق التي تتحدثين عنها أن يطلقك "
قالت بثقة "لا تقلقي هو لن يبقيني ضد رغبتي"
قالت بسمة محذرة "أنت تضحين بنفسك يا أم هاشم"
ردت الأخرى تقول مصححة بلهجة معذبة " لا أبدا .. أنا استغل فرصة أتتني للاقتراب منه ..للتحدث معه ..للتطلع فيه يا بسمة .. للتطلع فيه دون الشعور بالذنب .. أردت أن أسرق من الزمن بضعة أيام أو شهور لا أعرف متى ستنتهي حتى أشعر به قريبا "
وضعت بسمة يدها على قلبها تلقائيا وهي تتطلع في صاحبتها بذهول وقالت بصدق متألم "أنا خائفة عليك يا أم هاشم بل أنا مرعوبة"
اتسعت ابتسامة الأخيرة تقول بترجي" ادع لي فقط ألا ننفصل قبل عقد القران "
هتفت بسمة بذهول " تسعين لأن تكوني مطلقة يا مجنونة!!"
بابتسامة أذهلت بسمة قالت أم هاشم بلهجة عاشق يائس "لن أكون مطلقة عادية .. سأكون مطلقة جابر دبور.. أنت لا تعرفين كم أتمنى أن يقترن اسمي باسمه .. لذا لا أمانع أن يشار عليّ (هذه مطلقة جابر دبور).. سأظل في أذهانهم بهذا الاسم ..(وأمسكت بيد بسمة التي فغرت فاهها تحدق فيها بذهول وأضافت بتمني يائس ) المهم ألا يرجع في كلمته قبل عقد القران .. فقط عقد قران هل هذا كثير عليّ .. أعلم بأن الأمر صعب بأن يتطور لبيت حقيقي وزفاف وما إلى ذلك .. كل ما أطلبه عقد قران ليقترن اسمي باسمه ..فأكون على ذمته ولو عدة ساعات ..صدقيني هذا أقصى ما أتمناه "
لمعت الدموع في عيني بسمة شفقة على صاحبتها التي اكتشفت للتو بأنها تخبئ في صدرها عشقا يائسا إلى هذا الحد المعذب.. وأحست بدموعها ستنهمر من عينيها فأسرعت بالقول وهي تمسحها وتداري ما تشعر به " أنت مختلة عقليا وتحتاجين فورا لمصحة عقلية"
اتسعت ابتسامة أم هاشم .. ابتسامة سعيدة رائقة أضافت لذهول بسمة ذهولا ثم غمغمت "لو كان الجنون سيشعرني بالسعادة التي أشعر بها الآن فأهلا وسهلا به ومرحبا يا صديقتي "
××××
بعد منتصف الليل
جلست على السرير غير قادرة على النوم كحالها منذ أسبوع تقريبا وهي تعد وترتب كل ما يخص تجهيزات زفاف ابنتها بعد خمسة أيام .. أشياء كثيرة في رأسها وتفاصيل صغيرة دقيقة لأمور تراها بعين ومنطق الأنثى مهمة جدا ولابد أن تتم قبل يوم الزفاف..
وبرغم الفرحة الكبيرة لاقتراب زواج الغالية اسراء إلا أن القلق لا يريد أن يتركها دون أن ينغص عليها فرحتها .. تتمنى فقط أن ينتهي بسلام أمر نقل حاجيات العروس يوم عقد القران والفرش الذي تحدد له بعد غد ..ووقتها ستشعر ببعض الراحة .
أخذت نصرة تعيد في رأسها وتعد على أصابعها ما انتهت من تجهيزه ومالم ينتهي بعد .. وقررت أن تناقش المتبقي غدا في الصباح مع أخواتها اللاتي لم يتركنها في مناسبة كهذه منذ أسبوع وهن يساعدنها .. فشعرت بداخلها بالامتنان لهن ولأم هاشم التي تخرج من عملها يوميا وتحضر إليها لتساعدها هي الأخرى في التجهيزات فغمغمت في سرها "رزقك الله يا أم هاشم بمن يقدرك يا حبيبتي (ونظرت للسماء تضيف ) يا رب إنها ضعيفة وذات قلب من ذهب وأنت كرمك كبير "
"هل تحدثين نفسك يا نصرة؟!"
شهقت الأخيرة ثم تفلت في صدر عباءتها البيتية تهدئ من روعها وقالت لهلال بعبوس" افزعتني يا هلال"
اتسعت ابتسامته وهو يدخل للغرفة ويغلق الباب خلفه بهدوء قائلا" بم كنت تغمغمين؟"
ردت بانشغال" كنت أرتب ما كان ينقصنا .. هل اتفقت على الأنوار والزينة ليوم الحناء؟"
قال وهو يقترب منها " أجل اتفقت على كل ما طلبتيه فاهدئي قليلا تكادين تقعين من الاجهاد يا نصرة"
قالت بذهن مشغول "والله ظهري يؤلمني ولا أشعر بأطرافي من الوجع .. لكن لا بأس لينتهي عقد القران بعد يومين ونقل الأثاث .. ثم الزفاف بعدها بثلاثة أيام وأرتاح"
قال هلال بلهجة ساخنة وهو يدلك ظهرها بكفه "ما رأيك بأن أساعدك على الاسترخاء "
ارتجف جسدها للمسته وانتبهت لأنه يجلس بجوارها على السرير فقالت تحاول مقاومة مشاعرها المشتاقة إليه" أنت .. ماذا تفعل هنا ؟...ولماذا لم تنم حتى الآن؟.. هيا لدينا أمور كثيرة في الصباح علينا إنجازها "
مد يده يسحب ببطء الوشاح الذي تربط به رأسها فظهر من تحته شعرها البني وهو يقول بلهجة مغوية "لم أستطع النوم على تلك الأريكة الصلبة التي كسرت عظامي ووجدت نور الغرفة مضاءً فعلمت بأنك لازلت مستيقظة "
قالت وهي تأخذ منه الوشاح وتتظاهر بالعبوس "اذهب للنوم يا هلال هيا"
كان وجهها الأحمر يفضح مشاعرها وتلك السنوات التي قاربت على الربع قرن بينهما منذ أن كانت صبية مراهقة أفشت له بسرها .. وبأنها لا تقل عنه اشتياقا فمال هلال يطبع قبلة على رقبتها البيضاء وهو يهمس بشوق جارف" الشوق إليك يكاد يفتك بي يا أم العيال.. فهلا خففت العقاب قليلا"
بعد بعض الوقت
استند هلال بمرفقه على السرير وبرأسه على كفه ممددا بجانبها عاري الصدر يتطلع فيها وابتسامة تزين ثغره وهو يسترجع ذوبانها بين ذراعيه بدون مقاومة إلا من بعض الهمهمات المتمنعة لتحفظ بها كرامتها.. لكن شوقها له كان مفضوحا .
أما نصرة فحدقت في سقف الغرفة تحاول الهرب من نظراته التي لا تزال تحدق فيها وقالت وهي تعدل حمالة القميص الداخلي التي تقع كلما اعادتها لمكانها" إياك أن تعتقد بأني قد سامحتك .. أنا فقط لم أرغب في أن أرتكب ذنبا .. فإسراء أخبرتني بأني أرتكب ذنبا إن منعتك عن حقوقك ..لكن هذا لا يعني أني سامحتك "
تلاعبت الابتسامة على شفتيه وقال بهمس "مفهوم ..مفهوم"
اختلست نظرة سريعة نحوه ثم عادت لتحدق في السقف تشبك أصابعها فوق جسدها البدين وقالت بمزيد من التبرير لتغطي على استسلامها له قبل قليل" أنا فقط أحببت أن أخبرك بالحقيقة حتى لا تتصور أني صفحت عنك ..لولا مخافة الله ما كنت سمحت لك بشيء بهذه السهولة "
دون أن ينطق مال على خدها يطبع قبلة عاشقة ثم على كتفها الذي وقعت من عليه حمالة القميص الداخلي مرة أخرى .. فقالت نصرة بتمنع وهي تدفعه بعيدا وتستدير لتوليه ظهرها لتنام على جنبها " نكتفي بهذا القدر ..علينا النوم لأن هناك الكثير ينتظرنا في الصباح"
قالتها وهي تتوسد كفها وتداري شعورا بالسعادة والرضا والدفء لوجوده ..فاقترب هلال منها حتى التصق بها يحيط خصرها بذراعه ..ثم دفن وجهه في عنقها واستكان ..فازداد احمرار وجه نصرة وأغمضت عينيها لتنام هي الأخرى بسعادة بعد وقت طويل من الشقاء النفسي والجسدي.
××××
بعد يومين
أيقظتها ساعتها البيولوجية كعادتها عند الفجر لتصلي وتنتظر ساعات الشروق فوق سطح الفيلا فاعتدلت جالسة تتمطى بألم من تيبس عضلات ظهرها من النوم فوق الأريكة .. لتتفاجأ بكامل فوق سريره مستغرقا في النوم فاندهشت قليلا لأنه لم يفعلها من قبل بل كان دوما ينتظر صعودها للسطح ليأتي وينام على السرير .
تركت مكانها وتحركت نحو الحمام بينما سعل كامل بخفوت أثناء نومه وتقلب بصعوبة شاعرا بالتعب ثم عاد ليغوص في النوم بإرهاق .
بعد عدة ساعات
كان الحر شديدا وكانت تتصبب عرقا ففتحت بسمة عينيها لتجد نفسها قد نامت على تلك الاريكة فوق سطح الفيلا الموجودة في ركن مظلل منه وبجوارها حاسوبها وقد فصل شحنه وكتاب وبعض الأوراق .
أمسكت بالهاتف لتعرف الساعة فوجدتها العاشرة والنصف صباحا فأسرعت بلملمة حاجياتها لتهرب من شدة الحرارة .. وتذكرت ذلك الحلم الغريب الذي حلمت به .. فقد رأت نفسها تجلس ظهرها بظهر كامل مقيدان بحبل واحد .. وطوال الحلم كان كل منهما يجاهد حتى يستدير ليتطلع في وجه الأخر .
حينما نزلت إلى الغرفة كان كامل لا يزال نائما فوضعت ما في يدها على الأريكة وأسرعت لتأخذ حماما منعشا ..في الوقت الذي كان كامل يتململ في رقدته شاعرا بالبرودة تزداد من حوله فتدثر بغطاء السرير الخفيف دون جدوى .
بعد قليل خرجت بسمة ترتدي ملابس بيتية مريحة .. بنطال وبلوزة ووقفت أمام المرآة تصفف شعرها وتلفه على هيئة كعكة حينما لاحظت كامل عبر المرآة قد اعتدل جالسا فقالت "من الجيد أنك استيقظت لأني كنت أريد أن اجفف شعري بالمجفف وخشيت أن يزعجك "
قبل أن تعيد فك الكعكة من خلف رأسها قال كامل بصوت أجش "باسمة"
استدارت إليه مستفهمة فقال "تعالي"
عقدت حاجبيها فسعل سعلة خفيفة وقال وهو يشير بكفه في الهواء" تعالي يا باسمة بسرعة"
تركت مكانها واقتربت تتأمله قائلة" هل أنت بخير ؟"
مد يده لها فوضعت يدها في كفه ليسحبها لتجلس بجواره على السرير ثم غمرها في حضنه قائلا" لا تبتعدي فالجو بارد جدا في الخارج "
تفاجأت بسمة بحرارة جسده الذي يرتجف بالقرب منها فهتفت بقلق وهي تحاول أن تخلص نفسها من ذراعيه "كامل أنت محموم .."
حضنها يهلوس قائلا "لا بأس ..أعرف بأنك بردانة ..سأدفئك بجسدي لا تقلقي"
اشفقت عليه .. فأخذت تدلك ظهره بحنان وهي تقول برفق" حسنا دعني أحضر لنا بطانية مادام الجو باردا"
شدد من ذراعيه حولها يغمرها بحضن قوي وهو يقول "لا ابقي هنا في حضني فالجو بارد عليك "
حاولت الفكاك من ذراعيه المحكمين حولها وهي تشعر بجسده الحار ينتفض في الوقت الذي عبس شامل في وقفته في المطعم وقال وهو يبلع ريقه بصعوبة" لماذا أشعر بألم في حلقي (واخرج هاتفه يغمغم) أنا المريض أم هذا الزفت؟"
رن هاتف كامل بجوار السرير فمدت بسمة ذراعها بصعوبة لتلتقطه من فوق الكومود وقد ميزت نغمة طبول الحرب وصيحات القبائل البدائية التي يخصصها لتوأمه فقالت بصعوبة من فوق كتف كامل "نعم شامل .. هلا أحضرت طبيب بالله عليك"
بعد ساعة
قال شامل من خلف الباب بعد أن طرق عليه" بسمة أنا معي الطبيب "
تحركت بسمة تبعد ذراعه عن خصرها فأصدر كامل بعض الهمهمات المعترضة لكنه كان أضعف من ساعة مضت والتي اقنعته هي وسوسو خلالها بصعوبة أن تغطياه ببطانية ثقيلة مقابل أن تستلقي بسمة بجواره ليذهب في النوم بعدها وهو يقبض بذراعه على خصرها .
تركت بسمة السرير شاعرة بالحرج من سوسو التي تجلس على الأريكة المقابلة تتطلع في ابنها في قلق ..واسرعت بارتداء عباءة خفيفة فضفاضة من الشيفون فوق ملابسها ثم فتحت الباب ليدخل شامل مع الطبيب .. ووقفت تراقبه وهو يكشف عليه قبل أن تسأله سوسو بقلق" طمئننا يا دكتور"
قال الأخير "لديه التهابا في الحلق ..سأعطيه حقنة لتخفض من حرارته ثم يلتزم بالعلاج وسيتحسن إن شاء الله"
قال شامل عابسا" أنا أيضا قلت أنه التهاب في الحلق"
تطلع فيه الطبيب الذي يتعامل معهم منذ عشرة سنوات ليقول شامل وهو يفتح له فمه" هلا تفحصت حلقي أنا الآخر اشعر بأني متوعكا"
ضحك الطبيب وقال" أنتما دوما تتوهمان"
قال شامل بثقة "صدقني أنا أعلم أنه قد أمرضني معه"
أخرج الطبيب أدوات فحص جديدة وبدأ في فحص حلق شامل بينما قالت سوسو "إن شاء الله ليس بك شيء "
تكلم الطبيب "لا أرى أن حلقك ملتهبا "
قال شامل بإصرار "صدقني يا دكتور أشعر به متورما ويؤلمني وأشعر بأن عظامي تؤلمني أيضا"
قال الطبيب مستسلما "سأكتب لك على مسكن تستخدمه عند اللزوم "
بعد أن أعطى الطبيب حقنة خافضة للحرارة لكامل لملم أدواته وتحرك مغادرا وهو يعطي شامل ورقة بالوصفة العلاجية .. فخرج الطبيب أولا ثم استدار شامل يقول بقرف لتوأمه النائم "لا يأتي من خلفك إلا المصائب والأمراض أيها الزفت "
قالها وخرج يغلق الباب خلفه فقالت سوسو شاعرة بالحرج من بقائها أكثر في غرفة نوم ابنها "ستنتبهين عليه جيدا يا بسمة أليس كذلك؟"
قالت الأخيرة مطمئنة "لا تقلقي عليه سيكون بخير"
قالت سوسو وهي تغادر" بالله عليك طمئنيني حينما تنزل درجة الحرارة"
أومأت لها بسمة وراقبتها تغادر وتغلق الباب خلفها فخلعت عنها العباءة واقتربت منه لتجلس بجواره وتتحسس جبينه الساخن .
كانت تشعر بالحزن الشديد وهي تسترجع هلوسته مصرا على أنها هي التي تشعر بالبرد وبأنه سيدفئها ..ورغم شعورها بالحرج لاضطرارها للاستلقاء نصف جالسة بجواره أمام حماتها التي لم تقدر على ترك ابنها مريضا وتغادر إلا أن تشبثه بها أثر فيها بشدة.
ليته كان حقيقيا .. ليتها تكون حقيقة في حياته إن حدث هذا لن تريد شيئا من الدنيا بعدها أبدا ..
فقط هو وكفى .
أصدر كامل همهمات غير مفهومة فجست جبينه مرة أخرى ثم مالت تطبع قبلة فوقه تشعر بشعور أمومي لم تشعر به إلا مع وليد حينما كان صغيرا ..
شعور بطاقة من دفء يشع منها لا إراديا ..وبشفقة قلب تشمله كله .. فتذكرت أم هاشم .. كيف رضيت بأن تضحي بنفسها من أجل من تحب حتى لو كان لا يشعر بها ..وتذكرت كلامها عن اقتناص الوقت معه .. فأشفقت على صاحبتها .. كيف ستستطيع أن ترحل وتتركه بعد أن تعتاد عليه وعلى تفاصيله وعاداته المزعجة قبل الحلوة ؟!.
مسدت بسمة على ظهر كامل بحنان وهمست في سرها" أنت مجنونة يا أم هاشم ولا تعرفين شيئا .. اسأليني أنا كيف يكون الشعور بأنك قد تفترقين عنه في يوم من الأيام .. اسأليني أنا يا بنت الشيخ أي شعور مؤلم هو .. لكن صدقت .. في أن مجاورة الحبيب هي السعادة كلها .. حتى لو كانت سعادة مؤقتة .
بعد ساعتين
من خلف رموشه أخذ يتطلع في ساقيها الممدودتين على السرير في جلستها بجواره تتابع فيلما قديما على التلفاز قبل أن يعتدل بصعوبة ليغير الوضع الجانبي ويستلقي على ظهره يتطلع فيها من خلف جفنين ثقيلين.
راقبته بسمة بقلق فغرق في الموج الأزرق الرائق في عينيها وهي تسأله وكفها يتحسس جبينه "كيف تشعر الآن؟"
نبرتها القلقة أسعدته فغمغم بمسكنة "مريض جدا "
ابتسمت لطريقته الطفولية بينما سألها هو "ماذا حدث أشعر بأن الغرفة كانت مليئة بالبشر وأنا نائم"
احمرت وجنتيها وهي تتذكر حضنه القوي لها وردت بمراوغة "ارتفعت حرارتك بشدة واستدعينا الطبيب"
تحركت مغادرة للسرير فقال معترضا "إلى أين ستتركينني وأنا مريض !"
ابتسمت وقالت وهي تتطلع في الأدوية "سأرسل رسالة لشامل لأنه طلب مني أن أخبره حينما تستيقظ حتى يرسل لك طعاما قبل أن تتناول أدويتك"
غمغم بعبوس "هو ذاك الزفت السبب بالتأكيد في مرضي "
ضحكت بسمة تهز رأسها بيأس فسألها باستنكار "لماذا تضحكين ؟!"
ردت بابتسامة لم يرى في مثل جمالها "لأنه قال نفس التعليق"
هتف بصوت متحشرج من المرض "كاذب ..هو كاذب .. دوما ما كان يمرض أولا ثم أمرض أنا بنفس المرض بسببه ولكن بصورة أشد اسألي أمي"
قالت وهي تستدير حول السرير لتجلس على الأريكة البعيدة " هذا حينما كنتما صغارا "
قال بعناد طفولي لا يتناسب مع طوله وعرضه الذي يشغل السرير أمامها " وحتى الآن صدقيني (ثم عبس يضيف باستنكار) لماذا ابتعدت؟.. هل ستتركينني وأنا مريض!!"
قالت بسمة بوجنتين مشتعلتين" الحمد لله نزلت حرارتك "
قال معترضا وهو يستند برأسه على الوسادة "لكني لازلت مريضا جدا .. "
ردت بلهجة حانية "ألف لا بأس عليك حفظك الله من كل شر"
تطلع فيها رغم شعوره بتشوش الرؤية .. قبل أن يطرق الباب فاستقامت بسرعة لتفتحه وتتناول صينية من زيلا وهي تشكرها ..ثم اقتربت من كامل الذي قال معترضا" لا أريد الطعام حلقي يؤلمني "
قالت وهي تجلس بجواره على السرير "شامل صنع لك حساء رائحته شهية عليك بالأكل حتى أعطيك الدواء"
قال بصبيانية "صدقيني لست بقادر على رفع ذراعي حتى "
راقب احمرار وجهها وتلك الطريقة التي تضغط بها على شفتيها حينما تشعر بالخجل والتي تتسبب في غوص طابع الحسن في ذقنها أكثر وهي تغمغم" أنت تتدلل يا كامل لكني سأتحملك لأني وعدت سوسو بأني سـأهتم بك"
وضعت الصينية على ساقيها لكنه لم يرفع أنظاره عن وجهها شاكرا لأنه غير قادر على رفع إصبع وإلا لانقض عليها خاصة وهي بهذا القرب منه وهذه الفتنة والنعومة ولم يعرف إن كان عليه أن يشعر بالفخر من نفسه لنجاحه في الصمود كل هذا الوقت أمام امرأة في جمالها الأخاذ أم يشعر بالشفقة على نفسه وعلى حظه التعس ..
مدت بسمة بالملعقة له مملوءة بالحساء الساخن فتطلع في الملعقة قليلا ثم أعتدل جالسا بصعوبة ومال برأسه يشرب فغمغمت بحرج تهرب بنظراتها من تحديقه " أنت تتدلل كالصغار اقسم بالله"
رد كامل بنفس المسكنة "أنا مريض "
فضحكت بسمة تهز رأسها في يأس وقالت "هيا كُل أيها المريض حتى تتناول الدواء لتتحسن حالتك "
××××
الزغاريد لها دوما وقع السحر على القلوب قبل الآذان .. تنشر الفرح كرفرفة الحمام لحظة خروجه وانطلاقه ..وتدغدغ المشاعر.
الزغاريد أدخلت البهجة على قلب عائلة هلال رغم التوتر .. توتر طبيعي لبيت ستعقد إحدى بناته قرانها خلال دقائق .. وتوتر إضافي حتى ينتهي اليوم بسلام .. ينتهي بعقد قران اسراء على طلال ويليه إنزال حاجيات العروس لفرشها أمام البيت استعدادا لنقلها بالسيارات باحتفال صاخب إلى بيت العريس ..
هذا الأمر بالذات .. رغم أن هلال لم يبخل في شيء بشأن تجهيز ابنته .. وبالرغم من أن ما ابتاعه لها كاف لأي زوجين مقبلين على الحياة معا ..وبالرغم من أنه قد اخبر طلال ووالده بأنهم ما داموا متعجلين فلن يستطيعوا تجهيز أكثر مما تم شرائه وهو الأساسيات .. وموافقة طلال على ذلك رغم عدم رضا والدته وامتعاض والده ..
رغم كل شيء ..
الشعور بأنك قد تكون مثارا للحديث ..
قد توضع تحت المجهر فيأتي كل من هب ودب ليقيّم ما جهزته وأحضرته ويقارنه بالأخرين شعور غير مريح .. بل إنه مقيت ..
وكأنك على عتبة امتحان سيقيّم الناس ما أنجزته ..ويمنحونك بعدها انبهارهم أو رضاهم أو مصمصة شفاههم..
هكذا كانت تشعر نصرة رغم وجهها الضاحك وهي تستقبل المهنئين الذين بدأوا في التجمع أمام المسجد حينما حضر الشيخ منذ دقائق خاصة مع وجه أم طلال الممتعض هي وأختها اللتان ظلتا واقفتان مع باقي النسوة خارج مسجد الشيخ تيمور ورفضتا الذهاب لبيت والد العروس الذي لا يبعد إلا أمتارا في انتظار عقد القران ..
لمحت أم هاشم جابر يقبل مسرعا بعد أن تأخر عن الحضور وهو شاهد العروس فانفجرت دقات قلبها بقوة ..خاصة وهي تراه يرتدي ملابس عصرية من بنطال كلاسيكي أسود وتيشيرت رمادي بنصف كم فربطت بين هذا الملبس وما سمعته من نصرة بأنه كان خارج المحافظة منذ الصباح الباكر وسيأتي على مراسم عقد القران ..
لقد مر ثلاثة أسابيع منذ ذلك اليوم في بيتهم .. ورغم تحية الصباح التي تلقيها على عجل يوميا وهي تمر من أمام البيت بينما هو يجهز سيارته للذهاب لعمله ..
تحية صباح بخطوات سريعة ترفل فيها خجلا أنثويا قد لا يظهر على ملامحها الجادة.. وترفل فيها قلبا يتمنى أن تكون التحية أكثر قربا ودفئا ..
تحية صباح لا تعرف لما باتت تهدى إليها كل يوم وكأنه بات يضبط مواعيد خروجه للعمل على مواعيد خروجها من المنزل صباحا ..
تحية صباح سريعة تعقبها عبارة ( صباح النور يا أم هاشم ) أضحت هي قوت يومها ..
تحية صباح قد تبدو للجميع عادية .. إلا أنها تعني لها الكثير..
نحنحة صدرت من جابر لينبه المتجمعات أمام المسجد بمروره فتفرقن لتفسحن له مجالا ليسرع بالمرور ويدخل المسجد ولاحظت أم هاشم غمز البنات وتنهداتهم وأعينهم التي أكلته وهو يمر فتقبضت ووقفت تراقب بصمت .
قالت إحداهن لمن تقف بجوارها "يبدو أصغر في الملابس العصرية وأنيق جدا ..ووجهه بدون اللحية ذات الشيب لا يعطيه أكثر من ثلاثين سنة ليته يحلقها ليظهر أصغر عمرا "
ردت الأخرى بهمس "أختلف معك .. فهذه اللحية تعطيه وسامة وجاذبية رائعة أن يكون صغيرا بالعمر وبلحية يخالطها الشيب.. هل رأيتيه في الملابس العصرية ..يا ويلي !"
تكلمت إحدى النساء على جانب أخر تقول للأخرى "هل تعتقدين بأنه سيسرع في الزواج أم أنه سيعيد بنت العسال لعصمته ؟ .. فرجل مثله في عز شبابه لن يبقى بدون زواج كثيرا "
ردت صاحبتها " ها هي الحجة نجف آتية .. تعالي لنجس نبضها .. وأريدك أن تتحدثي عن ابنتي بشكل غير مباشر أمامها .. وإن حدث النصيب لك الحلوان "
في ثوب وردي رقيق كانت إسراء تقف في المسجد وحدها بينما باقي النساء في الخارج ونصرة تقف على بابه تتابع المراسم بترقب .
كانت اسراء تشعر بالرهبة الممزوجة بالفرح لكن الرهبة كانت طاغية .. كانت كطعم مالح يصر على أن يفسد طعما حلوا ..
نظرت لطلال فوجدته يتطلع فيها بابتسامة وفرحة فحاولت طمأنة نفسها .. بعد قليل ستتغير حياتها للأبد .. ستقترن بشاب و ستترك المركب الذي ولدت وعاشت فيه لتركب أخر مع طلال .
حين جاءها الدفتر أمسكت بالقلم لتوقع بيد مرتعشة ثم انطلقت الزغاريد بعد دقائق بمجرد أن انتهت المراسم .. فخرجت هي بحرج من المسجد لتتلقى التهاني من النساء وأولهن نصرة التي انفجرت في البكاء وهي تحضنها مغمغمة "مبارك يا نور عيني ..مبارك يا غاليتي وبنت عمري "
قالتها وانفجرت في المزيد من البكاء فهمست اسراء" كفى بكاء يا أمي أرجوك "
ابعدتها أم هاشم قائلة بتهكم" ابتعدي يا نصرة لنهنئها .. بقي ثلاثة أيام قبل أن تغادر حضنك دعيني أبارك لها "
قالتها وهي تقبل اسراء قائلة" ألف ألف مبروك يا أستاذة"
غمغمت اسراء بابتسامة خجلة" العقبى لك يا أم هاشم"
قالت الأخرى بمزاج رائق "يا رب يا حبيبتي يا رب (ثم هتفت في الباقيات ) أين الزغاريد يا جماعة لا أسمع شيئا"
انطلقت الزغاريد وشاركتهن أم هاشم فيها لتتلقى اسراء من الواقفات من النسوة وصاحباتها التهاني بينما كريمة وأختها ومن معها يقفن بفم ملوي بعيدا يتلقين التهاني من الأخريات لكنهن تجاهلن عن عمد المباركة لإسراء أو نصرة وهذا ما لاحظته أم هاشم فرمقتهن بنظرة ممتعضة وغمغمت وهي تعدل من حجابها الأسود فوق عباءتها الأسود منها" اللهم طولك يا روح "
خرج طلال من المسجد يبحث عن اسراء بين البنات .. واتسعت ابتسامته وهو يغمغم مقتربا يشتاق لضمها "مبارك يا عروس "
قبل أن يصل إليها كانت أمه واختها وقريباتها قد اقتربن وقطعن عليه الطريق يزغردن بحماس بينما كريمة تضم ابنها وتبكي بحرقة.
أخذ طلال يربت على أمه بابتسامة لكن الأخيرة كانت في حالة انهيار وكأنها جنازته وليست زيجته مرددة" يا قرة عين أمك .. يا أخر العنقود .. لم أشبع منك والله "
تهكمت الباقيات عليها لتقول إحداهن "وكأنه سيهاجر يا كريمة إنه سيسكن معك في نفس البيت يا امرأة !"
ردت بلهجة باكية" لا أحد يشعر بشعوري أبدا .. اخوته في جانب وطلال حبيبي في جانب أخر "
قالت نصرة بابتسامة هادئة وهي تكتم الغيظ "أنت تقولين هذا وهو سيسكن معك .. فماذا أقول أنا إذن وابنتي ستتركني !"
تجاهلتها كريمة وأخذت تربت على صدر ابنها ببكاء شديد.. وعينا طلال معلقتان على إسراء ..فأطل أحد أصدقائه من المسجد يقول" أين ذهبت يا عريس يريدونك حتى توقع على القائمة "
قال طلال وهو يرمق اسراء التي تقف وحولها الفتيات على بعد بينما أمه تمسك بسترته وكأنه سيهرب منها" حاضر قادم حالا "
استدار شاعرا بالإحباط ليعود للمسجد فقالت أمه بهمس "إياك أن توقع قبل أن تقرأ ما كتبوه جيدا وكما أخبرتك بالأشياء التي ليس لها قيمة في قائمة الأثاث إن وجدت منها ارفض التوقيع حتى يحذفونها و..."
قال طلال وهو يبعد يدها برفق عن سترته "لا تقلقي يا أمي أهم شيء ننتهي من هذه الإجراءات سريعا "
قالها وعاد للمسجد محبطا بعد أن كان يتمنى ضم اسراء لكنه وعد نفسه بأن يحاول الانفراد بها بعد انتهاء هذا اليوم الذي هو نفسه يشعر فيه بالتوتر .
قالت نصرة للنساء" تعالين إلى البيت حتى ينتهي الرجال .."
بعد قليل كانت كريمة التي رفضت دخول بيت هلال هي وأختها وقريباتها يقفن في الشارع يتطلعن في جهاز العروس المرصوص على جانبي البيت استعدادا لوضعه فوق السيارات أجهزة منزلية وكهربائية ومفروشات وسجاد وستائر ونجف وكراتين كثيرة تحمل أدوات المطبخ من كل نوع وشكل .
هتف زوج احدى اخوات نصرة يقول لابنه "هل هناك المزيد عندك يا زيد؟"
جاءه الرد بأن هذا كل شيء فأخبره بأنه سيخرج إلى أول الشارع ليرتب أمر دخول السيارات واحدة تلو الأخرى ..
وقفت كريمة تحدق في الموجود في الشارع بذهول وهي تحاول أن تتماسك لكن ما تتلقاه من نظرات ساخرة من قريباتها كان كالسوط يجلدها ..وما زاد من الطين بلة وصول سيدتان هما حماتي اثنين من أولادها الأكبر المتزوجين فتلقت تهنئتهما بابتسامة عصبية بينما عيناها تلاحظان مصمصة الشفاه الجانبية وهما تتطلعان في المعروض.
قالت أخت كريمة بلهجة مازحة لزيد ابن أخت نصرة المراهق "أنظر يا حبيبي في الداخل لربما نسيت الباقي في غرفة أخرى أو غرفتين "
ضحكات مخفية وصلت لكريمة من خلفها في الوقت الذي رد الشاب بتهذيب" لا والله يا خالة أخرجنا كل شيء "
كانت اسراء تقف مع بعض صاحبتها على بعد أمتار وقد لاحظت الهمس واللمز لكنها حاولت التجاهل فهي من الأساس كانت ترغب في أن تحضر الأساسيات الكافية لبدء حياة جديدة دون مبالغة أو تطرف لكن ما كان يقلقها هو والدتها التي تقف على الناحية الأخرى تدير ظهرها للنسوة وعلى وجهها ابتسامة واسعة.. مبالغ فيها .. وهي تعيد رص بعض الأشياء فوق بعضها لتصنفها بشكل لا يعرضها للتلف أو الكسر ومعها أم هاشم ..فكانت تشعر بأن أمها متأثرة بما يقال لكنها تحاول تعمد البرود والتجاهل كما طلبت منها اسراء.
قالت أخت كريمة" بصراحة أنا مصدومة ولم أتخيل طلال حبيبي أخر العنقود تكون شقته أقل من اخوته بهذا الشكل الصادم "
تماسكت كريمة ودمها يغلي في رأسها فلم تحب أن تتعرض لهذا الموقف أمام أختها بالذات .. أختها التي كانت تتمنى أن يتزوج طلال من ابنتها.. والتي صدمت حينما ارتبط بإسراء.. بينما استمرت اختها تقول لإحدى قريباتها معلقة على المعروض أمامها "أتصدقين يا أم أيمن لم يحضروا من كل جهاز منزلي سوى قطعة واحدة .. (واستدارت لكريمة تقول ) كيف توافقون على هذا يا كريمة؟! .. إنكم صرفتم في شقة طلال بالذات أكثر من أخوته بكثير بسم الله ما شاء الله إنها كالقصر"
قالت كريمة لأختها بغيظ " اسكتي يا ثريا بالله عليك"
ضربت ثريا كفا بكف تتصنع التعاطف "لا حول ولا قوة إلا بالله! .. (واستدارت) لقريبتها انظري يا أم أيمن هل ترين أكثر من أربعة بطاطين ؟.. أنا لا أرى أي لحاف هل شاهدت لحافا مع البطاطين؟"
قالت أم هاشم بصوت عال وهي تحاول تلجيم عصبيتها ورغبتها في جر الواقفات من شعورهن وسحلهن في الشارع " ما شاء الله يا نصرة ذوقكم عالي في كل شيء "
ردت أخت نصرة عليها تحاول هي الأخرى الوقوف بجانب أختها "صدقت يا أم هاشم ما شاء الله ذوق أستاذة بالفعل"
غمغمت ثريا بصوت خافت لكنه مسموعا تعوج فمها "عم يتحدثن .. ألم يروا جهاز عروسة من قبل!! .. "
قالت كريمة تشعر بالقهر "حين قال لي طلال وأبوه بأنهم لم يجدوا وقتا إلا لتجهيز الأساسيات.. لم أتوقع أن يكون الأمر بهذا السوء"
ردت ثريا بلهجة متعاطفة تنفخ في النار " لا حول ولا قوة إلا بالله!.. (واستدارت لقريبتها تقول) والله يا أم أيمن (ونظرت لحماتي ابني كريمة تشركهما في الحديث ) والله هناء ابنتي رغم أنها لا تزال تدرس في المعهد لكني لم أتركها هكذا .. أجهزها منذ أن كانت في الاعدادية.."
أمسكت أم هاشم برأسها تقول بصوت أعلى " اللهم لا تعذبنا بما فعل السفهاء منا "
استمرت ثريا في الحديث بمفاخرة فأضافت تدعي المزاح وهي تناظر ابنتها المتابعة للحديث من بعيد" هناء تقول دوما( يا أمي يكفي مائة شرشف سرير) .. (يا أمي كفى) .. صدقيني يا أم أيمن والدها اشترى الأجهزة الكهربائية من الآن .. ثلاجتين كبار وهذا المبرد الكبير المستقل وحده (واستدارت لابنتها تسألها بصوت عال ) ما اسمه يا هناء؟"
غمغمت أم هاشم وهي تنظر حولها تبحث عن شيء يهدئها " بدأ برنامج لك ولأسرتك وأنا أخشى من انفلات أعصابي وتعكير السلم العام "
أمسكت بذراعها نصرة التي لا تزال تولي ظهرها للنسوة تتصنع التجاهل بينما التهكم يأتيها كالرصاص يضرب في ظهرها وقالت مهدئة "لا بأس يا أم هاشم دعي اليوم ينتهي بسلام ..كلمتان محشورتان في حلوقهن سيقولونهم وننتهي "
ردت هناء على سؤال أمها "ديب فريزر يا أمي"
أكملت ثريا ثرثرتها المتباهية فقالت" أجل ديب فريزر.. واشترى ثلاث غسالات قسما بربي .. واحدة فول أتوماتيك والأخرى نصف أتوماتيك وغسالة أطفال.. أقول له( يا رجل أنت لا تعرف متى سيأتيها النصيب ربما كان وقتها ما هو أحدث من هذه الماركات) ..يقول لي (ساعتها نبدلهم لها ) كله من أجل عيني هناء ... إنه يحب ابنته جدا"
انفلتت أعصاب أم هاشم فاستدارت تقول بابتسامة صفراء تتصنع الهدوء " نحن هنا نحتفل بيوم الفرش الخاص بالأستاذة إسراء وليس هناء يا أم هناء"
امتقع وجه المرأة وشعرت بالحرج بينما هتفت أم هاشم في الواقفات "أين الزغاريد لا أسمعها لدينا عروس هنا"
انطلقت الزغاريد من جانب العروس وبعض المجاملات من جهة العريس بينما وقفت كريمة تتمنى لو أن تنشق الأرض وتبتلعها خاصة مع نظرات حماتي ولديها اللتين كانتا لا تزالان تتطلعان في الجهاز المرصوص خارج البيت بسخرية .. بينما سألت ثريا قريبتها "هل رأيت ديب فريزر يا أم أيمن ؟..أنا لا أرى في الأجهزة المنزلية إلا ثلاجة واحدة متوسطة الحجم "
تدخلت نجف التي خرجت من بيت نصرة بعد أن التقطت أطراف الحديث لتقول بلهجة حكيمة " الليلة ليلة فرح يا حبيباتي.. العقبى لبناتكن جميعا.. أين الشربات يا نصرة ألن توزعي شربات ؟"
قالت نصرة بصوت مبحوح من كثرة انفعالاتها المكبوتة فلولا خوفها من افساد الليلة لما سمحت لأي امرأة من الواقفات الحديث بهذه الطريقة " طبعا ..طبعا لدينا شربات .. وكل شيء حلو من أجل عيون عريسنا وأهله"
مصمصت كريمة وأختها شفتيهما بينما قالت إحدى أخوات نصرة "أنا سأحضر الشربات يا أم كريم "
واطلقت زغرودة وهي تدخل البيت بينما تبادلت اسراء وأمها النظرات كل واحدة ترسم ابتسامة مزيفة على وجهها حتى لا تتأثر الأخرى بما يحدث فرفعت نصرة ذقنها لأبنتها بما يعني (كوني باردة) رغم أنها لم تكن كذلك.. فردت عليها اسراء بتعبير على وجهها بما يعني (أنا متجاهلة تماما ) رغم كونها لم تكن كذلك أيضا .
مالت أم هاشم تقول لنصرة "هذه المرأة ستذل ابنتك يا نصرة .. لا تؤاخذيني .. لكني أعرف بأنك تدركين جيدا بأني لست خرابة للبيوت وأحب اسراء كأختي الصغيرة لذا دعيني أخبرك بأن هذه المرأة ستذلها على أتفه الأشياء إن لم تجدها في جهازها .. أعرف حماة مفترية كانت تعاير زوجة ابنتها لأنها لم تحضر في جهازها الهون الألومينيوم لهذا أنا قلقة على إسراء من هذه الحيزبون واختها "
قالت نصرة بتماسك" أتمنى من الله أن يسترها معنا ومع المسكينة اسراء"
في المسجد ساد بعض التوتر لاعتراض والد طلال على إضافة بعض الأشياء لقائمة الأثاث التي سيوقع عليها العريس كأمانة لحفظ حق العروس كما تقتضي العادات .. فوقف طلال في قلق يحاول التوسط بين الفريقين بينما قال هلال" يا أبا حمدي بالله عليك ألم يوقع ابنك حمدي على قائمة مشابهة لزوجته"
رد أبو حمدي مراوغا "لا لم يحدث .. لماذا يمضي ابني على كل هذا !"
تدخل جابر يقول بهدوء" يا أبا حمدي بالله عليك هل سنتناقش في أشياء تافهة كهذه!.. ما لا ترضى به لابنتك لا ترضى به لبنات الناس"
رد أبو طلال ممتعضا "الحمد لله ليس عندي بناتا "
تدخل طلال لإنهاء الموضوع قائلا بدبلوماسية وهو يلتقط الورقة ويميل ليوقع عليها" من بعد اذنك يا حاج دعنا نتخطى تلك الأمور "
شعر هلال بالراحة بعد توقيع طلال على الورقة بينما تطلع والد طلال في ولده بنظرة عاتبة اشعرت طلال بالذنب تجاه والده وبأنه قد كسر كلمته أمام الجميع ..بينما قال جابر وهو يساعد المأذون على الوقوف" هيا لنلحق بصلاة الظهر قبل أن نخرج لنقل الأثاث"
اقترب طلال من والده يحاول أن يعتذر فنفض الأخير جلبابه يشيح بوجهه عنه واصطف بجوار الرجال استعدادا للصلاة تاركا ابنه يشعر بذنب كبير بينما ناظره أخوته بتوبيخ .
عند بيت هلال كانت كريمة قد وصلت لذروة التحمل حينما تساءلت ثريا " أين المكروف؟ .. هل هناك عروس تتزوج هذه الأيام بدون مكروف!! "
رددت أم هاشم ساخرة " مكرووووف! .. (وأضافت بصوت خافت من بين أسنانها) بنت بائعة الحليب تسأل عن الميكرويف !"
كتمت نجف ضحكتها فابتسمت أم هاشم لها ابتسامة أظهرت الغمازتين وسألتها بصوت خافت " أمها كانت بائعة حليب أم لا؟"
ردت كريمة بسخرية مرة " عم تتحدثين يا ثريا .. انظري لأسطوانة الغاز الوحيدة الموجودة قبل أن تسألي عن الميكرويف "
أمنت ثريا على كلامها تقول بحسرة" صدقت يا أختي وقلبي معك "
قالت كريمة بلهجة متهكمة غير قادرة على التحكم في أعصابها أكثر " ويقال الأستاذة ذهبت ..والأستاذة جاءت .. والأستاذة تعمل في مدرسة لغات في المدينة !"
لم تستطع اسراء الصمت أكثر فقالت بلهجة عاتبة من وقفتها بين صاحباتها اللاتي يتطلعن في كريمة بغيظ" لماذا هذا الكلام يا حماتي "
قالت كريمة "بصراحة لا تؤاخذيني ما أراه لا يليق بأستاذة أبدا .. ولا يليق حتى بفتاة جاهلة لم تتعلم"
تدخلت أم هاشم صائحة باستنكار" وما دخل هذا بذاك؟!!"
قالت كريمة بغيظ " دخلها أنها تعمل في مدرسة لغات ..وأنها تعطي دروسا خصوصية أيضا .. (وأكملت بتقريع واستهزاء ) ألا يكفي بأنها كانت تتردد على البيوت لتعطي الدروس ولم يفتح ابني فمه ولم يعترض .. "
اندفعت نصرة تقول بانفعال حينما وصل الأمر لذم في شخص إسراء " ما معنى كلامك هذا يا أم طلال؟"
هتفت كريمة بغيظ مكبوت "معناه أنكم فضحتمونا واحرجتمونا أمام الناس بهذا الجهاز يا نصرة"
تدخلت بعض الواقفات لتهدئة كريمة لتقول احداهن "ليس له لزوم هذا الكلام لقد اصبحتم أهل "
ردت كريمة بانفعال "ألا ترون الفضيحة أمام أعينكن (وأضافت بدم محروق ) هل يستقلون بابني .. ابني الذي كلف بناء شقته وتوضيبها مبلغا وقدره .. ابني صاحب الشهادة الجامعية يا ناس "
لم تتحمل أعصاب أم هاشم الاستفزاز فردت بغيظ " وهل هي تحمل الشهادة الإعدادية!!.. إنها جامعية مثله .. وكانت حاصلة على مجموع يدخلها كلية الطب ..(وأضافت في سرها متهكمة وهي تضرب كفا بكف) تتحدث وكأن ابنها ملك اسبانيا !"
شعرت كريمة بالحرج فصرخت في أم هاشم مهاجمة "لماذا تتدخلين أنت يا سوداء .. أتريدين افساد الزيجة !"
هتفت أم هاشم بغير تصديق " أنا التي أريد افسادها الآن !!!!"
تدخلت نجف تقول بحمائية " هي لم تفعل شيئا .. كانت ترد على كلامك الغريب "
امتقع وجه كريمة وخرست أمام تدخل نجف فتدخلت ثريا تقول بلهجة متهكمة "يا جماعة قدروا ظروفها وتعاطفوا مع حالتها .. فهي ترى من هي أصغر منها بكثير ستتزوج ..طبيعي أن تكون عصبية وتحاول إفساد الأمر"
قلبت أم هاشم مقلتيها مزمجرة .. فشعرت الأخرى بالتوجس خاصة حينما استشعرت بأن أم هاشم على وشك الهجوم عليها .
بينما اسرعت نصرة تمسك بيد الأخيرة ترفع إليها انظارها قائلة بحشرجة متوسلة "حلفتك بالله يا أم هاشم مرريها من أجل خاطري إنها تحاول خلق شجارا .. من أجل خاطر نصرة حبيبتك"
نظرات نصرة المتوسلة جعلت أم هاشم تسحب معصمها من يديها وتقول بحشرجة "أنا ذاهبة من هنا حتى لا يفور دمي وافسد كل شيء .. مبارك يا نصرة (ونظرة لإسراء التي تلجم مشاعرها بقوة ترغب في الثورة والصياح في وجه الموجودات وقالت ) مبارك يا اسراء"
قالتها وهي تتحرك مبتعدة فهتفت نجف "انتظري يا أم هاشم "
ابتعدت الأخيرة مسرعة بدون رد فنظرت نجف لثريا قائلة " أنت قليلة الذوق ما لزوم هذا الكلام الذي قلتيه ؟"
تدخلت قريبة كريمة تقول " لماذا تحامين لها يا حاجة؟ .. صدقيني واحدة مثلها بالتأكيد تشعر بالغل والحقد لأنها لا تجد من يرضى بسنها ولا بسمارها وتعرف تماما اللقب الذي يطلقونه عليها "
تألم قلب نجف على أم هاشم فصرخت بحمائية "اخرسي يا قليلة الحياء "
تدخلت نصرة التي تحاول تهدئة الوضع فقالت "اهدئي يا خالة نجف "
لكن قريبة كريمة لم تستطع السكوت فهتفت تدافع عن نفسها " أنا لست قليلة حياء أنا فقط كنت أنبه الجميع لأنها بغيرتها وحقدها ربما تكون السبب في هذا التوتر الذي نحن فيه .. اعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد "
أمسكت ثريا بطرف الحديث وزادت عليه "بالطبع حاقدة لأنها لم تتزوج شاب كطلال ما شاء الله عليه ( واستدارت لكريمة تقول بلهجة مرتعبة ) ارقيه يا كريمة بالله عليك العين فلقت الحجر "
أمسكت كريمة برأسها تغمغم بخوف" من شر حاسد اذا حسد سلم يا رب سلم من عينيها"
تدخلت اسراء تقول بحمائية" لماذا كل هذا الكلام عنها ماذا فعلت أم هاشم لكن ؟"
تكلمت إحدى الواقفات " والله أنا اتشاءم من حضورها أي مناسبة .. انظروا كيف توترت الأجواء"
اندفعت نجف ترد بانفعال" حبيبتي هي ليست بحاجة لأن تحقد على أحد .. إن كانت لم تفعلها من قبل .. هل ستفعلها الآن وهي مخطوبة لابني!! .. إنها كنة بيت دبور القادمة "
خرجت شهقات من بعض الحلوق تلتها الغمغمات الغير مصدقة قبل أن تسأل إحداهن مصعوقة" من؟؟؟ .. خطبت لابنك؟؟! أيهما .. زين؟"
اشاحت نجف بيدها بقرف وهتفت " أنا سأغادر قبل أن يحرق دمي أنا الأخرى .. نساء تافهات "
تحركت مغادرة فنادت عليها نصرة رغم تفاجؤها بالخبر لكن نجف لم ترد في الوقت الذي شغلت الواقفات بالخبر الصاعق لتقول احداهن "ولماذا ليس جابر .. لقد طلق زوجته للتو "
قالت أخرى بغير تصديق "يا الهي الاثنين أفضل من بعضهما سواء زين أو جابر كيف حدث هذا .. أم هاشم !!.. لا أصدق"
هتفت نصرة في محاولة منها للسيطرة على الوضع "أين السيارات (وقالت لكريم الذي وصل منذ دقائق ووقف يراقب الوضع بمقلتين مقلوبتين) اذهب واسأل زوج خالتك هل جاءت السيارات"
خرجت أخت نصرة تعرض على الواقفات أكواب من الشربات وتزغرد لتغطي على صخب التوتر الحاصل .. فرفضت كريمة أن تمد يدها وتأخذ منها ..
قالت أخت نصرة بدبلوماسية رغم شعورها بالغيظ" خذي من يدي الشربات يا أم حمدي "
ناظرتها المرأة بمزاج عكر تضع يدا فوق الأخر لتتدخل نصرة وتمسك بالكوب من فوق الصينية قائلة "ستأخذ من يدي أنا ولن تخذلني أليس كذلك يا كريمة؟ .. أنا اسامحك على ما قلتيه منذ قليل لأننا أصبحنا أهلا يا حبيبتي"
راقبت اسراء محايلة أمها للمرأة ولم يعجبها .. كل ما يحدث لم يعجبها .. حديث حماتها وقريباتها .. ونظرتهن المتعالية لأمها .. لم يعجبها أن تتحامل أمها على نفسها وتبتلع جرح كرامتها لتمرر لحماتها سخافاتها ..
شعرت اسراء الغيظ .. بالحنق .. بالقهر ..
شعرت برغبة في صفع حماتها وكل الواقفات اللاتي نصبن جلسة تهكم وتقليل ونقد لما جلبته لها اسرتها بعد عذاب .. آلمها كسرة قلب أمها التي كانت تنتظر هذا اليوم ..وتألمت من أجل أم هاشم .. فما ذنبها أن تُلقى بهذه الكلمات الجارحة .
راقبت إسراء يد أمها الممدودة لكريمة التي تناظرها بتعال وتكبر عاقدة يديها أمامها .. بينما تماسكت نصرة بقوة تبلع شعورا بالقهر وتقاوم رغبة في أن تحطم فوق رأسها الكوب كما تستحق لكنها للأسف لا تريد افساد الزيجة فبنتها عقد قرانها وانتهى الأمر .. فابتلعت طعما مرا في حلقها وقالت بابتسامة متسعة" هل ستردين يدي وتحرجينني يا كريمة أمام الواقفات ؟"
تطلعت الواقفات في الاثنتين بترقب بينما انفجرت كريمة ولم تعد تتحمل " وأنتم... ألم تحرجوننا بما أحضرتم .. أهذا جهاز يليق بابني .. (ورفعت سبابتها نحو السماء تضيف بصوت باك ) حسبي الله .. حسبي الله فيكم .. قتلتم فرحتي بابني ..سيعيش منكس الرأس شاعرا بالخزي بين أخوته بهذا الجهاز.. "
صرخت إسراء بحدة " كفى .. من فضلك يكفي هذا الكلام أنا لن أسمح لك "
صرخت كريمة بدورها "هل ترفعين صوتك عليّ!! "
أسرعت نصرة بالتدخل "اسراء بالله عليك اصمتي أرجوك "
ظلت اسراء متجمدة تحدق في حماتها بنظرات غاضبة بينما استدارت نصرة تقول لكريمة" أنا لن أعاتبك الآن يا أم طلال"
ردت الأخرى بقرف " لأنك لا تجدي الجرأة لترفعي عينك في عيني يا نصرة ( وأضافت متهكمة بغل ) من يراك وأنت ذاهبة للعمل يتصور أنك ستجلبين لها جهاز (السفيرة عزيزة) .. ماذا كنت تفعلين بذهابك للعمل واهانتك لنفسك وتركك لبيتك إذن ؟.. ألا يكفي بأننا كنا نسمع ما يقوله الناس على عملك وتركك لبيتك وأولادك وتحملنا .. لنجد في النهاية هذه المهزلة "
تدخل كريم يقف أمام أمه ويصرخ في كريمة " لا تتحدثي مع أمي بهذه الطريقة "
شهقت كريمة وضربت على صدرها تقول باستنكار "هذه آخرة من يعمل مع العمال والشغيلة .. لك الحق يا بني ما دمت مضطرا للعمل في سنك هذا وما دامت أمك كانت مشغولة عنك بالبحث عن رزقكم ولم تجد الفرصة لتربيك "
صاحت إسراء وقد جن جنونها "حتى هنا وكفى من فضلك .. إياك أن تذمي في أمي أنا لن اسمح لك "
صرخت كريمة في وجهها مهددة "لا ترفعين صوتك عليّ"
اقتربت منها اسراء تقول بتهديد وقد اكفهر وجهها من الغضب "وأنت لا تتحدثين مع أمي بهذه الطريقة ولا مع أخي "
تدخلت إحدى الواقفات تقول " يا جماعة لقد أصبحتن أهل وهذا الكلام ليس له لزوم"
تماسكت نصرة أكثر وقالت لكريم تربت على ظهره ببعض العصبية المكبوتة رغما عنها "اذهب يا كريم أنت من هنا ( واستدارت لإسراء تحاول احتواء الوضع الذي وصل لمرحلة خطيرة ) بالله يا اسراء اغلقي فمك"
عضت اسراء على نواجذها بقوة تحاول تلجيم نفسها بشدة وهي تتطلع في المرأة التي تناظرها بتعال فتجمعت الدموع في عينيها .. بينما تدخلت واحدة من حماتي ولدي كريمة تقول بدبلوماسية "صلوا على النبي يا جماعة وأنت يا كريمة اهدئي ودعي اليوم يمر "
ربتت ثريا على ظهر أختها تقول بمواساة "قلبي عندك يا أختي اشعر بك لكن ماذا سنفعل إنه النصيب "
قالت أخت نصرة بلهجة عاتبة "لا داعي لهذا الكلام يا أم هناء "
بينما تدخلت نصرة تقول وهي تمد لكريمة بالكوب الذي لا يزال في يدها" دعينا لا نتشاجر في يوم كهذا يا كريمة خذي مني شربات عقد قران ابنك "
ضربت كريمة الكوب بعصبية قائلة " أتركيني في مصيبتي واذهبي من وجهي في هذه الساعة يا نصرة ..بلا شربات بلا زفت !"
انسكب الكوب على وجه نصرة وصدرها بينما أكملت كريمة وهي تدفعها عنها بعصبية " ابتعدي عن طريقي دعيني أغادر هذه المهزلة"
صرخت اسراء بجزع وأسرعت لأمها التي كادت أن تقع للخلف بجسدها البدين لولا أن دعمتها إحدى الواقفات واسرعت إليها همسة ونسمة .
ساعدتها اسراء على الاستقامة واقفة ومسحت بطرف كم فستانها الوردي وجه أمها من الشربات وهي تسألها" أأنت بخير يا أمي ؟"
هزت نصرة رأسها تطمئن اسراء فاستدارت الأخيرة تصيح في كريمة التي ابتعدت مغادرة " هل أنت مجنونة؟"
استدارت إليها كريمة بعينين متسعتين بينما شهقت ثريا تقول "هل تشتمين حماتك ؟"
فجأة انطلق صراخ كريمة مولولة حينما لاحظت خروج الرجال من المسجد من بعيد .. فأسرع الجميع إليها أولهم طلال الذي كان قلقا على أمه والتي استقبلته قائلة" أهذه آخرة تربيتي لك يا طلال! .. أهذه آخرة تربيتي تحضر لي كنة تشتمني أمام الناس !!"
استدار طلال بعينين متسعتين ينظر لإسراء التي لم تكن تنظر إليه بل بقيت تحدق في المرأة تلجم اندفاع المزيد من الكلام الذي يلح لأن يخرج من فمها رداً عليها بينما وقفت نصرة بجمود وقد هربت دمائها تراقب الدقائق التالية وكأنها تمثالا من الشمع وهي تتوقع القادم .
اقترب الرجال يستفهمون عما حدث بينما صرخ طلال في اسراء التي تحدق في حماتها "إسراء ماذا حدث "
وقفت ثريا تمسك بأختها المنهارة في البكاء والولولة بينما أبو طلال أقترب من زوجته ليفهم ..
أما هلال فاقترب من نصرة المتخشبة وجابر والبقية يراقبون بذهول.
صرخت كريمة في زوجها "شتمتني ..زوجة ابنك يا أبو طلال وصفتني بالمجنونة واسأل الواقفات كلهن"
امسك طلال بذراعه اسراء يهزها قائلا بلهجة خطرة " تشتمين أمي يا إسراء !"
رفعت انظارها إليه وردت بغضب "أمك لم تترك أحد من عائلتي لم تشتمه أمام الجميع .. (وصرخت بقهر ) أمك سكبت الشربات في وجه أمي"
إهانة أمه أمام أهل البلدة والتي ستبقى سبة في جبينه للأبد جعلته يصيح في وجه اسراء باستنكار وهو يهزها بقوة " تشتمين أمي !!"
تدخل هلال بسرعة يدفع طلال بعيدا عن ابنته قائلا بغضب "اترك ابنتي هل ستضربها أمامي!!"
تدخل جابر بسرعة يمسك بطلال مهدئا وهو يقول" تعال يا طلال تعال"
أبعده طلال بخشونة قائلا "ابتعد أنت ولا تتدخل"
تحلى جابر بالهدوء ورد "ما تفعله هذا سيأزم الأمر"
صاح طلال في جابر بغضب شديد " قلت لك لا تتدخل"
ظلت اسراء تحدق فيه وهو يقترب منها بملامح مخيفة فوقف هلال أمامه قائلا "ماذا تحسب نفسك فاعلا! "
صاح طلال باستنكار " لقد شتمت أمي أمام الناس"
هتفت أخت نصرة بانفعال "والحاجة والدتك لم تترك أحدا لم تشتمه"
تجاهل طلال ما يقال ونظر لإسراء خلف والدها وقال بلهجة آمرة " عليك بالاعتذار لأمي فورا"
رفعت اسراء ذقتها وردت" حينما تعتذر هي أولا على الاهانات التي وجهتها لعائلتي "
قال هلال صائحا " لا تتحدث معها بهذه الطريقة ابنتي لن تعتذر لأحد"
نظر له طلال قائلا بتحدٍ " إنها زوجتي ..وسأتحدث معها بالطريقة التي تعجبني (ونظر لإسراء خلفه يقول ) هيا يا اسراء اعتذري لأمي فورا "
حاول اخوة طلال التدخل وابعاده بعيدا لتهدئة الوضع لكنه افلت منهم قائلا بعصبية" اتركوني "
واستدار من خلف هلال ليقبض على ذراعها يقول وهو يجرها بخشونة "اعتذري لأمي يا اسراء"
هم هلال بالهجوم عليه .. فلجمه جابر بسرعة في الوقت الذي افلتت اسراء معصمها من يد زوجها ورفعت ذقنها بكبرياء تقول بإصرار" قلت لن اعتذر إلا حينما تعتذر هي أولا"
أسرع كريم بحمائية يبحث في الأرض عن حجر ليضرب به طلال بينما أمسك الأخير بذراعي إسراء وضغط عليهما بقوة يهزها وكأنه يطلب منها أن تتنازل لتخرجه من هذا المأزق الذي وضع فيه أمام الناس .. ثم صرخ في وجهها قائلا" قلت اعتذري فورا "
لم تتحمل إسراء كم الإهانات التي حدثت لها ولعائلتها فصرخت في وجهه باستنكار "أتحاول أن تكون رجلا أمام الجميع على حساب كرامة عائلتي"
لطمها على وجهها بغضب فهجم عليه هلال يدفعه بعيدا وهو يقول " قطعت يدك .. أتضرب ابنتي!"
قالها وهو يوجه لطلال لكمة في وجهه فتدخل جابر واخوة طلال ليبعدوا هلال .. بينما اندفع طلال وقد بلغ به الشعور بالإهانة مبلغه ليرد له اللكمة في قلبه هاتفا "ابنتك طالق"
شهقات وصرخات وذهول بعض الواقفين اختلطت بمشاعر تشفي من البعض الأخر ..
بينما اثنتان كانتا مسمرتان في وضع متخشب تتطلعان في طلال الذي صاح في الشيخ الواقف من بعيد يتابع ما يحدث بأسف قائلا "انتظر يا شيخ أريد أن أطلق فورا"
اثنتان كانتا مسمرتين في وضع متخشب .
إسراء التي انقطع الصوت من حولها فجأة .. اصبح بعيدا جدا .. كل شيء أصبح بعيدا.. الأصوات .. والناس الواقفون حولها..
ونصرة التي توقف قلبها ..
وكأن كلمة (طالق ) طلقة مدفع .. أصابت إسراء في أذنيها ثم اخترقت قلب نصرة ..
فسقطت الأخيرة غائبة عن الوعي.
بعد العصر
راقبته بسمة وهو نائم على جانبه عاقدا ذراعيه أمام صدره .. وتذكرت مشاكساته الصبيانية لها مستغلا مرضه .
تأملت وجهه الوسيم واقتربت تمشط له شعره للخلف بأصابعها ثم مالت تطبع قبلة على خده الخشن .. ثم تركته وذهبت نحو الخزانة لتبدل ملابسها وتنزل للدور الأرضي لبعض الوقت حتى تطمئن سوسو وترى إن كان الغداء جاهزا فهي تشعر بالجوع .
ارتدت فستانا من الكتان البيج به بعض النقوش الخفيفة باللون الأرجواني حول فتحة الرقبة والأكمام ورفعت شعرها فوق رأسها بدبابيس في عقدة فضفاضة تتدلى منها بعض الخصل على وجهها .
حين نزلت للدور الأرضي استقبلتها سوسو بملامح متسائلة فطمأنتها بسمة بأن حرارته طبيعية ثم سألتها عن الجميع فأجابت سوسو" كلهم في المطعم غنيم وشامل حتى ونس"
من التعبير على وجه سوسو أحست بسمة بأن هناك شيئا فسألتها" هل حدث شيء ؟"
ردت سوسو وهي تعود لتجلس على مقعدها" لا شيء ولكن المطعم ممتلئ بالزبائن اليوم وديمتري معتذر عن الحضور منذ يوم أمس لأمر يخصه والشاب الذي يجلس على الكاشير لم يحضر فهناك عجز لتغطية هذا وذاك مع مرض كامل .. لذا شامل عصبي ومشدود اليوم"
هزت بسمة رأسها متفهمة واستأذنتها للذهاب للمطعم لتفقد الوضع ..
في المطعم وجدت شامل يقف في الصالة يتلقى طلبات الزبائن بنفسه بدلا من ديمتري ويدير حركة الطلبات والندل بينما ونس على باب المطبخ ولم تفهم ماذا تفعل بالضبط لكنها على ما يبدو تراجع تنفيذ الطلبات على الشاشة الداخلية المعلقة في المطبخ أمام الطباخين.
عدلت بسمة من ملابسها وقطعت المطعم نحو الكاشير حيث يقف غنيم بنظارة معلقة على أنفه يضغط على الشاشة الصغيرة أمامه..
لفتت بسمة بدخولها انتباه بعض الموجودين بحسنها وزرقة عينيها .. فتتبعتها نظرات بعض الشباب الجالسين على منضدة قريبة من باب المطعم الداخلي حتى وصلت إلى غنيم .
ابتسم لها الأخير مرحبا وهو منهمك في التعامل مع الشاشة فسألته "هل أساعد في شيء؟"
سألها من فوق نظارته" هل أنت ماهرة في الحساب أم مثل الثورين البريين اللذين انجبتهما؟"
ردت بسمة ضاحكة" اعتقد لا بأس بي ..أخبرني ماذا يمكنني أن أفعل "
قال غنيم وهو يفسح لها مجالا لتقف بجواره خلف شاشة الكاشير " ساعديني في إيجاد أسماء الأصناف التي سأقولها لك وقومي بالضغط عليها ..ولا تقلقي سأقوم أنا بالحساب "
قالها وهو يشير لها على الشاشة الصغيرة أمامه التي تعمل باللمس وبدأ في إعطائها التعليمات وفقا للفواتير التي في يده وذلك لمحاسبة الزبائن.
سألته وهي تضغط على الشاشة "هل التوأمان لديهما مشكلة مع الحساب ؟"
ابتسم غنيم ورد" في العمليات المعقدة والكسور لابد أن يخطئا بشيء .. وخاصة مع الطرق اليدوية القديمة في الحساب .. أما الطرق الحديثة المبرمجة آليا كالشاشة التي أمامك فهي تقوم بدلا منهما بالحساب .. المشكلة أن شامل مكان ديمتري اليوم فاضطررت أنا لتغطية مكان الكاشير الغائب لكني بطيء في التعامل مع هذه الشاشة"
قالت بسمة وهي تنفذ ما يمليه عليها "يسعدني أن أتعلم شيئا جديدا "
سألها غنيم" هل كامل أفضل الآن؟"
ردت مطمئنة "أجل لا تقلق عليه ..لقد تركته وحرارته عادية .. وهو نائم منذ أكثر من ساعة ونصف .. سأنتهي من مساعدتك في انجاز هذه الفواتير وأصعد له"
بعد نصف ساعة
كان الألم ينتشر في كل جسده ويشعر بالجفاف في حلقه وبالبرودة ... فتطلع حوله يبحث عنها لكنه لم يجدها.
تحامل على نفسه واعتدل ينزل ساقيه الطويلتين على الأرض ثم أمسك بكوب الماء بجواره وشربه دفعه واحدة .. بعدها أمسك بالهاتف ليتصل بها .. فأسرعت بسمة بالرد "نعم كامل "
سألها بحشرجة" أين أنت؟"
قالت بسرعة" أنا في الدور الأرضي سأصعد بعد قليل هل أنت بخير ؟"
أغلق الخط في وجهها ..فأبعدت بسمة الهاتف عن أذنها تتطلع فيه بعبوس ليقول غنيم" اصعدي يا بسمة إليه"
قالت بضيق " حسنا لننتهي من هذه الفاتورة أولا وسأترك لك الباقي "
خلال دقائق كان كامل ينزل من الدور العلوي يشعر بالغضب بعد أن التقطت أذناه من صوت الموسيقى والأصوات المحيطة بها أنها في المطعم .. ولم يعرف بالضبط ماذا تفعل هناك .
سألته أمه بلهفة "كامل هل أنت بخير؟"
لم يرد وإنما اتجه فورا بخطوات واسعة نحو المطعم ووقف على بابه يشعر بالدوار وهو يتطلع فيها تقف بجوار غنيم وتبتسم في الوقت الذي اقترب أحد الزبائن منهما ليحاسب فاختفت ابتسامتها وعلت الجدية على وجهها وهي تستلم منه النقود بينما غنيم يتحدث مع الرجل ..
عبس كامل وأكلت الغيرة قلبه فهم بأن يشير لها لأن تأتيه فورا .. لكن ما سمعه من الطاولة المجاورة جن جنونه وأخرج شياطينه كلها دفعة واحدة .
قال أحد الشباب معلقا وهو يتطلع فيها "يا ويلي على تلك العيون يا ويلي .. والله خسارة أن تعمل في مطعم.. ألا يوجد منتج ليكتشف هذا الجمال الصارخ! "
رد آخر " لديها شفتان تحفزان أي رجل لتقطيعها تقبيلا سأقترب لأسأل عن أي شيء لأراها عن قرب "
قبل أن يتحرك من مكانه ضربت قبضة كالمطرقة على الطاولة بقوة محدثة صوتا قويا أفزع كل الحاضرين خاصة مع سقوط أحد الأطباق وتهشمها وصوت كامل يصيح "ارحل من هنا فورا قبل أن أقتلك "
سادت الهمهمات في المكان بينما أسرع شامل لأخيه خارجا من المطبخ فالتفت كامل لبسمة يقول بعينين حمراوين وصوت مبحوح من المرض " كامل.. إلى الداخل فورا"
ارتبكت بسمة متفاجئة وبدأت في التحرك في الوقت الذي كان غنيم على وشك الإصابة بنوبة قلبية.
قال شامل لأخيه بوجه مكفهر يتطلع في زبائن المطعم الهلعين "ماذا حدث؟؟؟"
هتف الشاب الذي كان يتحدث بعد أن استعاد رباطة جأشه "ما هذه المعاملة؟!!.. ألا يوجد احترام للزبائن!"
رد كامل وهو يمسك بكتفيه "أنا سأريك الاحترام على أصوله .."
وضربه برأسه قبل أن يستطيع شامل بالإمساك به ومحاولة ابعاده .. فوقع الشاب على المقعد خلفه .
دفعه شامل لإدخاله للفيلا ببعض الحزم فنظر كامل خلفه لبسمة الواقفة بنظرات غاضبة جعلتها رغم ذهولها ورعبها تسرع في اللحاق به وشامل يدفعه بحزم من باب المطعم الموصل للفيلا ثم عاد للشباب يقول ببعض الهدوء الخطر "نحن لا نقبل بأي تجاوز في الأدب في مطعمنا ( وأشار على الموجودين الذين يتابعون ما يحدث بين الرعب أو الترقب وتابع ) هذا مطعم للعائلات المحترمة تفضلوا من هنا"
هتف واحد منهم رغم شعوره بالرعب من شامل "أنتم لا تعرفون أنا ابن من .. وهذا الامر لن يمر على خير"
قال شامل بلهجة حازمة وهو يتماسك حتى لا يضربه" افعل ما تريد ( وأشار لسقف المطعم ) المكان كله محاط بالكاميرات فإن كنت متأكدا بأنك لم تقم بشيء يستحق تفضل وأرنا ماذا ستفعل .. "
صمت الشباب وانتابهم بعض الغباء وكأن الكاميرات قد سجلت ما قالوه فبدا عليهم التردد ليضيف شامل بحزم "تفضل من هنا لأننا نحافظ على سمعة هذا المكان حرصا على زبائننا من العائلات المحترمة .. هيا بدون مطرود"
تحرك الشباب على مضض شاعرين بالغضب والحرج ومتوعدين .. فرافقهم شامل حتى خرجوا من المكان وعقله يحاول إيجاد كلمات مناسبة تغطي على هذه الفضيحة التي تسبب فيها كامل .. ثم استدار يقول بابتسامة مغتصبة "نعتذر بشدة على ما حدث .. بالتأكيد أنتم مثلنا حريصون على عدم التعرض لنسائكم بالقول أو الفعل .. لذا لن نقبل بأي تجاوز يحدث في مطعمنا حتى يظل دوما مطعم العائلات الراقية التي تشعرون فيه بالراحة والأمان"
تقبل غالبية الموجودين ما حدث بتفهم ليتدخل غنيم يقول بلهجة هادئة" نحن نعتذر عن التسبب في أي ازعاج وسنقدم الأصناف الحلوة اليوم كلها مجانا لكل الموجودين فاطلبوا ما تشاءون (وتطلع في الأطفال الموجودين يقول بابتسامة) وللأطفال المثلجات والعصائر الرائعة جاهزة لهم "
سرت همهمات سعيدة بعض الشيء ليضيف غنيم "تفضلوا أكملوا طعامكم "
تحرك شامل بعد أن أمر الندل بمتابعة تنظيف موضع الطاولة ورفع الأطباق المكسورة ليدخل للفيلا بخطوات غاضبة .
في الوقت الذي كان كامل يقف في بهو الفيلا يمسك بذراع بسمة يصيح بغضب " من سمح لك بدخول المطعم؟"
صرخت في وجهه باعتراض رغم شعورها بالرعب وبالألم من قبضته التي تحكم على ذراعيها" وهل ستتحكم في كل خطوة أفعلها .. أنا لم أخرج من البيت حتى تفعل كل هذا "
تدخلت سوسو تقول موبخة "أتركها يا كامل ما الذي تفعله؟!"
وقفت ونس تراقب بتوتر شديد بينما هدر كامل في بسمة "أجل أنا اتحكم في كل شيء يخصك شئت أم أبيت"
قبل أن تجيب بسمة التي شعرت بإهانة شديدة رغم تيقنها من هذيانه الواضح واحمرار وجهه وعينيه اللتين كانتا تخبرانها بأنه يعاني من الحمى كانت قبضة شامل تنفجر في وجه كامل بغيظ.. فأطلقت سوسو وبسمة معا صرخة مفزوعة خاصة حينما فقد كامل توازنه وسقط أرضا ..فركله شامل في بطنه صائحا بغضب "ألن تكف عن رعونتك أبدا"
أسرعت سوسو بالجلوس على أقرب مقعد تشيح بوجهها حتى لا ترى المنظر فهرعت ونس إليها لتهدئها بينما صرخت بسمة وهي ترى كامل يتقوس على نفسه أرضا ويسعل ممسكا ببطنه في تألم واسرعت بالوقوف بينه وبين توأمه تقول بترجي" شامل إنه محموم ويهذي ماذا تفعل بالله عليك !"
حاول الأخير السيطرة على غضبه الذي خرج عن السيطرة بينما ربتت ونس على سوسو فقالت الأخيرة" لا أتحمل شجارهما العنيف يكون محطما لأعصابي"
نزلت بسمة على ركبتها لتتفحص كامل بقلب متألم فمال شامل هو الأخر نحوه لتسرع هي بإلقاء جسدها على كامل تقول بحمائية "شامل حلفتك بالله"
قال شامل لاهثا وقد استعاد السيطرة على نفسه "سأساعده على الصعود إلى غرفته"
ابتعدت وشده شامل من ذراعه ليعتدل فاستجاب كامل شاعرا بالدوار الشديد وبألم في عضلات بطنه وبمجرد أن اعتدل جالسا .. نفض يد توأمه عنه بخشونة قائلا بصوت مبحوح" دعني"
استقام واقفا بصعوبة فأمسكت بسمة بذراعه لكنه خلصه منها قائلا" وأنت أيضا ابتعدي عني "
قالها وهو يتحامل على نفسه ويتحرك صاعدا السلم يمسك بسوره الخشبي ويده الأخرى على بطنه فهتفت سوسو بغضب "أنا تعبت من شجاركما العنيف تعبت "
شعر شامل بالألم في بطنه وبالشفقة على توأمه لكنه كان لا يزال غاضبا منه بشدة فاستدار ليعود للمطعم ..بينما وقفت بسمة تراقبه وهو يصعد ببطء تحاول السيطرة على ارتجافها من الموقف كله من أول صدمتها بصراخه في المطعم وما تلا ذلك من صياحه في وجهها ثم ما فعله شامل به فخلع قلبها عليه .
حينما اختفت صورته أعلى السلم أسرعت باللحاق به قائلة "بقي على موعد خافض الحرارة ساعتين سأضع له كمادات باردة"
قالت سوسو بلهجة باكية" أنا لا أعرف ماذا أصاب هذا الولد .. لم يكن أبدا غيورا بهذه الطريقة المجنونة .. حتى مع زوجته السابقة لم يكن هكذا أبدا "
شهقت ونس وناظرتها متسعة العينين وقد ظنت بأن سماعتيها تخرفان بينما تجمدت بسمة على أول السلم لثوان ثم استدارت لسوسو بحدة تقول بذهول" حتى مع من؟؟؟!!!!!"
رد فعل ونس وبسمة المتسعة العينين ذاهلة أربك سوسو فمررت أنظارها بينهما ثم قالت بارتباك" زو ... زوجته السابقة .. ألم يخبرك كامل بأنه قد سبق له الزواج ؟"
