رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم الكاتبة شموسة
الفصل الرابع والعشرون
( 1 )
بعد قليل فتحت بسمة باب الغرفة ووقفت تشعر بعدم اتزان وكأنها قد ضربت بحجر .. لقد تماسكت أمام حماتها رغم المفاجأة ولم تعقب بل ظلت صامتة لدقائق تستوعب الخبر الصاعق ثم استدارت لتصعد معقودة اللسان .
وقفت تحدق في كامل المتكوم على جانبه فوق السرير وهي لا تزال مصدومة ..
كامل سبق له الزواج ؟!!
متى؟ ومن هي؟ وما الذي حدث ؟؟؟
تأججت الغيرة في صدرها وقفزت تساؤلات كثيرة إلى رأسها منها سؤال مرعب ..
ترى هل تلك القصيدة التي تركها في بيت الجد صالح تخص زوجته السابقة؟! ..
أخاف أن تُمطِر الدنيا ولستِ معي
فمنذ رحت عندي عقدة المطرِ
تذكرت تلك الكلمات من القصيدة التي كان يقرأها في ذلك الكتاب.. القصيدة التي حفظتها عن ظهر قلب .. والتي رغم تيقنها بأنها ليست المعنية بها إلا أن عدم معرفتها بصاحبتها الحقيقية أعطاها الفرصة لأن تحلم بأنها لها ..فشعرت بجرح عميق في القلب .
أمن الممكن أن تكون هي من يقصدها ؟!!
تطلعت فيه .. ورغم شعورها بالغيرة والغضب والألم إلا أن قدميها ساقتاها إليه ببطء .. فجلست بجواره تنظر إليه وهو مستلقٍ على جانبه مغمض العينين عاقدا ذراعيه أمام صدره وكأنه يشعر بالبرد .. فغلبت شفقة قلبها عليه ونحت مشاعرها الغاضبة جانبا لتمد يدها لتتحسس جبينه بينما كلمات القصيدة تتردد في رأسها وتنخر في قلبها.
أنا أحبك يا من تسكنين دمي
إن كنت في الصين أو كنت في القمر
فيك شيء من المجهول أدخله
وفيك شيء من التاريخ والقدر
أبعد كامل يدها عن جبينه بخشونة فعبست بغيظ لكنه حينما بحث خلفه دون أن يفتح عينيه عن البطانية الثقيلة وشدها على أكتافه عاد إليها شعورها بالشفقة عليه فأسرعت بوضع كمادة له على جبينه.
أبعد كامل الكمادة بعند صبياني دون أن يفتح عينيه فجزت على أسنانها وأعادت الكمادة مرة أخرى بتصميم ليستسلم لها بإعياء ويتدثر بالبطانية حول كتفيه العريضين.
بعد قليل ذهب في النوم بعد أن نزلت حرارته فتركته بسمة وذهبت إلى الخزانة تخرج منها صندوقا يخصها .. فتحته بالأرقام السرية واخرجت منه ذلك الكتاب الخاص بالشعر الذي لا تزال تحتفظ به وأعادت قراءة العبارة التي كان قد خطها بيده من قبل في أول صفحة.
إلى أولئك الذين نهجرهم اختيارا
فيحتلون قلوبنا اجبارا
سلام من أعماق الروح والقلب
سلام ليس بعده سلام
قرأتها والغيرة تأكلها أكلا .. شعور لم تمر به بهذه القوة من قبل.. فسقطت دمعة ساخنة على الحروف وهمست "يا رب لماذا عليّ أن أعيش نفس الألم مرتين وأنت وحدك تعرف بأن هذه المرة ليست كالسابقة أبدا .. القوة من عندك يا رب "
××××
"سأموت .. أشعر برغبة قوية في الذهاب لأولئك النسوة الهمج وسحلهن في الشارع.."
قالتها أم هاشم بغيظ وعصبية في وقفتها في ممر المستشفى عيناها حمراوان من البكاء وأضافت" ليتني بقيت ولم أتركهن .. أنا رحلت من الأساس لأني خفت أن أفسد الزيجة .. لكن ما دمن كن يبيتن النية لإفسادها كنت أنا أخذت بثأر نصرة واسراء على كل ما قلنه من استفزازات"
ازداد نحيب اسراء الواقفة بجوارها تنتظر خروج الطبيب من عند والدتها فأكملت أم هاشم مواسية وهي تربت على كتفها " لا تبكي يا حبيبتي .. ستكون بخير بإذن الله .. (وأضافت بانفعال وغيظ ) وإياك أن تبكي على شبيه الرجال هذا .. أهذا رجل ؟!!.. هذا...."
"أم هاشم"
الصوت الرخيم الهادئ أصابها بصعقة كهرباء رغم ما كانت تشعر به من حزن شديد فرفعت أنظارها نحو جابر الواقف على بعد أمتار بجوار هلال وباقي أولاده ليبادرها جابر قائلا بهدوء حازم " يكفي هذا"
غلبها طبعها العصبي فهتفت والغيظ يكاد يفتك بها" سأموت يا جابر إن لم أشف غليلي من أولئك النسوة "
رمقها بنظرة جادة وهو يرفع سبابته أمام شفتيه قائلا بهمس حازم "اشششش .. هذا ليس وقته .. لنطمئن على أم كريم أولا "
بلعت لسانها وخرست تشيح بوجهها عنه بسرعة لتؤدب عينيها اللتين لا تحترمان الظرف الصعب فيتأملنه بتدقيق ومغازلة بينما كلمة (أششش) هذه تدغدغ أذنها كالوشوشة .
خرج الطبيب من غرفة نصرة .. فاستقبله الجميع بلهفة ليقول " حدث لها هبوط شديد في ضغط الدم .. قمنا بإسعافها والحمد لله "
سأله هلال بلوعة "هل ستخرج معنا يا دكتور؟"
رد الطبيب "ستبقى تحت الملاحظة حتى يستقر الضغط .. ومن الواضح أنها تعاني من صدمة عصبية .."
ضرب هلال قبضته في كفه يشعر بالقهر الشديد والألم فأضاف الطبيب قبل أن يغادر" لا أفضل إجهادها حاليا بالزيارة هي طلبت أن ترى ابنتها إسراء فقط "
اسرعت إسراء بالدخول إليها .. واقتربت منها ببطء تتطلع في وجهها الشاحب كالأموات .
عن أي طلاق يتحدثون وفجيعتها في أمها فاقت كل مصيبة؟؟ ..
هل سيصدقونها إن قالت أنها متألمة من أجل والدتها وصدمتها أكثر مما هي متألمة لما حدث لها؟! ..
هل سيستوعبون بأنها تشعر بالقهر من أجل ما اقترفوه في حق والدتها أكثر من تلك الصفعة وذلك اليمين الذي ألقي كماء النار في وجهها أمام الجميع؟! .
هل أخطأت في شيء ؟
أكان عليها أن ترى الإهانات الموجهة لأهلها وتبتلعها في صمت ؟!..
أكان عليها أن ترى أمها تُهان ويسكب على ووجهها الشربات ثم تضبط أعصابها وتصمت؟!! .
أكان عليها أن تعتذر لحماتها عما قالته لها دون أن تطالب برد اعتبار لأهلها أولا؟!!
أكان عليها أن تفعل ذلك حتى لا تصبح مطلقة بعد نصف ساعة من زواجها فتنقذ أمها من حسرة القلب و الانهيار؟!! .
نزلت على ركبتيها بجوار السرير بذلك الفستان الوردي المنحوس الذي لم تتح لها فرصة الاحتفال به .. فأحست نصرة بوجودها وفتحت عينيها بصعوبة تتطلع فيها من تحت جفنين ثقيلين وقلب مفجوع.
همست اسراء بلوعة وهي تدلك بحركة لا إرادية موضع قلب أمها وكأنها تعلم بأن العلة فيه " أمي"
بصعوبة أمسكت نصرة بكف ابنتها ورفعته إلى فمها ببطء وقبلت ظاهره مغمضة العينين تبكي بقهر .. فأسرعت اسراء بشد يد أمها إليها وقبّلتها ثم مالت على رأسها تقبلها عدة مرات .. قبل أن تدفن وجهها بين رقبتها وكتفها وتشاركها البكاء فلم تكن هناك كلمات مناسبة يمكن أن تقال .
في الخارج امتقع وجه هلال وهو يغلق الهاتف فتطلع فيه جابر بوجه شاحب ليقول الأول" طلقها رسميا يا جابر .. ابنتي أضحت مطلقة قبل أن تبدأ حياتها "
قال جابر بانفعال " أنا أدرك حجم مصابك يا هلال لكن بعد ما حدث لم يكن هناك أي فرصة للصلح أو الاعتذار من أجل تجنب الانفصال .. أنا شخصيا لم أكن لأرضاها لك أو لإسراء أبدا "
رغم كل شيء كان مصاب هلال في طلاق ابنته عظيما جعله يقول والدم يفور في رأسه" طلقها ابن ال**** .. حسبي الله ونعم الوكيل .. حسبي الله من فوق سبع سماوات ونعم الوكيل .. حسبي الله ونعم الوكيل"
××××
في المساء
قال جابر بانفعال من خلف عجلة القيادة وهو يقترب من الشارع الذي يسكن فيه عائدا من المستشفى " بصراحة إن ما يحدث هذا مهزلة بكل المقاييس .."
رد يحيى الجالس بجواره مؤيدا" وأي مهزلة ..اسألني أنا أبو البنات كيف أن الأمر وصل لذبح وسلخ الأهل في تجهيز بناتهم .. ورغم رغبتك في التمرد على ما يحدث تخشى على بناتك من أن يعايرن من أهالي أزواجهن للأبد .. لم تكن عاداتنا في تجهيز البنات بهذا الشكل المبالغ فيه قبل عدة سنوات .. لا أعرف ماذا حدث!"
تكلم جابر وهو يركز في الطريق أمامه "الحقيقة أنا مذهول مما أراه وكأنها مباراة في المباهاة وإلا تكون وصمة عار في جبين الفتاة وأهلها .. أي جنون هذا !.. لابد أن يتحدث فيها أهل الدين .. إن مصطفى الزيني مستاء بشدة وحزن حزنا شديدا لما حدث ..وأخبرني بأنه سيطلب من شيخ المسجد الكبير أن تكون خطبة الجمعة القادم عن المغالاة في تجهيز الفتيات"
قال يحيى بلهجة حزينة "أتمنى أن يستجيب الناس وأن يتعظوا فما يحدث هذا لا يرضي الله أبدا "
ساد الصمت فتحركت أنظار جابر يتطلع في أم هاشم في المرآة الأمامية للسيارة .. والتي تستند برأسها في المقعد الخلفي على زجاج النافذة المجاورة لها شاردة في صمت حزين .. فتألم من أجلها .. خاصة حينما علم من والدته على الهاتف ما قيل لها في وجهها ..وما قيل عنها بعدما تركت بيت هلال.. فتملكته الحمية والرغبة الشديدة في الأخذ بثأرها .. وتساءل في نفسه فيم هي شاردة وتفكر .. هل هي مستاءة مما قيل لها؟.. أم مستاءة من أجل ما حدث لعائلة هلال ؟..
إنها تركيبة غريبة من العاطفة والقوة .. تلك هي الفكرة التي انطبعت بداخله اليوم وهو يراقبها خلال الاحداث ..وابتسم في نفسه وصورتها بعباءتها السوداء تقف حمراء العينين من البكاء تتوعد بغيظ وانفعال لأمر يخص شخص آخر غيرها .. ثم أخذ يستعيد تفاصيل شخصيتها خلال سنوات عمرها كطفلة ومراهقة قبل أن تتحفظ في علاقتها معه .
انعطف يدخل الشارع الذي يسكن أوله وهم بمواصلة القيادة حتى نهايته حيث يقع بيت يحيى لكن الأخير قال بإصرار وعتب "ما الذي تفعله يا جابر بالله عليك!"
رد جابر "سأوصلكما حتى باب البيت"
اعترض يحيى قائلا "حلفتك بالله لا تفعل.. صف سيارتك مكانها على أول الشارع وسنكمل الخطوتين الباقيتين على أرجلنا "
قال جابر بلهجة عاتبة وهو يوقف السيارة أمام بيته "لماذا حلفت يا أبا سامية !"
رد الأخير وهو يفتح الباب " أكثر الله من خيرك على توصيلنا معك "
فتحت أم هاشم الباب في صمت ونزلت ..فأقلق سكوتها جابرا ..خاصة حينما تحركت مبتعدة بخطوات بطيئة وهي تعقد ذراعيها أمام جذعها وتتطلع في الأرض بشرود.
كانت تشعر بأنها منهكة الروح .. ترغب في أن تبتعد عن جابر في هذه اللحظة بالذات .. لأنها .. في أشد الحاجة إليه .. وجوده في هذه اللحظة التي هي ضعيفة فيها وحزينة يخيفها من لحظة انفلات لسيطرتها على نفسها .. خافت أن تطلب اللجوء إليه .. أن تقوم بأفعال مجنونة جريئة فتتوسل منه احتواءً..
عليها أن تكون قوية السيطرة على نفسها حتى تنعم بالبقاء في محيطه دون انفلات منها قد يفضح أمرها عنده وقد يزعجه ويشعره بالثقل .. وهي لن تقبل أبدا أن تكون شخصا ثقيل التواجد حول أي شخص فما بال الغالي ..
حتى يكون حضورها حوله خفيفا كخفة ريشة فوق كتفه .. أو كخيط في طرف ثوبه .
راقبها جابر تبتعد وازداد شعوره بالقلق والشفقة وشعور مجهول أخر في قلبه لم يستطع ترجمته فقال ليحيى الذي ألقى عليه تحية المساء مغادرا" حاج يحيى"
استدار إليه الأخير ليقول جابر" أنت تعلم بأن الوالدة قد اضطرت لإعلان أمر الخطبة على الملأ ..وبالتأكيد الأمر قد وصل للكل الآن فأنت تعلم بلدتنا .. ورغم أن أمي شعرت بالذنب لأنها تهورت بالإعلان قبل أن نعلن في وقت مناسب ..لكني بصراحة حينما علمت منها بتفاصيل ما حدث .. وجدت أن الله قد دبرها بأحسن تدبير لأن أهل طلال قد يحاولون استغلال أم هاشم لإخراج أنفسهم من أي تحفز ضدهم بإلقاء اللوم عليها بشكل يوحي بأنها السبب في افساد الخطبة "
قال يحيى بحمائية " لماذا .. لقد غادرت المكان قبل المشاجرة ؟!"
رد جابر بضيق شديد بعد ما سمعه من والدته ومن هنا وهناك طوال اليوم " النسوة تصرفن بجهل وبعضهن ربط ما حدث مع اسراء بأفكار خرافية عن كون أم هاشم ..."
صمت متألما وشعور داخلي بالحمائية والغضب الشديد يتعاظم في صدره فأكمل له يحيى بضيق" تقصد تشاءموا منها !!!"
قال جابر بلهجة آسفة" ووصفوها بأنها حاقدة على ابنة هلال وهذا هو السبب الذي جعل أمي تتحدث وتدافع عنها .. المهم ما أقصد أن أقوله أن ما قالته أمي في لحظة غضب أنقذ أم هاشم من أن تكون كبش الفداء لعائلة طلال ليلقوا عليها اللوم ويوهمون الناس بتلك الخرافات عن أمر التشاؤم منها أو أنها حسدت ابنة هلال "
غمغم يحيى باستياء" هذه البنت تحزنني على نصيبها .. حتى أنني كانت تأتيني أفكار أن أرسلها عند أهل جدتي في الجنوب حتى تعيش في محيط ممن يشبهونها فلا تشعر بأنها منبوذة .. لكني لست على تواصل مع أي منهم وقلبي لن يطاوعني للتخلي عنها وتركها لأناس لا تعرفهم رغم صلة القرابة "
قال جابر عابسا" عهد عليّ أمام الله أن أرد لها اعتبارها أمام أهل البلدة كلهم وأن أضعها بإذن الله في المكانة التي تستحقها "
ابتسم يحيى وقال ممتنا " أنت رجل وسيد الرجال يا جابر.. وشهادتي فيك مجروحة "
ابتسم جابر وقال" لهذا أرغب أن نسرع في اعلان خبر الخطبة حتى لا نعطي لأهل طلال الفرصة لاستخدام أم هاشم ككبش فداء كما أخبرتك .. يكفي فقط أن نعلنها دون احتفال احتراما للظروف المأسوية لدى أبي كريم ..فلو تسمح لي أن نجلس خلال اليومين القادمين لنحدد التفاصيل والمواعيد وأرجو ألا نطيل الأمر "
قال يحيى وهو يربت على ذراع جابر بمحبة "لا بأس يا جابر فلنحدد موعدا لنتفق على التفاصيل .. سأتركك الآن فلابد أنك متعب بعد هذا اليوم الطويل الشاق "
تحرك يحيى فأسرع جابر بالقول" حاج يحيى"
ناظره الأخير متسائلا فتنحنح جابر وقال ببعض الحرج "هل تسمح لي بالاتصال بأم هاشم حتى أطمئن عليها فقد بدت متعبة وحزينة ؟"
راقب جابر علامات التفكير والتردد على وجه يحيى قبل أن يقول الأخير " لا بأس "
فقال جابر مبتسما "إذن هلا منحتني رقم هاتفها؟"
××××
بعد ساعة
باسدال الصلاة جلست على السجادة بعد أن فرغت من صلاة العشاء واستندت برأسها على الحائط تشعر بالحزن.
رن هاتفها فبحثت عنه ببطء وكادت أن تتجاهله لكنها تحاملت على نفسها ومدت يدها لتلتقطه من فوق السرير لتجد رقما غير مسجل فردت بصوت مجهد" السلام عليكم"
ابتسامة تلقائية زينت شفتيه دون أن يدرك وهو يقول "وعليكم السلام ورحمة الله كيف حالك يا أم هاشم؟"
صوته ولكنته المميزة التقطها قلبها قبل عقلها فبلعت ريقها ليبادر بالقول" أنا جابر "
لو كانت في ظروف نفسية أفضل من هذه اللحظة لقامت ورقصت .. أو صرخت .. أو زغردت .. أو ربما ضربت رأسها في الوسادة عدة مرات حتى تكتم فرحتها .. لكنها ردت بحشرجة وقلبها يضرب بعنف "أنا بخير الحمد لله"
قال وهو يشعر بتوتر لذيذ يسري في أعصابه لم يحدث له من قبل " صليت العشاء واسرعت بالاتصال بك قبل أن يتأخر الوقت .. أريد أن أطمئن عليك بعد ما حدث اليوم"
بعفوية نطقت" سلمت من كل شر يا رب"
ربت الدعاء على قلبه فغمغم "ولك بالمثل (ثم أضاف) كلنا قد حزنا من أجل ابنة هلال ..والحقيقة أنا الأخر لا أعرف كيف أواسي صديقي.. فالأمر لا يصدق .. واسراء لا تستحق ما حدث "
لم يكن ينوي بأن يتحدث معها عما يشعر به بل كانت نيته أن يواسيها هي لكنه وجد نفسه يشاركها مشاعره فعاد ليقول "المهم لا أريدك أن تتأثري بما قالته النسوة لك"
لم تستطع أم هاشم التماسك .. كان ما تشعر به أقوى من تحملها .. كانت ضعيفة بشدة وقد سقطت عنها قشرتها الصلبة التي تداري خلفها رهافتها .. كانت ضعيفة فكان سؤاله عنها وصوته الرخيم الذي يأتيها فيعانق روحها يشجعانها على أن تبكي .. على أن تتوسل تعاطفا أو مؤازرة لم تطلبها من مخلوق من قبل .. لكنه الغالي الذي يرخص له كل غالي ويذل له كل عزيز .
لم تستطع أم هاشم التماسك وانفجرت في بكاء مكتوم آلم قلب جابر .. فقال بسرعة" لا تشغلي بالك بما قالوه اليوم عنك إنهم جهلة و..."
قاطعته بعدما أفاقتها كرامتها بألا تكون مثيرة للشفقة فاستعادت رباطة جأشها من جديد وهي تقول" أنا لا أبكي بسبب ما قالوه .. فهذا ليس جديدا .. أنا مشفقة على إسراء ونصرة (وأكملت بلهجة باكية ) لماذا الناس بهذه القسوة يا جابر ؟ لماذا لا يراعون المشاعر ؟.. لمَ نظرتهم مادية بحتة بهذه الطريقة المقرفة ؟!!"
تأثر بأنها في هذه الحالة من أجل شخص أخر .. وازداد احترامه لها واشفاق قلبه عليها من أن تحمل هموم غيرها فقال بلطف " لا تحملي هم الأخرين يا أم هاشم .. لكل منا ابتلاءاته .. أعلم بأن ما حدث أحزننا جميعا لكني لا أريدك أن تحزني بهذا الشكل "
غمغمت وهي تمسح بقايا الدموع" حاضر .. لا تشغل بالك بي "
قال بلهجة جادة " أنا طلبت من الحاج يحيى أن نجلس خلال اليومين القادمين لنتفق على تفاصيل وتوقيت الزفاف فلا أجد سببا لأن نستمر في إخفاء الأمر بعدما أعلنته أمي"
قالت بلهجة جادة لا تناسب عروس وكأنها تتفق على موعد عمل " لا بأس يا جابر أنا معك في أي شيء افعل ما يناسبك"
شعر بالحيرة من ردة فعلها لكنه قال "على بركة الله سأتركك الآن ولنتحدث فيما بعد "
تمنت أن تطلب منه ألا يذهب بهذه السرعة لكنها غمغمت بحشرجة "في حفظ الله"
قال جابر "تصبحين على خير "
غمغمت بعد أن أغلق الخط "وأنت من أهل الخير"
قالتها وهي تقرب الهاتف من فمها وتقبله بقبلة بطيئة بينما وضع جابر الهاتف بجواره يفكر في رد فعلها العملي ودار سؤال محير في ذهنه ..
لماذا لم يشعر بها سعيدة ؟..
هل قبلت به لأنه زيجة جيدة بالنسبة لها دون أي نوع من الراحة لشخصه !
××××
اليوم التالي
صباحا
تحركت الحاجة نجف في سوق القرية تجر عربة صغيرة خلفها ذات عجلات تضع فيها الخضار ..فقالت إحدى السيدات للأخرى وهي تتابع نجف بنظراتها " لا أصدق بأن أم هاشم السوداء ستكون كنة بيت دبور .. فإن كان زين أو جابر الاثنان بسم الله ما شاء الله مال ووسامة وأدب وشهامة .. ما الذي يجبر أحدهما على أن يتزوج من عانس سوداء وهو يستطيع أن يتزوج من أجمل بنات البلدة وأكثرهن ثراءً !!"
ردت الأخرى وهي تشاركها في متابعة نجف "هذا الأمر عجيب فعلا ولا يدخل رأسي (ونظرت لصاحبتها تسألها ) هل تعتقدي بأن أم هاشم قد ذهبت لشيخ ما فأعطاها عملا سحريا لتتزوج ؟!"
ضربتها الأخرى على ذراعها تقول باستنكار "ما هذا التخريف يا امرأة هل تصدقين في مثل هذه الخرافات!"
قالت الأخرى باعتقاد قوي "أجل ولم لا ..خاصة وأنها من سلالة شيوخ .. ربما تعرف شيخا ماهرا بالسحر .. (ثم عقدت حاجبيها تقول مفكرة ) ترى من فيهما العريس زين أم جابر يقتلني الفضول لأعرف"
قالت الأخرى وهي تلكزها بكوعها" اصمتي فالحاجة آتية نحونا "
استدارت السيدتان لتعودا لما كانتا تفعلانه قبل دقائق وهو انتقاء حبات الطماطم الطازجة من فوق العربة الخشبية التي يقف خلفها البائع .. فانضمت إليهم نجف تلقي السلام ليبادرها البائع بالقول بمحبة" صباح الخير يا حاجة نجف لم نرك منذ مدة؟"
ردت نجف وهي تنتقي الطماطم" صباح النور يا عوضين يا ولدي .. كنت أرسل إحداهن فتشتري ما أريد من السوق لكنها مريضة هذه الأيام"
رد البائع " أنرت السوق والله"
غمغمت بابتسامة أمومية " بنورك يا بني كيف حال أولادك؟"
رن هاتفها في جيب عباءتها فأخرجته في الوقت الذي همست إحدى السيدتين للأخرى" هل أسألها مَن مِن ولديها خطب أم هاشم ؟"
لكزتها الأخرى موبخة ..فقالت الأولى بتبرم "الفضول سيقتلني "
ردت نجف على الهاتف تقول" صباح الخير يا زين"
أتاها صوت زين قائلا "كيف حالك يا نجف أين أنت في هذا الوقت المبكر تبدين خارج البيت؟"
ردت نجف "أنا في السوق لكن لا تخبر أخاك لأنه يخاف عليّ من الخروج وحدي (وأكملت بعبوس ) يقول بأني قد أصبحت عجوزا "
هتف زين ضاحكا "من هي العجوز!.. أنت في عز شبابك يا نوجا .. هو فقط يخشى عليك من عيون الرجال"
قهقهت نجف ضاحكة ليضيف زين بمداعبة" لماذا تضحكين .. ألا تصدقينني؟.. لازالت تأتينا طلبات من الرجال للزواج منك يا أم جابر لهذا يبدو أننا سنسرع في تزويجك حتى ننتهي من وجع الرأس "
قالت نجف ناهرة " اخرس .. بل أنت الذي سنسرع في تزويجه إن شاء الله بمجرد عودتك هذا الصيف .. عهد عليّ لن أتركك تعود إلا وأنت متزوج يا زين وليس مجرد خطبة "
غمغم زين مستهبلا" ألو ألو الصوت يتقطع .. كنت أريد أن أطمئن عليك فقط .. سأحدث مرة أخرى يا غالية سلام"
ابتسمت نجف وهي تعيد الهاتف لجيبها ثم أعطت الطماطم التي انتقتها للبائع الذي وضعها فوق الميزان .
بعد دقائق وبمجرد ابتعاد نجف همست احدى السيدتان للأخرى" هل سمعت؟ .. إنه زين .. أم هاشم بنت المحظوظة ستتزوج من زين بمجرد أن يعود من السفر ..ولكن أليست أكبر منه ؟!"
عبست الأخرى وردت "أتذكر بأنهما كانا في صف دراسي واحد "
مصمصت الأخرى شفتيها تهمس بحسرة "إن كان زين أم جابر صبرت حتى نالت بنت الشيخ"
××××
ظل كامل يتتبعها بعينيه وهو مستلقي على السرير هامد الجسد يراقب حركاتها العصبية في الغرفة منذ أن استيقظ .. اغتسلت وخرجت تجفف شعرها بالمجفف دون أن تبالي إن كان قد استيقظ أم لا .. وبعدها فعلت أشياءً غير مفهومة في الغرفة حوله .. فتحت الخزانة أكثر من مرة وأغلقتها .. وكذلك الأدراج .. وتحركت جيئة وذهابا وكأنها تبحث عن شيء أو تريد تحطيم شيء لم يستطع التحديد بالضبط ..
إنها تتجاهله منذ أن استيقظ .. حتى الإفطار لم تفطر ولم تحاول إجباره على الفطور بل وضعت الصينية بجواره في صمت وعادت لما تفعل .. والذي هو غير واضح بالضبط ما هو .
الغريب أنها تزداد عصبية مع مرور الوقت وليس العكس.. وهو رغم شعوره بأنه لم يخطئ فيما صدر منه يوم أمس حينما انفعل عليها لأنها نزلت بدون علمه .. وبالرغم من أنه لا يزال يشعر بالغضب حينما يتذكر ما قاله ذلك الشاب الوقح .. إلا أنه مستاء لأنها تتجاهله .
قطعت مراقبته لها حينما استدارت إليه تقول بوجه بارد "ألن تفطر حتى تأخذ أدويتك؟!"
رد باقتضاب" ليس لدي شهية.. وأنت؟"
ردت بجفاء "لا أريد "
رفع حاجبا شاعرا بالغيظ فاقتربت منه تقول بحدة" إذن انهض من السرير "
رد عليها باستنكار " لماذا ؟.. أنا مريض"
قالت بنفس الجفاء "انتقل للأريكة أريد أن ابدل شرشف السرير "
قال عابسا "ولماذا لم تبدليه حينما كنت أستحم منذ قليل !"
قالت ببرود استفزه" نسيت .. هيا انهض "
قالتها وهي تشد الشرشف من تحته .. فاستقام واقفا وتحرك نحو الأريكة وهو يطحن ضروسه .
حملت بسمة صينية الفطور ووضعتها أمامه على المنضدة المجاورة للأريكة بعنف ثم عادت للسرير تنفضه بعصبية مبالغ فيها لم يفهم لها سببا ..
هل كان حادا معها يوم أمس ؟!..
هل قال شيئا لا يذكره؟! .
التهى عن أفكاره بمراقبة انحناءاتها وتفاصيل جسدها في ذلك البنطال القطني الضيق والبلوزة ذات النصف كم وهي تبدل الشرشف وأكياس الوسائد وشعرها الذي انفرط عقده فانسدل يتراقص حولها مع حركاتها العصبية وبدأت حرارة جسده في الارتفاع .
استدارت إليه فجأة وقبضت عليه وهو يتطلع فيها فاستفزها ذلك لتقول بغيظ "السرير جاهز يا بيك "
سألها بهدوء" هل من الممكن أن أعرف سبب لحالتك المنفعلة هذه ؟"
صاحت فيه بغيظ "لا تعرف !!"
قال بغيظ مماثل " وهل كنت تريدين مني أن أكون هادئا وأنا أرى الشباب يتحدثون عن زوجتي!!"
سألته بلهجة ساخرة "أية واحدة؟"
رمش بعينيه يسألها شاعرا بالتشويش في رأسه "لم أفهم"
رفعت حاجبا وقالت ساخرة وهي تعقد ذراعيها أمام جذعها "أنا أقصد أي واحدة من زوجاتك؟ "
حرك كامل ناظريه يمينا ويسارا ثم رد " على حد علمي قبل أن أمرض.. أنني متزوج من واحدة تقف أمامي الآن .. ( وأضاف مازحا ) هل فقدت الذاكرة أثناء المرض! ..اخبريني الحقيقة من فضلك فهذا خبر سعيد جدا أن لدي أكثر من زوجة"
صرخت فيه بغيظ " انهض يا كامل من فوق الأريكة وعد لسريرك"
انكمش للخلف مفزوعا يحاول تحاشيها وهو يتطلع فيها وكأنه يتطلع في مجنونة .. وحين وجدها تناظره والشرر يتطاير من عينيها استقام واقفا وتحرك نحو السرير وهو يبرطم "انهض يا كامل ..انهض يا كامل ..دون أي شفقة علي أو مراعاة لحالتي الصحية ؟"
لم تستطع الصمت أكثر من ذلك ولم يؤثر فيها مزاحه فاستدارت إليه تسأله باستنكار "هل سبق لك الزواج يا كامل؟"
علت الجدية وجهه فجأة ورد وهو يجلس على السرير "أجل لماذا ؟"
هتفت بغيظ " تقولها ببساطة.. وتسأل لماذا ؟!!"
حرك مقلتيه يمينا ويسارا ثم أجاب " وهل هناك جوابا أكثر تعقيدا من المفترض أن أجيب به.. من أين علمت بهذا الموضوع ؟"
سألته باستنكار" هل كنت تريدني ألا أعلم؟!!"
رد بهدوء " لا .. أنا فقط متفاجئ من معرفتك به "
سألته وهي لا تزال عاقدة ذراعيها " لماذا لم تخبرني؟!!"
رد بهدوء " لأنه لم تأت فرصة لذلك"
صرخت باستنكار " ما معنى لم تأت فرصة!!.. هل يتزوج المرء دون أن يخبر زوجته بأنه قد سبق له الزواج؟!!.. هل تجد بأن هذه المعلومة لا تستحق أن تعرفها من ستتزوجها؟!!!"
شعر بانفعالها ولم يعجبه الطريقة التي تتحدث بها معه فانقلب وجهه ورد بلهجة غاضبة " أولا هذا موضوع قديم.. ثانيا لا أجد له تأثيرا في أي شيء حتى يكون من ضمن أولوياتي لأخبرك به .. ثالثا وهذا الأهم أنا وأنت لم نتزوج بالطريقة العادية مثل أي اثنين حتى تكون هناك فرصة أو سببا لذكر شيء كهذا "
احبطها بالسبب الأخير وذكرها بالسبب الذي تزوجها من أجله .. فابتأست ملامحها وانكمشت بعد أن كانت تمارس دور الزوجة الغيور بكل تسلطها .. فانسحبت لتجلس على الأريكة في صمت تتفحص هاتفها دون سبب وجيه .
أحس كامل بإحباطها المفاجئ وآلمه أن تشعر بالضيق فسألها "من أخبرك؟"
لم ترد فصاح بعبوس " باسمة أنا اتحدث معك "
ردت بضيق "سوسو قالت ذلك ليلة أمس بالصدفة .. لكنها اكتشفت بأني لم أكن أعرف فشعرت بالذنب "
قال بهدوء مفسرا " الموضوع قديم يا باسمة"
عادت تناظره وتسأل عاقدة حاجبيها والفضول والغيرة تقتلانها " منذ متى؟"
تحركت عيناه ليتذكر ثم رد "من حوالي اثتني عشرة سنة تقريبا"
عبست فأضاف" كنت في الثانية والعشرين من عمري وكنا لا زلنا في الوطن .. عرضت أمي علينا أنا وشامل اختين للزواج فرفض شامل ولم تعجبه أيا منهما .. وأنا تزوجت احداهما ولم نتفق وطلقتها"
سألته عابسة " كم مكثت معها؟"
أجابها " حوالي ستة أشهر"
قالت بتعجب" فقط ستة أشهر!"
هز رأسه وأجاب " أجل "
استمرت في استجوابه تسأله " ولماذا انفصلتما؟"
هز كتفيه ورد بلا مبالاة " لم تتوافق الطباع بيننا"
استمرت دون هوادة " كيف؟"
رد بامتعاض "كانت لديها هرمونات النكد عالية .. وأنا كنت صغير السن .. طباعنا كانت مختلفة في كل شيء ولم يكن عندي طاقة للصبر عليها "
ساد الصمت لبرهة ثم سألته " كم كان عمرها؟"
رد مفكرا " تسعة عشرة سنة تقريبا .. أعتقد أنها في مثل عمرك الآن "
شعرت بالراحة لأنها لم تكن أصغر منها وسألته "هل أنجبت منها ؟"
"لا"
"وأين هي الآن؟"
هز كتفيه وهو يرد " هاجرت بعد الحرب لأوروبا"
ضيقت عينيها تسأله "وهل لا زلت تتواصل معها ؟"
رد بهدوء " بشكل عابر فهي متزوجة الآن ولديها أطفال "
بلهجة متهكمة علقت " أنت متتبع لأخبارها إذن! "
مط شفتيه ورد بدون اهتمام " أرى منشوراتها بشكل عرضي على الفيسبوك "
قالت بسخرية " ما شاء الله !.. وأصدقاء على الفيسبوك أيضا !"
حرك عينيه يمينا ويسارا لا يعرف بما يرد فسألته سؤالا مباشرا لم تكن لتهدأ لو لم تسأله إياه " هل كنت تحبها؟!"
رد بهدوء " في البداية اعجبت بجمالها ..لكن بعد ذلك اكتشفت بأن طباعنا مختلفة كما قلت لك.. واعترف بأني لم يكن لدي الحكمة والصبر لعلاقة الزواج وإقامة عائلة وغير ذلك"
غمغمت متهكمة " ما شاء الله أنت تعجب بالكثيرات!!"
قهقه ضاحكا بشكل مفاجئ فشعرت بالاستفزاز لأن كل ما فيها قد تفاعل مع ضحكته بينما قال كامل "لا ليس بالدرجة التي تتصورينها .. ( ثم رمقها بنظرة رجولية ساحرة مضيفا بلهجة ذات مغزى ) لكن عينيّ بالتأكيد تقدر الجمال"
قالها بطريقة غزت صميم أنوثتها وأشعرتها بأنه يمدح جمالها لكنها .. ويا للدهشة شعرت بالضيق !..
لم ترغب في أن تكون لوحة جميلة فقط في عينيه .. بسمة التي كانت تعتمد على جمالها كسلاح وحيد لتلقي نظرات الاعجاب ممن حولها شعرت في هذه اللحظة بأنها لا تريده أن يراها جميلة فقط .. أرادت أن يراها بسمة .. أن يراها من الداخل .. أن يتقبل نواقصها قبل محاسنها .. فقالت ساخرة وهي تضع ساقا فوق الأخرى بكبرياء " يبدو أن عينيك تتحكمان دوما في علاقاتك مع الجنس الأخر .. تنجذب للجميلات ثم تفقد الشغف بعد ذلك ..وهذا يعني أن الزواج منك سيظلم من تتزوجك "
صمت قليلا يفكر ثم رد بجدية "لن أجادل في هذا الرأي .. ولهذا السبب لم أكرر فكرة الزواج مرة أخرى .. بل كنت أهرب منه خوفا من أن أظلم فتاة معي بطبيعة شخصيتي"
رفعت حاجبا وسألته متهكمة "وبانة كانت استثناءً!"
رد بلهجة جادة" أم شمس (نطقها متعمدا).. كانت حالة استثنائية نظرا لظروفها التي ابلغتك بها من قبل "
صمتت تتطلع فيه شاردة .. لديها أسئلة تخصها هي بسمة .. تخصهما معا ..لكنها تخشى من الإجابة .. خاصة وأنه صريح وواضح ..
إنه ذلك الشعور المقيت بالخوف من المواجهة حتى لا تصدم بالحقائق ..
ذات يوم واجهت شريكها .. وما عرفته يومها كان قاسيا .. وهذه المرة تعلم بأنها ستتألم بشدة .. ستتألم أكثر من المرة السابقة ملايين المرات .. وسيتوجب عليها أن يتبع مواجهتها معه أن تأخذ القرار .. القرار بالانفصال .. فلن تقبل على كرامتها أن يخبرها بصراحة بأن علاقتهما لن تخرج عن علاقة زواج مؤقتة لأسباب فرضت عليه أو فرضتها عليه الشهامة.. ثم تبقى بعدها معه..
شعر كامل بأن الصورة التي ظهر بها أمامها صورة ليست دقيقة عنه .. أو ربما أراد أن يدافع عن نفسه أمامها فقال مضيفا " الحل الأمثل أن تخترقني المرأة عبر هذا (وأشار على عقله) أو هذا (أشار على قلبه) .. فالتي ستنجح في عبور أيا منهما إلى كامل .. أنا متأكد بأني لن أفقد الشغف بها أبدا.. ويا لحظها .. ويا وليها .. من ستأسر الثلاثة .. عيناي وعقلي وقلبي .. ( وقبض يده أمام ناظريها مردفا ) ستملك في يدها كامل نخلة بكل جوارحه .. ولن تقدر بعدها على أن تتخلص مني أبدا .. لأني سأرافقها حتى القبر"
كلماته هزتها بشدة وحقدت على تلك التي قد تصل إلى هذه المكانة عنده إن كانت موجودة .. فصمتت وعادت تتطلع في الهاتف في يدها والأفكار تعصف بها .. فصمت كامل هو الأخر بحيرة لا يعرف فيما تفكر .
رفعت رأسها فجأة تسأله بحدة " ماذا كان اسمها ؟"
عاد إليه التشوش الذهني مرة أخرى وسألها بعدم فهم "من؟"
قالت بامتعاض " زوجتك الأولى"
رد بتلقائية " ري ري "
هتفت باستنكار " نعم !! .. أهلها سموها هذا الاسم المستفز .. ( ونطقت بقرف ) ري ري !!"
رمش بعينيه ورد " أقصد رولا .. اسمها رولا"
هتفت بغيظ " ما شاء الله !.. ومن أين جاء ري ري مادام اسمها رولا وقد انفصلتما منذ وقت طويل !"
رد ببراءة استفزتها " هي تدعى ري ري بين كل الناس "
حدجته بعصبية فهم بأن يسألها ( هل تغارين ؟) لكن هاتف بسمة رن في يدها فنظرت فيه ثم عبست بشدة مغمغمة "ونس !!"
عبس كامل هو الأخر وسألها مندهشا "من!!"
ردت وهي تتطلع في الهاتف الذي يرن" ونس ترن عليّ ..هل تعتقد بأنها ضغطت عليه بالخطأ؟"
صمت الهاتف فرفعت أنظارها لكامل بحيرة تسأله" هل تعرف إن كان شامل موجودا بالبيت أم لا ؟"
رد وقد بدأ يشعر بالقلق " شامل أعتقد بأنه قد خرج منذ الصباح .. كان هناك مشاوير تخص المطعم وبالتأكيد سيقوم بها بدلا مني"
عاد هاتف بسمة للرن فنظرت لكامل بتوجس وقالت" ونس من جديد .. ما معنى هذا ؟.. "
فتحت الخط تضعه على أذنها ليأتيها صوت صراخ شديد ممزوجا بالألم فهبت واقفة تقول بهلع" ونس ماذا حدث ؟؟.. أين أنت؟"
انتفض كامل من رقدته وأسرع نحو باب الغرفة مفزوعا فأسرعت بسمة تعدو خلفه .
قبل دقائق
انتهت ونس من أخذ حمامها والتقطت ملابسها المعلقة فوق المشجب ترتديها ووقفت أمام المرآة برداء بيتي بنصف كم يصل إلى ما بعد ركبتيها لتمشط شعرها ..
حين لمحت نور الهاتف فلم تكن ترتدي سماعتيها أسرعت إليه لترى إن كان المرسل هو شامل أم والدها .. وفي اندفاعها كعادتها في الحركة انزلقت في أرض الحمام الرطبة واختل توازنها فسقطت .. لكنها حاولت بغريزة البقاء أن تخفف من أثر السقطة وأمسكت بسرعة بجانب المغطس جيدا فارتطم جانبها بجانب المغطس بقوة تسببت لها في ألم شديد لكنه كان أخف بكثير بالنسبة لما حدث لها بعد ذلك .
حاولت القيام بصعوبة والألم ينتقل إلى ظهرها وأسفل بطنها فتحاملت على نفسها واستقامت تمسك ببطنها بقوة تحاول تحمل ذلك الألم الذي يزداد مع كل حركة لها حتى وصل لمرحلة كان من الصعب تحمله ..فأمسكت بالحوض بقوة وببطنها باليد الأخرى وهي تميل بجذعها للأمام وبدأت في التأوه والنحيب غير قادرة على الحركة أكثر وذلك الألم يزداد حتى بات لا يحتمل ..
فكرت بأن ترسل لشامل على الواتساب لكنها تعرف بأنه خارج البيت .. فبدأت تفكر بمن تستنجد فهي لا تعرف هل سيلاحظون رسالتها بسرعة أم لا ..
أصابها الهلع حينما وجدت خيط من دماء ينزل على ساقها ففهمت بأنه قد أصابها شيئا خطيرا خاصة مع ذلك الألم الرهيب في بطنها وظهرها فأسرعت بالضغط على اسم بسمة للاتصال وأعادته مرة أخرى لأنها الأقرب مسافة منها وهي تدعو في سرها أن تكون مستيقظة ففتحت بسمة الخط تسألها في هلع " ونس ماذا حدث ؟؟.. أين أنت ؟"
لسانها .. لسانها المقطوع كما تصفه خانها كالعادة فاستنجدت بالصراخ المتألم لتنقذها.
فتحت بسمة باب غرفة شامل بسرعة بينما وقف كامل على الباب من الخارج بقلق وقبل أن يتأكد إن كانت ونس بالداخل أم في مكان أخر أسرع للسلم ينادي أمه في الطابق الأرضي" أمي .. أمي هل ونس عندك أم في غرفتها ؟"
فتحت بسمة باب الحمام وفزعت من شكل ونس وهي تميل للأمام تمسك ببطنها وتتألم بشدة فاقتربت منها لكنها وجدت قطرات الدم في الأرض لتشهق بقوة وتقول "دم .. دم .. أأأنت تنزفين .. تنزفين "
كانت تشعر بجسدها يقاومها لعدم الاقتراب وبدأ نفسها يضيق بينما صرخ كامل من الخارج "هل أدخل يا بسمة ؟!!"
ابتعدت للخلف في الوقت الذي اقتحمت فيه سوسو بعد دقيقة الغرفة والحمام لتجد كنتيها في وضع مزري واحدة تمسك ببطنها وتطلق صرخات تألم وهلع والأخرى منكمشة عند باب الحمام تعاني من صعوبة في التنفس فأسرعت إلى ونس وهي تصيح "الحقني يا كامل بالله عليك ونس تنزف لابد من نقلها للمستشفى "
دخل الأخير وتطلع في بسمة التي قالت له وهي تتنفس بصعوبة" إنها... تنزف يا كامل"
وقف على باب الحمام ونظر لونس وأمه ثم تراجع للخلف يسحب الشرشف من فوق السرير بعنف ودخل للحمام يلفه حول ونس فقالت أمه" بلطف .. بلطف يا بني لا نعرف أين الإصابة بالضبط"
حملها كامل فأطلقت صرخة قوية فقال وهو يسرع بها للخارج "آسف.. آسف تحملي قليلا"
أخذ يهرول بها على السلم وهو يقول لأمه "هات مفاتيح السيارة يا أمي وتعالي معي "
هرولت سوسو خلفه مسرعة نحو باب المرآب وغنيم يقف ذاهلا وهو يقول" سترك يا رب"
استدار كامل يهتف" أبي بسمة بالطابق العلوي تفقدها أرجوك فهي تعاني من رهاب رؤية الدماء "
عند باب الحمام ظلت لدقائق متجمدة .. مغمضة العينين بقوة تحاول تنظيم نفسها ومحاربة تلك الصور التي تتدفق في رأسها لذكرى مؤذية بشدة تركت ندبة واضحة في روحها .. فطرق غنيم بعد دقائق بعصاه على الباب المفتوح ينادي باسمها ثم دخل .
حاولت بسمة التماسك حينما تفاجأت بوجوده بينما سألها غنيم بقلق "هل أنت بخير؟"
ردت لاهثة وهي تحاول سحب المزيد من الهواء لصدرها بصعوبة" أنا بخير "
قال لها مطمئنا "إن شاء الله ستكون هي الأخرى بخير تعالي لنجلس بالأسفل "
اقتربت منه تحاول بكل قوتها أن تخرج من حالتها وخرجت معه من الغرفة وهي تسأله "هل صعدت على السلم بالرغم من ألم مفصل قدمك؟"
رد عليها " بل بالمصعد"
عبست تسأله " أهناك مصعد بالفيلا؟!"
أومأ برأسه وتحرك نحو ممر بجوار السلم يوصل للناحية الأخرى من الغرف وجدت في آخره مصعدا صغيرا .. فرافقت غنيم فيه ليهبطا للدور الأرضي.
قال غنيم في بهو الفيلا "زيلا .. أعدي لنا كوبين من عصير الليمون "
تحركت الأخيرة لتنفذ بينما رافقت بسمة حماها إلى إحدى أركان البهو الواسع فجلس غنيم على الأريكة واضعا عصاه بجواره بينما اتخذت بسمة المقعد المجاور ومالت بجذعها تخبي وجهها في كفيها ثم أجهشت بالبكاء .
قال غنيم مهدئا" لماذا تبكين .. إن شاء الله ونس ستكون بخير "
ظلت بسمة تبكي دون قدرة على التوقف فربت غنيم على الأريكة بجواره قائلا" تعالي هنا بجانبي "
حينما لم تستجب قال بلهجة أبوية آمرة "تعالي يا بنت"
رفعت بسمة وجهها تمسح عينيها وهي تقول بلهجة متحفظة "أنا بخير غنيم بك"
قال بعبوس" لا أحب غنيم بك هذه "
ناظرته بحيرة فأردف" ممكن أبي .. والدي .. حاج غنيم كما يقول الثورين .. أو أي لقب أخر أقل رسمية "
ابتسمت بسمة فربت على الأريكة بجواره فتحركت ببطء وجلست منكمشة فسألها "أخبريني عن سبب رهابك من رؤية الدماء .. هل هناك قصة؟"
اغمضت بسمة عينيها بقوة ليقول غنيم بلهجة تمثيلية متمسكنة ذكرتها بابنه" أنا أشعر بتوتر شديد وقلق على ونس لذا دعينا نلتهي بشيء أخر حتى يطمئنوننا"
فتحت بسمة عينيها تتطلع فيه بنظرة متألمة ولم تدر أهي قادرة على التحدث عن هذا الأمر أم لا .
××××
(3)
بعد ساعة
هرول شامل في ممر المستشفى يبحث عن رقم الغرفة .. وبمجرد أن لمح توأمه في آخر الممر أسرع إليه يحاول أن يقرأ أفكاره قبل أن يسأله" كيف هي الآن؟"
كان كامل يستند بكتفه على الجدار يديه في جيبي بنطاله فرد عليه بهدوء "لم يخرج الطبيب بعد"
سأله شامل" هل أمي معها بالداخل؟"
أومأ كامل برأسه وأضاف" ظلت متشبثة بسوسو ترفض تركها .. غالبا كانت خائفة لأنها بدون السماعات ولم تفهم ماذا يحدث معها ولم نستطع أن نجعلها تفهم"
ازداد شعور شامل بالألم وتلفت يمينا ويسارا لا يعرف كيف ينفس عن قلقه الشديد ثم سأل كامل" هل نزفت كثيرا؟"
حرك كامل رأسه ورد نافيا "ليس بشكل كبير لم أر إلا بضع قطرات في الحمام وعلى الشرشف لكن ليس بالشكل المخيف "
أمسك شامل برأسه بعصبية وهتف بقلة صبر" كل هذا الوقت والطبيب لم يخرج لماذا ؟؟!"
رد كامل " أمي تخمن بأنها حامل أو كانت حامل .."
قالها بأسف وهو يتطلع في وجه توأمه الذي تغضنت ملامحه بألم .. فربت كامل على كتفه يقول مشجعا" المهم أن تكون هي بخير أليس كذلك ؟"
هز شامل رأسه يرد بتأكيد" أجل المهم هي ..أتمنى من الله أن يلطف بنا "
رن هاتف شامل فنظر فيه بعبوس قبل أن يعطيه لكامل قائلا" هذا حماي طلبني أكثر من مرة وأنا في الطريق إلى هنا ولم استطع الرد عليه لأني قلق على ونس ولا أريد أن أقلقه معي .. رد عليه كأنك أنا"
قال كامل باعتراض "ماذا سأقول له؟!!"
قال شامل وهو يعطيه الهاتف " أي شيء يا كامل .. قل أي شيء بالتأكيد أرسل لها على هاتفها ولم ترد عليه فشعر بالقلق "
نظر كامل للهاتف في يده بامتعاض ثم أجاب بلهجة عادية "نعم حماي العزيز .. (ونظر لشامل وأضاف ) لا لا ونس بخير إنها نائمة فقد سهرنا أنا وهي خارج البيت حتى الفجر .. (هز رأسه وأضاف) حاضر حاضر بمجرد أن تستيقظ سأجعلها ترسل لك سلام "
أعاد الهاتف لأخيه في الوقت الذي فُتح باب الغرفة فتطلع شامل بلهفة للطبيب قائلا "طمئنني أرجوك"
عبس الطبيب وهو يرى التوأمين المتطابقين أمامه ثم سأل "من زوجها؟"
رد شامل بقلة صبر" أنا زوجها شامل نخلة كيف حالها؟"
قال الطبيب " هي بخير أخبرتنا كتابيا بأنها انزلقت في الحمام ونزفت ..لكن كيس الحمل لا يزال موجودا .. ستحتاج لراحة تامة وبعض الادوية المثبتة للحمل ومتابعة دقيقة ونتمنى أن تتحسن الأمور "
سأله شامل " هل هناك أثر أخر للسقطة على أي شيء غير الحمل ؟"
رد الطبيب "لديها كدمة في جانبها فقط .. وسنقوم بعمل أشعة لها للتأكد من أن كل شيء بخير"
تركه شامل بدون أي رد ودخل الغرفة فشكر كامل الطبيب بالنيابة عن أخيه .
قابلته سوسو بابتسامة مشجعة وهي تراقب ذلك القلق الذي يطل من عينيه ..وربتت على صدره بمجرد أن اقترب منها ثم تجاوزته لتغادر الغرفة .
اقترب من ونس النائمة على جنبها توليه ظهرها في الوقت الذي كانت هي تشعر بسكون العالم حولها بدون سماعتيها..
كم كانت بحاجة لحواسها مكتملة في محنة كهذه .. حينما سألوها في المستشفى ماذا حدث لم تفهم ماذا يقولون ويبدو أن سوسو قد أخبرتهم بأنها لا تسمع جيدا لهذا كتب لها الطبيب اسئلته وردت عليها كتابيا بصعوبة .. لكن ما أفزعها هو سؤاله إن كانت حامل فردت بلا أعرف .. ثم خضعت بعده لفحص نسائي ورأت تلك الشاشة السوداء التي تراها في الافلام عند فحص الأجنة لكنها لم تفهم بعدها هل هي حامل ؟.. وهل تضرر هذا الحمل أم ماذا حدث ؟.. لا تفهم شيئا .. وتشعر بخوف شديد رغم وجود حماتها التي أصرت على بقاءها في الغرفة معها .
لمسته الحانية على وجهها ورائحة عطره ميزتها قبل أن تفتح عينيها لتجده بجوارها يتمتم بكلمات لم تلتقطها جيدا .
مال شامل وقبّل جبينها وهو يتحسس صدغها مطمئنا ثم جلس بجوارها وهي لا تزال مستلقية على جانبها غير قادرة على الاعتدال.. فمدت يدها تتحسس جيب بنطاله تبحث عن هاتفه فأخرجه لها لتكتب" هل كنت حامل؟"
كتب لها ثم قرب الهاتف أمام عينيها "بل أنت حامل بالفعل يا ونوس ..لكن سنراقب الوضع بعد ما حدث"
نظرت فيما كتب ثم اجهشت بالبكاء فجأة.. فمال عليها يحضنها ويقول بجوار أذنها "أنت بخير يا ونس هذا هو المهم ..والأطفال نستطيع أن ننجب منهم الكثير بإذن الله في المستقبل "
قبّلها على جبينها مجددا بحنان فأمسكت بالهاتف من جديد وكتبت من بين شهقاتها بأصابع مرتعشة "أنا لم أفعل شيئا والله العظيم لكني انزلقت "
مال عليها شامل من جديد يطمئنها قائلا بحنان " لا بأس حبيبتي لا بأس .. انه النصيب والقدر .. المهم أنك بخير الحمد والشكر لله "
××××
قال غنيم " قصة مؤلمة جدا الحقيقة "
غمغمت بسمة وهي تمسح دموعها "بعدها تمنيت أن أترك القرية .. تمنيت ألا أعيش باقي حياتي فيها .. "
رد غنيم بلهجة حكيمة " كل مجتمع في كل الدنيا له عيوبه .. وله قوانينه وعاداته المجحفة حتى في البلاد التي يسمونها بالمتحضرة .. فلا يوجد هذا المكان المسمى بالمدينة الفاضلة .. هذا طبعا لا يعني أن نتقبل الأعراف أو القوانين الجائرة أو نتقبل الظلم لكن ما أقصده أن البحث عن تلك المدينة الفاضلة على الخريطة خرافة ليس لها وجود ومضيعة للوقت "
ردت بسمة موافقة" هذا ما أدركته حينما جئت للعاصمة أول مرة .. كنت أظن بأنها المكان الأفضل .. كنت ساذجة جدا وقليلة الخبرة ..وبعيدا عن التجربة المؤلمة التي مررت بها فيها .. إلا أني رغم حبي للحياة هنا في العاصمة اكتشفت أيضا أن لها عيوب ..وهذا جعلني أعيد التفكير في رأيي في قريتي الصغيرة.. صحيح لا تزال هناك أمور أكرهها في القرية لكني استطعت أن أقيمها بنظرة موضوعية وليست سطحية "
قال غنيم وهو يشرب القهوة التي أعدتها زيلا بعد العصير " هذا جيد .. أنا احترم الشخص الذي ينضج ويعترف بأخطائه بشجاعة .. "
قالت بسمة وهي تحضن نفسها شاردة بنظراتها في خطوط السجادة المفروشة في الأرض" لكن هناك عُقَد وجُروح تظل عالقة بروح الانسان وأفكاره لا تنمحي"
رد غنيم بهدوء " أنت قلت عُقد وجُروح وهذا يعني بأن العقد قد يأتي عليها يوم وتُحل .. والجُروح قد نجد لها دواءً يطيبها .. المهم أن نكون في بحث دائم للتخلص منها.. لا أن نولول كلما لاحظناها ونعيش في دور الضحية"
رفعت بسمة نظراتها إليه تسأله "وماذا عن الندبات التي لن تنمحي أبدا ؟"
رشف رشفة أخرى من الفنجان وأجاب "أنت قلتِها .. ندبة .. أي أنها لم تعد مؤلمة هي فقط علامة"
قالت بسمة ببطء "علامة على الفشل"
مط شفتيه ورد مقارعا " ولماذا الفشل بالذات ..قد تكون علامة على محاولة فعل شيء ما .. قد تكون علامة لتذكرنا بشيء ما .. ( ووضع الفنجان على المنضدة الصغيرة أمامه ثم استند بظهره للأريكة مضيفا ) أتعلمين تذكرت الآن قصة .. وأنا مراهق كنت أهرب كثيرا من المدرسة واتسكع في الشوارع وأقابل أصدقاء السوء "
ابتسمت بسمة فأضاف غنيم ضاحكا " كنت دوما أقفز من فوق سور المدرسة ..حتى جاء اليوم الذي وقعت والتوت ساقي وكسرت .. ومكثت في الجبيرة وقتا طويلا جعلني حبيسا في البيت .. أتعلمين ماذا حدث أثناء حبستي تلك؟!"
تطلعت فيه بسمة بتساؤل فأكمل" أولا قويت علاقتي بأبي جدا .. كنت مشغولا دوما بأصحابي وعالمي الخاص كمراهق.. لكن تلك الفترة قضيتها مع أبي وقربنا وجهات النظر ..اكتشفته .. اكتشفت أبي صدقا أقول .. اكتشفت كيف أنه رجل رائع كثير الخبرة بالحياة .. اكتشفت أشياء كثيرة عنه كنت أجهلها .. وثانيا كنت على موعد مع شغفي .. الطبخ .. أبي كان طباخا ولدينا مطعم توارثناه أبا عن جد .. لكني كنت متمردا على فكرة أن امتهن بمهنة أبي وأجدادي .. تعرفين أفكار المراهقين تلك .. المهم بقائي في المنزل لمدة طويلة والقرب الذي حدث بيني وبين أبي جعلني اسمع حكاياته وأراه وهو يجرب كل وصفة جديدة ويسألني عن رأيي فيها .. ومع مرور الوقت شاركته هذا الشغف في صناعة الطعام .. وأصبحت مهنتي التي استمتع بممارستها .. أصبحت أشعر بالسعادة حينما يخرج الزبائن من مطعمي وهم سعداء بعد تناولهم لوجبة ممتعة شهية .. ولهذا أقول .. لولا ما حدث لما كنت اكتشفت شغفي أو تأخرت في اكتشافه .. (ورفع سبابته يضيف ) والأهم من ذلك أني توقفت عن الهرب من المدرسة .. ليس لأني تعقلت ولكن كلما راودتني نفسي كنت اتذكر تلك السقطة المؤلمة التي بقي لها أثرا في ساقي فأتراجع فورا .. ولا أعلم ربما كان كسر ساقي قضاء أخف من أي مصيبة كنت سأقع فيها بمرافقتي لأصدقاء السوء .. هذا ما كنت أريد أن أقوله يا بسمة.. أن الندبات قد تكون علامة لتنبهنا للحذر من شيء ما ..أو لنتذكر حينما نراها كيف كان الألم عظيما ساعتها فنحمد الله على أننا قد تجاوزناه بسلام ونقدر نعمة الراحة "
ابتسمت بسمة ممتنة لهذا الحديث الشيق مع حماها بينما رن هاتف الأخير فأسرع بالرد "طمئننا يا كامل"
قال كامل باقتضاب " هي بخير .. لم تكن تعرف بأنها حامل .. ووضع الحمل ليس مستقرا وسيخضع للمتابعة "
غمغم غنيم " لا حول ولا قوة إلا بالله .. وهل هي بخير الآن؟ "
رد كامل " أجل بخير لا شيء سوى موضوع الحمل .. كيف حال بسمة ؟"
نظر غنيم لها وهو يجيب "بخير وتجلس معي الآن "
قال كامل " هلا اعطيتها الهاتف يا أبي؟"
ناولها غنيم الهاتف فسألت كامل بلهفة" هل هي بخير؟"
لم يعرف إن كان خبر حمل ونس سيضايقها أم لا وشعر بالضيق أنه لا يعلم شيئا عن مشاعرها نحو هذا الأمر فأجاب بنفس الإجابة التي ذكرها لوالده ..
لترد بسمة" بعيد الشر عليها ..إن شاء الله ستكون هي والجنين بخير .. (ثم سألته) متى ستعود؟ أنت لم تأخذ دواءك "
لم يستطع التكهن بمشاعرها فرد على سؤالها "سأعود بعد قليل لأوصل سوسو للبيت وآخذ دوائي فأنا أشعر بالتعب غالبا بدأت حرارتي ترتفع من جديد.. فقط جهزي لي سماعات ونس لأخذها لشامل"
هزت بسمة رأسها بالموافقة ثم قالت "سأعود معك لعندها (ثم غلبها البكاء وهي تضيف ) أشعر بأني قد خذلتها .. لقد اتصلت بي أول شخص لتستنجد به لكني تسمرت في مكاني كالحجر "
أشفق عليها فقال بهدوء" هي استنجدت بك وأنتِ ابلغتِنا لنتصرف .. فلا تشقي على نفسك يا باسمة "
مسحت دموعها تحاول السيطرة على أعصابها فأضاف كامل" استعدي إذن حتى آخذك لعندها.. سلام "
××××
في المساء
قهقه مصطفى في الهاتف فقال جابر على الناحية الأخرى بغيظ "ما الذي يضحكك؟!!"
رد مصطفى من بين ضحكاته "حالتك الغاضبة هذه تضحك "
هتف جابر باستنكار" هل كنت تريدني أن اسمع هذا الكلام ولا أشعر بالضيق .. لا أعرف من أين أتت تلك الشائعة التي تدور في البلدة منذ الصباح بأن أم هاشم مخطوبة لزين .. هل يلمحون لأني أصبحت عجوزا أم ماذا؟! "
انفجر مصطفى ضاحكا فقال جابر وقد اشتد غيظه" لازلت تضحك !!"
أجاب مصطفى وهو يتماسك "لأن ردود افعالك فيما يخص بنت الشيخ أضحت صبيانية جدا (وغمغم يمسك بين عينيه ) اللهم اجعل هذا الضحك خيرا "
استعاد مصطفى هدوءه بعد ثوان ليسأل جابر المتذمر على الناحية الأخرى" المهم ماذا أنت فاعل يا أخي بشأن هذه الاشاعات "
قال جابر بضيق "سأقابل عمها بعد صلاة العشاء وسنتفق على إعلان الخطبة للجميع وأريد أن اتفق معه على كل التفاصيل الأخرى"
هز مصطفى رأسه وقال " على بركة الله طمئنني حينما تنتهي السلام عليكم"
بعد أن أغلق جابر الخط تطلع في والدته التي قالت" اهدأ يا جابر لا داعي لانفعالك "
قال بنفس الغيظ "سأجن لأعرف لماذا ربطوها بزين وليس بي أنا ؟!"
رن الهاتف في يده فأسرع جابر بالرد "كيف حالك يا زين؟"
هتف زين بلهجة مصدومة "هل خطبتم لي أم هاشم وأنا لا أدري ؟!!"
مط جابر شفتيه وقال بغيظ" حتى أنت وصلك الخبر؟!!"
رد زين " أجل ..أكثر من صديق اتصل بي ليتأكد من الخبر.. ماذا يحدث (وصرخ بلهجة صبيانية ) هل خطبتم لي من خلف ظهري .. خطبتم لي السوداء "
هتف جابر بجدية فاجأت أخيه" لا تقل سوداء يا زين وكف عن المزح بهذه الطريقة أنا أعلم بأنك لا تعني ما تقوله لكن كف عن هذا الكلام لأنها ستصبح زوجة أخيك"
هتف زين مصعوقا" من؟؟ .. ستصبح ماذا؟!! ..هل ستتزوج أم هاشم ؟؟!"
رد جابر ببرود " أجل هل لديك اعتراض؟!"
غمغم زين بلهجة باكية "لماذا أنت مصر على اختيار زوجاتك من زميلاتي في المدرسة؟!! .. لماذا تختار من فصلي أنا بالذات .. ثم ماذا فعلت لك أنا لتختار أم هاشم التي كانت تضربني فتتخذها زوجة لك .. ألا يوجد لديك شفقة بأخيك! .. ولا حرص على كرامته التي انسحقت أمامها! "
لاحت ابتسامة على شفتي جابر ورد بهدوء "كان هذا في المرحلة الابتدائية يا حبيبي فلا تبالغ .. ثم أنك كنت من يستفزها أولا"
هتف زين معترضا " ولو .. حتى لو كنت في الروضة كرامتي انسحقت أمامها كيف سأعيش معها في نفس البيت؟.. ( وأكمل بلهجة بائسة ) حرام عليك أخوك سيعيش شريدا في الشوارع بسببك .. أخبرني يا جابر بصراحة هل لديك عقدة ما من زميلات دراستي فلا تختار إلا منهن!"
ابتسم جابر وقال" كف عن الولولة كالحريم وأخبرني متى ستكون اجازتك فأنا متعجل على إتمام الزواج وأريد أن اضبط الموعد على تاريخ عودتك حتى تحضر الزفاف"
رد زين وقد عاد لجديته "الحقيقة أنني علمت صباح اليوم بأنهم قد علقوا الاجازات لمدة شهرين على الأقل .. هناك مناقصة ضخمة قد رست على الشركة ويريدون السرعة في تنفيذها "
قال جابر بضيق "شهرين !!"
رد زين بأسف " هذا ما تفاجأت به اليوم ..المهم أنا لا اريدك أن تتقيد بي لأني لست متأكدا إن كانوا سيلتزمون بمدة الشهرين أم سيجد جديد ( وأضاف بلهجة عابثة ) خاصة وأنك رجل قد تعودت على ..احم !.. أقصد يعني وجود أنثى في حياتك وبالتأكيد لن تستطيع البقاء عازبا لفترة طويلة بدون .. احم !.. تفهم ما أقصد طبعا .. وإن كنت لا أعرف ما علاقة هذا الـ احم والنساء بأم هاشم لكن هي في النهاية أذواق"
قال جابر بلهجة صارمة " زين أنت تتخطى حدودك في المزاح"
أسرع زين بالقول ضاحكا " آسف ..آسف لكن أنت تعلم بأني أكن لأم هاشم كل ود ومحبة "
قالها متهكما فرد جابر بهدوء" اذهب الآن يا طويل اللسان وسنتحدث فيما بعد "
سأله زين بلهجة صبيانية باكية قبل أن يغلق الخط "جابر هل هناك مجال لأن تغير رأيك؟ .. كرامة أخوك أهم يا جابر من أي شيء"
××××
تطلع فيها شاردة واجمة ثم عاد ينظر في الطريق أمامه وسألها في جلسته خلف المقود" لماذا هذا الوجه البائس أهناك ما يحزنك؟"
نظرت إليه تقول" لا شيء لازلت أشعر بالذنب تجاه ونس "
سألها وهو يختلس نظرة تجاهها" أهذا هو السبب فقط ؟"
هزت رأسها مؤكدة وأضافت" لازلت غير قادرة على الإفلات من هذا الشعور "
قال باقتضاب وهو يتطلع في الطريق" أعرف هذا الشعور المر جيدا "
نظرت إليه تتأمله وهو يرتدي النظارة الطبية ثم سألته "كيف تعرفه ؟"
قال بغموض "مررت بتجربة مماثلة"
"كيف؟"
رمقها بنظرة جانبية وصمت ولم يجيب لفترة فازداد فضولها .. ثم تكلم دون أن ينظر نحوها "أخر سنة لنا في الوطن كانت الحرب على أشدها ومع هذا كان الناس يحاولون المقاومة بممارسة حياتهم الطبيعية خاصة في العاصمة التي لم تكن الحرب قد وصلت إليها بعد .. المهم أنا وشامل كان لنا شلة أصدقاء منذ الطفولة كبرنا معا وظللنا على اتصال .. أحد أصدقائنا قرر الزواج وأقام حفل عرس ضخم في فندق ضم كل اصحابه بما فيهم أنا وشامل .."
صمت قليلا يتطلع في الطريق فشعرت بسمة بأنه يصارع ذكريات سيئة فآثرت الصمت والتطلع فيه حتى قال بعد برهة "أثناء الحفل تفاجأنا بهجوم انتحاري تم في ذلك الفندق الذي أقيم فيه العرس بسبب إقامة أحد الدبلوماسيين الذين يزورون البلاد فيه"
شهقت بسمة وسألته" وماذا حدث ؟"
صمت مجددا ولاحظته يطحن فكيه بقوة فأحست به يتألم قبل أن تلاحظ تفاحة أدم التي تحركت في عنقه وهو يبلع ريقه ثم يقول" تحول الحفل لكارثة حقيقية .. دمار شامل .. كل شيء إنهار فوق رؤوسنا فجأة .. تجربة كانت الأصعب في حياتي .. رأيت من أصحابي من تحول لأشلاء أمام عيني .. حتى العريس .. العريس الذي كنا نناكفه ونتواقح عليه قبل دقائق حول ليلة دخلته تحول إلى جثة هامدة .. أصوات الصراخ والاستغاثات .. وأناس تحت الأنقاض .."
صمت مجددا فظلت بسمة تحدق فيه بملامح متألمة شفقة عليه وكادت أن تطلب منه أن يتوقف إن أراد لكنه أكمل بصوت سكنه الحزن "حينما حدث ما حدث بحثت عن شامل حولي ولم أجده .. كنت منبطحا على الأرض من أثر الانفجار .. فأخذت أزحف تحت الأنقاض على بطني تارة وعلى ركبتيّ تارة .. واستقيم واقفا تارة أخرى حينما استطيع الوقوف فكل شيء كان متهدما .. طبعا لن أستطيع أن أنقل لك بشاعة المشهد ولا شكل الأشلاء ..حينما وجدت شامل كان منكفئ على بطنه ولا ينطق وبعض الدماء حول جسده لم تتح لي الفرصة لتفحصها .. وبكل صدق لم أكن متأكدا إن كان حيا أم ميتا .. فسحبته وبدأت رحلتي في البحث عن وسيلة للخروج .. كانت أصعب دقائق مررت بها .. خاصة وأنا أسمع أصوات استغاثات لكني لم أكن قادرا على التوقف .. كل ما كان يشغل ذهني وقتها أن أخرج بشامل من المكان لأسعفه .. بعد نصف ساعة تمكنت أنا وبعض الناجين من الخروج بمساعدة فرق الإنقاذ .. وسجدت شكرا حينما تأكدت بأن شامل حي وبأنه كان مغشيا عليه لسقوط شيء ما على رأسه أثناء الانفجار .. بعد أن اطمأننت على شامل بدأ ذلك الشعور بالذنب الذي تتحدثين عنه .. وحاولت صدقيني العودة للأنقاض لأساعد من أستطيع .. لكن الشرطة منعتني بقوة .. شعور صعب ألا تقدمين المساعدة لمن يطلبها منك ..والحقيقة أني بعد هذه التجربة الصعبة كرهت كل شيء واصابني الاكتئاب لوقت طويل "
سألته بحشرجة "واصحابك؟"
رمقها بنظرة سريعة ثم عاد للطريق" لم ينج منهم أحد.. لم ينج من الشلة إلا أنا وشامل "
شهقت بسمة ولاحظت الألم الشديد على جانب وجهه ولم تعرف بما ترد فأضاف كامل" أمي أصابتها صدمة شديدة رغم أننا خرجنا بخير .. لكن التجربة كانت صعبة عليها وكون اصحابنا اللذين كانت تعرفهم جيدا منذ طفولتهم قد لقوا حتفهم جميعا كان الأمر صعبا عليها تحمله .. ولم تستطع بسهولة تجاوزه ليأتي خبر موت شقيقها في السجن بعد أن كان مسجونا لأسباب سياسية فتنهار تماما .. ولم يجد أبي بدا من ترك البلاد رغم أنه كان أكبر معارض لذلك .. لكن الحالة السيئة التي وصلت إليها أمي أجبرته على أن يترك البلد كما تركه أشقاء أمي الأخرين وعوائلهم .. لكنه رفض أن يسافر معهم لأوروبا بل أصر على أن نأتي إلى هنا فجئنا وبدأنا حياتنا من جديد ..أما أنا فظللت أكره كل ما هو عربي بسبب تلك التجربة "
استحضرت كلمات غنيم فقالت" لكن كل مكان به عيوبه حتى الدول الكبرى"
رد باقتضاب "أعلم ذلك لكني لم أتجاوز الأمر بعد رغم مرور أكثر من عشر سنوات على الحادثة "
سألته "لذا قررت الهجرة؟"
هز رأسه وأجاب " أجل .. ( وحدجها بنظرة بطارف عينيه بنظرة أربكتها وهو يقول ) مالم يكن هناك ما سيجبرني على البقاء "
قالها وهو يركن السيارة في مرآب المستشفى ثم استدار إليها يميل نحوها مرتكنا بذراعه على ظهر مقعدها وأضاف بصوت متهدج وهو يتطلع في عينيها الزرقاوين " أو من أضحي من أجله لأبقى بجانبه.. هيا يا باشمهندسة وصلنا "
(أو من أضحي من أجله لأبقى بجانبه)
ارتجف جسدها من عبارته .. ثم تأملته وهو يستدير ويترجل من السيارة فأجبرت نفسها على الترجل وهي تلملم اشلاءها التي بعثرتها عبارته .
ولم تعرف .. إن كانت تلك العبارة والطريقة التي نطقها بها قد قتلتها أم أحيت بداخلها الأمل!.
××××
بعد عدة أيام
ألقت إسراء نظرة على أمها الراقدة على جنبها في صمت كعادتها منذ ما حدث ثم خرجت وهي تحمل صينية الإفطار .. فنظر إليها الجميع بترقب لتقول بحزن" لم تأكل سوى لقيمات بعد إلحاح "
أطرق الجميع في حزن فقالت لأخوتها" هيا إلى مدرستكم بسرعة وركزوا في حصص المراجعة جيدا فالامتحانات على الأبواب "
تحرك همسة ونسمة وكريم ببطء مطرقين الرأس بحزن على والدتهم فقال هلال لإسراء وهو يأخذ منها الصينية" وأنت أيضا هيا لتلحقي بعملك يكفي الأيام التي استقطعت من اجازاتك هيا"
نظرت إليه بتردد فقال مطمئنا" أنا سأبقى معها حتى تعودي من المدرسة هيا"
أومأت له باستسلام وتحركت نحو غرفتها بينما وضع هلال الصينية جانبا وفتح الباب على زوجته التي لا تزال تعاني من صدمة نفسية .. وآلمه قلبه وهو يراها على حالتها تنام على جانبها تتوسد كفها محدقة في الفراغ.
اقترب منها وجلس على السرير يقول بهدوء "وحدي الله يا نصرة ..لن نغير النصيب .. قضاء افضل من قضاء ..بدلا من أن تعود لنا مطلقة ومعها أطفال ..فهذه المرأة لم تكن لتتركها في حالها هي وتلك الأفعى أختها"
لم يبد على نصرة أي رد فعل فقال" أنا انتهيت من بيع كل شيء يخص هذا الجهاز اللعين حتى مصوغاتها الذهبية التي اشتراها لها بعتها "
بدأت الدموع تنهمر من عيني نصرة في صمت فأضاف مطيبا خاطرها " كل أهل البلدة مصدومون ومتعاطفون معنا ومقتنعون بأن ابنتنا قد ظُلِمت .. والله لو تري كيف كان الشيخ في صلاة الجمعة الماضية منفعلا وهو يتحدث عن تلك المغالاة التي بات الناس يتبعونها لعلمت بأننا لم نقصر في شيء"
ظلت نصرة تبكي في صمت دون حركة فقال هلال " هل تعرفين بأني بدأت أتلق طلبات للزواج من اسراء.. لكني منتظر أن تتحسني حتى أخبرك عن التفاصيل "
قالها دون أن يخبرها بالحقيقة كاملة .. بأن الطلبات التي اتته حتى الآن من رجلين متزوجين بالفعل ويرغبان في التعدد ورجل أرمل يرغب في زوجة لتربية أطفاله ..
ولم يعرف كيف سيخبرها بأن ابنتها التي لم تبدأ حياتها بعد باتوا يحسبونها على ذمة المطلقات بعد زواج دام نصف ساعة فقط!!.
فجأة أجهشت نصرة ببكاء مسموع فمال عليها هلال يحيطها بذراعيها وقبل رأسها عدة مرات هامسا بعينين دامعتين "حقك فوق رأسي يا غالية .. حقك فوق رأسي إن كنت قد قصرت في شيء يا نصرة ..حقك فوق رأسي أنا لكن لا تفعلي في نفسك هذا بالله عليك "
بعد قليل خرجت اسراء من باب البيت بوجه بلاستيكي تسحب نفسا عميقا واستعدت لمواجهة نظرات الناس إليها .. كمطلقة .
××××
خرج جابر من باب البيت ليجد والدته تغلق البوابة الخارجية بعد أن ودعت احداهن لتعود للداخل بوجه عابس فسألها" ماذا هناك يا أمي لماذا أنت عابسة هكذا ؟"
قالت بقرف " الناس جنت والله .. النساء لا يكفن منذ أن أعلنت خطبتك لأم هاشم عن الحديث معي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عن أسماء فتيات كعرائس مرشحات .. مدعين بأن عليّ أن اتدخل كأم لأثنيك عن الزواج منها"
هتف جابر باستنكار" نعم؟؟؟ .. لماذا؟؟!!"
قالت نجف بعبوس "لأنك في نظرهم شباب ومال ووسامة ولا يليق بك إلا الزواج من فتاة بيضاء وأصغر سنا ومن عائلة من العائلات الكبيرة في البلدة "
ضرب جابر كفا بكف قائلا بانفعال "لا حول ولا قوة إلا بالله !.. ما هذا الجنون!!.. هل وصل الأمر لأن يتدخلوا فيمن سأتزوج! ..أنا لا أعرف لماذا يتنمرون على المسكينة ؟!.. هذا الأمر كان يحزنني دوما لكنه مؤخرا بات يغضبني بشدة ويؤلمني .. ( ورفع سبابته يقول بلهجة حمائية ) قسما بربي لأرفع لها رأسها أمام أهل البلدة كلهم.. وليساعدني الله لأن أكون العوض لها على كل ما واجهته في هذا المكان "
قالت نجف بمزاج عكر " المهم أسرع بالزواج لأتخلص أنا من هذا الصداع .. الأمر وصل لأن أتلقى مكالمات من سيدات لم أتحدث معهن من قبل واقابل بمصمصة شفاه .. ونصائح عظيمة في اختيار الكنائن"
قال جابر بغضب "هذا ما سيحدث إن شاء الله.. الله المستعان"
غمغمت نجف مبرطمة وهي تعود للبيت "قريتكم هذه غريبة والله !"
استدار إليها يقول مناكفا "يا نجف قرية أهلك تجاور قريتنا وليست ببعيدة ولا تختلف عن هذه القرية فلا تشعريني بأنك قادمة من كوكب أخر "
قالت بعبوس" تتحدث مثل المرحوم .. اذهب إلى عملك هيا"
ابتسم متذكرا كيف كانت دوما تقول تلك العبارة لوالده رحمه الله حينما لا يعجبها شيئا في القرية فكان المرحوم يرد بنفس الرد الذي قاله هو للتو .
لحقها بصوته قائلا" هلال سيأتي بعد قليل ومعه عمال ليباشر بعض الأمور في البيت طلبتها منه "
قالها واستدار مغادرا ليلحق بما ينتظر الإنجاز بعدما تأخر اليوم في النوم بسبب ذلك الاجهاد الذي يعانيه من كثرة ما يقوم به من أمور هنا وهناك لتعجله في تسريع إجراءات الزواج .. لكنه قرر أن يمر على شخص معين أولا .
××××
انطلقت صفارة المدرب ليتوقف اللعب ثم رفع يده بعلامة تعني ( خطأ يحتسب للفريق الأخر ) وتوجه لأدهم الذي ينهت وقال له منبها" أنت تلعب بخشونة يا أدهم انتبه"
قال أدهم متصنعا البراءة" أنا كنت ألعب على الكرة "
تركه المدرب وذهب لتفحص زميله مهند في الفريق الأخر الذي سقط أرضا وذلك في المباراة التي تقام بين فصل من الصف الخامس وفصل من الصف السادس بينما اقترب إياد الذي يلعب ضده يقول له بهمس "أنت تتعمد الاحتكاك بمهند بخشونة يا أدهم ليتني لم أخبرك"
قال أدهم بغيظ "وهل كنت تريدني أن أعرف بأن هذا الغبي يخبر التلاميذ في فصلك بأنه يحب منة وأسكت له!"
غمغم إياد بندم " ليتني لم أخبرك.. ستوقع نفسك في مشكلة "
طالعه أخوه بوجه مقلوب فقال إياد" أمي قالت بأن هذا يحدث بين الطلبة وأن علينا أن نخبر المعلمة إن حدث "
قال أدهم بقرف "المعلمة ستتعامل مع الأمر بشكل دبلوماسي وأنا ..."
قاطعته صفارة المدرب للعودة للعب فتفرقا ليلعبا ضد بعضهما من جديد بينما أدهم يحدج مهند شزرا.
××××
لماذا لم يكن أمام البيت وقت خروجها صباح اليوم كما اعتاد أن يفعل في الفترة الأخيرة؟ ..
هل هو مريض ؟
أسرعت بالقول لنفسها هامسة "بعيد الشر عليه .. إذن .. هل عادت علاقته مع كاميليا؟"
عند هذه الخاطرة توقف قلبها لكنها قالت لنفسها بسرعة "حتى لو حدث يا أم هاشم ألم يكن هذا ما سعيت إليه! .."
تغاضت عن النواح الذي يصدر من قلبها وسحبت نفسا عميقا تحدث نفسها "انظري للجانب الممتلئ من الكوب .. عادت الأمور لمجاريها معها وبالتأكيد سيكون سعيدا"
اعتدلت في وقفتها على باب غرفة الإدارة في ساحة المشروع لتسند ظهرها بقبضتها وتمد قدمها خطوة في وقفة معووجة تريح بها قامتها الطويلة وعادت لتفكر ..
لقد تهيأ لها أنه اصبح يلقي نظرة على باب بيت عمها في رحلته لصلاة الفجر كل يوم .. حتى اليوم فعلها أو خيل إليها بأنه فعلها .. أم أنها متوهمة وتخرف؟!! .
خرجت أم هاشم من شرودها عندما سمعت إحدى الفتيات العاملات تقول لزميلتها "سأخبر أم هاشم أنك يا رضوى تقولين كيف يتزوج جابر دبور من امرأة سوداء .."
ضربتها رضوى على كتفها بغيظ بينما أضافت الأخرى ضاحكة " و أنك قلت بأنها ستخيفه في الظلام"
تكلمت رضوى بإنكار" لا لم يحدث يا كاذبة"
قالت صاحبتها تغيظها" والله قلت ذلك بصوت خافت والبنات سمعنك وضحكن "
قالت فتاة على الناحية الأخرى من الطاولة التي يتجمعن حولها للعمل "يقولون يا بنات أن بنت العسال قد اذهبت الرجل عقله فقرر المسكين أن يختار فتاة سمراء بعد أن أضحت لديه عُقدة من الجميلات"
كتمت الباقيات الضحك بينما تدخلت فتاة رابعة في الحديث فشبكت أم هاشم يديها فوق بطنها المسطح ترفع حاجبيها بسخرية وهي تتابع الحوار دون أن تنتبهن لأنها تتابعهن من الداخل لتقول الفتاة "لمَ لا تقولين بأنه يريد أن يهين بنت العسال بزواجه من سمراء فهي تعرف مثل الجميع أنه بإمكانه أن يتزوج من أجمل فتيات المحافظة"
خرجت أم هاشم من الغرفة واقتربت منهن ببطء فلمحتها إحداهن وأشارت لصاحبتها فبلعن ألسنتهن وأسرعن بدفن وجوههن فيما يفعلن ..لتقول أم هاشم بلهجة متهكمة "هل تسمحن لي بأن أقول رأيي أنا الأخرى أم سيكون ذلك تطفلا مني على جلسة الاستجمام والراحة تحت الشمس هذه؟"
ناظرتها الفتيات بترقب ينتظرن رأيها في القضية الجدلية التي باتت حديث البلدة فهدرت أم هاشم فيهم بحزم أجفلهن " رأيي أنكن ستعملن ساعة إضافية اليوم حتى لا تضيعن أوقات العمل مرة ثانية في الثرثرة (ونظرت لرضوى تضيف متهكمة بابتسامة صفراء زينت ثغرها ) أنا لا أخيف في الظلام سوى من تقصر في العمل وتضيع الوقت في الثرثرة الهبلاء يا حبيبتي .. فإن كنت لا تريدين أن أظهر لك بعفاريتي في الظلام انجزي في عملك"
أسرعن الفتيات بالعودة للعمل وبعضهن تتوسل أم هاشم الصفح لكن الأخيرة ظلت تهز رأسها برفض وهي متخصرة أمامهن في الوقت الذي جاء صوت من عند البوابة يقول" السلام عليكم ورحمة الله"
لوهلة لم تنتبه أم هاشم وهي تقول بلهجة حازمة" لا أريد حرفا واحدا ولن أقبل الاعتراضات"
أشارت لها الفتيات لتنظر عند البوابة وبعضهن بدأن في كتم أفواههن ضاحكات في الوقت الذي قال جابر بصوته الرخيم" أم هاشم"
استدارت الأخيرة وقد أصابتها المفاجئة بارتفاع مفاجئ في ضربات القلب مصاحب لانفجار القلوب الحمراء في عينيها .. فتقبضت بقوة تحافظ على هيبتها أمام الفتيات بقدر الإمكان.. إلا أن المشية ذات الخطوات الواسعة كادت أن تفضح لهفتها وهي تتجه إليه .
كان جابر يرتدي بنطالا كلاسيكيا أسودا وقميصا رملي اللون فبدا أنيقا بشكل خاص .. وبادرها قائلا" كيف حالك لم ألحق بك صباح اليوم فجئت لألقي أنا الصباح"
قالت وهي تتقبض إلى جانبيها بقوة" صباح النور (وأكملت في سرها) صباح الرضا من الرحمن"
تكلم جابر مشيرا على الفتيات خلفها يقول مداعبا "هل تتجبرين على الفتيات يا أم هاشم!"
قالت بعفوية تدافع عن نفسها " أبدا والله بل هن من يمارسن المرقعة بطريقة لا يمكن لك أن تتخيلها خاصة وأن أم كريم ليست موجودة لهذا مضطرة أن أقف فوق رؤوسهن أثناء العمل"
ابتسم ورد بهدوء" كان الله في عونك .."
سألته بفضول "هل أنت مسافر خارج المحافظة؟ ..( وأشارت على ملابسه توضح) لأنك ترتدي هذه الملابس "
هز رأسه ورد "أجل سأذهب سريعا للعاصمة لأشتري الشبكة وبعدها سأعود لأن فوق رأسي الكثير من المهام سواء في العمل أو في توضيب البيت "
قالت مشفقة" وما لزومه السفر لأمر الشبكة من الممكن أن تختارها من أي محل هنا"
وضح لها قائلا " لأنني أحب أن أتعامل مع محل معين في العاصمة ما دمت قد وكلتني بالاختيار .. فهناك محلات أولاد موريس ينفذون لي طلباتي الخاصة في الهدايا الذهبية التي أختارها"
تكلمت بلهجة حانية" لكنك تبدو مرهقا جدا يا جابر"
رد معترفا " هذا صحيح ولهذا تأخرت اليوم في الاستيقاظ لكنها فترة وستنتهي سريعا (واستدار نحو السيارة وهو يضيف ) قبل أن أنسى أريدك أن تتصفحي هذا"
أحضر من السيارة كتالوجا ليناولها إياه قائلا "أريدك أن تختاري من هذا الكتالوج ما تريدين من الأثاث"
نظرت للكتالوج في يده وقالت "فلتختار أنت ما تريد "
تفاجأ بردها وتحير قليلا ثم قال" أنت العروس يا أم هاشم أريدك أن تختاري على ذوقك "
ردت بلهجة صادقة "لكني أريده على ذوقك أنت"
جملتها داعبت شيئا بداخله .. وعيناه انتبهتا في نفس اللحظة إلى أن لون عينيها بني درجة دكنته تلمع بشكل مميز .. مجرد خاطرة مرت في ذهنه بسرعة .. قبل أن يقول وهو يقلب في الكتالوج "حسنا دعينا نقرب وجهات النظر ..هل تفضلين لون الخشب داكن أم فاتح ؟"
حركت عينيها وردت متفكهة "داكن حتى أستطيع الاختباء بجواره دون أن يلاحظني أحد "
عقد حاجبيه متفاجئا ثم قهقه ضاحكا .. فابتسمت أم هاشم تتأمله وقلبها يطلق زغرودة عالية متمتمة في سرها" اللهم صل على النبي .. نهارنا أبيض كالحليب بإذن الله"
قال جابر بعد أن هدأت ضحكاته "أنا أيضا أحب الألوان الداكنة"
غمغمت بهمس "جبر الله خاطرك"
ترك التطلع في الكتالوج وسألها" هل قلت شيء؟"
قالت وهي تهز رأسها" لا "
من ذلك القرب تأملته وهو يعود للنظر في الكتالوج بينما رائحة المسك التي تميزه والتي تشعر بأنها ليست كأي رائحة مسك قد قابلتها في حياتها .. تتسلل إلى أوردتها .
سألها جابر " هل تحبين الطراز الكلاسيكي أم العصري؟"
أفاقت من تأملاتها وقالت وهي تلقي نظرة على الكتالوج" لا أفهم"
قال شارحا وهو يقلب الصفحات "اقصد في التصميم .. انظري هذا مثلا كلاسيكي به تفاصيل وزخارف كثيرة لكن هذا التصميم عصري بسيط "
قالت بهدوء "لا أحب الزخارف الكثيرة وأفضل البسيط لكن .. (وتطلعت في وجهه فدقق مجددا في عينيها لتضيف ببطء ) لو تفضل أنت الكلاسيكي فلا بأس ليس لدي مشكلة"
قال جابر وهو يغلق الكتالوج "بل أنا مثلك أميل للبساطة إذن نحن متفقان في الذوق .. لون قماش المقاعد والأرائك سآخذ رأيك فيه من هناك .. سأصوره وارسله لك على هاتفك .. لأني أنوي أن أذهب لأكثر من مكان خارج المحافظة لأنجز أكثر من مهمة تخص ترتيبات الزواج في مشوار واحد حتى نختصر الوقت ..لولا هذا كنت اتفقت مع الحاج يحيى وذهبنا أنا وأنت وهو.. أم أنك تريدين الاختيار على الطبيعة ؟"
أسرعت تقول نافية" أبدا افعل ما تراه مناسبا أنا ليس لدي أي مشكلة
قال وهو يعود بظهره للسيارة" اتفقنا أنا سأذهب السلام عليكم"
قالها وركب السيارة أمامها فظلت تراقبه وهو يبتعد وقلبها يعدو خلفه كالأولاد الصغار فهمست لنفسها "ربما طالت المدة قليلا يا أم هاشم تفاءلي يا بنت زكريا"
××××
بعد الظهر
"منة"
ناداها مهند قبل أن تصل لبوابة المدرسة وتظهر الكارنيه الخاص بتصريح خروجها وحدها بدون ولي أمرها حتى تلحق بسيارة آل الزيني التي تنتظرها بالخارج فاستدارت منة ووقفت تنظر لزميلها في الفصل الذي أسرع إليها قائلا وهو يقدم لها قطعة شيكولاتة كبيرة الحجم" نسيتِ أن تأخذي الشيكولاتة وجدتها على طاولتك "
شعرت منة بالتوتر ..فهذا الصبي نظراته نحوها تربكها.. وتشعرها بالضيق في الغدوة والروحة ..كما أنها تعجبت من هذا اللوح الكبير من الشيكولاتة حينما عادت من الفسحة لتجده على طاولتها ملصقا به ورقة لا تحتوي إلا على قلب مرسوم باللون الأحمر وعلى جانبيه حرف الميم بالإنجليزية فتركتها جانبا بتجاهل .. لذا قالت لمهند" شكرا ليست لي "
قال مهند بإصرار "لكنها كانت على طاولتك"
ردت منة بلهجة حازمة" قلت ليست لي "
استدارت لكن مهند كان مصرا على ما عزم على تنفيذه فناداها" منة "
عادت لتنظر إليه قائلة بانزعاج "من فضلك السيارة تنتظرني بالخارج وتأخرت"
قال مهند بسرعة معترفا " بصراحة أنا من احضرتها من أجلك وأرجو ألا ترديني خائبا"
اقترب إياد من البوابة من الخارج ينظر فيها ليستعجل منة فوجد مهند يتحدث معها فنظر نحو أدهم المتأفف بجوار السائق ثم دخل بوابة المدرسة .. في الوقت الذي كانت منة تشعر بالتوتر .. وانعقد لسانها لم تدري كيف تتصرف في موقف كهذا .. تشعر برغبة في الهرب وتشعر بالحرج وبالخجل ..
حاول عقلها استعادة تعليمات أمها وأخوتها بشأن علاقتها بزملائها بالمدرسة وما يجوز وما لا يجوز ولم تعرف كيف تتصرف .. فتحركت لتتركه ..
أسرع مهند ليقف أمام منة الله يعترض طريقها قائلا "أرجوك يا منة خذي هذه الشيكولاتة لقد طلبت من أمي أن تشتريها لك "
قالت بوجه مقلوب "لا أريد"
أصر عليها " خذيها يا منة أرجوك"
أمسكه إياد من كتفه يبعده قائلا" ماذا تفعل يا مهند عيب عليك !"
قال مهند بعبوس "لا تتدخل أنت"
رد إياد باستنكار "إنها قريبتي كيف لا أتدخل!!"
تجاهله مهند وعاد لمنة المتوترة وقال "سأتركها لك وأرحل"
قالها وهو يضعها في جيب الحقيبة الجانبي فأمسك إياد بالشيكولاتة شاعرا بالغضب ونظر في الورقة المرسوم فيها قلب الملصقة عليها .. وقبل أن يقوم بأي شيء كان أدهم يمسك بتلابيب مهند ويدفعه بعيدا وهو يقول بغيظ" ابتعد عنها ولا تعترض طريقها مرة أخرى"
ارتطم مهند بالحائط خلفه ثم أعتدل يلقي بحقيبته أرضا وهجم على أدهم .. فصرخت منة بهلع واجهشت بالبكاء خاصة حينما انضم إليهما إياد وزميلين أخرين لمهند كانا ينتظرانه بعيدا ..
××××
قالت بسمة في الهاتف "مسكينة نصرة قلبي مشفق عليها بشدة .. والله لو كانت ستقبل مني مبلغ من المال لكنت أعطيتها لكني خفت بشدة أن أجرحها لهذا أدخلت موضوع الأكل البيتي الجاهز على التسوية مثل المحشي والممبار وغيره من أجل مساعدتها هي فقط وكنت أتركها تقوم بهم في بيتها وتحضره كل صباح حتى نعبئه ونغلفه ..لكني ألوم نفسي الآن ربما كان عليّ أن أعرض عليها مبلغا من المال"
ردت مليكة بصوت مرهق "لم تقصري في شيء يا بسمة مهما أعطيتها لم يكن ليكفي ..فما يتبارون في شرائه مخيفا بالنسبة لأسرة متوسطة الدخل"
غمغمت بسمة وهي تتطلع في الحديقة أمامها من شرفة غرفتها "وضع مؤسف .. كيف حالها الآن؟"
ردت مليكة " لا جديد يوم أمس اتصلت بإسراء وأخبرتني بأنها لا تزال تحت تأثير الصدمة"
قالت بسمة متألمة " مسكينة البنت أضحت مطلقة وهي لم تبدأ حياتها بعد ..هل تعتقدين بأنه قد يردها دون أن تعرف؟"
أجابت مليكة نافية " لا طبعا لا يستطيع ردها إلا بعقد جديد فهو لم يدخل بها "
غمغمت بسمة تدعك جبينها بأناملها" لم أكن أعرف بهذه المعلومة .. وأنت كيف حالك هل من جديد؟"
تكلمت مليكة بلهجة يائسة " لا جديد تحت الشمس كما هو يعاملني برسمية مقيتة وينام في حجرة الولدين"
سحبت بسمة نفسا عميقا وغمغمت" لا أعرف ماذا أقول أتمنى أن تعود الأمور كما كانت"
"لا أتوقع"
قالتها مليكة بحسرة فردت بسمة مشجعة "تفاءلي مفرح يحبك جدا .."
قالت مليكة بتردد " هل أقول لك على شيء دون أن تشتميني ؟"
بغيظ ردت بسمة " سأحاول قولي يا مليكة"
ساد الصمت قليلا ثم تكلمت بتردد " عندما حدثت مشكلة اسراء قلبي آلمني بشدة عليها ولوهلة .. لوهلة فكرت أن .. "
قالت بسمة بغضب "مليكة لا تكملي"
دافعت الأخرى عن نفسها " قلت ربما سبحانه وتعالى فعل ذلك من أجل تدبير أخر"
هتفت بسمة بغيظ " والله يا مليكة سأؤجر شخصا ليقتلك ما دمتُ غير قادرة على المجيء إليك وقتلك بيدي إن لم تكفي عما تفكرين فيه "
غمغمت مليكة " حسنا كانت مجرد فكرة وردت على رأسي .. وصدقيني كانت مؤلمة بشدة أكثر مما تتصورين وهي مجرد خاطرة فما بالك بالتنفيذ .. ومع هذا لو أضمن بأنه سيقبل وبأن أهلها سيقبلون"
صاحت بسمة بانفعال "مليكة"
"نعم"
"اخرسي"
"حاضر"
قالت بسمة بلهجة متهكمة" طبعا لن أسأل عن مجنونتنا الثالثة أم هاشم التي تستفزني ببرودها وتشبثها بجابر ولا أعرف إن كنت أشفق عليها أم أحطم رأسها "
قالت مليكة "ها هي أم هاشم تتصل بي ما رأيك أن أدخلها معنا على الخط ؟"
قالت بسمة وهي تستند على سور الشرفة المعدني "ادخليها أنا لا أفهم في تلك الأمور "
قالت مليكة" كيف حالك يا أم هاشم؟"
وقالت بسمة" كيف حالك يا أم هاشم؟"
تكلمت الأخيرة متفاجئة "بسم الله الرحمن الرحيم !.. هل ضربت ماسورة الهاتف فأدخلت الخطين معا!!"
ضحكت بسمة بينما قالت مليكة" هذه مكالمة جماعية يا مشمش "
ردت أم هاشم " أعرف يا حبيبة مشمش أنا فقط تفاجأت .. أنا بخير وفي نعمة الحمد لله "
قالت بسمة متهكمة " أرأيت كيف تقولها بتنهيدة حارة !"
بمزاج رائق غمغمت أم هاشم " وكيف لا أقولها وقد هل عليّ القمر منذ قليل"
قالت بسمة متهكمة " يا عيني يا عيني .. ألا يزوركم مثل أي خاطب؟!"
ردت أم هاشم مدافعة " لم يمض إلا عدة أيام على إعلان الخطبة كما أنه غير متفرغ كان الله في عونه يدور كالمكوك هنا وهناك لتسريع أمور الزواج"
علقت بسمة "إذن هو جاد"
ردت أم هاشم مؤكدة "طبعا .. وهل كنت تتوقعين بأنه يمثل؟"
قالت بسمة موضحة" أقصد يرغب في أن يبدأ حياة جديدة معك"
وضحت أم هاشم بصبر " يا حبيبتي قلت لك هو حاليا مصدق لتلك الفكرة لكن بمجرد أن تحن الذبابة الخضراء سأختار أنا الوقت المناسب للابتعاد"
غمغمت مليكة " لا حول ولا قوة الا بالله!"
قالت أم هاشم بغيظ "لماذا لستما سعيدات من أجل ما أشعر به من سعادة ؟"
ردت مليكة "لأننا نخاف عليك يا مشمش "
علقت أم هاشم معترفة "أعلم ذلك لكن أنا سعيدة ..والله سعيدة جدا .. وكلما مرت لحظة عليّ أفوز بها بأي شيء منه تزداد سعادتي"
قالت مليكة بلهجة متألمة "لكن الفراق صعب اسأليني أنا "
غمغمت بسمة بلهجة ساخرة " أجل اسأليها هي!"
هتفت مليكة بغيظ "اخرسي يا بسمة"
"خرست"
سألت مليكة أم هاشم " أخبرينا عم اتفقتم بالضبط؟"
ردت أم هاشم " لا شيء سوى أن الزواج سيتم في اسرع ما يمكن بمجرد انتهاءه من تجهيز كل شيء والحقيقة أنه أصر أن يجهز كل شيء يخص الأثاث والأجهزة الكهربائية والسجاد والنجف .. وألا احضر معي إلا ما يخص مستلزمات المطبخ والمفروشات على أساس أنه ذوق العروس وهو لا يفقه في تفاصيله "
علقت مليكة معترفة " الحقيقة موقف محترم منه "
قالت أم هاشم بلهجة ولهة بعد أن تنهدت "إنه جابر القلوب يا ناس "
قالت بسمة مازحة " يا عيني يا عيني .. ( ثم سألتها ) وهل ما تحتاجينه جاهزا؟ "
ردت أم هاشم " أنا عندي أشياء كثيرة كنت أخزنها لنفسي منذ سنين طويلة .. سأحتاج فقط لبعض الأشياء الحديثة على الموضة"
قالت بسمة بصدق " هل تحتاجين أي شيء يا أم هاشم بالله عليك لا تتحرجي منا "
ردت الأخيرة بامتنان " الحمد لله الحالة مستورة .. عمي كان يدخر لي ما كنت أحصل عليه من نصيبي في القيراطين الذين نملكهما .. صحيح المبلغ بسيط لكن لا بأسه به وقد رفع جابر عن كاهلنا الكثير بصراحة بارك الله له"
قالت مليكة بلهجة صادقة "تمم الله لك يا مشمش وأتمنى أن تكون ثقتك فيه في محلها لأنه لو كان كما تصفينه فلن يفرط فيك أبدا لأنه سيدرك معدنك جيدا .. وأتمنى أن يخلصك الله من المتنمرين وضعاف العقول"
سألت بسمة باندهاش " هل حدث شيء جديد؟"
ردت مليكة "منذ أن أعلنت خطبتها والنساء لا يتركنها في حالها إما بالسخرية أو التهكم هذا بخلاف القر والحسد أعوذ بالله "
قطعت أم هاشم الحديث لتسأل " هل تتوقعا يا بنات بأني قد أعيش معه تحت سقف واحد ولو عدة أيام ؟.. أنا لا أعرف كيف سأتحمل فرحة كهذه.. وكيف سأتحمل أنه قد .. قد يقترب مني "
ساد الصمت لبرهة لتضيف بحرج " أنا أعرف بأنه سيقربني من أجل الواجب .. على الأقل أول ليلة فهذه الأمور حساسة على سمعة الرجال ... لكن لا بأس حتى لو كانت من أجل الواجب فقط .. ولا بأس لو كانت مرة واحد فقط أنا متفهمة ذلك الشيء "
قالت مليكة بلهجة عاتبة " لماذا هذا الكلام يا مشمش ؟!..إن كان رجلا رائعا كما تصفينه فبالتأكيد له نظرة خاصة في هذه الأمور "
ردت أم هاشم بجدية " دعينا نكون واقعيين يا مليكة .. أنا سمراء ونحيفة وافتقر للمؤهلات الانثوية البارزة ماذا سيفعل الرجل بي ؟"
شردت بسمة في كلامها تتعجب كيف أنها راضية به حتى لو فعلها من أجل الواجب فقط .. بينما هي رفضت شيئا كهذا يوما ما .. ولم تعرف إن كانت تفرح لأنها لم تكن عاشقة لزوجها السابق بهذا الشكل المتيم أم تحزن من أجل صاحبتها العاشقة حد اليأس .. فقالت "أريد أن أؤكد لك يا أم هاشم أن الجمال وحده لا يكفي لأن يحب الرجل زوجته ..أنا عندك كمثال .. وكذلك كاميليا ..وفي حياتي خارج بلدتنا المشهورة بجمال بناتهن مر عليّ بعض الثنائيات لم تكن العروس باهرة الجمال ومع هذا كان ازواجهن يحبوهن .. طبعا هذا ما حللته وأدركته مؤخرا.. "
قالت أم هاشم بصدق " لكني أريده أن يتمتع في هذا الجانب كأي رجل فهو يستحق ذلك .. يستحق أن يتزوج أحلى امرأة في الكون "
صمتت مليكة متألمة تفهم جيدا شعورها ولم تجد بسمة ما تقوله سوى أن غمغمت باستسلام " على أية حال سأدعو لك كثيرا أن يعطيك الله أكثر مما تتمنين بإذن الله"
غمغمت أم هاشم " اللهم آمين ..المهم طمئنيني يا عروس على حياتك مع الرجل الغامض"
قالت مليكة مناكفة " هو غامض بالفعل"
سألت أم هاشم " لماذا ماذا حدث؟"
ردت مليكة " اكتشفت بأنه قد سبق له الزواج ولم تكن تعرف "
قالت أم هاشم متفاجئة " ها؟؟ .. طبعا كان لابد أن يخبرك"
قالت بسمة بلهجة ممتعضة " يقول بأنها قصة قديمة من اثنتي عشرة سنة في بلده"
علقت أم هاشم " أوووف!.. قديمة فعلا لا أتـوقع بأنها قد تضايقك المعرفة بها "
هزت بسمة كتفيها وردت " لا طبعا ..لا تضايقني لكن يقتلني الفضول لأرى شكلها "
ضحكت الفتاتان لتضيف بسمة بكبرياء "لكن الحقيقة هكذا أفضل "
سألتها مليكة " ما معنى هكذا أفضل؟"
ردت بسمة ببساطة " تساوت الرؤوس فلم يكن يعجبني أن أكون أنا التي مررت بتجربة وهو الذي لم يسبق له الزواج"
سألتها مليكة "لماذا؟!!"
ردت بسمة " هكذا فقط أشعر بارتياح أكبر"
تدخلت أم هاشم مفسرة بشقاوة " تقصد من الجانب الخاص لا تريد أن تشعر بأنها قد سبق لها التجربة وهو لا .. تريد خبرة في الأداء"
شهقت مليكة وهتفت "اخرسي يا أم هاشم"
أكملت أم هاشم بنفس اللهجة المازحة " أو ربما خافت من فرق السرعات "
انفجرت الثلاثة في الضحك لتقول بسمة من بين ضحكاتها "سأراك حينما تتزوجين يا وقحة"
قالت مليكة مخمنة "اعتقد بأنها من النوع طويل اللسان فقط دون فعل "
قالت أم هاشم متهكمة " حبيبتي .. أنا مجرد وجودي معه في نفس البيت قد يصبني بأزمة قلبية .. فتقولين سنرى ماذا ستفعلين يا أم هاشم !!"
قالت بسمة بصدق "إن شاء الله ستفرحين وتسعدين سعادة دائمة "
"باسمة"
صوت كامل اجفلها فاستدارت له حيث يقف على باب الشرفة فعبس وقال" لماذا تفاجأت؟"
غمغمت بحرج "لا أبدا هل تريد شيء "
قال بهدوء" انتهي من المكالمة أولا"
قالها وتحرك مبتعدا فقالت مليكة "سأتركك لزوجك يا بسمة فأنا أيضا تأخرت جدا في النزول للطابق الأرضي"
أسرعت أم هاشم بالقول "وأنا أيضا سأغلق لأن الفتيات انتهت استراحتهن ولازلن يتمرقعن سلام "
انهت بسمة مكالمتها ثم دخلت الغرفة فوجدت كامل عاري الجذع وقد ارتدى بنطالا من الجينز الأزرق .. فبدت هيئته حابسة للأنفاس .. فاحمرت وجنتاها وهي تبتعد ناحية الأريكة مولية له ظهرها .
تابعها كامل بنظرة جانبية وهو يرتدي تيشيرت أسود بنصف كم ثم قال" أنا سأخرج لمشوار قريب ثم سأعود بعدها وأترك شامل ليتابع المطعم اليوم حتى المساء لأني أرغب في الخروج وتغيير الجو هل تريدين الخروج معي حينها ؟"
سألته متفاجئة "إلى أين؟"
أنكر بأنه يرغب في الاساس الخروج معها وقال "فقط لأغير جو كما قلت لك لقد بقيت في البيت مدة مرضي ومدة انشغال شامل بزوجته ومللت ..إن أردت الخروج معي نستطيع أن نذهب لنتناول الغداء أو ندخل السينما أي شيء تريدين "
هزت رأسها وقالت "سأكون سعيدة بذلك طبعا"
هز رأسه وهو يمسك بكفيه على جانبيه ويتطلع فيها بتلك النظرة التي تزيد من حرارة الطقس حولها فتحركت بسمة هاربة منه وتجاوزته .. ليستدير ويتابعها بأنظاره حتى دخلت الحمام.
بمجرد أن أغلقت الباب خلفها رفع رأسه للخلف مغمضا عينيه وأذنه تترقب صوت اغلاق الباب من الداخل بتوسل حتى يساعده ذلك على التحكم في أعصابه ..وبمجرد أن سمع ذلك سحب نفسا عميقا يهدئ من احتراقه الداخلي ثم اقترب من طاولة الزينة ليمشط شعره .. وهو يفكر في قراره الذي اتخذه لكسر ذلك الشعور بداخله وأنه لابد أن يخرج بها للشارع كأي زوج وزوجة طبيعيين لابد أن يعرف عنها الناس ويتعود بأن تكون بجواره بدلا من السجن معها في بيت واحد ينتظر عقده أن تحل .. فعليه هو بالسعي لحلها .
××××
بعد قليل
خرج مفرح من بوابة بيت العمدة يتحدث في الهاتف بعد أن انتهى من جلسته مع العمدة لتفقد أحوال الرعية كما يحب أن يطلق على الأمر فقال الغفير " السيارة جاهزة يا باشمهندس مفرح "
فأومأ الأخير له برأسه وعاد ليكمل المكالمة متجها نحو سيارته وهو يقول لمحدثه "حسنا يا عادل بك سأرسل لك الطلبات خلال يومين على أقصى تقدير في سلامة الله"
اغلق الخط فلاحظ رقما غير مسجل قد اتصل به أثناء مكالمته ثم وجد اتصالا من مليكة فأسرع بالرد بتلك اللهجة المحايدة التي باتا يتعاملان بها" نعم مليكة "
جاءه صوتها قلقا وهي تقول" مفرح أين أنت؟ .. مديرة المدرسة اتصلت بي .. يريدونك في الإدارة حالا .. تقول أن أدهم وإياد قد تشاجرا وعليك الحضور ..وحاولوا الاتصال بك ولم ترد فاتصلوا بي "
عبس مفرح وقال لها مهدئا" حسنا سأذهب فورا "
قالت بقلق "مفرح بالله عليك طمئنني أن الولدين بخير ولم يصبهما شيء "
رد يطمئنها " لا تقلقي يا مليكة لو كان بهما شيء كانت المديرة أبلغتك واضح أن الموضوع مجرد مشاجرة عموما أنا ذاهب الآن للمدرسة وسأطمئنك"
أغلق الخط فوجد مصطفى الزيني يخرج من بوابة بيته مسرعا ليركب سيارته هو الأخر وبمجرد أن رآه أسرع إليه قائلا بقلق "ما الذي حدث يا مفرح منة اتصلت بي تبكي وتخبرني عن مشاجرة ولم افهم شيئا .. والسائق عم طه لا يعرف ماذا حدث في المدرسة "
قال مفرح "إدارة المدرسة طلبتني ولا أفهم أنا الآخر"
غمغم مصطفى وهو يتحرك ليركب في المقعد المجاور للسائق "إذن خذني معك فلا داعي للذهاب بسيارتين ما دام طريقنا واحد "
××××
بعد نصف ساعة
تطلع مفرح في ولديه اللذين يقفان ممزقي الملابس أمامه ثم قال للمديرة بغضب "حتى لو كان ولداي قد بدآ الشجار أين كان أمن المدرسة والمشرفين؟"
ردت المديرة بلهجة عملية" أمن المدرسة تدخلوا يا فندم وفرقوا الأولاد"
قال ساخرا "واضح فعلا بأنهم قد تدخلوا بسرعة بدليل الحالة التي عليها ولداي الآن "
وضحت المديرة" يا فندم ولداك استخدما العنف مع زميلهم بشكل زائد"
سألها مفرح " وأين زميلهم ووالده لماذا استدعيتموني أنا فقط "
قالت المديرة متنحنحة" والدة مهند كانت مرتبطة بموعد هام فأخذته ورحلت "
قال إياد بالإنجليزية بلهجة مؤدبة" أعتذر عن المقاطعة لكن والدته قد رحلت حينما علمت بسبب المشاجرة وبأن ابنها هو المخطئ "
لملم مفرح ابتسامة تريد البزوغ على شفتيه وهمس لمصطفى الجالس بجواره " أنظر للأدب ..للحظة شكيت بأنه ابني الذي أعيش معه في المنزل "
ابتسم مصطفى وهو يتابع حديث المديرة بالإنجليزية مع إياد بينما أضاف مفرح بنفس الهمس واللهجة المازحة " لا أعرف لماذا وأنا أسمعه يتحدث بلغة أجنبية أشعر بأن جيبي يؤلمني ربما لأنه يذكرني بالمبالغ الضخمة التي ندفعها كل عام "
غمغم مصطفى هامسا "صلي على النبي يا رجل لا يحسد المال إلا أصحابه"
تحكم مفرح في ابتسامة وعاد ليتابع الحديث بينما قال مصطفى بلهجة هادئة "هلا تحدثتما بالعربية حتى أفهم الحوار من فضلكما فأنا رجل من الجيل القديم وانجليزيتي ليست بهذه القوة لأتابع ما يقال"
امتقع وجه المديرة ليتدخل مفرح قائلا "أنت استاذنا جهبذ اللغة العربية "
ابتسم مصطفى وعاد للمديرة يقول "حضرتك تركزين على كون الولدان قد تشاجرا مع زميلهما لكنك حتى الآن لم تتحدثي عن سبب المشاجرة فلكل فعل رد فعل"
قالت المديرة بلهجة مهنية" يا حاج مصطفى هذا السن من الوارد أن تحدث مثل هذه الأشياء وزميلها كان يهديها قطعة شيكولاتة عادية "
رد أدهم منفعلا" قطعة شيكولاتة ملصق عليها قلب احمر وحرف ميم بالإنجليزية!!"
انعقد لسان المديرة بينما هتفت منة الله التي تجلس بجوار والدها لتقول بلهجة باكية "رفضتها يا أبي والله العظيم"
ربت مصطفى على ظهرها مطمئنا بينما قالت المديرة لأدهم "كان من الممكن أن تشتكيه يا أدهم لا أن تتشاجر معه"
قال أدهم بنفس اللهجة المنفعلة" قلنا لحضرتك أنه كان يضغط عليها ويلح حتى تأخذها وكانت تشعر بحصاره"
ليتدخل إياد مضيفا "هل من المفروض أن أراه يلح بالشيكولاتة وعليها ذلك القلب واصفق له!"
هرش مفرح في لحيته عدة مرات وهمس لمصطفى يتحكم في ابتسامة "هذان ولداي"
كتم مصطفى الضحك وغمغم "اللهم بارك ..اللهم بارك"
قالت المديرة لولدي مفرح بإصرار" لابد أن تحترما قوانين المدرسة وأي مشكلة عليكما اللجوء لأحد المشرفين ..ثم إنك يا أدهم من الواضح أنك تتقصد مهند لأنه اشتكى اليوم لمدرب التربية الرياضية بأنك كنت تتعمد اللعب معه بخشونة ..وتسببت له في إصابة أكثر من مرة.. كما أنه أبلغ إحدى المشرفات قبل يومين بأنك تتبعه في كل مكان بشكل غريب أخبرني هل لديك مشكلة معه ؟"
صمت أدهم قليلا وتبادل النظرات مع أخيه فتدخل مفرح ليعطي ولده دعما معنويا وقال "تكلم يا أدهم ولا تخش شيئا حتى لو كنت مخطئا ستتعلم من الخطأ"
قالت المديرة بإلحاح "تكلم يا أدهم لماذا تتعمد مضايقة هذا الولد بالذات؟"
احمرت وجنتا الأخير ثم قال بلهجة جادة جعلت والده يريد أن ينفجر في الضحك "سأقول ولكن في عدم وجود منة الله"
عقدت المديرة حاجبيها ثم قالت لمنة "هلا انتظرت خارجا يا منة من فضلك ؟"
انفجرت منة في البكاء ترفع رأسها لوالدها قائلة" أنا لم افعل شيئا يا أبي والله "
ربت مصطفى على ظهرها قائلا بهدوء" لا بأس أنا أعرف بأنك لم تفعلي شيئا "
تدخل أدهم قائلا لها بلهجة مطمئنة " لا أنت لم تفعلي شيئا يا منة "
طريقته التي قال بها العبارة وحمائيته جعلت مفرح يرفع حاجبا وهو يتحكم بقوة في رغبة للانفجار في الضحك فتبادل النظرات مع مصطفى الذي يتحكم هو الأخر في نفس الرغبة بينما تحركت منة لتغادر الغرفة.
بعد أن خرجت قال مفرح بهدوء وجدية "تكلم يا أدهم وأخبرنا "
قال أدهم بعبوس" مهند يتحدث مع زملائه في الفصل بأنه يحب منة الله .. وقد علم إياد بذلك وأخبرني .. ومن منطلق أنها قريبتنا فطبيعي ألا يعجبنا ما يحدث أنا أو إياد .. واليوم صباحا أطلق مهند شائعة أن أمه وأمها صديقتان وتتقابلان بشكل دائم .. أي عبث هذا .. لابد أن يتوقف عن مثل هذه الأحاديث غير اللائقة"
قالت المديرة لأدهم " كان من الممكن لمنة أن تشتكي"
رد إياد موضحا "لا أتوقع أن منة تعرف بما يقوله مهند للصبية في فصلنا ..ولقد أحرجته أمام الجميع اليوم حينما كذبت حديثه عن كون أمه وأمها صديقتان وتتقابلان"
ظل مفرح يراقب ما يقال باندهاش كبير ثم غمغم" لم أتوقع أن هذه الأمور تبدأ في هذا السن المبكر جدا"
ردت المديرة بلهجة علمية" سن المراهقة تختلف بدايته من طفل لأخر يا فندم ووارد جدا أن يحدث ما حدث في هذا السن لكن كان على ولديك أن يسلكا الطريق المتحضر في التعامل مع الأمر "
انقلب وجه مفرح يناظر المديرة بعبوس على ما قالت وقبل يعلق قال مصطفى بلهجة غاضبة" حضرتك تحدثت عما يجب أن يفعله الولدان وفي الوقت نفسه أرجعت ما فعله مهند هذا لسن المراهقة! .. لا يا فندم هذا لا يعجبني .. ولا يتناسب مع تقاليدنا أبدا ولا أقبل به .. هذا الأمر عليكم بإيقافه فورا"
قالت المديرة بهدوء "يا فندم هذا لعب أطفال"
هدر مصطفى غاضبا " أي أطفال هؤلاء الذين يجهرون بهذه الأمور بكل أريحية بين زملائهم دون خجل أو تحفظ !!.. أنا لست جاهلا فلا أعرف بأنه لعب أطفال وسلوك مراهقين .. لكن أنا أتحدث عن دور المدرسة في الوعي .. أتحدث عن جو عام يشاع فيه البوح بمثل هذه الأمور ..أتحدث عن الجرأة في التصرف وأن يصل الأمر لأطلاق شائعات عن كون أميهما تتقابلان وتباركان العلاقة وهذا الكلام الذي لا أقبله على ابنتي .. ثم يتطور الموضوع لهدايا وقلوب ما هذا السخف !.. إن كان هذا الجو العام الذي يسود في المدرسة وبمباركة الإدارة فيؤسفني بأن أقول بأني سأسحب أوراق ابنتي منها فورا"
امتقع وجه المديرة وشعرت بالرهبة من لهجة مصطفى الزيني وشخصه فأسرعت بالقول بارتباك "لا يا حاج مصطفى نحن بالطبع لا نقبل بأي تجاوز أخلاقي في المدرسة .. أنا كنت فقط أشرح بأن هذه مرحلة طبيعية يمر بها الأولاد حتى سن الجامعة .. وكنت أتمنى لو أدهم وإياد أخبرانا بما يحدث بدلا من التعامل الخشن مع الموضوع "
رد مصطفى بنفس الغضب" وأنا قلت لك بأنني متفهم للمرحلة السنية لكني أتحدث عن دور المدرسة في التوعية أنا أوعي ابنتي والباشمهندس مفرح يوعي أولاده لكن هناك أهال غير منتبهين أو ربما لا يعلمون بما يفعله أولادهم بالمدرسة وهنا دور إدارة المدرسة لنشر الوعي الأخلاقي بين الطلبة .. أما بالنسبة لأدهم وإياد لا أتوقع بأنك تطلبين منهما التحضر فيما يخص قريبتهما ..نحن نربي أولادنا على النخوة يا أستاذة هذا إن ربطنا بين ما فعله إياد وأدهم بمفهوم التخلف الذي هو عكس التحضر الذي تقصدينه لأنني أراه أيضا سلوكا عاديا من أولاد في سنهم ..فلماذا كان لهذا الولد التبرير بأنه يسلك بسلوك مراهقين ولأحفاد الزيني يتطلب الأمر استدعاء لولي أمرهم!!"
شعرت المديرة بأنها تكاد أن تبكي من حرجها أمامه فأسرعت بالقول" بالطبع يا فندم المدرسة تقوم بحصص توعية تربوية للطلبة في هذه المرحلة العمرية"
رد مفرح بلهجة متهكمة" أتوقع أنكم تحتاجون لزيادة عدد هذه الحصص "
بعد قليل كانوا يخرجون من مكتب المديرة التي أوصلتهم حتى الباب وهي تقول بلهجة متوددة " المدرسة تشرفت بوجودكما اليوم .. وأرجو أن نكون قد أزلنا أي سوء فهم كما أن أولاد الزيني أدهم وإياد ومنة من أفضل الطلاب لدينا خلقا وعلما ما شاء الله "
شكرها مفرح ومصطفى وتحركا مع الأولاد مغادرين فتطلع الأول في أحفاد الزيني الذين يسبقوهما يتحدثون وغمغم بتهكم "أكثر مقطع أعجبني الجملة الدفاعية ( لا يا منة أنت لم تفعلي شيئا )"
ضحك مصطفى وقال" بسم الله ما شاء الله رجال صغار "
غمغم مفرح بصدق" لا يقلا رجولة عن أولادك يا أبا حمزة"
قال مصطفى شاكرا "عشت يا أبا أدهم .. أسأل الله أن يحمي أولاد الزيني جميعا فالزمن أضحى صعبا"
استدار إليه مفرح يسأله "قلت لي ما لون السيراميك الذي تريده العروس؟!!"
قالها وانفجر هو ومصطفى الزيني ضاحكين .
××××
صرخت كاميليا بعصبية في أولاد العسال الصغار وطلبت منهم أن يخرجوا للعب في ساحة البيت فأسرعت ميس وأولاد عمها بالخروج بينما قالت هدى باعتراض "كفي عن الصراخ في الأولاد يا كاميليا "
ناظرتها بغيظ فقالت وجدان بلهجة متهكمة" أتركيها فهي على هذا الوضع منذ أن علمت بأن جابر سيتزوج من أم هاشم "
استدارت إليها كاميليا تقول بكبرياء "من هذه التي تتحدثين عنها؟.. أنا !! .. أنا التي رفضت أن أعود إليه سأتضايق لأنه اختار تلك العفريتة ليتزوجها !!.. فكري قليلا في هذا الكلام الذي تقولينه ستعرفين بأنك غبية ولا يوجد وجه مقارنة بيني وبين هذه السوداء العانس تجعلني اتضايق يا حبيبتي "
قالت هدى بلؤم" ألم يقل بأنه سيتزوج بمن هي في مقام سيدتك وتاج رأسك قبل أن تنتهي عدتك؟"
قالت وجدان بلهجة متشفية" أنت لا تفهمين يا هدى لقد أراد أن يخبرها بأنها في نظره أقل جمالا من تلك السمراء .. أراد أن يحرق دمها ليس بالأجمل منها بل بمن هي في نفس سنها وسمراء ليخبرها بأن جمالها الذي كانت تفتخر به لا يمثل عنده أي شيء "
أطلقت كاميليا ضحكة عالية مستفزة ثم قالت وهي تغادرهما" إن كان قد فعل ذلك كما تظنان ليغيظني فليشبع بعفريتته التي ستنحسه بسوادها إن شاء الله "
قالتها وصعدت السلم بخطوات متبخترة متعمدة وهي ترفع طرف عباءتها اللامعة لتغيظهما لكنها بمجرد أن وصلت للطابق العلوي سقط عنها قناعها ووقفت تفكر في غيظ ..
لقد تلقت خبر خطبة جابر لأم هاشم بنوبة ضحك هستيرية لأول وهلة لكنها لا تعرف لماذا بدأت تشعر بعد ذلك بالغيظ وبالإهانة .. أن يرفع السوداء لنفس مقامها ويحضرها لتعيش في البيت الذي كانت تعيش فيه أمر أغضبها بشدة .. ليته قد أحضر فتاة أكثر جمالا أو أصغر سنا كانت وقتها ستشعر بأنه يعترف بأنها جميلة ولهذا بحث عمن يظنها أجمل منها لكن أن يحط من قدرها بهذا الشكل ويعلن خطبته لعانس سوداء الخبر حرق دمها بشدة .. بل واحرجها أمام أهل البلدة كلهم اللذين يقولون بأنه قد زهد الجمال بسببها فاختار السوداء ليهين بنت العسال ويخبرها بأن السوداء أحسن منها .
وقفت كاميليا تقضم ظفر ابهامها ثم قالت لنفسها "هذا الأمر أنا لن أمرره لك يا جابر .. ولن أسمح لك بأن تدخل تلك السمراء بيتا كانت سيدته كاميليا العسال ..لن أسمح لك بإهانتي بهذا الشكل أمام أهل البلدة"
وصمتت قليلا تفكر ثم قالت" ماذا ستفعلين يا كاميليا فكري .. هيا فكري جيدا"
××××
"كل شيء بخير لا تقلقي يا مليكة"
قالها مفرح في الهاتف فسألته "ماذا حدث؟ لماذا تشاجرا؟"
رد بلهجة عملية "سأخبرك فيما بعد .. أنا اقترب من بيت العمدة .. سأنزلهما وأذهب لموعد تأخرت عليه ثم أعود سلام"
ألقت مليكة بالهاتف على الأريكة بجوارها وحمدت الله على سلامة ابنيها .. ثم امسكت برأسها من ذلك الصداع الذي لا يريد أن يتركها منذ أن استيقظت والذي يتكرر كثيرا.
همت بأن تأخذ حبة دواء للصداع ثم تنزل للطابق الأرضي فقد تأخرت في النزول اليوم وبالتأكيد ستُقابل بوصلة تقريع قوية من حماتها ..
فتحت أحد الأدراج لتخرج الدواء فانتبهت لتلك البقعة الزرقاء في ساعدها ودققت فيها مجددا تحاول أن تتذكر إن كانت قد ارتطمت بشيء أم أنها ظهرت وحدها .. لقد مرت عدة أيام ولم تستطع حتى الآن أن تحدد سببها .
طرقات على الباب جعلتها تترك شريط الدواء وتغادر غرفة النوم لتفتح متسائلة لماذا لم يفتح أدهم بالمفتاح لكنها حينما فتحت باب الشقة وجدت أم سعيد تقول بارتباك "الحاجة نحمدو تريد طبق التقديم الكبير الموجود في النيش"
بعدم فهم سألت مليكة "نيش من؟.. وعن أي طبق تتحدثين؟! "
ردت أم سعيد بارتباك واضح " الـ النيش (وأشارت خلف مليكة) تريد طبق السفرة الكبير الموجود في واجهة النيش عندك"
هتفت مليكة باستهجان "نعم !!"
أسرعت أم سعيد بالقول " هي من طلبت؟"
أظلمت ملامح مليكة وقالت بلهجة صارمة "اذهبي يا أم سعيد من هنا "
غمغمت المرأة تسأل بارتباك "ماذا أقول لها؟"
قالت مليكة بلهجة غاضبة " قولي لها أنا سأنزل الآن"
ابتعدت المرأة مرتبكة بينما أغلقت مليكة الباب بغضب شديد ونظرت للطبق الفخم الذي يزين النيش خاصتها ضمن طقم غالي الثمن وطحنت ضروسها تطلب من نفسها ضبط النفس كالعادة .
بعد دقائق كانت أم سعيد تقول للحاجة نحمده" ما ذنبي أنا يا حاجة نحمدو هي طلبت مني أن أنزل"
هتفت نحمده بصوت متجبر " أنا قلت تحضرين الطبق معناها تحضرين الطبق"
همست لها فايزة التي وصلت منذ قليل "قلت لك لن تتخلى عن شيء من هذا النيش .. وهذا الطقم بالذات لم أكن أصدق المبلغ الضخم الذي ذكرته عندما سألتها عن ثمنه حينما تزوجت إلا بعد أن رأيت مثله بعيني في محل فاخر"
سمعت نحمده باب شقة مفرح يفتح ويغلق فقالت لأم سعيد باقتضاب "اذهبي من وجهي الآن ..وانتهيا سريعا مما طلبته أريد كل شيء جاهز قبل الغروب"
اسرعت المرأة بالدخول للغرفة الجانبية بينما قالت فايزة لأمها هامسة" أنت عصبية يا أمي ولا نريد أن نصعد الأمر بأخطاء قد يعرف بها مفرح"
خلصت نحمده ذراعها الذي تمسكه ابنتها وقالت بقرف "اسكتي.. أنا دمي يغلي منذ أن قابلت صفاء هذا الصباح .. المرأة وجهها منير من الحمل كأنها بنت السابعة عشر وأنا أبني حسرتي عليه"
لمحت مليكة تنزل فارغة اليدين فسألتها متخصرة " أين الطبق؟"
ببرودها المعهود ردت مليكة بكبرياء "أي طبق؟"
هتفت نحمده بغيظ " الطبق الذي طلبته من النيش خاصتك"
ردت مليكة بهدوء كاد أن يجلط حماتها "أنت قلتها النيش خاصتي وأنا لا أسمح باستعماله خارج شقتي"
صاحت نحمده بلهجة متسلطة "هذا بيت ابني وكل ما يخصه يخصني أنا أيضا "
حاولت مليكة التماسك بقوة وقالت "لا شيء سيخرج من شقتي اعتذر جدا"
تدخلت فايزة بغيظ " ما هذا الأسلوب الذي تتحدثين به مع أمي !"
قبل أن تجد مليكة ردا منضبطا ترد به قالت نحمده لابنتها " أتركيها يا فايزة ( ونظرت لمليكة تقول ) تمام يا ست الهانم حينما يأتي ابني الذي يأويك في بيته لي معه حديثا مطولا ليجد لي حلا في قلة أدبك هذه"
وقف أدهم وإياد متسمران على الباب وهما يشاهدان المشاجرة بينما هتفت مليكة بغضب " أنا لست قليلة الأدب يا حاجة نحمدو .. وأنا من ستخبر مفرح حينما يأتي"
ضربت نحمده بكفيها ثم فردتهما في الهواء تقول بتحدي "اخبريه يا حبيبتي وهل سأخاف منه!! .. اخبريه ليعرف بأنك ترفضين اعطائي طبقا حتى أضع فيه الحلويات التي سأرسلها لمهجة أخته .. وأنا سأخبره أيضا بأنك نزلت اليوم بعد الظهر وكأنك تعيشين في فندق وليس في بيت عائلة وعليك التزامات وواجبات"
شعرت مليكة بالتقصير فقالت "كنت مريضة قليلا"
ردت نحمده بقرف " أنت دوما مريضة ونحن متحملون .. انظري للكنائن حولك .. الواحدة منهن بطنها منتفخة أمامها وتعمل في الحقل بينما أنت (ومصمصة شفتيها)"
قالت مليكة مقاطعة شاعرة بالألم والإهانة "لا داعي لهذا الحديث من فضلك"
انفجرت نحمده فيها وكأنها تبحث عن مبرر لتنفس فيه غضبها "أنا أتحدث كيفما أشاء .. هذا بيتي والكل يسمع الكلام (واشاحت بيدها تضيف بتعال ) هيا إلى الداخل يا ست الهوانم لدينا عملا كثيرا"
"ما مشكلتك معها بالضبط ولماذا تحدثينها بهذه الطريقة المهينة ؟!!!"
قالها أدهم عابسا بعد أن ترك حقيبته المدرسية على الباب ووقف أمام مليكة يواجه جدته بعينين تشعان بالغضب فهتفت نحمده بلهجة صارمة "اخرس ولا تدخل نفسك في أحاديث الكبار"
قال أدهم بإصرار وغضب "بل سأتدخل فليس من حقك أن تحديثها بهذه الطريقة"
خشيت مليكة من تأزم الوضع فربتت على ظهره تقول بهدوء "اسكت يا أدهم واصعد للأعلى"
أطلقت نحمده صوتا ساخرا من حنجرتها وقالت بلهجة متهكمة " لماذا؟ .. اتركيه ليريني تربيتك الرائعة المحترمة له .. (وأكملت بتقريع وغل ) ما فائدتك في حياة ابني لا أفهم؟.. حتى الولدين لست بقادرة على تربيتهما تربية سليمة"
(ما فائدتك)
سؤال ألقى بالملح فوق جرحها فقالت باعتراض "أنا لا أسمح لك بالذم في أخلاق أبنائي أبدا"
قالتها بصوت خرج متحشرجا مرتجفا آلم قلب أدهم و إياد فأسرع الأخير بالابتعاد عن الباب وقد انهمرت دموعه لا يفهم لماذا تتصرف جدته دوما بهذه الطريقة البشعة مع أمه فأخرج الهاتف من جيبه واسرع بالاتصال بمفرح الذي رد عليه قائلا" نعم إياد هل نسيت شيئا في السيارة؟"
انفجر إياد في البكاء رغما عنه .. كان مشحونا بمشاعر سلبية متراكمة تخص هذا الموضوع بالذات وقد وصل لنقطة انفجار فقال مفرح بفزع "إياد ماذا هناك .. إياد"
غمغم إياد غير قادر على التوقف عن البكاء "لماذا تتركها تتلقى الإهانات من جدتي .. لماذا لا تدافع عنها .. ألم تقل لنا منذ قليل أننا ندافع عمن يخصوننا .. أليست تخصك .. أليست تخصك "
قالها وأغلق الخط ثم جلس على عقبيه يبكي ..فأسرع مفرح يترجل من السيارة التي لم تكن قد تحركت بعدما وقف يسلم على أحدهم.
في الداخل هتف أدهم يقول لجدته وهو مصر على عدم التقهقر من أمامها "أمي تربينا أحسن تربية"
قالت مليكة ببعض التوسل لا تحب أن يتواجه ابنها مع جدته بسببها " اذهب يا أدهم بالله عليك عيب هذا الكلام"
استدار إليها يقول بغضب "إن كان أبي يقبل بهذه المعاملة لك فأنا لن أقبل بها أبدا"
صوت ساخر أخر خرج من حنجرة نحمده ثم قالت لمليكة "مَثّلي يا حبيبتي .. تصنعي الترفع والتحضر .. هذا اللؤم وهذه المسكنة أعرفها جيدا"
تدخلت فايزة بعد أن شعرت بأن الأمر يخرج عن السيطرة فأمسكت بذراع أمها تقول بصوت خافت "أمي يكفي هذا الولد واقف وقد يصل الأمر لمفرح "
نزعت ذراعها من يد ابنتها وهتفت بضيق شديد "اتركيني يا فايزة .. اتركيني في حالي المائل من دون الحموات"
في تلك الأثناء دخل مفرح لساحة بيت العمدة مسرعا فوجد إياد يقف في الشرفة العالية فتوجه إليه فورا يصعد الدرجات القليلة ويسأله بهلع "ماذا هناك يا إياد؟"
قبل أن يجيب كان صوت الشجار من الداخل يأتيه فاستدار عابسا وتحرك نحو الباب الداخلي للشرفة يقطع غرفة داخلية ثم ممرا حتى وصل لباب إحدى الغرفة وتسمر مكانه وهو يسمع مليكة تقول بصوت مجهد " لماذا كل هذا لا أفهم؟"
ضربت نحمده كفيها ببعضهما ثم فردتهما في الهواء تصيح بغضب " بسبب الحال المائل الذي نحن فيه .. بسبب الخيبة الثقيلة التي بلانا الله بها حينما ابتلانا بك في حياة ابني "
الجملة ضربت في صدر مفرح كالرصاصة فتجمد مصدوما ولسبب ما لا يعرفه وقف يتابع الأمر وكلمة ولده ترن في أذنه (لماذا تتركها تتلقى الإهانات من جدتي .. لماذا لا تدافع عنها ) فتقبض ووقف يراقب من بعيد ليفهم ما هو غائب عنه .
كان بينه وبين المشهد غرفة يستعملونها كمطبخ كبير .. غرفة لها بابان يقف هو على باب بينما يرى أمام الباب الأخر أمه واخته في مواجهة زوجته وابنه الذي أطلق الرصاصة التالية في صدر مفرح حينما هتف بعصبية في جدته "لو سمحت يا جدتي أنا لن أقبل بأن تعاملينها بهذه الطريقة المهينة ..لماذا تفعلين ذلك دوما؟؟.. ماذا فعلت لك لتستحق التقريع والتوبيخ ومصمصة الشفاه في الغدوة والروحة ...ألا يكفي بأنها تقبل أن تعمل بيديها ولديها في السرايا خدما لا يتركونها تحمل كوبا من فوق منضدة !"
هتفت نحمده بلهجة غاضبة وهي تغلق قبضتها في الهواء حتى تلجم رغبة بداخلها لصفعه "قلت لك لا تتدخل في كلام الكبار يا أدهم "
صرخ أدهم بغضب ممزوج بالقهر والرغبة في البكاء وهو يطلق رصاصة ثالثة في صدر مفرح " الكبار ظالمون وأنت ظالمة"
همت نحمده بالانقضاض عليه والشرر يتطاير في عينيها فأسرعت مليكة بسحبه من أمامها وابعاده وهي تقول بلهجة حازمة "اسكت يا أدهم ..هيا إلى أعلى"
دفعته نحو السلم وقالت بحزم أكبر "إلى أعلى قلت"
وقف أدهم جانب السلم يحدج جدته بغضب شديد بينما قالت نحمده بلهجة ساخرة متهكمة "اتركيه يا حبيبتي ليريني التريبة المحترمة التي ربيتيها له"
قالت مليكة بلهجة باردة ولكنها حادة "من فضلك يا حاجة نحمدو دعينا ننهي هذا الأمر ماذا تريدين.. إلا أن أخرج طبقا من النيش خاصتي كما طلبت فهذا الطقم غالي عليّ لأنه هدية من أخي "
قالت أم سعيد من الغرفة بصوت خافت سمعه مفرح" لا حول ولا قوة إلا بالله !.. أخبري الحاجة بشأن الطيور يا تماضر لعلها ترحمنا من تعب الأعصاب هذا"
تحرك مفرح خطوة واحدة جانبا حتى لا تراه تماضر وهي تتحرك نحو الباب الأخر ثم عاد يشاهد طريقة أمه ووقوف اخته وعلى وجهها تعبيرا متسليا صدمه صدمة شديدة بينما قالت تماضر بارتباك " لا تؤاخذيني يا حاجة .. لقد ذبحت الطيور وتركتها كما طلبت وأخشى أن رائحتها ..."
قاطعتها نحمده تقول " اتركيها عندك .. (ونظرت لمليكة تضيف بلهجة مستهزئة ) الست هانم ستنتف ريشها وتنظفها"
غمغمت تماضر باندهاش" من؟!!!"
بينما بهتت مليكة وناظرت حماتها متسعة العينين لتقول الأخيرة بتسلط "اذهبي قلت واتركيها .. ( وقالت لمليكة تشيح بيدها بلهجة متعالية ) وأنت هيا أمامنا يوم طويل أريد أن أرسل الموسم* لمهجة اليوم"
أدارت تماضر وجهها فابتعد مفرح عن الباب الأخر قليلا حتى لا تلمحه وكأنه لم يكتفي بعد من المشاهدة ..ورآها تمسح دمعة وترفع سبابتها إلى السماء وكأنها تدعوا على والدته .. ثم اختفت في الغرفة لتفسح مجال الرؤية له وسؤال واحد يلح في ذهنه ويجبره على التماسك في محاولة لإيجاد إجابة له .
إن كانت أمه تتنمر على مليكة منذ مدة كما فهم من كلام ولديه.. فلمَ ترضى هي بذلك؟.. ولماذا لم تخبره؟!!
قالت مليكة بعدم استيعاب "لم أفهم"
ردت نحمده بلهجة ساخرة" ما الذي لم تفهميه يا حبة عيني.. الطيور ذُبحت .. نظفيها من الريش وأخرجي أحشائها.. أم أنهم لم يعلموك ذلك في بيت بباه الباشا !!"
قالت مليكة باستنكار شديد " ماذا ؟! ألا توجد خادمات ؟!!"
رفعت نحمده ذقنها وقالت وهي تعقد كفيها تحت صدرها "لا .. أنا لا أريد لشخص غريب عن البيت أن يلمس الطيور التي سأرسلها لابنتي ..هيا الطيور ستصبح رائحتها كريهة .."
هتف أدهم من جديد مستنكرا " ولماذا لا تفعلها عمتي فايزة أليست من أهل البيت؟ ..(واستدار لأمه يقول ) إياك أن تفعلي هذا يا أمي"
هتفت نحمده" قلت أخرس أنت .. عمتك فايزة موظفة كبيرة وخرجت من شغلها بعد يوم طويل ( ونظرت لمليكة الواقفة تحدق فيها بجمود ) هيا أرينا همتك وافعلي شيئا مفيدا في هذا البيت"
ساد صمت ثقيل بينما مليكة تتطلع في نحمده وعلى وجهها تعبيرا غير مفهوم .. فشعرت الأخيرة بأنها قد بالغت هذه المرة .. ولوهلة خافت من أن يصل الأمر لمفرح لكنها لم ترغب في التراجع .. وجاءها شعور بأن مليكة ستخضع ككل مرة .. بينما وقفت فايزة تراقب .. واستعد مفرح للحصول على إجابة على سؤاله.
أما مليكة فكان صوت بداخلها يخبرها بتقريع (أنت تستحقين هذا الاذلال .. وأكثر .. لعله يكفر عن ذنبك).
سيطرت عليها القوة السوداء وملأت رأسها برغبة في تحقير الذات .. فتحركت أمام ملامح نحمده السعيدة المنتصرة ونظرات أدهم وفايزة وقبلهم مفرح المذهولة لتدخل الغرفة بهدوء شديد.
دخولها الهادئ للغرفة وانصياعها كان كرصاصة أخرى ضربت في قلبه .. رصاصة حارقة مؤلمة بشدة.. تلقاها وهوي ينتحى جانبا ويستند على الجدار بعينين متسعتين متشبثا بالجدار وكأن ما يحدث أقوى من تحمله ..
لا يصدق أبدا ما رآه.
إن كان مصدوما في أمه وفيما بدر منها فما رآه من خضوع مليكة لها يكاد أن يذهب عقله.
مليكة !!
المرأة القوية حتى في أسوا لحظات ضعفها !
مليكة !!
المرأة التي تعلم منها الصبر والجلد مع الابتلاءات!
مليكة !!
ذات الكبرياء والكرامة ..بنت الحسب والنسب!
مليكة !!
زوجة ابن العمدة وحفيدة الباشا!
لماذا تفعل ذلك ؟
لماذا ترضى بذلك ؟
ما الذي يجبرها ؟
هل فقدت عقلها ؟؟!
وصل الغضب إلى ذروته في صدره وانفجر كالبراكين في رأسه فتحرك نحو الباب ليتفاجأ بالرصاصة ألتي أصابته في مقتل ..أصابته في صميم كرامته حينما وجدها تجلس على كرسي خشبي منخفض على الأرض تلملم عباءتها ..الفاخرة .. بين ساقيها وبجوارها وعاء به ماء ساخن وإناء أخر بلاستيكي به ماء بارد بينما أمامها (طِشْت) من الألومينيوم يحتوي على الطيور المذبوحة .. ورأى تغضُن ملامحها واشمئزازها من رائحة الدجاجة التي انتهت من نزع ريشها وهمت بفتح بطنها لإخراج الأحشاء.
لمحه أدهم الذي اقترب من الغرفة بينما جدته وعمته خلفه مباشرة تتبادلان الهمس المتهكم فشهق أدهم قائلا" أبي!!!!"
لم يشح مفرح نظراته عن مليكة التي رفعت رأسها لتتفاجأ به وشحب لونها في الوقت الذي صدرت شهقات متتابعة من المساعدتين ثم من فايزة على باب الغرفة.
ظل مفرح متسمرا يناظر مليكة بصدمة..
ما يحدث أكبر من استيعابه ..
أكبر من قدرته على التصديق ...
أكبر من الذهول نفسه .
فأحست مليكة بالخزي .. وكأن دلوا من الماء قد سُكب فوق رأسها لتفيق مما تفعل بنفسها ..
أن يراها مفرح بهذا الشكل المزري كان أكبر من قدرتها على التحمل فشعرت بهبوط مفاجئ في القلب جعلها لم تقدر حتى على النهوض من جلستها ..
تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها ..
وتمنت أن تطلق ساقيها للريح وتهرب بعيدا ..بعيدا إلى أرض لا يعرفها فيها أحد ..
تمنت أي شيء إلا أن ترى تلك النظرة المرتعبة على وجه مفرح ..وصدره الذي يعلو ويهبط بسرعة قبل أن يسألها بصوت مبحوح خطر وكأنه يخرج من الجحيم "ماذا تفعلين؟"
لم تجد ما ترد به بل ظلت تحدق فيه بذهول ..فصرخ فجأة بصوت جهوري أرعب الواقفين "ماذا تفعلين يا بنت الصوالحة؟؟؟"
بصوت هارب منها حاولت التبرير ..لم يكن تبريرا لنفسها بقدر ما كان شفقة على حالته فقالت بحشرجة "مـ مـ مهجة .. والموسم .. وتريد أن أطبخ لها بنفسي ....آآآآآآآآآه"
أطلقت صرخة مرتعبة حينما ضرب وعاء الماء البارد من أمامها بقدمه فاصطدم بالطشت وانسكب ما فيه محدثا هرجا ومرجا ثم مال يقبض على ذراعها هادرا بلهجة مخيفة "انهضي"
انتحى أدهم برعب شديد وابتعد عن باب الغرفة بينما مفرح يجر مليكة ليخرجها من الباب المؤدي لبهو البيت مارا بوالدته وأخته الواقفتين في ذهول وقد انعقد لسانهما من المفاجأة وعقل كل منهما يعمل بسرعة ليجد مخرجا .
دفعها مفرح بقوة ناحية السلم فكادت أن تقع وهو يقول "إلى الأعلى فورا"
اسرع أدهم وإياد الذي دخل على صوت أبيه من باب البيت الرئيسي بالإمساك بها بينما ظلت مليكة تتطلع فيه لا تجد ما تقوله ليهدر مفرح وهو يميل برأسه للأمام فلاحت عروقه المنتفخة على جانبي رقبته "قلت إلى أعلى يا مليكة ..لن أزيد حرفا أخر ..هذا أمر"
ثم نظر لولديه يمسك بملابس أدهم الواقف على يسارها ويدفعه بخشونة قائلا "وأنت وأخاك اصعدا فورا"
تحرك إياد يسحب أدهم وأسرعا يصعدان السلم خلف مليكة التي تصعد ببطء فاقترب مفرح من باب البيت وضربه بعنف يغلقه ثم استدار ليواجه أمه وأخته .
كانت الاثنتان مرعوبتين بشدة لكن نحمده أولته وجها جامدا وهي تهرب بنظراتها بعيدا حتى لا تواجه.. فساد الصمت لثوان ومفرح يتطلع في وجه الاثنتين والدماء تغلي في رأسه بينما الشياطين تتراقص حوله في رقصة تسخر منه.
فجأة هدر بصوت جهوري رج أركان المكان فانتفضتا "تماضر"
اسرعت إليه الأخيرة مهرولة تقفز كأرنب مذعور لتخرج من الغرفة تقول بتأتأة وقلبها على وشك التوقف" أمـــــ أمرك يا مفرح بيك "
دون أن ينظر نحوها قال وعيناه مثبتتان على وجه أمه" ما وظيفتك هنا ؟"
تأتأت الأخيرة وقالت " أأأأنا ؟ .. (ونظرت نظرة سريعة لنحمده ثم عادت إليه تقول ) أأأأنا اساعد في شغل البيت"
حرك نظراته إليها يسألها بلهجة خطرة "تساعدين من؟ .. لماذا أنت هنا؟.. انطقي؟"
نطقت بتلعثم "أساعد الست مليكة"
في لمح البصر كان قد قطع المسافة الصغيرة بينه وبينها ليقبض على ذراعها هادرا بزئير مرعب في وجهها "وهل كنت تساعدينها منذ لحظات !!"
ردت وهي تنتفض من الخوف " الحا .. الحاجة والست مليكة هما من توجهاني ماذا أفعل "
ترك ذراعها وقال بلهجة صارمة " اذهبي من أمامي ...لا أريد مخلوقا في هذا المنزل من الخادمات "
نظرت لنحمده بنظرة مستنجدة وعادت إليه تقول باستعطاف باكٍ " يا بيك ليس لي ذنبا والله العظيم "
هدر بقوة " اذهبييييييي"
تحركت المرأة بسرعة وخرجت هي وأم سعيد من الباب الأخر المؤدي للشرفة بينما عاد مفرح بأنظاره لأمه وأخته بوجهه المخيف .
كان ما يحاول السيطرة عليه عظيم ..ومؤلم بشدة .. بينما عقله يحاول التحكم في انفعالاته بقوة جبارة.. يحذره من ارتكاب جرائم أخلاقية ودينية .. فرفع يديه إلى رأسه يمسك بشعره للخلف بقوة وظل على هذه الهيئة لثوان يحدق في أمه التي تهيأ لها بأنه يعاني من أعراض ذبحة صدرية .
قطع مفرح الصمت قائلا بلهجة متألمة متحشرجة" ذبحت ولدك يا أمي ! .. تطعنينه طوال هذه السنين في ظهره .. تهدرين كرامته وكرامة أهل بيته دون علمه .. تؤذينه في أعز من يملك "
خرج العمدة من إحدى الغرف الداخلية يتطلع في الجميع باندهاش فبلعت نحمده ريقها وقد ازداد شعورها بالرعب بينما فايزة التي كانت تنكمش بجوار أمها ازدادت انكماشا.
أجلت نحمده صوتها تقول بتأتأة" أأأأنا لا أفهم ممــ ما الذي تقصده بالضبط .. هي .. هي من أصرت .. أليس كذلك يا فايزة؟ هي من قالت بأنها لا تثق في نظافة الخادمات وقامت بذلك من نفسها اممم .. لقد حاولنا إثنائها .. لكنها أصرت (ولكزت ابنتها لتتدخل وتنقذها ) أليس كذلك يا فايزة؟"
ردت فايزة وهي تمرر النظرات بين أخيها ووالدها" أأأأأجل يا أمي هي من طلبت "
"اخرسيييييييي"
قالها وهو يضرب بيده ظهر المقعد الذي يقف بجواره فتحرك المقعد في اتجاه أخته وتوقف على بعد خطوات منها لتطلق فايزة صرخة مفزوعة وهي تمسك في أمها .. بينما أكمل مفرح قائلا وصدره يعلو ويهبط بانفعال شديد "أنا أتابع المشهد من أوله (وواجه والدته قائلا ) ماذا تريدين؟ .. أو .. ماذا تتوقعين مني أن أفعل حينما أعلم بأنك تستغفلينني وتعاملين زوجتي بهذه الطريقة!.. ( وصاح بقهر شديد ) لماذا أنت مصرة على اتعاسي وكسر هامتي"
ظل العمدة يتطلع في الجميع في محاولة للفهم بينما أكمل مفرح بتساؤل خرج بحسرة شديدة "أهذا وعدك لي يا حاجة؟ ..أهذا ما اتفقنا عليه؟.. ألم تعديني بأنك ستحترمين من أحب ؟..( ونظر لوالديه قائلا ) ألا يكفيكما ما قدمته من أجل أن أحصل على مليكة ؟.. ( وعاد لأمه يقول بمرارة ) هل كثير عليّ في نظرك أن أعيش مع زوجتي وأولادي في سلام فتحاولين تخريب حياتي باستماتة ؟.. هل كثير على ابنك أن يعيش مع المرأة التي يحبها ؟!! "
هدر العمدة بعبوس" ماذا فعلت يا نحمدو ما الذي حدث ؟"
علا صوت مفرح وصاح بانفعال مجيبا "الذي حدث يا حضرة العمدة أن أمي (وضرب على صدره بقوة ) أمي تهدر كرامتي وكرامة أهل بيتي يوميا من خلف ظهري .. أمي تستغل صبر مليكة لتوكل لها مهاما لا تليق بها .. لا تليق ببنت الصوالحة يا أبي.. بنت الصوالحة التي وعدت أهلها بأن أحملها فوق رأسي"
انفجرت نحمده باستفزاز مرددة " بنت الصوالحة بنت الصوالحة .. كلما تتحدث تقول بنت الصوالحة !.. هل سيأكلوننا الصوالحة .. لا يا حبيب أمك نحن لا نخاف من أحد "
رد مفرح بلهجة صارمة أخرستها " أجل بنت الصوالحة .. زوجتي .. زوجة ابن العمدة ..(وأضاف يتحدث بلهجة تفهمها ) أنا لن أقول لك بأنك قد أهدرت كرامتي .. لن أقول بأنك فضحتني أمام الخدم يا حاجة نحمدو .. لن أقول صغرتني أمام أولادي ..ولن أقول بأنك دعست على قلبي بقدمك وأنت تعلمين مكانة مليكة بالنسبة لي وتدركينها جيدا .. لكني سأقول لك الناس .. أهل البلدة الذين يهمونك ( قالها وهو يضغط على كل حرف ) حينما يعرفون أن كنة بيت العمدة .. وزوجة العمدة المستقبلي تعامل بما لا يليق بها ولا بمكانة (الخروف) الذي تزوجت منه ستكون الفضيحة لنا جميعا .. وإن وصل الخبر للصوالحة .. ستعود الحروب بين العائلتين من جديد .. ووقتها لن نستطيع أن نرفع أعيننا في أعين أهل البلدة ونحن المخطئون ..( وأضاف وهو ينظر لوالده ) هذا بالإضافة لأنها سبة في حق عمدة البلدة المستقبلي يا حاج أليس كذلك ؟.. حينما يكتشفون بأنه (خروف ) وليس رجلا له كرامة في بيته"
انفعل العمدة وصاح في زوجته بغضب "ما هذا الكلام يا نحمدو؟"
أسرعت الأخيرة تدافع عن نفسها قائلة "وماذا طلبت منها أكثر مما يطلب من كنة أي بيت؟؟!"
هدر مفرح يرفع سبابته في وجهها قائلا "بنت الصوالحة تأمر الخدم فتطاع يا أمي .. بنت الصوالحة التي تُخدَم في بيت أهلها "
ساد صمت مترقب من الجميع ليضيف مفرح وهو يهز رأسه يقول بعزم " عموما منذ هذه اللحظة أمور كثيرة ستتغير "
سأله والده بقلق " ماذا تعني؟"
رد مفرح بلهجة قاطعة " أعني بأني لن أبقى في هذا البيت بعد الآن .. والليلة سنبيت أنا وزوجتي وأولادي في شقتي بالعاصمة "
قالها واستدار نحو السلم فراقبه العمدة بوجه شاحب وهو يصعد ثم استدار لزوجته يصيح فيها بغضب شديد وهو يشيح بعصاه التي يتوكأ عليها يضربها بها "ماذا فعلت يا بنت **** هل رأيت إلى أين أوصلتنا غيرة الحريم .. الولد الذي لا نملك غيره سيتركنا ويرحل"
تلقت نحمده الضربات بالعصا على جسدها مـتألمة تحاول الابتعاد عنه بينما فايزة تحاول التدخل لتبعد العصا عن والدتها قبل أن يسمع مفرح صرخة أمه وأخته في آن واحد فتجمد لثوان ثم استدار ينزل مهرولا على السلم ليجد والده قد مال للأمام يمسك بصدره أحمر الوجه .
لتصرخ فايزة بعد ثوان" أبيييييي"
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
*الموسم : عادة في بعض مناطق الريف بإرسال الأهل هدايا من الطعام أو الحلوى لبناتهم المتزوجات وعادة ما ترتبط بمناسبات دينية مثل بداية شهر رمضان و ليلة الاسراء والمعراج وغيرها.
بعد ساعة
سلم الطبيب على مفرح وهو يطمئنه قائلا "أرجو الالتزام بالأدوية وعدم تعريضه للانفعال (واستدار لعبد الرحيم قائلا ) سلامتك يا حضرة العمدة"
نادى العمدة على ولده بصوت واهن "مفرح"
رد باقتضاب وهو يتحرك مع الطبيب "سأعود إليك يا عمدة"
أوصل مفرح الطبيب حتى الباب ثم عاد للغرفة بملامح متجهمة .. يطحن ضروسه .
لقد وصل تحمله لأقصى مدى.. ويشعر بأنه يبتز عاطفيا من الجميع .. ولا أحد يشعر به.
تطلع عند دخوله في والدته التي تتطلع فيه بملامح جامدة وتجاهل وجود فايزة في ركن من الغرفة ثم اقترب من والده يقول بصوت مبحوح" ألف لا بأس عليك يا حضرة العمدة"
أمسك عبد الرحيم بيد ولده بكلتا يديه يقول بلهجة مترجية ضغطت على أعصاب مفرح أكثر من قدرته على الاحتمال "حلفتك بالله يا ولدي لا تغادر بزوجتك وأولادك إلى العاصمة "
قال مفرح بانفعال "يا أبي سأكون هنا أعدك عدة أيام كل الأسبوع .. إن أردت سأتفق معك على أيام معينة من كل أسبوع أكون فيها هنا وسأفعل .. لا تقلق "
قال العمدة متشبثا به بشكل محزن " لا لا .. إن أخذت زوجتك وأولادك لن تعود .. ستتحجج بأشياء كثيرة وستبلعك العاصمة في جوفها "
قال مفرح بلهجة صادقة " يا حاج صدقني وعد شرف مني "
قاطعه العمدة يقول بلهجة مترجية "حلفتك بالله يا ولدي .. لا أريد لأهل البلدة أن يشعروا بأنك تعيش بعيدا عنهم بينما مصطفى ..."
غمغم مفرح يوشك على الانهيار " لا حول ولا قوة الا بالله!"
بلع العمدة ما كان سيقوله وقال لولده بإلحاح " ابق ولك ما تريد"
زفر مفرح يغمض عينيه يهرب من نظرات والده المتوسلة لثوان ورغم أن مشاعره لحظتها كانت كارهة لكل شيء إلا أن أخلاقه وعقيدته ظلوا يحذرونه من ذنب العقوق .. فتقبض بقوة لعدة ثوان بينما العيون معلقة عليه ليفتح عينيه بعدها ويقول مرغما وكأنه يصارع الموت مع كل حرف ينطقه "سأبقى بشرط واحد ولن اتنازل عنه"
قال العمدة بلهفة " لك ما تشاء"
قال مفرح بلهجة قاطعة " الانفصال التام بين شقتي وبيت العمدة .. باب الشقة الحالي سيغلق .. وسأفتح الباب الأخر الذي يطل على السلم الخلفي الذي ينزل على ساحة البيت الخارجية "
أسرع العمدة بالقول" موافق "
نظر مفرح لأمه يقول بلهجة قاطعة "زوجتي لن تنزل لبيت العمدة إلا في المناسبات .. وذلك فقط للحفاظ على شكلنا أمام أهل البلدة وستدخل من باب البيت الخارجي .."
ناظرته نحمده بغضب ممزوج بالحسرة والشعور بالقهر .. حسرة على ولدها الوحيد الذي ضاع منها بسبب ما تعتقده بأنه قد عُقد له عملا سحريا سفليا جعله خاضع لبنت الصوالحة .. وفي تلك اللحظة بالذات أدركت بأنها قد فقدته للأبد بينما سألها مفرح " كم خادمة تريدين يا أمي؟ .. هل سيكفيك أربع خادمات أخريات مع أم سعيد؟؟ عشر ؟.. عشرون؟؟... أطلبي وأنا سآتيك بكل ما تريدين ..(و سحب نفسا عميقا يهدئ من النار التي تتقد في صدره كجمرة ضخمة متوهجة من الانفعال المكبوت وأضاف ) تماضر ستصعد للدور العلوي تخدم مليكة ..سيدة بيت العمدة .. تماضر .. ستتلقى الأوامر من مليكة فقط ..وأنت يا أمي سأحضر لك أربع خادمات بشكل مبدئي ..وإن أردت المزيد أمرك مطاع (وسأل بلهجة مرة ) هل لك أوامر أخرى يا حاجة نحمدو ؟"
ردت بقرف وهي تطالعه بغيظ شديد "وهل بعد ما قلته.. لي أمر مطاع ؟!"
تقبض بقوة ورد بهدوء بقدر استطاعته "أمرك يا حاجة نحمده فوق رأسي أنا وحدي .. ولا يسري على زوجتي .. وفيما هو بعيد عن خصوصية بيتي ..(ثم نظر لأخته يشير بإصبعه قائلا بقرف ) أما أنت .. فما بيني وبينك هو ما يحافظ على صلة الرحم فقط .. غير ذلك فأنت انتهيت بالنسبة لي "
هتفت فايزة بانفعال" وماذا فعلت أنا؟؟!!"
هجم عليها يمسك بذراعها بقوة وكأنه يبحث عمن يصلح لأن ينفس فيه غضبه وقال من بين أسنانه "لا تعرفين ماذا فعلت يا كبيرة يا بنت المدراس؟! .. لا تعرفين ماذا فعلت أيتها الموظفة ذات الشأن!.. لم أجد منك أي تدخل وأنت ترين ما يحدث مع زوجة أخيك .. لم أرك إلا مستمتعة بما يحدث .. يا خيبة أملي فيك يا فايزة يا خيبة أملي فيكم كلكم.."
ترك ذراعها فأمسكته متألمة وهي تناظره بغيظ ثم هتفت بعد أن خرج وصفع الباب خلفه بقوة "هل سيقاطع أخته من أجل السنيورة خاصته!!"
بقهر وحسرة شديدة غمغمت نحمده بولولة وهي تضرب على فخذيها" حسبي الله فيك يا بنت الصوالحة .. حسبي الله فيك يا من سرقت عقل ابني وحيدي وحرقت دمي .. فليريني الله فيك يوما أسودا حتى نتخلص منك "
هتف العمدة بصوت أوشك أن تخرج معه روحه "اخرسي يا امرأة وارحمينا من غيرة النساء هذه.. وإلا قسما عظما لن يشفع لك عندي سنك وسأضربك حتى تكفي عن حماقاتك "
××××
في الدور العلوي بعد دقائق فتح مفرح الباب فتوترت مليكة في جلستها في الصالة في انتظاره ..
تعلم بأن المواجهة بينهما حتمية وبأنها أغضبته وخذلته وبأنها مثيرة للشفقة .. أما أدهم وإياد فأسرعا بحركة حمائية عفوية للجلوس بجوار أمهما بترقب ونظرات متخوفة مما سيفعل والدهما ليأتيهما صوت مفرح الغاضب رغم هدوءه" انزلا إلى الطابق الأرضي "
ظل أدهم مكانه يفكر بينما وقف إياد ثم عاد وجلس بسرعة بتردد فهدر مفرح فيهما "قلت إلى الطابق الأرضي"
انتفض الولدان يقفان وغلبهما الخوف فتحركا يتركان مليكة لكن قلبيهما كانا متشبثان بأمهما بقوة فتابعهما مفرح يتحركان نحو الباب وعنقيهما عكس اتجاه جسديهما ثم أغلق الباب خلفهما بنفسه فوقفا بجوار الباب غير قادريّن على الابتعاد .
أما مفرح فعاد إليها يقف أمامها بينما وقفت هي تتطلع فيه برهبة فسألها بغضب وعيناه كجمرتين من نار " لماذا؟.. اخبريني لماذا قبلت بذلك ؟.. ( وعلا صوته هادرا ) عن أي ذنب تكفرين بقبولك مالا يليق بك ؟.. (وضرب على صدره بقوة فتألم صدر مليكة ) عن ذنب زواجك بي؟!! .. تكفرين عن ذنب زواجك بي يا مليكة ؟!!"
اسرعت تقول بلهجة باكية وهي تشعر بقلق شديد عليه "مفرح أرجوك .. أتوسل إليك اهدأ"
هدر فيها باستنكار " اهدأ كيف وأنت قد قبلت على نفسك وعليّ الإهانة؟!! .. اهدأ كيف وأنا لم أحظ عندك بقيمة طبق من أطباقك الغالية في هذا النيش "
قالها مشيرا على النيش بجواره فاتسعت عيناها ليضيف بلهجة مُرة " لقد دافعت عن الطبق يا مليكة وأنا ..(ضرب على صدره ) أنا قبلت لي بالإهانة"
أسرعت تقول بلهجة صادقة " أنا فعلت كل هذا من أجلك أنت .. رضيت بكل هذا من أجلك .. لم أرغب في أن أدخلك في دائرة شكاوى ( عالم الحريم) ومشاكلهن .. أردت دوما أن استحق ما ضحيت به أنت من أجل الارتباط بي .. أردت أن يتحدث الجميع حتى والدتك التي تكرهني بأني أليق بأن أكون كنة بيت العمدة .. ( وأضافت بلهجة باكية ) أنت أولا وأخيرا نقطة ضعفي يا مفرح .. أنت .. "
هدر فيها بقوة "لا تحاولي التبرير وخلق الأعذار الواهية"
قالت بلهجة باكية "هذه هي الحقيقة "
رد يقارعها " حقيقة مشوهة معوجة تبررينها لنفسك .. وتعلمين جيدا ما الذي أقصده "
كانت عروق رقبته نافرة بشكل أخافها عليه بشدة ووجهه كان مكفهرا بينما صدره يعلو ويهبط بانفعال فقالت بلهجة متوسلة "أرجوك اهدأ أرجوك"
طريقتها أثارت عاطفته واستفز هذا الشعور كرامته المجروحة ليهدر بانفعال شديد " لا تطلبي مني أن اهدأ .. "
قالها وهو يمسك بمقعد السفرة ويضرب به النيش بجواره بقوة فصرخت برعب شديد بينما أضاف مفرح مع ضربات أخرى بالكرسي الموجهة للنيش " ولا تبرري .. ولا تختلقي الأعذار يا مليكة "
فزع الولدان من صوت التكسير .. فانهار إياد في البكاء بينما أخذ أدهم يطرق الباب بقوة صائحا" أبي أرجوك"
تماسكت مليكة بقوة حتى لا تفقد وعيها .. فما تمر به كان صعبا.. وحالته الغاضبة أمامها وخوفها عليه وصوت طرقات الولدين على الباب .. كل هذا جاهدت بشدة لتحمله بينما أضاف مفرح وهو يلقي بالكرسي بجوار الأطباق والأكواب التي تهشمت وملأت الأرضية أمام النيش "لقد أذيتني بشدة مثلهم.. تشاركت معهم في أذيتي يا زوجتي العزيزة .. "
صوت بكاء إياد وطرقات أدهم على الباب حرك عاطفة الأبوة بداخله فتحرك وهو يحاول تهدئة نفسه ليفتح قفل الباب ثم وقف بجواره يناظرها وصدره يعلو ويهبط بانفعال.
فُتح الباب ببطء شديد ودخل منه ولداه بحذر ثم وقفا يحدقان في الفوضى العارمة وإياد يكتم شهقات البكاء بيده حتى لا يصدر صوتا فيغضب والده ليقول مفرح بنبرة هادئة مجهدة بشدة مزقت قلبها عليه "هذا الباب لن يفتح مجددا (وأغلقه وأضاف ) لن يفتح .. وسندخل ونخرج من الباب الخلفي الموصل لساحة البيت مباشرة .. حياتنا من هذه اللحظة منفصلة تماما عن الطابق الأرضي .. أنت ممنوعة من النزول للأسفل أو مشاركة أي شيء يحدث في بيت العمدة ويكتفى بحضورك للمناسبات التي تخص بيت العمدة وبعد تصريح مني أنا شخصيا ..(صمت قليلا يتنفس بصوت عال وعيناه مسلطتان عليها من بعيد ثم أضاف ) تماضر خادمتك في هذا البيت .. بيت مفرح الزيني وزوجته .. ولن تتلق أوامرها من أي فرد أخر .. هذا الكلام لا رجعة فيه وسينفذ بدقة وإلا العواقب ستكون وخيمة عليكم كلكم.."
قالها وتحرك للناحية الأخرى فمر في طريقه فوق قطع من الأطباق المتكسرة التي أصدرت صوت تحطيم تحت حذائه جعله يستدير نحوها قائلا بتهكم" آسف مليكة هانم على تحطيم نيشك الثمين ..( وظهرت ابتسامة مرة على زاوية شفتيه وأضاف ) كنت فقط انتقم من ذلك الطبق الذي اكتشفت بأنه كان أعز مني عندك .. سأرسل لك تماضر لتلملم الفوضى .. يا ... سيدة بيت مفرح الزيني "
قالها وتحرك نحو باب أخر لا يفتح عادة .. ففتح القفل وأخرج مفاتيحه ليفتحه ثم خرج وصفعه ..
سقطت مليكة على ركبتيها وقد انتهت كل قدرتها على التماسك وانهارت في البكاء ليقترب منها أدهم وإياد الأول يتطلع فيها بألم بينما الثاني يشاركها الانهيار الباكي .. فمدت ذراعها تقرب إياد وتحضنه ثم رفعت رأسها لأدهم تقول بارتعاش من بين دموعها "لا بأس أبوكما غاضب مني .. لكنه لم يؤذني هو فقط عبّر عن غضبه بالتحطيم"
بعد قليل كان مفرح يمسك لجام حصانه بقوة ويحثه على الإسراع وهو ينطلق به بين الحقول الشاسعة لعله يفرغ شحنة الغضب العظيمة المتأججة في داخله ..
وشيء واحد قد عزم عليه ..
مليكة لابد أن تخضع لاستشارة نفسية فورا ..لكن كيف سيجبرها على ذلك وأكرم شقيقها يؤكد له بأنه إن لم يكن لدى المريض رغبة في العلاج فلن يفيد أي شيء.. هذه هي المشكلة التي لابد أن يجد لها حلا.
××××
خرجت بسمة من غرفتها تبحث عنه بعدما أخبرها بأنه قد عاد وينتظرها وتساءلت هل هو في الطابق الأرضي فأتاها الجواب حينما خرج إليها من غرفة الألعاب .
تأملها كامل وقد ارتدت بنطالا من الجينز أزرق اللون مثله.. على قميص حرير من درجات الأزرق الفاتح طويل حتى منتصف فخذيها شعرها مفرود على ظهرها وسواده يجعل لون عينيها المكحلتين مع لون القميص أكثر زرقة وابهارا فسألها "مستعدة؟"
ردت وهي تعلق حقيبتها على كتفها "نعم"
خرج شامل من جناحه يقول" كامل تعال ونس تريد أن تشكرك على الهدايا"
مط كامل شفتيه فقال شامل" هيا يا بني "
أشار كامل لبسمة أن ترافقه فدخلت لغرفة شامل الذي سبقهما إلى الداخل وتطلعت في الغرفة المزينة ببالونات كثيرة من الهليوم بلوني الفضي والوردي الفاتح ملتصقة بالسقف فقالت بسمة لونس الجالسة على السرير يغطي الغطاء الصيفي نصف جسدها" كيف حالك اليوم يا ونس؟"
اتسعت ابتسامة ونس وهزت رأسها ثم نظرت لكامل الواقف على باب الغرفة يرتكن بكتفه على الباب وأشارت للبالونات بفرحة ثم لعروس قماش ضخمة على حجرها شعرها من الخيوط الخضراء فحضنتها بسعادة وهي ترسل له بسبابتيها وابهاميها قلب.
تفاجأت بسمة ومررت عينيها بين الهدايا وبين كامل بينما قال الأخير بامتعاض" هذا القلب ترسليه لشامل وليس لي .. ثم أني قلت لهذا الزفت بأن الهدايا ليست لك وإنما لابن أخي القادم في الطريق "
اتسعت ابتسامة ونس وهي تعرف بأنه يكذب بينما ابتسمت بسمة تتطلع فيه وهو يتصنع الفظاظة ..ليعتدل الأخير في وقفته ويقول "هيا يا باسمة تأخرنا "
قالها وتحرك مغادرا فحيتهما بسمة واسرعت بالهرولة خلفه كطفلة صغيرة متحمسة.
أغلق شامل الباب خلفهما ثم اقترب منها ليجلس بجوارها على السرير وسألها" هل عاودك المغص اليوم؟"
هزت رأسها نافية فغمغم" الحمد لله..( ثم سألها )هل أرسلت لوالدك اليوم؟ .. لا أريده أن يقلق فيفكر بالمجيئ فلا نريد أن نقلقه كما اتفقنا .. سنخبره بالخبر حينما نتأكد من ثبوت الحمل"
هزت ونس رأسها وأمسكت بهاتفها تكتب له" لا تقلق رغم أنه يشعر بشيء غريب لأنه سألني أكثر من مرة هل أنت بخير .. هل أنت مريضة وحينما سألته لماذا تسأل فيرد فقط أحس بذلك "
ابتسم شامل فكتبت تسأله "هل تعتقد بأن الحمل سيكتمل؟"
فرد ذراعه على كتفيها وضمها إليه لتنام على صدره قائلا" كل شيء نصيب ونوس "
عادت تكتب على الهاتف ثم رفعت وجهها إليه " لكني أعرف بأنك تحب الأطفال"
أنزل نظراته نحوها يقرأ ورد بصوت أجش "أحبك أنت أكثر .. وكما قالت أمي العمر أمامنا طويل بإذن الله"
اتسعت ابتسامتها ثم ناظرته بتردد قبل أن تنزل نظراتها للهاتف في حجرها .
شعر شامل بأنها مترددة فصمت مترقبا قبل أن تكتب "شامل أنا أشعر بالخوف .. لا أعرف كيف أكون أما جيدة"
كتبتها ثم رفعت رأسها لتتطلع فيه تنتظر اجابة مطمئنة منه فشعر شامل بالتأثر وقال بلهجة حانية مشجعا " حبيبتي كلنا بجوارك .. أنا موجود وأمي .. ومعنا في البيت بسمة وكامل وأبي .. كلنا معك وسنساعدك .."
بدأ الاطمئنان يتسلل إلى ملامحها فأضاف شامل "كما أن جنيتي الشقية تتعلم جيدا .. ما رأيك أنا وأنت نسلي وقتنا خلال فترة الحمل بمشاهدة أفلام عن تربية الأطفال؟"
هزت رأسها موافقة وقد زينت الابتسامة شفتيها وعينيها .. فمال شامل يقول بصوت متهدج "السؤال المهم متى سنعود للبوح بالأسرار جنيتي فأنا مشتاق بشدة"
امسكت بصدر قميصه تعض على شفتها وملامح الخجل تعلو وجهها فمال شامل يطبق على شفتيها بقبلة مشتاقة تجاوبت معها ونس بكل حواسها .. ليقول هو بمجرد أن أطلق سراح شفتيها" ضروري جدا أن نسأل الطبيبة في الزيارة القادمة لأني لن أتحمل هذا كثيرا "
قالها وهو يميل بها على السرير هامسا وهو يعبث في ملابسها" فلنجعله نصف سر مؤقتا"
قالها وهو يطبع قبلات حارة على عنقها تخبرها بمدى شوقه إليها .
××××
في السيارة تطلعت بسمة لكامل الذي تملأ رائحة عطره المكان حولها وسألته "إلى أين سنذهب؟ "
قال وهو يرمقها بطارف عينه "هناك مول كبير هنا في المدينة يضم مطاعم ومقاهي ومحلات ودور سينما أرى أنه سيكون مناسبا ما رأيك ؟"
هزت بسمة رأسها وقالت" لا بأس "
مسدت على ذراعيها بالتبادل تنظر من النافذة خلفها وقلبها يخفق بشدة وكأنها مراهقة تخرج مع حبيبها لأول مرة .
شعور لذيذ مدغدغ للأعصاب كرفرفة أجنحة الفراشات في أعصابها .. مصاحبا لارتجافة قلب لا إرادية وشعور عجيب وغير مسبوق بالاسترخاء الممزوج بالتوتر .
عادت تختلس إليه النظر من جديد .. فتفاجأت به يراقبها لتسرع بالإشاحة بنظراتها للناحية الأخرى.
زينت الابتسامة شفتيه وتعبأ المكان حولهما بشحنات كهربية لذيذة فمد كامل يده إلى شاشة مشغل الموسيقى وبدأ بالبحث فيها فتابعته بسمة بقلق وهي تقول " أين نظارتك يا كامل ؟"
عبس كامل ورد معاندا " موجودة لكني لا أحتاجها"
حركت رأسها بابتسامة ساخرة ثم سألته "لماذا لا ترتدي عدسات طبية ما دمت تكسل في ارتداء النظارة ؟"
رد عليها باستهجان "نظري ليس ضعيفا إلى هذه الدرجة!"
ابتسمت فرمقها بكبرياء صبياني وتابع الطريق أمامه .. بينما بدأت الموسيقى وتلاها غناء كاظم.
حدثيني .. عن حديث المُقَلِ
وعن الشوق.. وليل الغزلِ
لك ثغرٌ حُسنه يذهلني
وحديثٌ فيه طعم العسلِ
لك خَدٌ لونه من خجلٍ
آه ما أجمل لون الخجلِ
تطلعت بسمة فيه وكلمات الأغنية تداعب مشاعرها فوجدته كالعادة يرمقها بنظرة جانبيه فعادت للنظر أمامها تسحب نفسا عميقا وكأنها غير قادرة على التنفس ..
هل من الممكن أن يكون يقصدها بهذا الكلام؟ .. ارتفع مؤشر الأمل بداخلها وهي تفكر .
حديثه معها اهتمامه بها .. حنانه.. أجل حنانه الذي اكتشفته خلف واجهته المتكبرة .. اكتشفت بأنه مراع بشكل كبير ..
عاد إليها شكها وتذبذبها ..( لا تصدقي تلك المراعاة يا بسمة فأنت عاشرت الحنون المراعي من قبل لكن قلبه لم يكن ملكك أبدا).. عاد المؤشر للهبوط بينما كامل يردد مع الأغنية..
عَجلي بالوصل يا مؤنستي
فأنا المقتول إن لم تصلِ
قالها وهو يتطلع أمامه فنظرت إليه مبتسمة لينظر إليها يغني مع كاظم بنظرات رجولية مغازلة .
حُلوتــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــي
لن تغيب الشمس عن ليلتنا
إن حرقناها بنار القُبَلِ
اشتعلت وجنتاها وارتبكت كمراهقة وقد تذكرت عبارة حماتها (لم يكن يغار بهذه الصورة على زوجته السابقة )
أمن الممكن أن تكون غيرة حقيقية عليها ..وأن يكون ما قاله مفرح حقيقيا وأنه كان ينوي الارتباط بها فعلا قبل حدوث حادثة بدير؟ ..
ارتفع مؤشر الأمل من جديد فعاد عقلها يقارعها..
إن كان كذلك فلماذا لم يخبرها بأي شيء حتى الآن ؟ .. فليس منطقيا أن يظل كل هذا الوقت بدون أن يصارحها.. لو كان بالفعل يحمل أي مشاعر لها ..
أجهدها التفكير فحاولت التشويش على أفكارها المرتبكة وسألته" هل أنت رائق المزاج لأنك خرجت من البيت ؟"
لم يرد كامل وإنما مرر نظراته بينها وبين الطريق أمامه يقول بنفس النظرة المغازلة مرددا مع الأغنية.
حلوتـــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــي
افعلي المعروف تُجزي مثله
والنوايا هي مثل العملِ
أنت لي دنيا على علاتها
وأنا أهواكي يا عمري رغم العللِ
ضحكت على شكله واندماجه وازداد اشتعال وجنتيها فهربت من نظراته المربكة إلى نافذة السيارة .
بعد ساعة كانا يتحركان في المول فأخذت بسمة تتطلع في المحلات حولها بتركيز فتابعها كامل يحشر يديه في جيبي بنطاله الأماميين وهو يحاول بقدر المستطاع عدم التركيز في النظرات الموجهة إليها من وقت لأخر مقتنعا بكلام شامل بأن لديه بعض الهوس عليه أن يكسره فزوجته ليست محور الكون .. انشغل بها وبجمالها وبالتطلع معها فيما تنظر إليه عبر واجهات المحلات وتدريجيا بدأ ينسى أمر من حوله .
أخذ بعض الشباب يتمازحون بالقرب منهما فوضع ذراعه على كتفيها يسحبها لتسير الناحية الأخرى فاحمرت وجنتاها وهي ترفع نظراتها إليه ليسألها وهو يعيد يديه لجيبي بنطاله الأماميين" هل أعجبك المكان؟"
قالت بابتسامة سعيدة اشرقت على قلبه "أحببت المكان جدا "
توقفت أمام محل يبيع الأحذية والحقائب النسائية وبالتحديد وقفت تحدق في حذاء ذي كعب عال وحقيبة بجواره فعلق كامل وهو يقف بجوارها" أنت تحبين هذا اللون الكحلي "
غمغمت وهي تدقق في الحذاء "هذا ليس كحليا (وأشارت على حقيبة بعيدة وقالت) هذا هو الكحلي .."
سألها عاقدا حاجبيه " ما هذا اللون إذن ؟"
غمغمت وهي تميل لتتأمل الحقيبة "بترولي"
قال كامل مصححا " إذن أنت تحبين البترولي"
حركت رأسها تنظر له وسألته" كيف عرفت؟"
بحركة لا إرادية أمسك بشحمة أذنه يهرش فيها وهو يقول "هكذا لاحظت .. ترتدين هذا اللون.. هو واللون الكحلي كثيرا ..(وأضاف ببطء وهو يتطلع في لون طلاء شفتيها) كما أنك تفضلين اللون النبيتي في طلاء شفتيك"
ارتفعت دقات قلبها وازاد اشتعال وجنتيها فعادت لتتطلع في الحذاء والحقيبة وهي تقول " يبدو أنك قوي الملاحظة أستاذ كامل .. أرى أن تطمئن بشأن عينيك إنهما تعملان بكفاءة عالية "
ضحكة خافتة ساخرة صدرت منه بجوارها فعلت كوارثا في مشاعرها فانشغلت عما يدور بصدرها بالبحث عن سعر الحذاء والحقيبة ثم أطلقت صافرة خافته من شفتيها الجميلتين ألهبت أعصابه قبل أن تقول "مبلغ مبالغ فيه جدا "
رد بهدوء وهو يتطلع في اسم المحل" أعتقد لأن هذه الماركة مشهورة "
قالت وهي تهم بمواصلة السير "مليكة هي المتخصصة في الماركات أنا لست ضليعة فيها .. أشتري طبعا أشياء قيمة وغالية الثمن لكن لست ضليعة في أسماء الماركات ولا أهتم بها "
قال مندهشا "لماذا لم ندخل المحل ؟"
ردت بحرج "المبلغ كبير"
أشار لها بيده ودفع الباب الزجاجي فاحمرت وجنتاها واقتربت منه ثم عبرت من الباب تدخل المحل .
بعد قليل وقفت مرتدية الحذاء ذو الكعب العالي تجربه ثم اقتربت من المرآة الطولية أمامها لتتطلع فيه وهي تمسك بالحقيبة في يدها ثم استدارت بعدها لكامل الواقف يراقبها وسألته "ما رأيك؟"
رسمها بعينيه من رأسها حتى أخمص قدميها في ذلك الحذاء الذي أضفى عليها أنوثة طاغية .. هي بكليتها أمامه كانت تخطف الانفاس فقال بلهجة مغازلة بعثرت مشاعرها التي تحاول ضبطها "مبهرة"
سألته بمكر" من؟"
رد بنظرة لئيمة مغيظا" الحقيبة"
اتسعت ابتسامتها تعض على شفتها بغيظ تعرف بأنه يلاعبها بينما استدار كامل يناول البائع البطاقة البنكية قائلا "سنأخذ الحذاء والحقيبة من فضلك"
بعد ساعتين كانا يخرجان من المول التجاري يحملان أكياسا كثيرة فقالت بسمة بتذمر طفولي" كامل قلت لك أريد أن أشرب تلك القهوة المركزة التي أحبها"
رد وهو يتجه نحو السيارة المركونة أمام ساحة المول" وأنا قلت لك حاضر "
قالت بغيظ "لقد مررنا على أكثر من محل يبيع قهوة بالداخل "
وضع الأكياس في مقعد السيارة الخلفي ثم استدار يقول وهو يأخذ منها باقي الأكياس "اصبري على رزقك .. هناك مقهى قريب يصنعها بشكل مميز"
احمرت وجنتاها وصمتت فأغلق السيارة ثم قال وهو يتحرك" هيا"
رمشت بعينيها ثم اسرعت لتلحق به تسأله باندهاش" ألن نذهب بالسيارة؟! "
رد وهو يضع يديه في جيبيه الأماميين "لا سنذهب مشيا فهو على الناحية الأخرى من الشارع ولن نجد مكانا بسهولة لصف السيارة أمامه "
كانت تتحرك بجواره بخفة .. تشعر لأول مرة بأنها خفيفة الوزن .. وكأنها لا تلمس الأرض وهي تسير على قدميها معه ..فحاولت تحذير نفسها ( اضبطي نفسك يا بسمة أنه بارع في اسقاط النساء في هواه .. كل ما يفعله معك ينبع من شخصيته اللعوب فعليك ألا تنجرفي معه في التيار دون أن تسمعي منه كلاما صريحا عن رغبته الجادة لتمضية حياته الآتية معك .. قد يكون منجذبا لك كما ينجذب لكل النساء لكن عليك أن تتأكدي أولا قبل التورط معه أكثر بأنك قد عبرت إحدى البوابتين إلى كامل نخلة .. عقله أو قلبه ويا ليته ذلك الأخير أو الاثنان معا ..أو الثلاثة.
عادت تغمغم لنفسها بتهكم "كل هذا ولم تتورطي معه بعد !..بل تورطت يا حزينة وستصدمين حينما يمل من اللعبة ويرحل "
وقفا خارج ساحة المول على الطريق الرئيسي .. فمد يده دون أن ينظر إليها ليطبق على كفها قائلا وهو يتطلع في السيارات المارة "هل أنت مستعدة لعبور الطريق يا باشمهندسة ؟"
تطلعت لكفه التي تحضن كفها وقبل أن ترد كان كامل يقودها ليقطعا الطريق بمجرد أن توقف المرور لعبور المشاة .. فهرولت خلف خطواته الواسعة حتى توقفا أمام مقهى له اسما أجنبيا قبل أن يرفع كامل شعره بمشط يده الأخرى ويصعد الدرجات القليلة أمام المقهى ويقترب من بابه الزجاجي يدفعه وكفه لا يزال يحضن يدها.
لفحتهما برودة المكيف العالية بعد تلك الدقائق في الشمس الحارقة وتطلعت في كامل الذي يبحث عن طاولة شاغرة.. فاقترب منهما أحد الندل محييا بأدب قبل أن يتقدمهما مشيرا على إحدى الطاولات .
سحب كامل لها الكرسي فجلست تشعر بأن حرارة مشاعرها لم يقدر مكيف الهواء البارد على تلطيفها وراقبته وهو يجلس أمامها فوضعت يديها في حجرها تحت الطاولة ليقول لها" كنا أكلنا في المول أولا قبل القهوة"
قالت بإصرار" ليس لدي شهية للأكل (وتطلعت في المكان الفاخر حولها وقالت) أريد القهوة (ثم عادت تنظر إليه بنظرات ماكرة وهي تضيف بلهجة متسلية ) وهذه المرة سأسمعك وأنت تطلبها من النادل وسأعرف اسمها الذي لا تريد إخباري به "
زينت الابتسامة زاوية شفتيه ورد بثقة مغيظا " إذا سأهمس للنادل باسمها حتى لا تسمعين"
ضيقت عينيها تناظره بغيظ فأضاف بلهجة متسلية" ثم من قال بأنني لا أريد إخبارك !.. أنت التي لا تريدين أن تدفعي مقابل إخبارك"
أشاحت بوجهها وقالت بمراوغة " أنت لم تحدد المقابل"
صمت ولم يرد فعادت تنظر إليه لتجده يطالعها بنظرة مشتعلة ثم قال "سأخبرك حينما تعدينني بالتنفيذ أيا كان ما سأطلبه "
رغم أن عقلها كان يخبرها بأنه يلعب ويتسلى حتى بمغازلته هذه لكنها اعترفت بأنه استطاع أن يخترق حصون دفاعاتها ثلجية الواجهة ليشعل حواسها كلها ..
وهو كرجل لم يكن خافيا عليه بأنه قد استطاع اختراق حصونها ودفاعاتها واليوم بالذات وهي منطلقة بجواره في المول فيخونها تحفظها للحظات وتتصرف بنعومة وطفولية ثم تعود للوضع المتحفظ .. وهذه اللحظة الآن وهو يتابع احمرار وجهها وارتباكها من محاصرة نظراته وشعرها الذي أعادت ترتيبه بخيلاء تتحصن بها وهي تشيح بوجهها بعيدا عن حصار عينيه .
غمغم في سره وهو يتأملها" يا إلهي أنا لو تركت نفسي على سجيتها لحبستك في قصر فوق كوكب بعيد حتى لا تراك عينان غير عيناي .. "
اقترب أحد الأشخاص يقول لكامل مهللا "كامل نخلة .. كيف حالك يا رجل؟ .. أين أنت وأين أراضيك (وتطلع فيه مجددا وكامل يستقيم واقفا وأضاف ) أنت كامل ولست شامل أنا متأكد.. دوما ما كنت أنجح في التفريق بينكما "
ضرب كامل كفه بكف الرجل وحضنا بعضهما وهو يرد "انشغلنا أنا وشامل قليلا .. كيف حالك؟"
قال الشاب بلهجة ذات مغزى " انشغلت بتلك الشلة التي كنتما تسافران معهم للساحل الشمالي والسهرات الشقية .. كل أخبارك أنت وتوأمك عندي يا نذل "
تنحنح كامل يناظره بنظرة موبخة ثم أشار على بسمة وكأنه ينبهه حتى لا يسترسل بعبارات غير لائقة قائلا " أبدا أنا وشامل تزوجنا وتعرف المرء بعد الزواج يقضي معظم أيامه بالحبس الجبري هذه زوجتي بسمة الوديدي"
التفت الشاب خلفه يقول لبسمة بحرج "أهلا يا هانم ألف مبروك "
تدخل كامل قائلا" هذا منذر صديقي"
حركت بسمة رأسها وقد فهمت من لهجته بأنه من بلد كامل بينما استدار منذر يقول لكامل" أجل سمعت بأنك وتوأمك قد تزوجتما يا أنذال لكنكما لم تدعوننا "
رد كامل بحرج " الحقيقة كان الحفل مقتصرا على العائلتين فقط "
تكلم منذر يقول بحبور " المهم .. اليوم عيد ميلادي والشلة كلها مجتمعة "
قالها وأشار على طاولة بعيدة تقع في مواجهة باب المطعم فتعجب كامل لأنه لم يلاحظهم عند دخوله ورفع حاجبيه حينما ميز أكثر من شاب وفتاة يعرفهم من جاليته بينما لوح له الموجودين يطلبون منه مشاركتهم .
أضاف منذر "لم لا تنضم إلينا أنت والهانم الشلة كلها ستفرح "
نظر كامل لبسمة بتردد وفكر للحظات بأنها فرصة جيدة لأن يمرن نفسه على ما يريد أن يهزمه بداخله .. بألا يكون زوج بسمة السابق هو محور أفكاره بهذا الهوس وبأن مشاركة محترمة له ولزوجته في مناسبة بسيطة راقية تضم معارف من الجنسين قد تخرجه بعض الشيء من هوس أفكاره .
أضاف منذر بتأكيد" سأغضب منك بشدة يا ابن بلادي إن لم تنضم أنت وزوجتك لنا "
عاد كامل للتطلع في عيني بسمة التي حركت كتفيها بما يعني (كما تريد ) فقال كامل لصاحبه "فقط لبعض الوقت لأننا مرتبطان بموعد "
تحرك كامل يضع يده على ظهر بسمة التي تتقدمه ممسكة بحقيبتها ثم وقف أمام الطاولة الأخرى يسلم على الجميع ويتلقى كلمات الترحيب والمباركة له ولبسمة بالزواج وعيناه تراقبان نظرات الرجال المعجبة بجمالها لأول وهلة قبل أن يشيح كل منهم نظراته عنها احتراما لصاحبهم .
جلست بسمة بجوار كامل بعد تبادل بعض كلمات المجاملة من الشابات الجالسات وفهمت أن بعضهن زوجات مع أزواجهن .. وأن اثنتين عازبتان من بينهما واحدة ذات شعر أسود حالك كانت تناظرها بنظرات مدققة لم تريحها قبل أن تقول لكامل ببعض الدلال الأنثوي "تزوجت يا نذل ولم نعد نراك"
عاد كامل بظهره للكرسي وقال بعنجهية ذكورية "أنت لم تريني من قبل أن أتزوج بفترة يا دعاء"
مطت الأخيرة شفتيها وهي تنظر لبسمة ثم قالت" ومع هذا أتى الزواج ليأخذك منا أكثر (ثم سألت بسمة ) أنا رأيتك من قبل لكني لا أذكر أين ؟"
رفعت بسمة حاجبا مستغربا بينما استدارت دعاء للشاب الذي يجلس بجوارها تسأله "أليس كذلك يا ايوان؟"
لم يرد إيوان وإنما رمق بسمة بنظرة خاصة جعلتها تضيق عينيها وتدقق فيه تشعر بأن وجهه مألوفا.
قال منذر لبسمة باعتبارها الفرد الجديد بينهم " إيوان مطرب مشهور بالتأكيد رأيته في التلفاز"
قال كامل بامتعاض مناكفا "وماذا إن رأته في التلفاز .. هل سنخاف!"
ضحك الجميع بينما تبادلت بسمة النظرات مع إيوان وتذكرته على الفور .. واستشعرت بأنه قد تذكرها أيضا قبل أن يشيح بعينيه عنها ليندمج مع حديث الأخرين في صمت لا يريد أن يجيب على سؤال دعاء الملح مصرة بأنها قد رأت بسمة من قبل ..
تذكرت بسمة بأن إيوان هذا يعرف زوجها السابق الملحن سيد صبرة وبأنها قد حضرت معه من قبل حفلا أقامته شركة الإنتاج للاحتفال بأول ألبوم صدر لإيوان ولاقى رواجا كبيرا وقتها ..وكان سيد هو من لحن له أغنية الألبوم الرئيسية التي اشتهرت كثيرا .. وخمنت بأن دعاء هذه كانت ترافق ايوان في ذلك الحفل .
أما خارج المقهى وعلى بعد أمتار صف سيد صبرة سيارته وترجل منها يرتدي بذلة أنيقة من الجينز الأسود وحذاء ضخما .. وتحرك مسرعا وهو يتحدث في الهاتف قائلا بصوته الخشن " شريف باشا أنا آسف إن كنت تأخرت فالطريق كان مغلقا جزئيا لوقوع حادثة "
جاءه صوت محدثه يقول" أنا أيضا لم أصل بعد فالطريق كما تقول مغلق جزئيا وهناك بطء في مرور السيارات .. أنا أعتذر جدا لازلت بعيدا عن المكان "
صعد سيد درجات المقهى برشاقة ينافس بها سنوات عمره التي لامست الأربعين وقال وهو يدفع الباب الزجاجي بكتفه ويمسد على لحيته البنية الأنيقة "حسنا لا بأس أنا سأنتظرك في المقهى "
دخل سيد صبرة المقهى بخطوات واثقة ووقف يتطلع في الطاولات أمامه والهاتف لا يزال على أذنه .
