رواية عديل الروح الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم الكاتبة ام حمدة
الفصل الثالث والعشرون - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
***************
جف ينبوع غدران ماساتي، فبكى قلبي دمعات عصية!!.
أكتم آهات قلبي لفراق أحبتي، فتفضحني نظراتي!!.
تجبرني أشواقي وآمالي بحثا عن طيف غادرني بين الجموع الغفيرة!!.
عيناي تجري على وجوه باكية، فأبحث بينهم لعلي أجد وجها باسما!!.
لما يا عالم تضني علي بسعادة، وحضن دافئ، يحميني من غدر الأزمان؟؟.
لا أرفض حكم الأقدار!!... فأنا به مؤمنه لكن قلبي الملتاع أبى الفراق!!.
يا قلب؟؟...يكفي جروح!!...يا قلب؟؟...يكفي وجع!!...تكفي دموع!!
فروحي طابت الحياة من بعدها.....
فهلمي إلي يا أحزان، فاليوم يومك، فقد غادرتني قواي، وعاد اليتم يغتال سعادتي.
مريم
رنين الهاتف المزعج أيقض قاطني الغرفة، فتململوا برقدتهم، وشعر بلمسة دافئة تجبره على فتح جفنيه.
أزاح الغطاء قليلا من على وجهه ورفع ذراعه ناحية الطاولة الجانبية لينير الإضاءة، لينتشر ضوء خفيف بالغرفة يشبه بلونه غروب الشمس عند المغيب، ليضفي طابعا حميميا على الغرفة.
دعك عيناه ليتطلع للساعة ثم حطت أصابعه لمن أفسد أحلامه الجميلة مع ابنة عمه، تمهل للحظات يبعد النعاس من عينيه، ورمش عدة مرات ليتطلع بعدها للآلة المزعجة التي بكفه والذي توقف رنينها المزعج لبرهة فقط ثم عادت شاشته تنير من جديد، وعندما أيقن من هو صاحب الرقم حتى لعن بخفوت ليصله صوتها الأجش من أثر نومها:
" هي من جديد، صحيح؟؟ ".
كان إقرار بواقعة وليس بتخمين، فهذا حالهم منذ أن وطئت سلمى بقدمها أرض منزلهم أي منذ شهرين، فحالهم يسوء من يوم لآخر.... تتصل بمنتصف الليل وتدعي كما العادة الألم، وأنها تكاد تخسر جنينها، فتبكي وتنوح ليهب سلطان متفقدا إياها وتتعلق بيده تطالب بوقوفه بجانبها، فيأخذها مضطرا لطبيبتها كي ينفي شكوكها الواهية.
فهي لا تقتنع بأن حملها أصبح على خير ما يرام وطبيبتها تؤكد هذا، لكن هذه سلمى التي تحاول بكل الطرق أن تتشبث بأي شيء كي لا تغادر المنزل.
لا تنكر أن سلطان حاول كل جهده بأن يخرجها من منزل عائلته وتعود لمنزلهما، فتستخدم حيلها ضده بأنه لا يراعيها، ولا يهتم بها، ويتمنى لها الموت، فتبكي وتنوح من عدم وجوده بالقرب منها، وربما يحدث ما لا يحمد عقباه، فيرغم مجبرا على إجلاء رحيلها لوقت آخر.
تنهد بضيق، ومسح على وجهه يستغفر الله ويدعوا أن يلهمه الصبر على هذا البلاء!!.. نعم هو بلاء واختبار من رب العالميين لمدى تحملهم وصبرهم.
التفت ناحية زوجته وغمرها بذراعه يشدها لصدره الدافئ، ويقبل قمة رأسها، ويستنشق رائحة عبيرها الفواح الذي أدمنه لحد عدم قدرته على الارتواء من شذاها.
تعلقت به هي الأخرى تنشده الأمان والاستقرار، تنشده الحب وعدم تركها، تشبثت بظهره بقوة، ودفنت وجهها بالقرب من صدره ليهمس بصوته الرخيم وهو يمرغ أنفه بين خصلات شعرها الفاحمة:
" أعتذر لهذا الإزعاج!! ".
زفر بحرارة لهذا الضيق وهذه الحياة التي يعيشها مع سلمى، لقد حاول معها عدة مرات أن تعود لمنزلهما لكنها تأبى المغادرة، هي تعرف بأن ما بينهما قد انتهى، فلما الأمل بالبقاء؟؟.. فلولا هذا الطفل لكان قد انفصل عنها منذ فترة طويلة.
ابتعد عنها وتأملها بحنان ودفئ شع من عينيه، وهناك بأعماقهما شيء لاح خلف مقلتيه، شيء مقيت يقتات منه وقد شاهدته كثيرا بالآونة الأخيرة " ندم!! ".
لم ترده أن يغوص بالرثاء لحاله، ولم تتق رؤيته مهموما، فما حدث كان مقدرا ومكتوب.
رفعت ذراعها البض ناحيته ومسحت على وجنته بظاهر كفها وتلمست لحيته الخفيفة والمشذبة بإتقان، وقالت تحادثه بمنطقها وحكمتها التي لن يمل من سماعها، لكن كلامها التالي فاجأه:
" عليك أن تعذرها يا سلطان!!... فأنت تعرف سلمى جيدا، هي لا تتحمل أي ألم ولا تطيقه، فما بالك بشيء جديد عليها، وكائن حي ينمو بداخلها، فالأمر مخيف بالنسبة لها، كما أن ما سمعته من أمور الحمل أن الهرمونات ترتفع وتغير من مزاج المرأة، لهذا هي بهذه الحال ".
طالعها بغموض وحادث نفسه
" مسكينة أنت حبيبتي!!.. براءتك وثقتك بالناس، تجعلك غير قادرة على رؤية المكر والخداع فيهم ".
اعتدل برقدته واتكأ على كوعه، وتشدقت شفتيه بابتسامة حب لهذه المخلوقة المتفردة والتي لن يرى لها مثيل، فكيف لامرأة أن تبرر أفعال زوجة زوجها الرعناء وتتقبل تصرفاتها برحابة صدر؟!!.. فقال وهو يضمها لصدره:
" أتعرفين؟!.. ستغدين أفضل أم بالعالم ".
فسألته بحماس وقد طار النوم من عينيها:
" هل تعتقد بأنني سأكون أم رائعة؟؟ ".
أمسك وجنتها وقرصها ثم حرك كفه لتحط على معدتها العارية ليقشعر جسدها من لمسته وقال:
" أما آن الوقت ليكون طفلي ينمو بداخلك؟؟ ".
أغمض عينيه يتخيل شكلها وهي حامل لتتسع ابتسامته ويهمس بحالمية:
" طفلتي تحمل طفلي بداخلها ".
لمعت عيناها لوهلة ثم انطفئ بريقهما قبل أن تنفرج أجفانه وتلتقط عيناه الثاقبة تلك اللمعة، فلوت شفتيها للأمام بامتعاض لتغدو ممتلئة كحبة الفراولة الشهية الجاهزة للقطف، وكشرت بوجهها لكلماته، لتلكمه على كتفه صائحة بغضب مفتعل:
" متى ستكف عن مناداتي بالطفلة الصغيرة؟! ".
ضحك بسعادة لغضبها، وراقب ملامح وجهها الفتان الذي سرق لبه ثم ما لبثت أن حطت عيناه على ثغرها لتختفي ابتسامته، وغامت مقلتيه بمشاعر شتى... مزيج من الحب والعشق، والرغبة والحنان، أحاسيس لم يعرفها سوى معها، وعواطف ذاقها معها هي فقط، لقد ملأت بيته بدفئها واهتمامها، وأصبح ينبض بالحياة والحميمية، صار منزلا قابل للعيش فيه، قربه منها يجعله مختلفا، نعم هو يتحول لمراهق غر يتصرف كما يتصرف حديثي الحب، يبحث عما تحبه، ويبتعد عما تكرهه، ومشاكساتهما لم تختفي، أحيانا كثيرة تفوز عليه وأحيانا قليلة تشفق عليه وتجعله ينتصر عليها، وتارة أخرى يغيظها كي تغضب " فما أجمل الصلح بعد الزعل".
فصار تواقا لعودته لمنزله ولزوجته الحبيبة التي تستقبله بابتسامة مشرقة وقبلة تجعله يجنح بها لعالم يخلوا إلا منهما.
تحرك مائلا فوقها ودفعها لتضجع على ظهرها بعد أن كانت متكئة على صدره لتكون هي بالأسفل وجثا هو فوقها، ظل لبعض الوقت شاردا بملامحها ثم نطق بصوت حمل العشق بين ثنايا كلماته لم يشعر بخروج حروفها محملة بحبه:
" ستظلين للأبد صغيرتي، وطفلتي، ومليكتي، ومهرتي الشرسة ".
انتظرت... وانتظرت تلك الكلمة التي نطقتها عيناه، واحتوتها كلماته لكن لسانه أبى لفظها واختار الصمت غير راغب بقولها، كأن بإخراجها ستحدث كارثة عظيمة لن يستطيع تلاشيها.
تعرف بأنه يحبها... قلبها أخبرها بعشقه، نظراته أخبرتها بأنه قد صار لها، وقلبه نطق وهمس باسمها، فعادت تحث نفسها على الصبر، فهي تعلم بأنه سيأتي ذلك اليوم الذي سيقولها لها ويعلنها بكل قوة من أنها ملكت قلبه وفكره، وأنها حبيبته للأبد.
ابتسمت بدفء، وأحاطت بذراعيها حول رقبتها وهمست بكل العشق المتواجد بقلبها:
" أما آن للصغير أن يكبر؟! ".
لمس أنفه بأنفها بحميمية جعلت أجسادهم تلتهب بنيران حارة ساخنة، وتنفس كل واحد منهم أنفاس الآخر لترتفع وتيرة نبضات قلوبهم بترقب، فقال بالقرب من شفتيها ونشوة الرغبة تطيح بعقله وتغيبه عن واقعه، وعواطفه طفقت تنتشر متخللة مسامات جلدها جعلت حرارتها ترتفع لسخونة جسده ومشاعرها أخذت بالغليان:
" ستظلين صغيرتي إلى الأبد، حتى لو خط الشيب شعرك ".
عضت على شفتيها تمنع نفسها من الصراخ بكل علو صوتها معلنة حبها له، وجرت عيناها على وجهه القريب ترسل رسالتها عبر مقلتيها، ولم تستطع أن تتمالك نفسها وبحركة جريئة منها دست أصابعها بشعره الكثيف وأمسكته تدنيه منها، وترقب هو بقلب نابض ومتفجر لتلك القبلة التي ستحط على شفتيه.
ثارت أنفاسهما وتمازجت، وطرقت قلوبهما برغبة اتحاد أجسادهما، وغابت عقولهما فلا مكان للفكر عندما يكون القلب قد أمسك بزمام الأمور!!
لمسة خفيفة متذوقة متأملة، ثم قضمه متمسكة متمكنة، وبعدها رنين الهاتف يعود ليطغى على صوت لهاثهم الراغب بالمزيد والكثير من تلك القبلة.
أطبقا بجفنيهما بحسرة، واتكأ على جبهتها يجترح عبقها ويغالب نفسه من كسر هاتفه وعدم الرد عليها، لكنه يعرف بأنها ستتصل بباقي أفراد أسرته وتوقظهم من نومهم، فهذا ما حدث من قبل عندما عاندها ولم يلبي اتصالها، فقامت بمحادثة والدته التي هاتفته مجبرة وبقلة حيلة ليخرس سلمى، فقالت مريم تدفعه للتحرك:
" يجب أن تذهب وإلا ستوقظ باقي العائلة!! ".
زفر بضيق وقال بغضب مكتوم ووعيد بإنهاء هذه المهزلة التي طالت كثيرا، فقد عال صبره على تصرفاتها الغير سوية:
" نعم يجب أن أذهب ".
ابتعد عنها لتسحب الغطاء مغطية جسدها العاري بعد شعورها بالخواء والبرودة تلفح بشرتها، وراقبت تحركاته المتململة وارتدائه لملابسه ببرود، ومن ثم التفت إليها وسار ناحية السرير وانحنى مقبلا إياها قبلة شغوفة ومتوعدة بالعودة واستكمالها من حيث توقفوا وهمس:
" سأعود بسرعة، انتظريني ".
هزت رأسها بخجل موافقة، ثم خرج بعد أن أهداها إحدى غمزاته.
تنهدت بحرارة من قبلته ثم ما لبثت أن هزت رأسها بقلة حيلة، تعرف ما تقوم به سلمى!!.. وهي تشفق على حالها، فهي تحاول جذب اهتمام سلطان لها بشتى الطرق الممكنة ولكنه يصدها ببرود ولا يعطيها المجال لأي تواصل معها، هي شعرت بهذا من أسلوبه عندما تجتمع جميع العائلة، صحيح أنه لم يتحدث أمامها عنها بقلة احترام ولم يتكلم بأي سوء لكنها استشعرت الجمود بينهم، والعجيب بالأمر هي قوتها بتحمل وجودها بنفس المكان مع سلمى، لأنها لم تعد تبالي، فما بقي شيء لتغار عليه!! وسلمى تحمل طفله بأحشائها، كما أن لنصائح جدتها أثر كبير بتجلدها الصبر أمام حركاتها، ومراعاة سلطان لشعورها كان يساعدها بتحمل وجودها.
استرخت بهدوء، وأسدلت رموشها تمنع تفكيرها من الذهاب بعيدا، فقد تخطت مرحلة الغيرة بأشواط.
لحظات من السكون كادت فيها أن تغفوا إلى أن فتحت عينيها إثر نغمة خفيضة دلالة وصول رسالة على هاتفها، وعقدت حاجبيها وشعور بعدم الراحة تخلل صدرها، وتساءلت إلى متى سيستمر هذا الأمر؟!!.. فقد ملت من هذه النغمة، وكرهت وصولها لأذنيها.
تململت وشعرت بالفراش كأنه كالإبر يغز جسدها، فنهضت من مرقدها واعتدلت جالسه تلتقط هاتفها من جانبها وفتحته على الرسائل وكما توقعت تماما
" رسالة من مجهول "
تتحدث عن حبه وأشواقه، ورغبته الكبيرة باتحادهم تحت سقف واحد.
في البداية عندما بدأت الرسائل تتوافد إليها اعتقدت بأن صاحبها مخطئ وأرسلت إليه تخبره بخطئه، لكنها لم تتوقف بل استمرت طوال شهريين كاملين، ففكرت بعدم إعطائها أدنى أهمية، وأنها بعدم ردها له سيمل ويختفي لكن توقعها كان ليس بمحله!!.. وهكذا استمر وكلما أرادت أن تخبر سلطان عن هذه الرسائل يحدث شيء ما ينسيها ما تريد قوله؟؟
لم تقرأ ما وصلها وأغلقت الهاتف بعد أن مسحت الرسالة، وتساءلت.. كيف السبيل لإيقاف هذا الرجل عن إرسال تلك الرسائل؟!!
*******************************
يجلس على الكرسي وذقنه متكئ على أصابع كفه، وعيناه اللتان كانتا تنضبان بالحياة تحولت للجمود وتناظر الجالسة على السرير تحتمي خلف غطائها، وعيونها تطالع نقوش الفراش أو هي بالأحرى محاولة للهرب من مواجهة إعصار غضبه كما كل مرة.
تحركت مقلتيها تناظره من طرف جفنيها لتراه ما يزال يحدق بها، تقاذفت ضربات قلبها بخوف مما هي مقدمة عليه، لكن رؤية صورة عدوتها ممسكة بزوجها وتقبله بكل وقاحة دون أن تراعي وجودها بنفس المكان غيرت من قرارها.
فمن حسن الصدف أن تكون نافذة غرفتها تطل على منزل زوجها مع ضرتها ومن خلالها استطاعت معرفة كل ما يدور بداخل منزلهما.
عادت كراهيتها تطفو على السطح، واستجمعت قواها وفتحت فمها تخرج كل ما تقدر عليه من دلال:
" سلطان حبي... ".
وكأنه كان ينتظر أن تبدأ هي بفتح نيران الحرب ليهب فيها كالطوفان الجارف المستعد لسحب كل ما هو أمامه من شدة قوته.
" اخرسي يا سلمى!!.. فقط اخرسي، لقد مللت من تمثيلك الرخيص هذا!! ".
" لكن...".
" قلت ولا كلمة!! ".
أمسك بشفتيها يعتصرهما بإصبعيه الإبهام والسبابة، وتقاطرت من عينيه شرارات الجنون والرغبة بالفتك بها.
تأمل جمال وجهها، يعترف بجمالها الأخاذ تكاد تناطح ملكات الجمال على عروشهم فتساءل لما تفعل هذا؟!!.. لما هي هكذا حقودة غير محبة؟!!.. لم يكن يريدها زوجة له أبدا رغم جمالها، وأنه أبدا لم ينظر إليها بمنظور آخر غير ابنة الخال وانتهى، لكن ماذا يقول لحكم الأقدار.
ابتعد عنها موليا إياها ظهره وقال بصلابة وكلمته لن تتزحزح أبدا مهما حدث!!.. كان يعطيها الفرصة تلوا الأخرى، كي تعدل من طباعها وتغدوا الزوجة الجيدة لكن كل ما حصل عليه هو الغدر والطعن بالظهر.
" ستعودين غدا للمنزل ".
علمت أن أيامها هنا قد انتهت، صحيح أنها لم تبحث أبدا خلف شخصية زوجها، ولا تعرف ما يحب وما لا يحب لكن هي بالتأكيد تعرف عندما يتحدث بتلك اللهجة الباردة، يعني نهاية الكلام ولكن لا مانع من المحاولة؟!.. فاستدعت دموعها لتهطل وشهقت بكلمات أرادت استعطافه:
" أنت لا تحبني!!.. لهذا لا تهتم إن خسرت هذا الطفل ".
أغمض عينيه بإعياء، ومسد بأصابعه جسر أنفه ثم استدار إليها بكل جمود الكون وقال ببرود قاتل وهو يقترب منها بخطوات الفهد المفترس:
" أنت تعلمين بأنك بخير، وكلنا أيضا نعلم لكن السؤال هو...".
انحنى بالقرب منها وأكمل:
" ما الهدف من المماطلة؟!!.. ما الذي تخططين لفعله؟!! ".
ارتبكت وتوترت أعصابها وتأتأت:
" أنا...أنا...لا أخطط..... ".
يقال أن الهجوم خير دفاع عن النفس فاندفعت صارخة:
" أنت ما الذي تخطط له؟!!.. أنت تريد أن تتخلص مني صحيح!!.. تريد أن تكون لوحدك مع تلك الحقيرة ".
اقترب منها بإصبع مرفوع محذرا إياها:
" سلمى.... أني أحذرك من التفوه بأي كلمة خاطئة تمس ابنة عمي!! ".
استعر الغضب بداخلها، وهاجت أنفاسها، وثارت براكينها، هو يدافع عنها أمامها دون أن يراعي مشاعرها.
" أنت دائما تدافع عنها، أبدا لم تقف بجانبي، دائما هي، دائما ما تقف بطريق سعادتي!! ".
رفع حاجبيه لتختفي خلف شعره المسترسل على جبهته وقال ساخرا:
" كل هذا الوقت ولم تلاحظي بعد أني استمر بالدفاع عنك!!.. منذ أن تزوجنا أو بالأصح منذ أن قمتي بتلك المسرحية المقيتة وأنا أدافع عنك!! ".
هز رأسه بسخرية وقال:
" أتعرفين؟!.. أنا المخطئ!!.. منذ البداية وأنا أقف بوجه المدفع وأنت لا تهتمين، أعطيتك دائما عدة فرص للتغيير وتصبحي تلك المرأة التي أريد لكن أنت مثلما أنت، لن تتغيري أبدا، ولولا هذا الطفل...".
أشار لبطنها واستطرد:
" لكنا قد انتهينا منذ زمن طويل ".
صفقت بخلاعة وهي تقف مواجهة له وقالت:
" واااااااو....النقيب سلطان قد أخذ ما يريده مني، والآن قد انتهى وقتي، بعد حصوله على امرأة أخرى!! ".
ناظرها بشفقة وقال يرد عليها:
" أرجوك!!.. كأنك لم تستفيدي من وجودك معي ".
رفع كتفيه دون مبالاة وتابع:
" فلنعتبرها صفقة زواج، وتبادل منفعة، أنت أردت المال والجاه، وأنا أردت امرأة بفراشي بطريقة شرعية ".
" أنت حقير منحط!!.. كل هذا بسببها!!.. تلك البقرة السمينة، أنا أكرهها...أكرهها وأتمنى موتها ".
" سلمى!!.. اخرسي وإلا...؟؟ ".
رفع يده للأعلى ينوي صمتها، لم يستطع سماع دعاء الموت لمحبوبته دون أن يردعه، ووقفت هي بقوة جنونها دون أن تداري نفسها من صفعته التي تعلقت بالهواء.
تخلل شعره بأصابعه يشده بقوة وهو يستغفر ربه على ما كان موشكا على القيام به وقال:
" سلمى لما تفعلين هذا؟؟... لما لا تتقبلين الوضع؟؟ ".
فرد ذراعيه على وسعهما وتحدث معها يحاول إقناعها بمنطق ويخرجا من هذا الوضع المزريِ الذي دخلا فيه مجبرين أو بالأحرى هو من دخله مجبرا:
" أنا أقدم إليك مالي ".
تطلع إليها وشاهد إنصاتها فقد جذب انتباهها فالمال هو غايتها، إذا!!.. هو لديه الكثير منه، ومستعد أن يعطيها كل ما يملك من أجل أن يعيش بسعادة مع مريم زوجته ومعشوقته.
" أنا أعقد معك صفقة يا سلمى، صفقة أخيرة وأنت تكونين فيها الكاسبة،
رصيد مفتوح، منزل، وخادمتان ومربية للطفل ".
سكت يعطيها المجال للتفكير وأكمل:
" لا تجيبي الآن، سأعطيك الوقت للتفكير، ومهلتها تنتهي بالغد ".
تحرك من مكانه مغادرا وقبل أن يخرج التفت إليها وقال:
" فكري جيدا بالأمر ".
وخرج تاركا خلفه شعلة تحترق على نار عالية، واتجهت بآلية ناحية الطاولة والتقطت الهاتف، وضربت أرقام تحفظها وانتظرت إلى أن يصلها الرد، ورفع الخط و...............
******************************
وقف سلطان متكأ على الجدار وهموم العالم قد تكالبت عليه، لم يكن يريد أن يصل معها لهذا الطريق المسدود، الله وحده يعلم كم حاول مرارا وتكرارا أن يتعايش معها ويرضى بقدره الذي كتبه الله له، هو رجل مؤمن وقانع بما يرتضيه الله له، وكان نصيبه أن يكون بذلك المكان وبنفس اليوم والساعة كي يلتقي بسلمى ويتزوجها، لكن هي لم تحاول أن تلتقيه بنصف الطريق، ويد واحدة لا تصفق، تركته لوحده يتمسك بالخيط الرفيع لزواجهم وبيدها أنسفته وقطعته من طرفها.
أغمض عينيه بغم، من أجل طفله القادم ستظل سلمى ملك يمينه، من أجله هو فقط سيتركها على ذمته.
ربته على كتفه أخرجته من دوامة توهانه، واعتدل بوقفته بعد أن شاهد والدته تنظر إليه بشكل غريب، مزيج من الفخر والاعتزاز هذا ما رآه بداخل مقلتيها.
" أمي!! ".
تطلع لساعته بارتباك ليراها الساعة الثالثة فجرا.
" ما الذي تفعلينه خارجة من فراشك بهذا الوقت المتأخر؟!! ".
أمسكت وجنته وتأملته، هذا هو ابنها...الكل يقول أنه بارد وجامد، ولا يملك أية مشاعر أو قلب، هم لا يعرفونه جيدا مثلما هي تعرفه، إنه إنسان مراعي بمشاعر الآخرين، ويهتم بالجميع غافلا عما يريده هو، يساعد الكل ويعطي كل ما لديه بسبيل راحتهم بغض النظر عمن كان هذا الشخص.
ابتسمت بأمومة احتواه صدرها الواسع وأجابته:
" شعرت بالعطش وخرجت لأشرب الماء ".
تطلعت ناحية باب غرفة سلمى، وهزت رأسها بأسف قائلة:
" هل عادت لحركتها؟؟ ".
قبل قمة رأسها وقال دون أن يسهب معها بالحديث:
" لا تقلقي يا أمي سلمى ستعود غدا للمنزل، وأنا أعتذر لما سببته لكم من إزعاج!! ".
ابتسمت له بدفء تعرف بأنه لن يتكلم عما يحصل مع زوجته، فهمست له بكل الحب والحنان الذي تكنه كل أم لأطفالها:
" بارك الله فيك يا بني وحفظك الله من كل شر!! ".
" نعم يا أمي، أرجوك أكثري من دعواتك لي فأنا أحتاجها!! ".
" دائما يا بني، دائما أدعوا لك ولأشقائك وشقيقاتك ".
قبل كفها وطبع قبلة أخرى على رأسها.
" أدام الله عمرك يا أمي، وجعلك ذخرا لنا ".
" اذهب للنوم يا بني ".
عاد ينظر للساعة وقال:
" سأصلي ركعتين وبعدها سأنام قليلا ريثما يحين وقت صلاة الفجر ".
" أجل صلي لله واستخره يا ولدي، فهو مفرج الهم والكرب وبإذن الله سيقودك للطريق الصحيح ".
" شكرا يا أمي على نصائحك التي لا غنى عنها، سأعود للمنزل لا بد بأن مريم تنتظرني الآن ".
ابتسمت بسعادة وحنان لتلك الفتاة التي أعادت الحياة لبكرها، وقالت:
" بني، حافظ على مريم فأنت لن تجد مثلها أبدا ولو درت العالم كله، فقلة من النساء يشبهن مريم ".
توسع ثغره بابتسامة مشرقة وأجابها:
" أعرف هذا يا أمي ".
عاد لتقبيلها وغادر متجها للدفء والحرارة، للحب والعشق، للراحة والهناء، هو سيخبرها بعشقه، نعم... لا بد وأن تعرف بكم المشاعر الهائلة التي يكنها لها، هي أيضا تحبه، يعلم هذا علم اليقين، فإحساسه أبدا لا يخطئ، وقلبه أخبره، روحه الهائمة بها التقت بروحها لتقول له عما تخفيه عنه، هي فقط تنتظر منه المبادرة لتصرح بعدها بما يعتمل بقلبها.
خرج يسابق الريح ولم يعلم بأن الرياح تعاند حبهما!!!!
ما أن فتح باب غرفته يناديها حتى سقط قلبه على الأرض وهو يرى دموعها أنهارا تجري على وجنتيها تحفر أخدودا عميقا، ووجهها محمر، وعيونها جاحظة وساكنة بجمود، وجسدها يرتجف.
اقترب منها والخوف من القادم يشل لسانه عن الحديث ومعرفة ما ينتظره، وتساءل....هل هذه طعنة أخرى من سلمى؟!!.. يقسم هذه المرة أنه لن يرحمها!!. ركع عند قدميها وقلبه يطرق بكل قوة يكاد يحطم أضلاعه، ورعب نهش عقله بما يكون سبب حالتها تلك.
مد كفه ناحيتها ليمسك كفيها، فانتبه للهاتف بين يديها، ازدرد ريقه بصعوبة وعاد يتذكر المحادثة التي جرت بينه وبين سلمى إن كان قد أخطأ بشيء ما؟!!.. لكن لا شيء أبدا!!
أبعد الهاتف وتعوذ من الشيطان، وسم بالرحمن وأمسك بكفيها ليصدم من برودتهما كأنها قد خرجت من بين الجليد، وهمس بخوف عاد يحثه على السؤال وبداخله شيء يخبره بأن ما سيسمعه لن يسره أبدا:
" حبيبتي ما بك؟!!.. ماذا حدث؟؟ ".
لا رد!!!.. كل ما واجهه هو الجمود، كأنها تحولت لتمثال شمعي، ولولا دموعها الهاطلة لاعتقد بأنها بالفعل تمثال متقن الصنع لزوجته.
عاد يهزها برفق يخرجها من القوقعة التي أدخلت نفسها بها، وسألها من جديد:
" مريوم حبيبتي..أنظري إلي!! ".
وكأن بندائه لاسمها كالباب الذي فتح ليخرج ما خلفه، فقد انفجرت باكية بصوت عالي، واندفعت ناحية صدره تغرس نفسها تبحث عن الأمان الذي تشعر به أنها ستخسره.
أحاطها بذراعيه يشدها ناحية صدره والهلع قد ازداد أضعافا مضاعفة، فهناك شيء جلل جعلها تبكي بهذه المرارة، وهنا لمحت صورتها بخياله فقال مبعدا إياها:
" جدتي... ".
طالعته بعيون خاوية وقد توسد مقلتيها الموت، ودموعها تنزل كشلالات دون أن تتوقف، أعادها لصدره وقلبه يخفق بشدة، فجدته بالآونة الأخيرة لم تكن على ما يرام، وهمس عند أذنيها:
" هي بخير، سترين، سيكون كل شيء على ما يرام ".
بعدها تسارعت الأحداث... تحرك سلطان يلتقط الهاتف ليتصل بآخر رقم، واتصل به فأجابه محمد بسرعة بعد أن اعتقد بأنها مريم تعيد اتصالها، فقد كان قلقا جدا عليها بعد قطع الخط عندما أخبرها بما حصل للجدة، أغلق الهاتف مع محمد وأمرها بارتداء ملابسها ريثما يعود وتركها متجها لوالده ليخبره بما حدث، فقد أبلغ محمد باقي أعمامه، وعندما عاد شاهدها حيثما تركها واقفة بمكانها بملابس النوم وتنظر للاشيء!!.. فقط الفراغ والفقد هذا ما احتوته مقلتيها، رثى لحالها... يعرف كم هي متعلقة بالجدة، ويعلم خوفها من فقدها هي الأخرى كما والديها.
اقترب منها واحتضنها بمواساة، وطبع قبلة على جبهتها، وأمسكها من كتفيها وحادثها بهدوء ورفق:
" جدتك بخير يا مريم، هي مجرد وعكة صحية كما حدث في السابق ".
وبادرة حياة تخرج منها برفع رأسها ناحيته تنتظر تأكيد أو خبر أو أي شيء يدل على أنها بخير، فجاءها سريعا بهز رأسه.
" نعم هي بخير، هذا ما قاله شقيقك ".
وعندما لم يجد استجابة تركها وتحرك ناحية الدولاب والتقط إحدى عباءاتها وألبسها إياها دون أن تشعر بما حولها، ومن ثم قادها للخارج لتلتقطها والدته التي هالها رؤيتها بتلك الصورة كأنها الميت الحي.
قاد سلطان السيارة برفقة والده ووالدته وزوجته مريم وخلفه سيارة أشقائه.
وصلوا لوجهتهم منزل الجدة وهناك شاهدوا عدة سيارات تقف عند باب المنزل وقد تعرفوا لأصحابها...أولادها وأحفادها.
ترجل والد سلطان بسرعة وقلبه يضرب بشدة، ووجهه قد شابه الألم، وملامحه ظهر عليها كبر سنه، وخلفه زوجته التي أمسكت به تسانده على تخطي هذا الأمر وتحثه على التجلد وتدخل لقلبه الطمأنينة، بأن والدته بخير، هي مجرد وعكة صحية لا أكثر، وأن هذه ليست المرة الأولى التي تقعد الجدة بالفراش وبعدها بأيام تنهض بصحة جيدة.
أخرج سلطان مريم من السيارة وعندما أراد أن يقودها للداخل تجمدت بمكانها وتطلعت للباب بخوف ورعب ظهر بعينيها التي غامت بمشاعر متضاربة ومشتتة.
" هيا حبيبتي، والدتك بخير وتنتظرك بالداخل ".
عادت تنظر إليه كأنها تشاهد مخلوق من عالم آخر، وشفتيه تتحرك دون أن تسمع ما يقوله وكأنه يتحدث بلغة أخرى.
سحبها برفق عندما لم تستجب وتنهد بحزن لحالها، عاد يدفعها ويجرها خلفه لتتحرك معه دون مقاومة، فروحها قد انطلقت هائمة خارجة من جسدها تاركة إياه دون مشاعر أو أحاسيس، وخلفت خلفها جبل من الصقيع.
وصلت لمدخل غرفة الجلوس وتطلعت للوجوه بترقب كأنها تنتظر رؤية الدموع والبكاء والنحيب... لكن لا شيء، تركتهم عيناها وبحثت عنها ولم تجدها، فعادت تسألهم بنظراتها... أين هي؟!!
فجاءها صوته من بعيد:
" إنها بغرفتها تنتظرك ".
عاد لقيادتها ووقف عند عتبة بابها، وقبل أن يفتحه شعر بجسدها يسترخي بين ذراعيه ليسارع بصلبها ويحتضنها بالقرب من صدره، فقال يحادثها بخوف بعد رؤية وجهها الشاحب الذي يشابه بياض الأشباح:
" حبيبتي... هل أنت بخير؟؟ ".
اعتصرها بقوة يحميها مما هي مقدمة على رؤيته، فعاد يطمئنها:
" إنها بخير حبيبتي، هي بخير تماسكي من أجلها، فأنت لا تريدين إخافتها برؤيتك بهذا المنظر؟! ".
قبلها واحتضنها يمدها بقوته وفتح الباب كي يريها صدق أقواله.
" أنظري... هي هناك تنتظرك ".
تجولت عيناها بنهم باحثة عن ظلها، عن جسدها، عن دفئها، وعن حنانها، لتراه هناك يقف بابتسامة مشجعة للاقتراب، وكأنما روحها قد عادت لجسدها لتسترد وعيها، ودخلت تقودها قدمين مرتخيتان ليتلقفها شقيقها بحضن شعرت به وأن الحياة قد سرت من جديد بأوردتها ووصلها همسها الضعيف:
" مريوم...ابنة الغالي، تعالي لأحضاني ".
سارت ناحيتها كالمنومة تحتضنها ذراع شقيقها ووقفت عند السرير تتأمل بعيون مشتاقة من تقبع بالسرير بابتسامتها الحانية، وعيونها التي طالما احتوتها بدفئها وأمومتها فهمست بصوت متحشرج:
" أنت بخير....الحمد الله، أنت بخير. أنت لن تتركيني وتتخلي عني!! ".
انقضت عليها مقبلة وجنتيها وعينيها وجبهتها وكفيها ومن ثم اضطجعت بالقرب منها تلتحف نفس لحافها، أحاطت الجدة بذراعها الواهية جسد مريم وتأملت حفيدتها بكل الحب الذي تملكه، وقالت بضعف وصوت خفيض:
" ابنة الغالي رأسها دائما مرفوع، ودائما قوية ولا تستسلم بسهولة، مهما واجهتها من صعاب ".
أخذت أنفاسا ثقيلة تعب بها رئتيها المتعبتين، وعادت تستكمل:
" حددي مستقبلك يا بنيتي وتطلعي للأمام، وأبدا لا تلتفتي للخلف ".
تشبثت مريم بجسد الجدة وكلماتها تطعنها بالصميم، تجعل قلبها يذرف دموعا عصية، ودماء سخية.
" تمسكي بزوجك ولا تتخلي عنه، فهو جدارك ضد هذا العالم، وامسكي بذراع شقيقك وأرشديه للطريق القويم فهو سندك وحاميك ".
سكتت تجترح هواء يعينها على الصبر قليلا وتابعت تناديه:
" سلطان بني...اقترب ".
تقدم للأمام وركع على الأرض، ومال فوق زوجته المتكومة والمندسة بحضن جدتها ليمسك كفها الممدود ليطبع قبلة طويلة على ظاهر كفها، وهمس بحزن وألم ودموع تحجرت بمقلتيه تأبى سقوطها:
" أنا هنا يا أمي ".
تأملته بحنان ودفئ لطالما احتوته دائما
" بني...سلطان، ابنتي مريم ومحمد أمانة برقبتك ".
أغمض عينيه بألم وقد علم وقلبه انشطر لنصفين، وقال يغالب نفسه عن البكاء فخرج صوته مهزوزا رغما عنه:
" هما بعيني يا أمي لا تقلقي، أنت فقط ارتاحي لتستردي قوتك وستتابعين أمور حياتهم كما فعلت من قبل ".
ابتسمت بوهن، هي تعرف وهو يعلم ولا مفر من الأمر، فقد حل اليوم الموعود، تشعر بهذا... فروحها تهفو للرحيل فقد مل جسدها هذا العالم، وتاقت روحها لبارئها.
وضع سلطان يدها برفق ليقترب محمد وقد امتلأت عيناه بدموع انسكبت دون أن يمسكها، فقد عاد اليتم يلتحف حياته، وفقد اعتاده سنين عمره الصغير، لقد دفن عائلته الواحد تلو الآخر، واختبر رؤيتهم يتوارون تحت الثرى، وها هو الآن يختبر هذا الشعور المريع مع أغلى الناس لقلبه.
امرأة أهدت حياتها وعمرها بسبيل راحتهم وسعادتهم، عمر قضاه بين ثنايا أضلاعها تحتويهم بحنانها ودفئها، وها هو الآن يغادره ويعترش طريقه الحزن والألم.
أمسك كفها بيد مرتعشة وشهقاته ارتفعت تعلوا.. تبكي روحا أحبها كثيرا.
" لا تبكي طويلا على فراقي يا بني، وكن كما كنت فتى مرح ترى العالم بعيون موازية ".
ليجهش ببكاء مرير قطع نياط قلب سلطان المنفطر لرؤية هذين الاثنين كيف يتشبثون بقوة بالجدة كأنهم يمنعون مغادرتها.
لم يشعروا بدخول الجميع، ولم يشعروا بنحيبهم المكتوم، وكيف وارى الرجال دموعهم خلف حمدانيتهم، وكيف كتمت النسوة دموعهم خلف كفوفهم، لكن كيف السبيل لإيقاف تلك التي تتدفق بحرقة رحيل أحبتهم؟!!.. كيف السبيل لإيقاف قلوبهم المنفطرة لفراقها؟!
نداء الله أكبر الله أكبر ينادي بالجميع بأن يلبوا النداء...
لتردد خلفه بهدوء وطمأنينة، ووجهها يشع بنور السلام، وإصبعها السبابة يشهد ويردد بالشهادتين.
اقتربت تشدها إليها، اقتربت تتنفس رائحتها، هي شعرت، هي أحست بدنو الأجل. لتقترب من أذنيها وهمست لها بشيء ما وابتعدت تنظر إليها لترى ابتسامة تتوسد شفتيها وعينيها مغمضتان بسلام وبنوم أبدي.
********************
أمممممممممممم عارفة والله عارفة، الفصل صعب جدااااااااااا
