اخر الروايات

رواية عملتان لوجه واحد الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم آية الطري

رواية عملتان لوجه واحد الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم آية الطري


اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ♥️

+


---------☆☆☆☆☆☆

+


كانت موسيقى الجاز تنساب من زاوية بعيدة في الطابق الرابع من البار الفاخر، بينما احتفظت "آنا كورنوفا" بنفس الابتسامة الهادئة على وجهها، وهي تنظر إلى الرجل الغريب الجالس أمامها.

+


كان يتحدث بلغة كازخستانية أنيقة بنبرة تحمل تهديدًا: 
_ " ارضخي للأوامر " آنا " لا أحد يرفض عرضًا كهذا "

+


ارتشفت من كأسها نصف الممتلئ، ثم قالت بهدوء، بعينين لا تفارقان وجهه: 
_ "بل هناك من لا يعود للهاوية، حتى وإن فرشت له ذهبًا"

+


ابتسم الرجل بسخرية واضحة ومال للأمام هامسًا: 
_ " تنحي عن بعض ثقتك اللعينة، المنظمة لن تصبر عليكِ أكثر من ذلك "

+


تهدّج صدرها لحظة، لكنها قالت بثبات: 
_ " على مدار سنة كاملة أتنفس تحت أنظاركم ولم يمسني أحد.... ليس لكون المنظمة لازالت ترغب وجودي بل إنه الخوف يا عزيزي"

+


ضحك بتهكم قائلًا:
_" يبدو الأمر اختلط عليكِ عالمتنا الذكية... برصاصة صغيرة ينتهي أمرك، تذكري هذا "

+


لم تُكمل الكأس، نهضت ببطء، لامست كتفه بنعومة كاذبة وهمست: 
_ " جيد، دعني أدعوك لإكمال سهرتنا بمكاني المتواضع.... فالحديث لا يليق به ضجيج الموسيقى هنا "

+


رافقها بابتسامة انتصار، يبدو أنها لانت للتراجع عن قرار الانشقاق عنهم....

+


خرجا معًا وركبا سيارتها وانطلقا صوب الفندق أو هكذا أوهمته، كان ينظر لها نظرات خبيثة توحي بقذارة تفكيره.... لاحظت ذلك جيدًا لكن بادلته بإبتسامة أخبث..

+


بعد دقائق توقفت السيارة فجأة فنظر لها بتساؤل فهتفت هي بحنق مفتعل:
_" اللعنة! يبدو حدث عطلٌ ما "

+


نزلت منها وسط الظلام فتبعها الرجل يستعرض ذاته:
_" دعيني أراها، وعودي مكانك سيدتي"

+


مال على الموتور يتفحصه قبل أن يتجمد مكانه من ملمس حديدي في رأسه من الخلف ثم ارتفع صوتها المتهكم:
_ " كان لديك فرصة للعودة تُبلغهم رفضي الحتمي لكنك ارتكبت خطأ فادحًا حينما تجرأت وقمت بتهديدي أيها الوغد "

+


لم يتحرّك، وظهر الخوف في صوته رغم استيائه: 
_ " أنزلي سلاحك كورنوفا وإلا ستندمين صدقيني"

+


_ "ربما... لكنك لن تعيش لترى "

+


فقط واخترقت رأسه رصاصة واحدة فسقط جسده صريعًا.... وكأن شيئًا لم يكُن، جست جواره تنظر إليه لثوانٍ طويلة، ثم قالت:
_ " أحمق ولا تجيد التعامل مع الجنس الناعم فلتتعفن هنا "

+


تركت جُثته على الطريق وعادت تقود سيارتها تدندن بدلال واستمتاع عالٍ مع موسيقى صاخبة جعلت ذلك القاطن في السيارة من الخلف يعتدل من نومته يهتف بنبرة باردة: 
_" أبهرني آداءك الإجرامي لكن للحق ذوقك الموسيقي بشِع "كورنوفا" "

+



                                      

كأنه خرج من ظلال الموت، بدلة داكنة، نظرات أكثر برودًا من جو كازاخستان الخارجي، لم تترك صدمتها تطول وكان سلاحها صوب رأسه تصيح بتهديد:
_" مَن أنت؟ ماذا تفعل داخل سيارتي! "

+


_" قليلًا من الضوء وستتعرفين وحدك مَن أكون "

+


مدت يدها بحذر تُشعل اضاءة السيارة لتقابل بسمته الساحرة إنه هو:
_" أنت ذاك الذي رأيتك في مطعم الفندق عند الظهيرة، ماذا تريد! "

+


أشار سيف بعينيه للخارج وقال برقة مفتعلة بلغةٍ روسية منمقة:
_" نتناول العشاء سويًّا... سأدفع الحساب كُوني مطمئنة "

+


_" أتمزح معي! " 

+


رد ببساطة وهو يسلط عينيه نحو ساعته:
_" أظن أمامنا خمس دقائق وستذهب طاولتنا لشخصٍ آخر... أترضيني لي الخسارة وأنا ضيفٌ في بلدك! "

+


ظلت تطالعه بعض الوقت بنظرات غامضة ثم ابتسمت نصف ابتسامة وقالت:
_" شخصٌ شهد مسرح جريمة كنت أنا الجاني فيها، فلا بأس إن شاركته العشاء دكتور سيف "

+


نطقت اسمه بخبث فضحك هو بخفة قائلًا:
_" جيد لن أضطر لتعريف نفسي سيدة " آنا " "

+


------------

+


سطعت شمس جديدة تحمل أشعة من نوع خاص تٌلقي الضوء على أحداث صادمة للبعض ومذهلة للبعض الآخر..... انتشر خبر زواجهما في منطقتهما السكنية بعدما أعلن هو عن ذلك عبر حسابه الشخصي،

+


في بهو منزل السيدة مجدة، صياح وعتاب طويل خاصةً من قِبل " سكر " لكنه لم يؤثر ولو قليل في ذلك القابع على أحد المقاعد يُريح ظهره للخلف ببرود غامض جديد على شخصيته ....

+


أما سلمى فتعتصر يديها في وقفتها والخجل سيد موقفها، تنظر لوالدتها بدموع كثيرة توحي بثقل الضغظ النفسي الواقع عليها.....

+


ومجدة تمرر عينيها بينها وبينه وعقلها يكذب فعلتهما، خبطت بقوة على فخذها قبل أن تردد بصوتها الملئ بخيبة الأمل:
_" دي عملة يا ابن جبران!.... يالهوك يامجدة، ليه كدة؟... تكتب عليها في السر وأعلم زيي زي الغريب!! "

+


صرخت في آخر كلامها ونهضت تقترب منه لكنه تهرب بعينيه منها وتظاهر بالثبات قائلًا:
_" أخوكِ اللي اضطرني لكدة يا أم سيف، والنهارده ولا بكرا كنا هنتجوز ... ليه الإعتراض دلوقتي! "

+


زجره سكر بإستنكار وقد وصل مبلغًا من الغضب:
_" صدقتك أنا كدة يا بيه وهحط الجزمة في بوقي!!، عامل مصيبة سودة وليه عين يتكلم ويجادل، انت مش حاسس بعملتك، غفلتني وطعنت أخوها في ضهره وحطيت ايدك في ايد الندل اللي راميهم "

+


استكملت مجدة ببكاء حزين:
_" اخص عليك يا شادي، دا انت خذلتني بحق الحلو اللي شوفته مني طول عمرك "

+


تألم داخله مما سببه لها من خزي لكن كيف يبرر! وقف يقترب منها بهدوء حتى نزل يقبل يدها قائلًا:
_" كله إلا زعلك يا أم سيف، سامحيني وارضي عن الجوازة، الشيطان سرح بيا ومالقيتش قدامي غير الحل ده... وليكِ عليّ أعوضها بفرح تحكي عنه المنطقة كلها "

+



        
          

                
ضربت كفيها متحسرة تقول:
_" وهيفرق في ايه الفرح بعد ما الحارة كلها ياخدونا لبانة في بوقهم... بكرا نسمعهم بيقولوا اتجوزها في الخفا ليه! "

+


وقفت تسترسل حديثها وهو تطالع ابنتها بنظرات حارقة:
_" اللي حارق دمي بالأكتر انها وافقت تتجوزك زي اللي عاملين عملة...."

+


احترق صدر سلمى من جملتها التي تعبر عن حقيقتها الخفية واستكملت مجدة بلوم:
_ " بتوكلي الراجل اللي رماكِ يا سلمى؟.... طب وسيف اللي عايش يحلم باليوم ده مفكرتيش فيه..."

+


ثم استطردت بقسوة:
_" قليلة أصل زي أبوكِ "

+


بكت تستعطفها بتعلثم:
_" يا ماما اسمعيني بس "

+


نهرتها الأخرى من أسفل أسنانها:
_" اخرسي وغوري من وشي لما أشوف هقول ايه للناس اللي هتيجي تبارك... بكل عين بجحة ناشر الخبر على النت... منك لله يا شادي "

+


أطالت في البكاء وانسحبت لغرفتها و هو يراقبها بصمت حتى وقف سكر واقترب منه ووجهه لا يبشر بخير ثم قبض على مقدمة ملابسه بقوة وقال:
_" أوعى تكون فاكر انك كدة حطيتني قدام الأمر الواقع وهحط جزمة في بوقي، دا أنا من الصبح أثبت انك فاقد الأهلية وجوازتك دي تتلغي.... شرطي يتنفذ يا شادي عشان ماهدش المعبد فوق راسك " 

+


ثم أكمل ساخرًا :
_" و ابقى عدِّي على ماهر.. يمكن لو غيرلك العلاج تعقل "

+


لم ينطق ببنت شفة رغم حزنه ونظرات العتاب التي سكنت عينيه، تركه سكر ورحل، في نفس الوقت دخلت منة ووالدتها التي صاحت في مجدة بحنق:
_" ايه الكلام اللي سمعته ده يا أم سيف، أومال لو مكنتيش عندي امبارح!... بقينا غُرب قوي كدة يا سي شادي؟! "

+


وقف الآخر يرد بإختصار:
_" ماتقوليش كدة يا أم منة.... عن اذنكم " 

+


_" أنت رايح فين؟ " صاحت بها مجدة بغيظ حينما وجدته يتجه لغرفة ابنتها فرد هو ببساطة:
_" عايز سلمى في كلمتين قبل ما أنزل "

+


لم تستطع منعه كي لا تشك أختها في شيء، فرحبت بها تقول بإبتسامة مفتعلة:
_" تعالي بس يا عزة أنا هفهمك اللي فيها "

+


كل هذا وبتول واقفة بالقرب من غرفة سيف تراقب بصمت حتى شملتها نظرات الغيظ من منة وذهبت عندها تتحدث بخفوت:
_" ساكتة ليه يا بت الزوات هي الدكتورة اللي وداكِ ليها سيف ما عرفتش تنطقك برضو! "

+


انزعجت بتول من أسلوبها ولم تستطع الرد لتكمل الأخرى بإستفزاز:
_" على العموم بكرا ترجعي لأهلك هما أكيد متعودين على حالتك، سيف قالي انه لما يرجع هياخدك لهم "

+


ضيقت بتول عينيها كأنها تستوضح مقصدها فأضافت الأخرى بلؤم:
_" هو اللي قالي كدة امبارح لو مش مصدقاني ابقي اسأليه، بس مش دلوقتي أصله مشغول جدا وماظنش هيرد عليكِ "

+



        
          

                
عندها ارتفع حاجبي بتول ومدت شفتيه كأنها اقتنعت ثم ضحكت بسخرية وتركتها ودخلت لغرفته مغلقة الباب في وجهها بقوة جعلتها تستشيط غضبًا غير مدركة لوضوح كذبتها....

+


أما بالغرفة الأخرى كانت تواليه ظهرها وعلى وجهها علامات الاشمئزاز تتذكر كيف أجبرها على الموافقة بجنونه التي شهدته للمرة الأولى...

+


_" لازم نتفق على كلام نقنع بيه سيف عشان مايشكش في حاجة" هكذا تحدث ببرود غير مراعيًا لما يدور داخلها...

+


مما جعل سلمى تضغط على يدها بقوة ثم صاحت مستنكرة:
_" طب ما تقنعني أنا الأول ولا ده مش من حقي!؟ "

+


اقترب منها بأعين ضيقة وسأل:
_" تقتنعي بإيه بالظبط يا سلمى، كان عندك حل غير ده! "

+


_" أنت بتتكلم كدة ليه يا أبيه أنا مستغرباك بجد!" 

+


حذرها بحزم قائلًا:
_" اسمي زفت! بطلي الكلمة المستفزة دي قولتلك ألف مرة "

+


خرجت منها تنهيدة صغيرة وزمت شفتيها كأنها تحبس دموعها فتظاهر هو بعد الاهتمام مكملًا:
_" سيبي سيف عليَّ وقولي موضوع ايه اللي كنت عايزة تحكيلي عنه امبارح "

+


نظرت له طويلًا قبل أن تنفي برأسها قائلة:
_" مفيش كنت متضايقة من حكاية التحليل وعايزة أفهم سبب سكوتك "

+


رد بلامبالاة:
_" التحاليل مش حقيقية ، مش هتوه عن أبوكِ "

+


أشاحت برأسها تضحك بسخرية لاذعة:
_" آه أبوكِ!! اللي أجبرتني يبقى وكيلي من غير ما أفهم انت بتعمل ايه! "

+


تغاضى عن نبرتها المتهكمة وتنفس بعمق قبل أن يقول:
_" سايب ياسر لواحده تحت لازم أمشي، عايزة حاجة؟"

+


هزت رأسها بنفي دون حديث....

1


-----------

+


بعد وقت طويل قضوه في محاولات كثيرة لالتقاط إشارة جيدة كي تحدث والدها نجحت في ذلك وهي تضغط على زر الاتصال به عبر أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي المعروفة...

+


_" مش بيرد " قالتها مسك بقلق لنورا التي أتت بها لمكان بعيد قليلًا عن النقطة الطبية ومعهما أخاها الصغير....

+


_" حاولي تاني الوقت باكِر تلقيه نايم "

+


أومأت بتفاؤل وأعادت الاتصال مرات عِدة حتى وصلها صوته الملهوف يتحدث بسرعة:
_" مسك انتِ اللي بتتكلمي؟ "

+


ارتبكت قليلًا وأجابت:
_" آه يا بابي حبيت أطمنك عليا؟ "

+


_" انتِ فين، خطفك على فين المجرم ده! ماتخافيش أنا هوصلك، حاولي تهربي منه على ما أجيلك يا مسك مش هسيبك "

+


كان يتحدث بالإنفعال وتوعد بينما هي وقفت مشدوهة لا تفهم مقصده، حركت شفتاها تسأل بتعلثم:
_" أنا مش فاهمة.. مجرم مين... أنا كويسة"

+



        
          

                
_" اسمعيني كويس يا مسك، راجح مش حارس شخصي ولا زفت ده جاسوس ومزروع عشان يوقعني ودلوقتي لاوي دراعي بيكِ، بس أنا هندمه هو واللي شغال لصالحهم وهخلص عليه بإيدي "

+


انقبض قلبها واتسعت عينيها برعب وقد بهتت ملامحها وهو يستطرد تهديداته:
_" ماتقفليش تليفونك تاني والشباب هيقدروا يحددوا مكانك خلال دقايق وقتها مش هرحمه خصوصًا لو كان مس شعرة منك "

+


وكأنه أعطى لعقلها أمرًا بالتحرك، أغلقت الهاتف في لحظة وهي تعتصره بين يديها وصدرها يعلو ويهبط بوتيرة غير منتظمة، تعجبت نورا من حالتها فسألت بحِيرة :
_" فيكِ ايه عَسى والدك بخير! "

+


نظرت لها بأعين تائهة ثم طالعت المكان كأنها تبحث عن شيء ما، فجأة تحركت بعجلة نحو صخرة قريبة ودون تفكير حطمت الهاتف بها تحت صدمة نورا وأخيها...

+


سقطت جوار الصخرة بعدما عجزت على حمل ذاتها، تضع يدها المرتجفة على فمها وكلمات والدها تتردد في أذنيها تأبى تصديقها...

+


جست جوارها نورا تستفسر بفزع:
_" جرالك ايه يا بنت الناس ماتقلقيني، ليش كسرتيه! " 

+


لم تستطع البوح بحرف، فكرت لو قصت عليها ما قاله أبوها أن يتضرر راجح، فحركت رأسها نافية وقالت بإستعطاف:
_" لو سمحتي خلينا نرجع " 

+


لم تضغط عليها وفي خلال وقت قصير وصلتا للمستوصف وسط صمت تام من قِبل الجميع، إلا عقل تلك المسكينة، كيف له أن يكون جاسوسًا، وماذا إن نفذ والدها تهديداته؟!!

+


_" مصممة ما تحكي " فاقت على هذه الكلمات الهادئة من نورا فتهربت تنظر حولها:
_" هو الدكتور ومدام رشيدة مشيوا وسابوا راجح لواحده! "

+


قالتها بعدما وجدت مكان رشيدة فارغًا والهدوء يسود الأرجاء مما جعل المخاوف تضرب برأسها حتى أنها لم تنتظر ردًا، وركضت نحو مكانه بريبة وكأن جحيم أبيها سيطوله في أي لحظة...

+


دفعت الباب بقوة لكن... بالفعل حجرته فارغة، انتفض داخله وعيناه دارت في المكان بجنون وقد تمكلها الفزع، استدارت لنورا تسترسل:
_" راجح فين، مش دي أوضته، ليه مش موجود! "

+


فتحت نورا فمها لتتحدث لكن صدح صوت آخر من خلفهما يردد بإعياء:
_" مسك " 

+


لم تصدق أنه هو، التفتت فجأة، لتجده واقفًا يستند على الطبيب هاشم...

+


_" راجح!! " 

+


همست بها ولم تدرِ بذاتها وهي تضحك بدموع وقطعت المسافة بينهما ودون أن تشعر امتدت يدها لوجهه تتحسسه بسرعة وهي تردف بنبرتها غير المصدقة:
_" ده مش حلم وانت واقف قدامي صح؟ أنا عايزة أقولك حاجات كتير أوي وكنت خايفة ماتفوقش "

+


استكملت تعاتبه ببكاء:
_" كنت هموت من الخوف عليك، فكرتك هتسيبني انت كمان عشان ماكنتش بترد عليَّ "

+



        
          

                
كأنه داخل حلم أو ما شابه، لأول مرة تحدثه بهذا الخضوع دون عناد لكن للحق ليس بالحالة الجيدة التي تسمح له بمسايرتها في الحديث الآن ولازال قلبه يؤلمه من فعلتها....

+


_" حقك عليا إني خوفتك وانك لسة هنا بسببي " نطق جملته بجمود وملامحه تحمل ألم واضح جسديًّا ونفسيًّا...

+


ساعده الطبيب في التمدد مكانها دون الدخول بينهما ثم قال:
_" كفاية حركة اليوم، هديك مسكن تاني وجرب تنام " 

+


أومأ له بموافقة وبعد قليل انصرف هاشم وخلفه السيدة رشيدة، ونورا التي قالت:
_" حمدًا لله على السلامة "

+


ثم غمزت لمسك وخرجت، لم يتبقَ سواها معه، تجاهل وجودها وأغمض عينيه براحة مزيفة، بينما لامت هي نفسها على اندفاعها في استقباله كأنه حبيب عائد بعد غياب... 

2


_" انت كويس! " قالتها بخفوت لكن لم تجد رد 

+


فابتلعت غصتها ولملمت شتاتها متجهة للباب لكنه أخيرًا نطق بسؤال أوقفها:
_" ماسيببتنيش ليهم ومشيتي ليه يا بنت السفير؟، حد يجيله الفرصة يهرب من جلاده ومايستغلهاش!"

1


ازدادت حركت يدها المتوترة وكادت تتجاهله وتخرج لكن الحزم في جملته التالية جعلها تتراجع حين قال:
_" ردي على سؤالي يا مسك، من حقي أفهم... أصل لو ده كرم أخلاق منك أدور على طريقة أردلك بيها الجميل "

+


ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيها بسبب سخريته الواضحة، ثم استدارت تنظر نحوه بمقلتيها الذابلة وقالت بنبرة حاولت جعلها قوية:
_" انت ليه شايفني كدة! دايمًا مصمم تقلل مني وتطلعني بنت وحشة حتى من غير ماتسمعني! "

+


تشبعت ملامحه بعدم الاكتراث بما تقول لكنها استكملت بصدق محمل بالتعب:
_" يمكن ماكنتش حاسس باللي حواليك بس أنا بجد عيشت أسوأ يومين في حياتي وأنا شايفاك بتموت ومش عارفة أعمل ايه... وبتمنى الزمن يرجع وأفضل محبوسة في بيتك مافكرش أخرج أبدًا "

+


الضعف الزائد في صوتها أجبر قلبه أن يلين وهي تسترسل في سرد معاناتها:
_" حط نفسك مكاني لحظة... فوقت بعد محاولة انتحار وأول صدمة أخدتها اني لسة عايشة وبعدين لقيت نفسي مع واحد كل اللي أعرفه عنه اسمه، بعدها غصب عني بقيت معاه في بلد معرفش أنها موجودة أصلًا.... وفوق كل ده بيعاملني إني خطيئة أو لعبة بيحركها زي ما هو عايز من غير ما يفهمها ليه بيعمل معاها كدة، وغرضه ايه ولا هي تفرق معاه في ايه... أوامر وبس! "

+


_" وقفي بُكا " قالها بضيق   

+


فصرخت فيه بإستياء:
_" برضو في دي بتؤمر! "

+


لا يعرف كلام مناسب فصمت وتركها تخرج كل ما بداخلها، فمسحت وجهها بعشوائية تردد بإستسلام:
_" الحياة حواليا بقت مختصرة فيك انت بس، أصحابي خسرتهم، واللي كنت فاكراه بيحبني طلع إنسان حقير، حتى بابي مش سائل فيا ولا يهمه الأخبار اللي بتوصلها له عني حقيقية ولا مزيفة... "

+



        
          

                
سقطت منها دمعة بائسة أثقلت أنفاسه حزنًا عليها، وأكملت بعدما تهاوت على أحد المقاعد:
_" بقيت مش عارفة غيرك، حتى لو مشاعري اتجاهك كُره زي ما كنت واهمة نفسي، كنت من جوايا مستسلمة لأوامرك وكل اللي بتقوله، لحد ماعرفت مكانتي الحقيقية عندك... بجد كلامك عني دبحني "

+


رفع عينيه نحوها بتساؤل عن مقصدها فأجابت ساخرة:
_" الليلة اللي جبتلك فيها كاسة اللبن وخرجت، لقيت مجموعة اسطوانات في أوضتي ورجعت أسألك عنهم عشان كنت ملانة وعايزة أتسلى بفيلم وقتها سمعتك بتتكلم في الفون وبتقول... "

+


هاجمتها الدموع ولم تستطع المواصلة وقد شفقت على حالها بينما هو شعر بالإختناق ولم يعرف كيف يصلح ما اقترفه حتى أضافت بضعف:
_" أنت فعلًا شايفني كدة يا راجح؟! "

+


تهدجت أنفاسه ونفى بتلقائية ثم أردف بندم محمل بالإعتذار:
_" أنا آسفة ماكنتش أقصد أقول كدة... مسك... على فكرة أنا كنت كذاب " 

+


قال جملته الأخيرة دون تفكير فسكنت فجأة والتفتت له بتعجب فأدرك ما تفوه به مما سبب له إحراجًا كبيرًا حتى بات وجهه مشبع بالإحمرار، ليس من عادته الإفصاح عما في جوفه وهذا ما صدمه أكثر منها....

+


انتشله من الموقف استئذان الطبيب بالدخول، سمح له راجح فأقبل بإبتسامة عملية قائلًا:
_" المفروض تكون نايم الحين، وماتشيل هم المدام، نورا حطاها في عيونها "

+


تجعد جبينه وراح بعينه نحو مسك مستنكرًا:
_" مين المدام؟ "

+


أوضح له هاشم بتوجث:
_" أقصد مدام مسك، لا تؤاخذني هي زوجتك صحيح!؟ "

+


تبادلا النظرات في صمتٍ مشحون، كأن كلٌّ منهما ينتظر من الآخر تفسيرًا لا يملكه حتى أضاف هاشم:
_" عذرًا لو فهمت غلط "

+


_" لا مفيش غلط، و لو كان غلط أتمنى يبقى حقيقي " قالها بثبات وابتسامة خفيفة سرعان ما حولها نحوها كأنه يعتذر بطريقة أخرى، يمحي من رأسها رأيه الذي أوجعها سابقًا...

1


--------------

+


شعر بضوضاء تفسد عليه نومته التي لم تستمر سوى سويعات قليلة ففتح عينيه بضيق ليجدها أمامه تطالعه بنظراتها الحادة، بينما جوارها يقف مالك ينتظر بدء العرض، 

3


_" يا فتاح يا عليم على الصبح، مصطلح الخصوصية ماعداش عليكِ خالص! "

+


قالها سيف ببرود وهو يتململ جالسًا ثم ضحك فجأة حينما وجهت سِن إبرة نحو رقبته قائلة بتهديد:
_" هترسيني على اللي في دماغك بالحرف ولا أعرف ده بطريقتي! "

+


نظر لما في يدها وتساءل بفضول مفتعل:
_" فيها ايه الحقنة دي؟ "

+


ابتسمت بتلاعب وقالت:
_" تركيبة هتطرد روح العناد اللي لبساك وتجاوبني على أسئلتي فورًا.... ليه ماعرفتنيش انك قابلت " آنا " وكمان اتعشيتوا سوا "

+



        
          

                
أبعد يدها بعدم اكتراث ونهض قائلًا بإستفزاز:
_ " مش وقت غيرة وبعدين حياتي الشخصية ماحبش حد يتدخل فيها! "

+


في لحظة استقر بين أصابعه سهم حديدي التقطه بمهارة وسرعة بديهة مذهلة بعدما رمته هي بغيظ ليمر من فوق أنفه تمامًا ثم سمع صوتها الساخط:
_" تمام يا دكتور، كلامي مش معاك يلا يا مالك "

+


عندها تخلى سيف عن أسلوبه وتحولت نبرته في لمح البصر للجدية التامة وهو يجيب أسئلتها:
_" بقالها سنة كاملة منشقة عن المؤسسة اللي بتدير المختبر، بعد ما اكتشفت أفعالهم الإجرامية في استخدام البشر كفران تجارب لشريحة كروزا، وعشان المعلومات اللي عندها ومدى أهميتها في المشروع لسة ماخلصوش عليها على أمل ترجع تنضم للتنظيم "

+


استغربت من تحوله المفاجئ ولكنها استمعت له بتركيز شديد وما أن انتهى حتى بادرت بسؤال سريع:
_" والعالِم المصري عماد يونس؟! "

+


رد بنبرة عميقة:
_" قالت انها سمعت اسمه كتير بس ولا مرة قابلته أو عرفت ايه دوره في التنظيم "

+


تدخل مالك بسؤال آخر:
_" قصدك أنه مُجند لصالحهم؟ " 

+


_" أو مخطوف ومتهدد! " قالتها " ٢٦ " بتوجث

+


صمت سيف لثوانِ ثم قال بتوعد:
_" ده احنا هنكتشفه قريب بس نوصله الأول "

+


اقتربت منه " ٢٦ " وعقلها يحلل تلك المعلومات حتى سألت بشك:
_" وهي قالتلك المعلومات دي ببساطة كدة! "

+


هُنا ابتسم بسخرية وقال بمكر وهو يسحب كفها ويضع به السهم الذي التقطه:
_" تفتكري عالمة بذكاء " كورنوفا " هتكشف أسرار بالخطورة دي لحتة دكتور بيطري تابع لبعثة علمية لدراسة التأثير الإشعاعي على الكائنات الحية "

+


انتظرت باقي كلامه بفضول صارخ لكنها وقفت مشدوهة حينما جذب منشفة ودلف للمرحاض مغلقًا الباب بكل برود يستمتع باشتعالها، كتم مالك الضحك من مشهد ملامحها التي تكاد تُخرج نيران وكادت تصرخ لكن الآخر تحدث سريًعا بالروسية:
_" دكتورة " لَمار " حان وقت اجتماعنا مع ممثل وزارة البيئة، جهزت المواضيع التي ستتم مناقشتها يمكننا مراجعتها في الطريق "

1


استدارت له " ٢٦ " بإستغراب لرسميته ونعته لها "بدكتورة " حتى أشار مالك بعينيه نحو عامل التنظيف الذي دخل للتو فقلبت عينيها غير مبالية واتجهت للخارج باستسلام مؤقت....

+


--------------

+


داخل ملعب جولف كبير كان "سلمان منصور" يُفرغ طاقة غضبه في الكرة المسكينة وهو يستمع لأحد رجاله يخبره بما استطاعوا فعله في محاولات بحثهم عن ابنته:
_" بلغنا يا باشا عن اختفاء اللي اسمه راجح ده زي ما أمرت من غير ما نجيب سيرة الهانم الصغيرة، ونزلنا صوره في كل مكان مع مكافأة كبيرة للي يقدر يوصلنا لمكانه "

+



        
          

                
صاح سلمان بغضب يقول:
_" كل ده مش كفاية، استمروا في البحث عنها وراقبوا الشريحة ممكن تشتغل في أي لحظة، أنا مش عارف ازاي الخط قطع فجأة وازاي مالحقتوش تحددوا المكان!!"

+


_" ماتقلقش يا باشا مش هنام قبل ما نجيبه تحت رجلين معاليك" قالها وانصرف ليقف سلمان بمفرده في ذلك المكان الشاسع يضع يمرر يده على وجهه بإشتعال قبل أن....

+


_" قلبي عندك معالي السفير عرفت الخبر أول ما وصلت كنت أتمنى مايكونش حقيقي" كان صوتً أنثويًّا يحمل من الخبث ما جعله يعرفه فورًا....

+


استدار يطالعها بعدم تصديق وكأنه يتعرف على ملامحها من جديد بعد سنوات طويلة في حين همس بذهول:
_" نرجس! "

+


رسمت ابتسامتها المقيتة وهي تنظر له بجرأة قائلة:
_" كأني كنت معاك امبارح، زي ما انت يا سلمان! "

+


ابتسم بجانب فمه وهو يتفحصها بدقة، هيئتها غير المناسبة لسنها بتاتًا، نظراتها الماكرة التي احتفظت بها كما هي، تلاقت أعينهما المذنبة في حديث طويل يعكس ذكريات قبيحة آخرها تلك الليلة التي حطم فيها زوجته وأم ابنته الوحيدة...

+


قبل أربعة عشر عامًا، حينما استغل غيابها ليأتي بتلك الساقطة في فراشها يتبادلان الشراب بمتعة محرمة وضحكاتها العالية متناسية كونها تخون زوجها كما يخون هو زوجته...

+


_" الوقت اتأخر ولازم أمشي " قالتها بدلال وهي تحاول الابتعاد عنه لكنه رفض هامسًا بقذارة:
_" ماتخافيش "عارف" في اجتماع سري دلوقتي يعني ولا هتيجي على باله "

+


تحسست صدره بنظرات مقززة وهي تتدلل مردفة:
_" نور لواحدها في البيت ومش بتعرف تنام من غير ما حد يكون جنبها، البيه اللي عودها على كدة! " 

+


ختمت حديثها بحنق لكنه لم يبالي وجذبها نحوه قائلًا:
_" مش اتفقتوا تبعتوها مدرسة داخلية في أستراليا؟ "

+


ضحكت ساخرة وقالت:
_" ده اللي هنقوله للناس إنما في الحقيقة أخويا هياخدها عنده، أقنعت عارف بكدة عشان يبعدها عن خطر شغله "

+


لم يستغرب عدم اكتراثها بابنتها لكنه قال:
_" ازاي هتطمني عليها وهي مش في حضنك! "

+


_" عن نفسي معنديش مشكلة، مرات أخويا بتحب الأطفال و معاها ولدين يعني متعودة على التعامل معاهم، أول ماعرضت عليها تاخد نور تارت من الفرحة، "عارف" اللي كان رافض وصعب عليه جدا يتخلى عنها دقيقة، بس قدرت أخوفه عليها لحد ما وافق.... أصلي لسة صغيرة وعايزة أعيش سني من غير مسئولية "

+


قالتها بغرور وهي تنساب مع تياره حتى فاقا على صوت بالخارج فانتفضت تجذب عليها الفراش وتسأل بقلق:
_" هو فيه حد هنا! "

+



        
          

                
نفى برأسه يقول:
_" تلاقيها قطة مسك، زينب رفضت تسفرها معاهم "

+


فجأة صدر صوت اصتدام شيء ما في الأرض أمام الغرفة فارتدا بعض ملابسه سريعًا وهو يقول:
_" استني هنا راجعلك "

+


ما أن فتح الباب حتى تجمد مكانه وهو يجدها أمامه شاخصة تنظر له بكسرة لا مثيل لها، 

+


_" زينب! " 

+


لفظ اسمها بتعلثم لكن لم تسمعه بسبب الصفير الحاد الذي ضج بأذنيها واكتملت الصورة بظهور نرجس خلفه في وضع يشرح قذارتهما...

+


وقعت عينيه على العلبة الصغيرة التي سقطت منها وظهر اختبار حمل بخطَّين يُعلنان عن فرحتها الثانية التي قطعت عملها من أجل أن تأتي وتزفها له....

+


استدارت للدرَج وهي تقاوم لتتحرك وتهرب علها تنسى المشهد كله، لكنه لحقها فورًا يردد كلمات كثيرة معتذرة وهي تدفعه عنها بضعف وصمت تام إلا من دموع تتحرر دون هوادة،

+


وسط حركتها الانفعالية لابعاده انزلقت قدمها وسقط جسدها بقوة أمام عينيه المذعورة تتدحرج فوق السلالم الطويلة حتى استقرت تحت قدمي صغيرتها الواقفة أسفل الدرج تحمل قطتها ببراءة أبعد ما يكون عن بشاعة والدها....

+


عاد للواقع وحاول طرد الذكرى من عقله ثم هتف فيها بضيق:
_" ايه جابك يا مدام نرجس؟ "

+


لم تبالِ بحدته ودخلت في لب الموضوع تقول:
_" عندي ليك خبر يهمك جدًا بس بعد ما تساعدني في خدمة ضرورية أوي بالنسبة لي "

+


رفع حاجبيه واتجه ليرحل متجاهلًا إياها بتهكم، لكن أمسكت ذراعه ونبست بترقب:
_" عارف هينزل مصر قريب! "

+


بحث عن صدقها داخل ملامحها اللعوب ثم سأل متعجبًا:
_" مجنون عشان يعمل كدة؟! "

+


_" مش وقت أحكيلك تفاصيل ابقى اكتشف بنفسك بعد ما أعرفك خط سيره كله "

+


_" والمقابل؟! "

+


اقتربت منه وملامحها مليئة بالإصرار على الشر:
_" عايزة كل اللي تعرفه عن ابن فلاديمير، ابنه بالتبني"

+


_" سنايبر!! " قالها باستغراب شديد

+


هنا بهتت ملامحها من الاسم، كثيرًا ما سمعت عن سنايبر لكن للمرة الأولى تكتشف كونه "عز" ابن زوجها... 

+


_" قصدك أنه نفسه القناص اللي شغال مع الزعيم!! " سألت وتتمنى أن ينفي تلك الحقيقة المرعبة لكن أكد لها ببساطة:
_" ما انتِ عارفة أهو! " 

+


سكن الخوف ملامحها فخرج صوتها مرتبكًا وهي تستطرد برجاء:
_" عايزة صورة لشكله الحقيقي، و كمان عايزة أعرف مكانه دلوقتي! "

+


رسم سلمان ابتسامة شامتة ظنًّا منه أنه اكتشف سبب رجائها فقال:
_" شكلك عرفتي انه كان مستهدف بنتك الفترة اللي فاتت بس اطمني المهمة دي ماعادتش بتاعته، عشان صدر قرار بموتها " 

+



        
          

                
وضحت لها الأمور، الآن فهمت مايربط ابنتها ب "عز" وسبب اهتمامها بشأنه لدرجة اختطفت رياض وعذبته دون رحمة، ابتلعت ريقها وتحدثت بثقة مزيفة:
_" وأنا واثقة إنك مش هتسيبهم يقتلوا بنتي وإلا ماكنتش صرحت بالكلام ده دلوقتي"

+


هنا ظهر شيء من الغموض غير المفهوم حيث تحدث سلمان بعجز بغيض:
_" كفاية تتلاعبي بيا يا نرجس "

+


تنهدت ببرود تنفي بخبث:
_" مش بتلاعب، أنا جاية أحط ايدي في ايدك من جديد " 

+


نظر بعدم ارتياح ليدها الممدودة نحوه حتى صاحت بتهكم:
_" مد ايدك يا خواجة ولا متوضي! "

+


_" ماشي يا نرجس كل لأجل رقبة عارف سبب كل المصايب اللي احنا فيها"
قالها بسخط لم تفهم هي سببه ولم تهتم...

3


----------------

+


كان مكتب اللواء شاكر في حالة طوارئ، اجتماع ضم روزالين وفارس ومصطفى في انتظار بكر هو أيضًا، على الشاشة الإعلان المقيت الذي نشره سلمان منصور عن اختفاء راجح ومكافأة مالية لمن يعثر عليه...

+


لم يمر وقت طويل ودخل بكر للمكتب يحيي الجميع بهدوء ليس طبيعيًّا اطلاقًا، مما أحزن شاكر على حالته وكذلك باقي أصدقاءه لكن كما قال سابقُا لا مجال للانهيار...

+


_" طلبتني معاليك" نطق بها برسمية فأشار له شاكر بالجلوس

+


ثم سأل بلطف:
_" انت تمام دلوقتي! "

+


أومأ له بتأكيد وكأن شيئًا لم يكن، فأخفضت روز عينيها تواري دموعها شفقةً بحالته التي تراها للمرة الأولى... 

+


بعدما شرحوا له ما حدث سأله شاكر بتوجث:
_" قول كل اللي تعرفه يا بكر عشان نلحق المصيبة قبل ما تكبر، راجح ممكن يكون اتكشف ازاي! وليه سلمان عامل كل ده عشان يوصله!"

+


أرجع ظهره للكرسي وقال بإختصار:
_" معنديش الاجابة المهم احنا نوصل لراجح الأول ونحميه وبعد كدة خد منه الاجابات اللي تلزم سعادتك "

+


_" تمام يا بكر مش هضغط عليك "

+


ثم تنهد يكمل بجدبة:
_" فارس ومصطفى هيتولوا مهمة حمايته وانت تقدر تركز مع روز في الملف اللي معاها "
-----

+


جلس معها في مكتبه ودون الدخول في أي أحاديث جانبية بدأ في العمل وتحليل كامل التفاصيل حتى رفع رأسه عن الجهاز قائلًا:
_" خطتك ايه يا روز "

+


خرجت من شرودها فيه وقالت بإرتباك خفيف:
_" معلش سهيت منك يا بكر كنت بتقول ايه؟ "

+


لم يعلق وأعاد كلامه بشيء من التفصيل:
_" البنات دي لازم نتأكد أن كانوا معاهم برغبتهم ولا تحت التهديد فكنت بسألك خطتك ايه! "

+


حمحمت ثم شرحت بعملية:
_" نقيت عينة منهم نقدر نبدأ من عندهم، بنتين عايشين في حارة مش بعيدة هيكون سهل علينا نتردد على هناك .... دي بياناتهم "

+



        
          

                
تفحص البيانات قليلًا ثم ردد الأسماء:
_" سهى وشهد !!... تمام سيبيني يومين وهديكِ نقطة البداية "

1


قالها وهو يلتقط معطفه فوقفت سريعًا تسأل بإندفاع:
_" رايح فين دلوقتي! " 

+


لمح القلق في عينيها ولم يرد فابتسمت بخفوت تقول:
_" ممكن أعزمك على الغدا وندردش شوية، أو حتى نسكت زي ما تحب "

+


زفر بضيق ونبس بتحذير:
_" لو سمحتي يا روزالين بلاش نظرة الشفقة اللي في عينيكِ دي ، مش عجباني"

+


أومأت تُريحه وهي تقول بطاعة:
_" تمام يا بكر... أنا عايزة أخرج معاك ومفيش قدامك فرصة ترفض ايه رأيك؟! "

+


_" آسف مش هينفع، أبو بكر محلفني أرجع على الغدا "

+


التقطت هاتفها ومفاتيحها بحماس وقالت:
_" وأنا بموت في أكل أبو بكر كفاية علب الغدا اللي كنت بخلصها مكانك في بداية شغلنا "

+


رغمًا عن جرحه الحديث ابتسم للذكرى مما جعلها تضحك من قلبها وجذبته خلفها تقول:
_" هو عارف إني دكتورة انت هتقوله لقيتني في الشارع زي المتسولين فعطفت عليا وجبتني معاك، حجة محكمة مش كدة!؟ "

+


هكذا داعبته بمرح فابتسم يراضيها واصطحبها معه....

+


---------------

+


خرجت " نور" من المشفى بعدما سلمت العينات تتخفى في ملابس رجالية، قد استطاعت الخروج من قصر "سنايبر" رغم نظام الأمان التي اخترقته أو هكذا ظنت، لم تهتم بتحذيراته واتخذت قرارها الحتمي في الابتعاد عنه حتى ظهور نتائج ال DNA وبعدها تفكر بالخطوة الجديدة....

+


عقلها في جدال حاد مع قلبها، الأول يوافقها، والثاني يعنفها بنبضات تُذكرها بخطورة فعلتها، اقتربت من الطريق الرئيسي تبحث عن السيارة التي طلبتها بعدما استقرت على اتباع عقلها لكن في ثوانٍ مرت أمامها سيارة أخرى اختطفتها في لمح البصر....

+


أما عنه فظهر في بهو قصره ينظر للفراغ أمامه قرابة نصف الساعة، حتى وصله ذلك الأنين ثم نبرة ضعيفة تسأل:
_" أنا فين؟ "

+


لم يرد فقط صوت اصتدام الكرة المطاطية بالأرض ثم ليديه يتكرر، فتحت عيناها ببطء لتقابل نظراته الثائرة، علمت أنها لن تنجح في الهرب فأخفضت رأسها بيأس تحول لذهول تُكذب ما رأته!!

+


رفعت رأسها بسرعة واتسعت عينيها تنظر له كأنها تراه للمرة الأولى كان بوجهه الحقيقي دون أي مظهر تنكر وهذا ما جعله أكثر حِدة من ذي قبل...

+


_" عز!! " نطقتها ببلاهة كأنها تتأكد فضحك هو بسخرية وقال:
_" محتار أعمل فيكِ ايه يا نور "

+


وضعت يدها على فمها وعيناها لا تفارقان وجهه ليس هناك اختلافًا كبيرًا لكنه... مختلف!!
_" يخربيت حلاوتك أهو كدة حسيتك روسي بجد! "

+



        
          

                
قلب عينيه بملل من مراوغتها لكنه لم يترك لها الفرص وقال:
_" انت عايزة توصلي لفين بالظبط! "

+


_" رجعني مصر ومالكش دعوة بيا وأنا لما أحتاجك هقولك " قالتها بجدية ظهرت فجأة

+


فرد عليها بتأني:
_" ماشي اديني يومين وهنرجع مصر... دلوقتي صارحيني كنت في المستشفى بتعملي ايه؟ "

+


توترت بشدة وهربت بعينيها عنه وهي تدعي البساطة قائلة:
_" حسيت اني تعبانة فقولت أطمن على نفسي "

+


كأنه لم يستمع الرد أعاد سؤاله مرة أخرى بنبرة أكثر قوة فاختارت المراوغة و أجابت بفظاظة:
_" لو اني لو قولت الثواب هيضيع بس انت مش غريب... كنت بتبرع بالدم، كفرت أنا!؟ "

1


ارتفعت ضحكاته للحظة قبل أن يقترب ويخبط بأصابعه على خدها هامسًا:
_" هعرف بنفسي ماتقلقيش، ولو على الدم ياريت تحافظي على الشوية اللي عندك عشان فصيلتك نادرة "

+


تركها يتجه للطابق الثاني بينما صاحت بسخرية أوقفته:
_" لعلمك أنا مُستقبل عام يا كابتن لو ليك في الفصايل "

+


زفر بضيق واستكمل طريقه وهو يقول:
_" عيب تبقي داخلة على ٢٤ سنة وماتعرفيش فصيلة دمك يا بنت الديب! "  

+


عقدت كل ملامحها تعجبًا من نبرته الجادة، هي لا تكذب بالفعل تعلم أنها من الفصيلة AB موجب بينما هو يتحدث بجدية شككتها في أمرها، أسرعت خلفه حتى وقفت أمامه تستفسر بوضوح:
_" أنا فعلًا فصيلة دمي AB ليه بتكذبني؟ "

+


نفى بجدية قائلًا:
_" لما كنا في المستشفى يوم الحادثة عملولك فحص عشان يحضروا دم لو احتاجتي ووقتها اتضح انك O سالب يعني فصيلة نادرة جدًا "

+


_" عز انت مش بتضحك عليَّ صح؟ "

+


أقلقه الريبة التي تملكتها لكنه أكد بصدق:
_" وأنا ايه يخليني أزور حاجة زي دي؟... على العموم ورد تحت اديها عينة وهتأكدلك كلامي "

+


دخل غرفته وتركها في جوف دوامة ستقلب الموازين بالمعنى الحرفي، اتصل بمصطفى الذي رد فورًا يقول بمرح:
_" كسبت الرهان يا كينج واتجوزها بس فكرك سيف هيعديها؟ "

+


لاقى نبرة ساخطة من قِبل عز الذي تجاهل حديثه عن شادي وقال:
_" وصلت للتسجيلات!؟ "

+


تغير صوت مصطفى وقال بتهرُب:
_" ما قولتلك يا عز حصل تشويش على الجهاز ومفيش حاجة وصلت "

+


قاطعه صياح حاد من السراب الذي أدرك كونه يُخفي سرًّا:
_" تمام يا مصطفى الغي كل اللي طلبته منك، وبالنسبة لليومين اللي قضاتهم نور في فرنسا هعرف تفاصيلهم بنفسي وقتها ماتلومنيش على رد فعلي"

+


عبرت كلماته عن غضب دفين بعدما استنتج تدخل شاكر في الأمر، أغلق الهاتف كأمر صارم بعدم الاتصال مرة ثانية على الأقل في هذا الوقت...

+


نزل لمستودعه السري عن طريق مدخل ذكي في أحد جوانب جناحه يهبط به لأسفل، اتجه بخطوات متعجلة لأجهزة كثيرة مجاورة لبعضها، وبدأ رحلته بنفسه...

+


أما بالأسفل دارت بها الدنيا بعدما تأكدت من صدق كلامه، دخلت في بحث قاطع على الإنترنت عنوانه المرعب كان:
_" كيف لأب يحمل فصيلة دم A سائد (AA) أن ينجب ابنة فصيتها O !!!! "

2


--------------

+


كانت تساعده في تناول طعامه الصحي حسب توجيهات الطبيب حتى أردف برجاء:
_" كفاية مش قادر "

+


أومأت له مسك بطاعة وقالت ببراءة:
_" هاكلهم أنا عشان دكتور هاشم ما يعلقش " 

+


ضحك عليهل راجح بخفة وهو يعقد ملامحه ببعض الألم، فابتلعت ريقها تسأل بإحراج:
_" أنا غلطت في حاجة! " 

+


نفى برأسه وأشار لها بحنان تلقائي:
_" لا، بالهنا والشفا بس مش هتحبي طعمه "

+


اطمأنت وبدأت تأكل بعدم اكتراث وهي تقول:
_"  الأكل  perfect بالنسبة لي ماتشغلش بالك "

+


استمرت تأكل و هو لم يرفع عينيه عنها مذهولًا من نفسه، كيف لقلبه أن يسامحها وكأنها لم تجرحه يومًا، ما أغرب تلك المشاعر عليه...

+


بعد وقت لاحظ الرعشة الخفيفة التي بدأت تتسرب لأطرافها ثم ارتباكها وهي تنظر له بأعين دمعت فجأة، فسألها بخوف:
_" مالك؟ تعبانة؟! "

+


_" اممم شوية، هطلع أسأل نورا على مسكن "

+


زاد خوفه فأمسك يدها قبل أن تقف وقال:
_" فيكِ ايه يا مسك ماتخبيش عليَّ "

+


لم تستطع البوح بحقيقة أنها في طريق العلاج من ادمانها وكل ما تملكه هي إرادتها ودعم نورا النفسي والعلاجي، فهي لم تطل في مدة ادمانها وهذا ما سهل الأمر قليلًا...

+


قبل أي كلمة اقتحم هاشم الغرفة بوجهه الغاضب وهو يرفع الهاتف لراجح ويسأل بضيق:
_" ممكن أفهم ايه ده!!! "

1


---------------☆☆☆☆☆☆☆

+


يتبع...

+


رأيكم في البارت!

2


ماتنسوش تضغطوا على النجمة ☆

+


لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا دمتم في أمان الله ♥️

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close