اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم صابرين


23- الشاهدة الوحيدة
فصل أطول من العادي ووعد الفصل ده مختلف هتضحكوا كتير فيه 👀❤️
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
هبط من سيارة الأجرة التي استقلها إلى هنا فلن يخطئ نفس الخطأ مرتين ويأتي بسيارته ثم يجدها إما مكسورة من حسد النساء أو مسروق منها شئ، ففي هذه المنطقة الشعبية لا يُنصح بالذهاب إليها ومعك شئ ثمين لأن أغلب الناس هنا من الطبقة التي هى أسفل الصفر
نزع نظارته وهو يحدق في البناية التي تسكن بها جدته، مهلًا هذه ليست بناية وإنما حفنة من الطوب المرتص فوق بعضها وعليه بعض الأسمنت، لا يدري لما هى متمسكة بالعيش في هذه المنطقة الحقيرة بينما تستطيع أن تسكن معهم في واحدة من أرقى المناطق في الإسكندرية
وكلما فاتحها هو وعمر في هذا الأمر ترد عليهم الرد المتوقع
-انا مش هسيب بيتي يا أولاد زينب ده في ريحة جوزي وريحة الحبايب اسيبه ازاي
عن أي رائحة حبائب تتحدث وهو لا يشتم إلا رائحة المجاري التي تصدر من الشوارع، لا يعلم كيف يتحمل عمر العيش هنا
وقف أمام شقتها ثم طرق الباب ليأتيه صوت تلك الفتاة شبه المقيمة مع جدته :
-أيوه يا اللي بتخبط جاية
فتحت حنان الباب لتفزع بشدة شاهقة تزامنًا مع عودتها للخلف فقال سفيان ساخرًا :
-ايه شوفتي شيطان؟! اوعي
دلف إلى داخل الشقة بحثًا عن جدته متسائلًا بينما عقد حاجبيه بإنزعاج من صوت الموسيقى الشعبية التي تصدح من التلفاز :
-ايه مفيش حد هنا ولا ايه؟؟
انتظر الرد منها لكن عوضًا عن هذا وجدتها تهم بالخروج من باب الشقة فأمسك بملابسها من الخلف جاررًا اياها للداخل مرة أخرى ثم قال بطريقة مخيفة :
-سرقتي ايه وبتهربي به!؟
تلعثمت الأخرى في حديثها قائلة بينما تتحاشى النظر إلى عينيه الحادة :
-وربنا يا باشا ما سرقت حاجة، حضرتك مش مصدق ليه إني مش حرامية ده انت حققت معايا قبل كده
تركها الآخر ولا يزال يرمقها بإتهام فكلما رأته تهم بالهروب، ولا يدري لما هى تخافه هكذا فلا يذكر أن أحدًا نشر عنه أنه يعض البشر :
-اومال عايزة تهربي ليه؟؟
-وانا ههرب ليه يا باشا ده انا افتكرت في توابل ناقصة في المطبخ فقولت انزل اجبها
جلس سفيان على الاريكة المهترئة في البهو بعدما نفض بعض الغبار من عليها ليضع قدم فوق الأخرى متسائلًا :
-جدتي وعمر فين؟؟
-الاستاذ عمر نايم وام زينب بتستحمى جوا
ضحك الآخر بسخرية وهو يقف متجهًا إلى غرفة عمر :
-وهو في حد بيستحمى على الصبح كده في عِز شهر ١٢
امسك بمقبض الباب لكنه أدار رأسه إلى حنان التي كانت تنظر إلى الباب تفكر في العودة إلى أمها فلا تريد الجلوس مع هذا الرجل المخيف أسفل سقفٍ واحد :
-اعملي اتنين شاي بلبن واوعي تنسى الشفاطة لعمر
نظرت إليه الأخرى بتهكم من هذا الطلب الغريب والذي يطلبه بنبرة مخيفة لا تليق على طلبٍ قد تطلبه أم لابنها الصغير، ما خطب هذه العائلة فمنذ أن بدأت تتعامل معهم وهى تسمع وترى العجب
دلف سفيان إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه وقد تغيرت ملامحه 180% درجة من البرود إلى الحنو، لتعتلوا وجهه ابتسامة واسعة وهو يبصر أخيه الصغير ربيب يديه ينام بشكل فوضاوي على الفراش متدثر بغطاء ثقيل على الأرجح وضعته جدته الحنونة عليه، فهو يعلم عمر لا يحب الاغطية الثقيلة ولا يطيقها
اقترب من الفراش نازعًا حذائه بسرعة ثم رفع الغطاء ودلف أسفله ليُصدر الفراش صوتًا نظرًا لقدم عُمر الخشب، وعلى هذا الصوت رفع عمر رأسه بأعين ناعسة وقد شعر بوجود جسد ضخم إلى جواره من ثم استمع إلى صوت محبب لقلبه يقول :
-قوم يا عم صحصح كده مينفعش كل يوم تصحى الساعة عشرة وتنام نص الليل مطبق على اللاب بتاعك ده
ضحك عمر ودون أن يقول كلمة كان يضم أبيه قبل أن يكون أخيه الكبير، سفيان بالنسبة إليه هو الأعين التي يرى بها العالم بل هو العالم بأكمله بالنسبة إليه :
-كان نفسي اقولك وحشتني بس انا لسه شايفك أول إمبارح فملحقتش
ضربه الآخر على رأسه بخفة قائلًا :
-ايه قلة الأدب دي؟! يعني انا اعلمك قلة الأدب فتقوم تقل أدبك عليا
قهقه الآخر بقوة فقال سفيان وهو يدفعه بعيدًا عن أحضانه :
-يخربيتك اوعى كده دلوقتي تلاقي جدتك داخلة علينا ولما تشوفك قافش فيا كده مش بعيد تظن فينا ظن السوء، انا عارفها نيتها مش سالكة
اعتدل عمر وهو لا يزال يقهقه يدرك أن اليوم سيكون ممتلئ بالضحكات بسبب وجود سفيان وجدته أسفل سقفٍ واحد فالاثنين كما الهر والفأر يتشجاران طوال الوقت
حمحم ساحبًا حاسوبه المحمول من على الشاحن بعدما سهر عليه طوال الليل :
-صحيح انا مش مصدق لحد دلوقتي اني الواد اللي قبضتوا عليه مش السفاح حاسس انه ملعوب منكم يا أمن الدولة
لوى الآخر ثغره بسخرية يتذكر صدمته عندما أعترف الشاب على نفسه أنه مجرد تيكتوكر وكان يريد أن يصنع المشاهدات ولم يكن يدري ان الأمر سينقلب بهذه الطريقة :
-لأ صدق حتت عيل كان بيلعب بس اللعبة اتقلبت عليه
-مش ممكن يكون بيلعب عليكم انتوا
نطق بها عمر متسائلًا فقال الآخر بإستنكار :
-انت هتعملي زي يونس هواري؟! وهقولك نفس اللي قولتهوله ده اخد علقة كفيلة تخليه يعترف انه ست لو اتطلب منه، وعلشان برضو يكون تحت عيونا مرمي في مبنى أمن الدولة هو والبنت اللي ساعدته دي، واهو لو مش هو يتربى
انتظر سفيان أن يسأله عن يونس هواري، فبالنسبة لما تحكيه رقية عمر يعلم كل شئ عنها أي بالطبع يعلم أن يونس هواري يكون اخاها ولكن الآخر بدا منشغلًا بما يفعله بالحاسوب فسحبه منه بغضب قائلًا :
-يعني انا قاعد معاك علشان تقعد انت على ده؟ وعلفكرة جدتك بتقول انك ليل نهار عليه عايز اعرف بتعمل ايه؟؟
ختم حديثه وأغلق الحاسوب وقد رأى بالصدفة صورة لفتاة تشتنشق بعض المواد المخدرة لكنه ظن أنه فيلم لذا لم يبالي واغلقه، منتظرًا إجابة من عمر والذي رفع منكبيه هاتفًا بهدوء :
-ولا حاجة عادي بضيع وقت
-وليه تضع وقت؟! ما تشتغل
رفع الآخر نظره له معترضًا :
-ما انا بشتغل على اللاب وعلفكرة شغل كويس وبيكسب جدًا
قلب سفيان عينيه بعدم اقتناع من أعمال الإنترنت هذه، هو لا يعلم ما نوع العمل بالظبط لكنه يعلم أن هناك الكثير من الأعمال المتاحة على شبكات الإنترنت :
-انا قصدي شغل بعيد عن الإنترنت، مش عايزك تقعد لوحدك عليه اخرج شوف الناس
-سفيان بس انا مهندس برمجة مش ميكانيكي يعني طبيعي شغلي كله يبقى على اللاب والإنترنت
اعتدل سفيان في جلسته مخرجًا بطاقة ورقية ثم هتف بحماس :
-وانا جايبلك شغل هتشوف فيه الناس وبرضو على الإنترنت
اخذ منه الآخر البطاقة الورقية ولم يكن مكتوب بها سوى عنوان ورقم هاتفي فقال بتعجب :
-عنوان ايه ده؟؟
-جريدة محتاجين فيها مهندسين برمجة ايه رأيك تقدم
هز عمر رأسه برفض فلا يروق له أن يعمل في جريدة وأعلى منه مدير يتحكم به، هو يحب العمل الحر وخاصةً أن العمل الذي يعمله لن ترضى بنشره أي جريدة لخطورة ما به :
-لا يا سفيان مش عاجبني الموضوع، ثم انا معنديش سي في أقدم به فأنسى
وأجابه الآخر بنبرة باردة مثيرًا بها غضب الآخر :
-لا ما انا جهزتلك سي في وقدمتلك به هناك مش فاضل غير المقابلة مع المدير واللي فاضل عليها ساعة
وقد ثار عمر لفعلته هذه إذ صاح قائلًا :
-ليه كده يا سفيان انا مش عايز يا سيدي اشتغل في جريدة ومش هروح المقابلة دي
-عـــمـــر
صاح بها سفيان بصوت أقوى من صوته جعل الآخر يجفل مدركًا ما فعل فلم يسبق وأن رفع صوته على سفيان، بينما قال سفيان غاضبًا :
-كبرت وبقالك صوت وبترفعه عليا، ثم انا عملت كده ليه؟ مش علشان تخرج من القوقعة اللي انت حابس نفسك فيها من وقت ما رجعت من لندن، وحتى بطلت تروح للدكتور وبطلت تاخد الدواء، هتفضل كده لحد أمتى!؟
وأتته الإجابة منكسرة منه جعلت فؤاد الآخر يتألم على ألم أخيه :
-لحد ما ربنا ياخدني عند ابوك وأمك، مبقاش للدواء فايدة يا سفيان وانا تعبت من المحاولة
تنهد سفيان بقوة ليضم أخيه مربتًا عليه بينما قال الآخر وقد سالت دموعه على كتف أخيه :
-انا من كام يوم قابلت واحد في الشارع وفضل يسلم عليا أوي وازيك يا عمر ووحشتني واختفيت فين وفضل يتكلم معايا في حاجات انا مش فاكرها، كان شعور وحش أوي يا سفيان وانا مش فاكر اسم الراجل حتى وعامل فاهمه وانا مش فاكر حاجة من اللي بيقولها
زاد سفيان في عناقه له يسمع الآخر يشكو وقلبه هو يتألم لكن عليه الصمود من أجله، يجب دائمًا أن يظل جامدًا وصامدًا من أجل أخيه فإن انهار من الذي سوف يحتوي عمر :
-بس اهدى أهو انا مكنتش عايزك تنزل مصر قبل ما ترجعلك ذاكرتك علشان كده، مش عايزك تنهار والدكتور قال غلط عليك زيادة التفكير على عقلك
ابتعد عمر منه ماسحًا الدموع من عينيه بينما أكمل الآخر بحنان شديد :
-انا آسف لو ضغط عليك في موضوع الشغل لو مش عايز تروح براحتك، بس انا كنت عايزك تخرج
-هروح بس موعدكش اني أكمل لو زهقت هبطل
نطق بها عمر بإستسلام فابتسم سفيان مضيفًا برجاء :
-وترجع تاخد العلاج
وانكمشت ملامح الآخر برفض شديد إذ قال بشكل قاطع :
-لأ علاج تاني لأ، وابلبع برشام تاني ليل نهار مش هيحصل
-تبلبع؟! ايه كلام الشمامين ده؟؟ اهو كله من وراء جدتك والحتة المعفنة اللي عايشين فيها دي
وأتته الإجابة فورية من جدته التي كانت تسترق السمع من خلف الباب، لكن ما إن سمعته يأتي بسيرتها هى حتى دفعت الباب بقوة صائحة بحنق :
-ومالها جدته بقى يا سفيان ده انا حتى اللي واخدة بالي منه مش زيك كل شهر نشوفك يا مرة يا اتنين، حتى مبترفعش سماعة التليفون تطمنا انت حي ولا بقيت من ضمن الأموات
اتسعت عيني عمر بذهول من قولها مستعدًا لمشاجرة كلامية حادة الآن، وبالفعل كما توقع إذ اجابها سفيان بكل برود وهو يضع قدمًا فوق الآخر في منظر استفز جدته كثيرًا :
-ازيك يا جدتي انتي لسه حية لحد دلوقتي؟!
لوت الأخرى شفتيها بتهكم متوقعة هذا الرد إذ قالت :
-وانا هستنى ايه يعني من تربية فياض، أبوك لسانه كان أطول من لسانك واقسم بالله لولا إني البنت بنتي كانت هبلة وبتحبه انا مكنتش خليته يحلم يشوف ضفرها مش يتجوزها بس
أشارت إلى عمر الذي كان يجلس على الفراش مواليًا ظهره للحائط يكتم ضحكاته عليهم :
-حتى الواد عمر الغلبان اللي في عيلتكم قليلة الأصل دي، اتعلم قلة الأدب والبجاحة من وراء راسك
وزادت ابتسامة الآخر برودًا مستفزًا الأخرى بشدة ثم قال :
-الله مش انا أخوه؟! وإن معلمتوش انا قلة الأدب والبجاحة مين يعلمه؟؟
وقف سفيان أمامها مستكملًا وكم يروق له استفزاز جدته ونس سريعة الغضب :
-ثم انتي كنتي واقفة على الباب بتتصنتي يا جدتي؟! متعرفيش اني حرام التجسس؟ حتى يا شيخة راعي اني رجلك والقبر ده اللي زيك بقى في القبور مش بس على سجادة الصلاة
-احترم نفسك يا سفيان بدال ما السعك بالقلم
نطقت بها الأخرى بغضب بينما قال سفيان مكملًا حديثه :
-لا بتكلم معاكِ بجد انتي مش ناوية تموتي ليه؟! ابوكِ وامك ماتوا، وجوزك مات، واخواتك ماتوا حتى بنتك ماتت ودفنتيها، ايه مستنية تدفينيني انا وعمر علشان تتوكلي بعد ما تتأكدي إنك دفنتي العيلة كلها؟!
انفجر عمر بالضحك بينما نظرت ونس إلى حفيدها باسقة عليه بتصنع ثم قالت :
-خسارة فيك الكلام يا ابن فياض اتفو عليك
تركته وخرجت فقال عمر عاقدًا حاجبيه :
-شكلها قفشت
-آه باين كده
-طب ايه؟! روح راضيها
هز سفيان رأسه بمعنى حسنًا ليمسك بمقبض الباب مديرًا رأسه له :
-ماشي ألبس انت علشان تروح وانا هطلع أراضيها
ختم حديثه وأغلق الباب ثم خرج إلى البهو بحثًا عن جدته ليجدها تجلس القرفصاء على الاريكة وأمامها طبق تسالي فقال بصوت مرتفع وهو يتجه إليه مبتسم الثغر :
-ايه يا ونس زعلتي ولا ايه عارفة اني بهزر معاكي
-آه يا اخويا عارفة انك مش متربي فعادي
ضحك سفيان وهو يجلس إلى جانبها ليقول وهو يمد يده إلى طبق التسالي مشاكسًا اياها :
-ألا قوليلي يا جدتي كسرت المية ولا لسه
زفرت الأخرى بضيق وهى تضرب كف على الآخر :
-روح يا بعيد تقع على جدور رقبتك تتكسر
-وأهون عليكي يا ونس؟! ده احنا اللي فاضلين ليكي في الدنيا، اكسبي رضانا علشان لما تموتي تلاقي حد يعملك جنازة بدال ما جتتك تترمي في مدافن الصدقة
لم تستطع أن تكتم ضحكاتها أكثر من هذا فقهقهت بعلو صوتها قائلة :
-جاتك ايه يا سفيان شبه ابوك، صحيح كان بيحرق دمي بس كان بيضحكني أوي
ابتسم سفيان متكئًا بظهره على الاريكة ثم قال وهو يتفحص ملامحها التي بدأ الكبر يخفيها :
-عاملة ايه بتاخدي الدواء بتاعك؟ الفلوس اللي ادتهالك خلصت تاخدي غيرها؟؟
وردت الأخرى له الإبتسامة بأخرى أشد حنانًا ثم قالت وهى تربت على فخذه :
-صحيح وارث كتير في ابوك في شكله وشخصيته بس حنين زي امك، احنا الحمد لله يا حبيبي انت عامل ايه؟؟ بتغيب كتير وانا بخاف عليك يا سفيان
-متخافيش يا جدتي العمر واحد والرب واحد
تنهدت ونس ترمقه بقلق ثم قالت فاتحة معه الموضوع للمرة التي لا تعلم عددها :
-طب ولحد أمتى هتفضل وحداني كده؟؟ ولا انت عاجبك لقب المطلق ده انت خلاص بقى عندك ٣٥ سنة هـ
-٣٦
نطق بها ببرود مقاطعًا إياها فصاحت الأخرى بغضب قائلة :
-كمان بقيت ٣٦ سنة وانت ولا عيل ولا تيل، ده انا ابويا لما كان عنده ٣٦ سنة كان مخلف سبع عيال، هتخلف أمتى وتربي عيالك أمتى انت بقى؟!
مسح الآخر وجهه بضيق محاولًا أن يجعل اعصابه مستقرة :
-عندك واحدة تستحملني؟!
وسرعان ما انفرجت أسرار الأخرى لتقول بلهفة :
-لا إذا كان كده ففي كتير قولي انت في دماغك ايه
ابتسم لها الآخر ابتسامة بدت مصطنعة بشدة ليرفع كفه أمام وجهها عاددًا على أصابعه :
-عايزها متكنش نكدية وتنكد على اللي جابوني كل شوية زي فرحة الله يحرقها، تبقى هادية ومطيعة، متكنش نكدية، ذكية تعرف تمتص غضبي علشان ببقى غبي لما بتعصب ولو واحدة اتعصبت قبالي ممكن اديها كف يلوحها، متنكش نكدية، مش عارفة حاجة في الدنيا مش عايزها خبيثة عايز اربيها انا على ايديا، مش عايزها رغاية تسأل عشر اسئلة مرة واحدة وروحت فين وجيت منين انا شغلي مش بيخليني انام نوم كامل علشان اكون فاضي اروح اخونها يعني، وآخر حاجة متكنش نكدية مش ارجع من مهمة مهدود تروح تستقبلني بالنكد زي فرحة الله ياخدها عملتلي تروما
ختم حديثه ناظرًا إلى جدته التي كانت تطالعه بحنق فقال مبتسمًا لها بإتساع :
-ايه رأيك عندك واحدة كده؟!
ولوت الأخرى شفتيها بتهكم ساخرة منه إذ قالت :
-في الجنة هناك هتلاقي واحدة زي كده من الحور العين بس ده لو وردت على جنة من أصله يا ابن فياض
سحب سفيان طبق التسالي ثم هتف بلا مبالاة :
-اهو ده اللي عندي لو لقيتي واحدة بالمواصفات دي مستعد اتجوز غير كده لا
-يا ابني ربنا يهديك وانا اجيبلك منين واحدة بالمواصفات دي؟!
تنهدت بتعب ثم قالت :
-يا سفيان اتجوز انا مش ضامنة اعيش ولو ربع اللي عشته، مش عارفة لما أموت هتعمل ايه من بعدي انت واخوك
-هنوزع على روحك قُرص ويوستفندي بس اتكل على الله انتي وموتي
هتف بها مستفزًا اياها فصاحت به الأخرى بغضب :
-انا عرفت دلوقتي ليه فرحة اتطقت منك، علشان كرهت العيش معاك علشان انت كائن لا تطاق
نادت بصوت مرتفع على حنان ظنًا منها أنها بالمطبخ فقال سفيان بهدوء أقرب إلى البرود :
-مش هتلاقيها
-ليه راحت فين؟!
-قالت إنها راحت تجيب توابل بس أعتقد هربت ومش راجعة تاني
صاحت به جدته وهى تستقيم من فوق الاريكة :
-ليه عملت في البنت ايه؟؟
-وانا هعمل فيها ايه يعني دي بنت هبلة
عقد حاجبيه بتعجب ثم أضاف :
-صحيح يا جدتي انتي مطلعة إشاعة عني إني باكل الناس؟ انا لما بمشي في الشارع العيال بتخاف وتجري حتى البنت الهبلة اللي قاعدة معاكي دي
لوت الأخرى شفتيها بتهكم مجيبة عليه بنبرة ساخرة :
-الوحاشة مش بتستخبى يا سفيان، انا رايحة اجيب البنت علشان تعملنا غداء
استدارت إليه قبل أن تخرج من باب الشقة محذرة إياه :
-ويكون في علمك مش هخليك تتحرك من هنا غير لما تتغدى معانا
ابتسم لها سفيان فرغم مناقرتهم إلىٰ أنه لو بحث في الدنيا بأكملها لن يجد من هو أحن من قلب جدته، فالجدة والدة الأم هى أحن شخص قد يعرفه المرء في يوم :
-هتغدى واتعشى وأبات كمان
ابتسمت ونس له ثم خرجت حتى تأتي بحنان التي ذهبت خوفًا من سفيان بالطبع، وبعد دقائق قليلة طرق الباب فتحرك سفيان حتى يفتحه متعجبًا سرعتها هذه فلم يمر دقيقتين
وسرعان ما تبدد التعجب وحل مكانه ابتسامة متهكمة عندما ابصر وجهًا حاول مرارًا تقبله لكنه لم ينجح فالقبول من عند الله كما يقولون :
-يونس محمد هواري، خير!؟
رفع يونس حاجبيه متوقع وقاحته هذه لكنه أكثر وقاحة منه لذا قال :
-جاي اشرب شاي
-معندناش
دفعه يونس من امامه دالفًا إلى الداخل فهذه ليست أول مرة يأتي إلى هنا ثم قال بوقاحة أشد من وقاحته :
-يبقى مياه ولا قاطعة عندكم؟؟
جلس على الاريكة تزامنًا مع إغلاق سفيان للباب ثم استدار عاقدًا ذراعيه أمام صدره من ثم قال :
-ايه اللي جابك يا ابن الهواري؟!
واجابه الآخر وهى يتكئ على ظهر الاريكة بكل أريحية وكأنه في منزله :
-ناسي إننا شغالين في قضية واحدة ثم وصل للمأمور إمبارح من جهاز أمن الدولة اني اللي قبضنا عليه مش السفاح ورفضوا يقولوا أي معلومة تاني بس بما اني اختي حبيبتي تعرف أي معلومة بسهولة عرفت منها انه طلع بتاع فيدوهات كان عايز يعمل شهرة مش أكتر
جلس سفيان أمامه على الاريكة المقابلة ثم هتف بتساؤل رغم أسلوب نبرته الجامدة :
-مقدرتش أسألك يومها، مستغربتش وجودي يوم ما قبضنا على اللي كان عامل فيها السفاح ده، ولا المأمور فتن؟؟
-آه المأمور فتن وكمان قالي أنه أتقبض عليك بعد ما واحدة قالت إنك السفاح
ختم حديثه مقهقهًا بقوة ثم أكمل أسفل نظرات سفيان الحانقة :
-بقى بنت تعمل فيك كده يا سفيان فياض ابو المجد، واسمك الثلاثي اللي قرفتني به طول فترة معرفتي بيك
-إلهي ما ترجع المعرفة دي تاني
نطق بها سفيان بغيظ شديد فإن كان هناك شخص ينجح في إثارة غضبه فهو هذا اليونس الجالس أمامه، وكم من مرة كادت أن تفشل علاقة عمر ورقية من خلف رأسيهما، لكن كان الأمر يُحل في النهاية
خرج عمر على ضحكات غريبة لا تعود لأخيه ليجد أحد أشقاء رقية التوأم يجلس معه، وحقًا لا يدري ماذا يفعل هنا ولكنه ألقى التحية على أي حال ثم وجَّه حديثه إلى أخيه قائلًا :
-صباح الخير، انا ماشي يا سفيان عايز حاجة
نفى الآخر وكان مثل يونس يركز في رد فعل عمر لكن لم يصدر منه شئ آخر غير الجملة التي نطق بها ثم رحل فنظر يونس إلى سفيان متسائلًا :
-هو لحد دلوقتي مفتكرش
-لا للأسف لا افتكرتك ولا افتكر أختك
-زعلان عليه بصراحة ولحد دلوقتي رقية مش عارفة انه فقد الذاكرة ومش فاكرها، وفاكرة انه سافر بعد موت أبوه وأمه بعد ما جاله اكتئاب زي ما قولنا، وفركش الخطوبة علشان كده
ولم يقل يونس هذا من فراغ بل لشئٍ في رأسه بينما سفيان نظر إليه عاقدًا الحاجبين يبدو أن تلك الحمقاء رقية لم تخبر اخويها بأنها تحاول أن تجعل عمر يتذكرها، حسنًا لا يبالي كثيرًا بأمرها فشقيقه هو المهم بالنسبة إليه، لكن إن علما يونس ويوسف أنها تخبئ أمرًا كهذا سيثورا عليها
غير الموضوع عندما طال الصمت منهما ليقول :
-جاي ليه يا يونس عارف اني معلومات أمن الدولة مش سهل تتنقل للشرطة العادية
اعتدل الآخر في جلسته مخرجًا هاتفه بعدما فتحه على موقع ثم قال وهو يمد يده له :
-اكتشفت معلومة مش عارف وصلت ليها ولا لأ بس احنا شبه في مهمة واحدة ولازم نساعد بعض
امسك سفيان بالهاتف يقلب في الموقع هذا تزامنًا مع استماعه ليونس وهو يكمل :
-الموقع اللي قدامك ده بيتنشر فيه فضايح كتير للناس سواءً ناس فاسدة ولا لأ وأهم واحد بينشر على الموضوع ده واحد مدى لقب على نفسه باسم "NO ضد الفساد" بينشر أغلب الفضايح واللي منها عن أبناء كبار الدولة اللي بيشربوا ويصيعوا ويعملوا كل حاجة فاسدة، أو كبار الدولة نفسهم واللي بيعملوا بلاوي خلف ستار اسمهم زي ما انت عارف؛ محدش عارف يجيبه ولا يعرف هو راجل ولا ست اصلًا، حتى مباحث الإنترنت فشلت لدرجة انهم شكوا انه مش مصري بسبب مهارته دي، ركز كده في اللي ناشر عنهم لسنة لوراء هو بينشر كل أسبوع أو عشر أيام فضيحة لشخص
قلب سفيان أكثر في منشوراته ليلاحظ أن منهم من ضحايا السفاح، رفع رأسه إلى يونس بسرعة مذهولًا فآماء له الآخر هاتفًا بذكاء :
-نسبة ٥٥٪ من اللي نشر عنهم صاحب المنشورات دي قتلهم السفاح على مدار سنة عدت يمكن على بداية شهرة الصفحة دي، وده معناه حاجتين إما السفاح بيراقب الصفحة دي وبيقتل اللي بيتنشر فضايحهم لسبب معين وده لأن أغلب ضحايا السفاح أبناء كبار الدولة أو...
ترك سفيان الهاتف ثم اجابه بذكاء مماثل :
-أو يكون صاحب المنشورات دي هو نفسه السفاح وده الاحتمال الأقوى لاني لو زي ما بتقول محدش عارف يمسكه يبقى هو هاكر شاطر وانا بقالي فترة براقب منطقة في سيدي بشر معلوماتنا أكدت بنسبة كبيرة اني السفاح هناك لاني جثث كتير للسفاح بتترمي حوالين المنطقة، حتى فيه خمس جثث لقيناهم في المنطقة نفسها وفي عمارة من العمارات بلغ حد عنها إنه لقي دم في بير السلم كأن فيه حد كان بيسحب جثة ولما حللنا الدم ده لقينا انه فعلًا مطابق لواحدة من الضحايا اللي قتلها السفاح
-طب انتوا ليه مفرغتوش الكاميرات أكيد ظهر فيها
نطق بها يونس متسائلًا فأجابه الآخر بجدية :
-دي أول حاجة عملتها بس الكاميرات متهكرة علشان كده بقولك اني الهاكر ده احتمال يبقى هو السفاح، بينشر فضايحهم وبعدين يقتلهم بس ليه الفئة دي بالذات مش عارف
-طب انت وصلت لايه من خلال مراقبتك للمنطقة دي؟؟
-انا بقالي أكتر من شهر هناك متخفي في هيئة مستأجر عادي عرفت معلومات عن كل اللي ساكنين في المنطقة حتى أصحاب المحلات، وتالتة بس تحت الشك وكتبت تقارير عنهم وهبعتها النهاردة لمركز أمن الدولة علشان يحققوا معاهم لاني فترة مراقبتي كده خلاص خلصت
همهم يونس بتفهم ثم تساءل :
-أقدر اعرف مين هما؟! وليه بالذات التلاتة دول؟؟
عاد سفيان للخلف متكئًا على الاريكة يفكر في الأمر، معلومات أمن الدولة من الصعب مشاركتها بل يكاد يكون الأمر مستحيلًا لكن يونس يعمل معه على نفس القضية بل وقام بمشاركته معلومات الآن لذا لا ضرر في مشاركته هو ايضًا :
-أول واحد سيد متولي شاب غريب كده مش طبيعي أهله متبريين منه علشان هو ابن حرام يعني لا اب موجود ولا ام بتهتم، الواد بيشتغل في شغل على النت عايش على مكسبه بيختفي كتير بالليل وكذا مرة أحاول اراقبه بيفلت مني علشان كده حطيتوا على قائمة المشكوك فيهم، التانية هاجر حاكم
-بنت؟!
نطق بها الآخر متفاجئًا فقال سفيان ضاحكًا بسخرية :
-عملت زي كده واستبعدتها لفترة بس لما عرفت معلومات عنها حطيتها على القائمة، البنت دي الوصول لمعلوماتها كان شبه مستحيل ولما عرفت طلعت أرملة مستثمر مات من يجي شهر كده والغريب انه مات مقتول وكانوا مخبيين علشان السوشيال وسمعة شغلهم وكده، المهم البنت دي عندها اضطرابات نفسية وصرع ومريضة تهيؤات وعلى كلام الدكتور اللي كان بيعلاجها كانت بتعمل حاجات وتقول محصلش وتشوف حاجات محدش شايفها لدرجة اني حالتها كانت هتوصل لإنفصام
-بص معاك حق تشك فيها من كلامك ده لاني أغلب قتالين القتلة يا مدمنين يا مرضى نفسيين، بس معتقدش اني السفاح واحدة لاني الفيديو الحقيقي للسفاح كان صوت راجل والواد قبل ما يموت كان بيكلمه على أنه راجل؟!
-انا اصلًا هستبعدها قبل ما اسلم التقارير بس مش علشان ست أو راجل علشان أكتر من مرة تحصل جريمة القتل ويبقى عندها حجة قوية، آخر ضحية الصحافية اللي اسمها مروة في وقت موتها كانت موجودة معايا وقتها لما بلغت عني
-طب والتالت؟!
سأله يونس بفضول فقال الآخر بنبرة غامضة :
-عادل الدخيلي صاحب المنطقة نفسها شاب بارد كده لا مبالي واللي خلاني أشك فيه أنه المنطقة كلها تحت ايده ولما طلبنا منه تسجيلات الكاميرات قال إنها متهكرة رغم اني أصحاب المحلات قالوا اني مش بس المنطقة والعمارات تبعه حتى الكاميرات تحت ايده فـليه بقى ميكونش هو السفاح ومشفر الكاميرات بمعرفته ورافض يجيب متخصص علشان جرايمه، كمان في نفس المعاد اللي اتقتلت مروة فيه كان هو موجود قدام العمارة المشكوك فيها ومروة اكتشفوا جثتها في صندوق زبالة من الصناديق الكبيرة الموجودة جنب العمارة بعمارتين كده
آماء يونس ولا يعلم أبدأت تتضح الخيوط أم تتعقد أكثر :
-كده فيه اتنين هتحققوا معاهم بعد ما تستبعد اللي اسمها هاجر، تمام انت تهتم بالتحقيقات دي وانا ههتم بصفحة المنشورات بحيث لو نزل فضيحة لحد تاني يبقى تحت مراقبتنا جدًا علشان لو حد حاول يقتله واللي أكيد هيكون السفاح يبقى إحنا جاهزين للقبض عليه
هز سفيان رأسه بحسنًا معجبًا بذكاء الآخر إذ قال :
-بقيتي اذكى من الأول يا يونس وبقيت برضو بجح وغتت أكتر من الأول
ضحك يونس بسخرية ساحبًا هاتفه الذي يرن :
-من بعض ما عندكم يا سفيان ده احنا بنتعلم منك البجاحة
رد على الهاتف عندما أبصر اسم أحد زملائه في القسم :
-الو
وجاءه الرد من الناحية الأخرى بمعلومات جعلته يقفز من مكانه بسرعة جاذبًا انتباه سفيان :
-طب انا جاي حالًا مسافة السكة سلام
أغلق بسرعة معه فقال سفيان مستقيمًا من فوق الاريكة :
-فيه ايه؟!
-السفاح قتل طالبة في علم نفس وفيه شاهدة شافت اللي حصل ولسه حية الحمد لله وهى دلوقتي في القسم
اتسعت عيني سفيان بصدمة ليسحب بسرعة متعلقاته من على المنضدة مسرعًا خلفه فقال يونس قبل أن يخرج من الشقة :
-سفيان علشان نكسب وقت انا هاروح على القسم وانت روح الجامعة شوف مسرح الجريمة ممكن تلاقي دليل هناك
ورغم موافقة الآخر على هذا الاقتراح إلىٰ أنه لم يمنع لسانه من قول هذا إذ هتف بسخرية :
-اول مرة اشوف نقيب شرطة كحيان بيأمر مقدم أمن دولة؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تجلس في مكتبها المخصص في الجريدة، تدور بالمقعد المتحرك يمينًا ويسارًا دون هدى، تفكر في مكالمة يوسف منذ قليل إذ اخبرها أن تأتي مبكرًا اليوم لأنه يريد التحدث معها هو ويونس في أمر هام
حسنًا منذ كذبت عليه في رقم عمر والندم يجلدها ولا تستطيع أن تركز، هذه أول مرة تكذب على اخويها في شئ خاصةً يوسف والذي يُعتبر الأقرب لها
هى تحب يونس أيضًا، تحب كلاهما ولا تستطيع الاستغناء عن أحد فيهما فإن كان يوسف ترتاح في الحديث معه، يونس هو الأسد الذي يحميها فلطالما أتى بحقها طوال الوقت
قررت أن تحادثهم في الأمر الليلة وان تكشف سرها وإن رفضوا أن تستمر مع عمر لأنه فاقد الذاكرة سوف تذكرهم بما فعل عمر من أجلها، ليس فقط في المرة الأولى بل والثانية أيضًا حين كاد أن يفقد حياته في سبيل الدفاع عنها
لا تزال تتذكر ذلك الموقف وكأنه أمس كانت في نفس الكلية من أجل رحاب ابنة عمها أيضًا محبة التأخير تلك، لكن تلك المرة انتظرتها في مكان آخر بعيدًا عن الأنظار حتى لا يضايقها أحد مثل المرة الماضية ولكن ليتها لم تفعل
فحين وقفت في مكان بعيد قليلًا عن تجمعات الطلبة بجانب أحد المباني، لم تلاحظ وجود بعض الشباب على مقربة منها إذ كانت منشغلة في الإتصال على ابنة عمها
ألتقطت أذنها بعض الهمسات وعندما نظرت إلى مصدرها أبصرت بعض الشباب غريبي الهيئة بل ويشربون أشياء غريبة في علب صفيح ويبتلعون بها بعض الحبوب التي علمت ماهيتها من هيئتهم المربية هذه
ويلي كيف دخلوا بها إلى الجامعة من الأساس؟!
حملت نفسها وكادت أن تذهب عندما رأتهم يحدقون بها ويتهامسون عليها، لذا قررت أن تذهب إلى تجمعات الشباب أفضل بكثير من أن تظل هنا بمفردها
سارت بالفعل عدة خطوات مبتعدة لكنها استمعت إلى صوت صرخات مكتومة قادمة نحوهم وعندما دفعها فضولها للنظر ابصرت أحدهم يمسك بفتاة ويكممها والأخرى تستغيث
فزعت بشدة ونظرًا لصغر سنها وقلة خبرتها في الحياة اتجهت للفتاة حتى تنقذها دون التفكير في أن عددهم كبير، أو أن من الأفضل أن تستعين بشخص، وعندما وصلت ابتعد الشاب عن الفتاة ليتبين لرقية من هيئة الفتاة المربية أنها معهم بل نظرت إليها الفتاة ضاحكة :
-ايه يا قطة صدقتي
عادت رقية للخلف بخطوات متعثرة ولتوها فهمت أنهم فعلوا هذه الدراما لتقترب منهم، كادت أن تهرول هاربة لكنها اصطدمت في واحدٍ منه كان يقف خلفها ليلتفوا حولها محاصرين إياها ولم يكن لديها شئ الآن غير الصراخ
وبالفعل أطلقت صرخة قوية قطعها أحدهم عندما لطمها على وجهها مخرسًا إياها فسقطت أرضًا وانساب خط دماء من انفها ولكن هذا لم يمنعها من الصراخ وطلب النجدة لتتلقي ضربة قوية في معدتها من نفس الشخص الذي لطمها فقال تلك الفتاة بسرعة وهى تدفعه للخلف
-انت بتعمل ايه يا جاسر احنا قولنا هنخوفها علشان تاخد حقك من اللي عمله عمر في وشك، بس مش هنضربها بالشكل ده
دفع هذا المسمى جاسر تلك الفتاة من أمامه متجهًا إلى رقية وهو يقول دون وعي من فعل الحبوب المخدرة التي شربها :
-اوعي كده انا عمر يعملي عاهة في وشي بسببها
مال على رقية ممسكًا بخصلات شعرها بعنف رافعًا رأسها حتى ترى وجهه ليقول مشيرًا إلى أعلى أنفه إذ ظهرت آثار جرح ترك أثرًا ليس واضحًا كثيرًا للبعيد لكن يظل أثر :
-شايفة ده؟ عمر عمله علشانك وانا مش عارف آخد حقي منه علشان أبوه وأخوه شغالين في أمن الدولة فهاخده منك انتي وقضاكِ جابك لهنا يا عسل
حدقت به رقية بخوف وخافت أن تصرخ فيضربها مجددًا، ولكن حتى دون أن تصرخ قام هو بضرب رأسها بعنف في الأرض فسالت الدماء من رأسها مطلقة صرخة متألمة أتى على اثرها شابين أحدهما يكون عمر
والذي ما إن رأى تجمع بعض الشباب وهناك فتاة مسطحة أرضًا وعلى رأسها ذلك المدعو جاسر ذو السمعة السيئة، حتى تقدم بسرعة منهم رغم أنه لا يعلم من هذه لكن شهامته كرجل جعلته يهم بالدفاع عنها صارخًا بغضب :
-أبعد عنها يا حــــيوان
لحق به زميله الآخر فلن يتركه يواجه هذا بمفرده وقد فر البعض من الموجدين، منهم تلك الفتاة بينما جاسر هم بضرب رأس رقية مرة أخرى في الأرض لكن عوضًا عن هذا سقط على وجهه بعد أن رُكل بقوة
وقد كان الفاعل عمر والذي اقترب من الفتاة بسرعة يرفعها من على الأرض ليتبين له هويتها، إنها تلك الفتاة صاحبة الشعر الأسود الذي دافع عنها منذ أسابيع من هؤلاء الأوغاد
جعلها تقف معه بسرعة بينما اشتبك صديقه مع آخر كاد أن يهرب لكن تم الإمساك به :
-انتي كويسة؟!
هزت رقية رأسها بتشوش بالكاد تسمعه وقبل أن تنطق بشئ كان جاسر يلكم عمر في وجهه بقوة جعلته بترنح للخلف عدك خطوات، ثم لكمه مرة أخرى جعله يسقط، وكاد ان يهم بإعطائه ضربة ثالثة لشدة غله لكن صديق عمر قام بتقيده من الخلف بعنف والآخر تحرك بهستيريا دافعًا إياه ناحية الحائط فصاح الآخر متألمًا من قوة الدفع
أجل جاسر ليس بصاحب بنية شديدة القوة لكن في جسده مخدرات وبعض الأنواع منها ترفع الطاقة في الجسد فيصبح بقوة عشر رجال، اتجه إلى عمر الذي كان على وشك الوقوف هاممًا بتخليص حقه منه إذ رفع حجر من على الأرض منتويًا ترك له علامة كالتي تركها له
وعندما رأت رقية هذا امسكت بحجر مشابه والقته نحوه بعنف فاصطدم برأسه، استدار لها جاسر محدقًا بها في شر بأعين لم تبدو طبيعية بالنسبة إليها، عادت للخلف بفزع شديد ليمسك عمر به من اكتافه من الخلف صادمًا جسده في الحائط ثم عاد وسحب جسده ملقيًا به على الأرض بعنف
سقط الآخر ولم يقف فظن عمر أنه فقد الوعي لذا اتجه إلى رقية التي تناسب الدماء من رأسها لكنها لا تشعر بشئ الآن سوى بالرعب، اخرج من جيبه علبة مناديل ثم مدها إليها هاتفًا بنبرة هادئة لعلها تبث لها بعض الطمأنينة :
-اهدي متخافيش
-حاسب يا عـــمــر
صاح بها زميله بقوة وهو يحاول أن يقف وينقذ صديقه فاستدار الآخر بسرعة مخفيًا رقية خلف جسده ليجد نصل حاد اخترق معدته بينما حدق جاسر في عينيه بشئ من الفزع لما اقترفه، يرى الدماء تسيل بغزارة من عمر بينما صرخات رقية الفزعة تكاد تصم اذنيه
كاد أن يموت يومها بسبب ما خسره من الدماء، حتى أن الكبد تلف بعد أن صالها النصل الحاد، وقد تبرعت له والدته بفص من كبدها، هذا ما تتذكره عندما ذهبت مع والديها لزيارته في المشفى وشكره على دفاعه عنها
ولا حاجة لأن تذكر ما فعله سفيان ووالده واخيها أيضًا بذلك الجاسر الحقير
وبعد أن استعاد عمر عافيته وكأي فتاة صغيرة حمقاء في سنها أُعجبت كثيرًا بعمر وقد كانت تراقبه من بعيد، حتى أنها كانت تتحجج بالذهاب لرحاب الكلية حتى تراه، وقد كانت تلاحظ أنه يراها ويبتسم لكن لم يتجرأ ويتحدث لها
وكان أكثر يوم سعيد بالنسبة إليها حتى كادت تطير من فرط سعادتها حين أخبرتها رحاب أن عمر طلب رقم عمها محمد من أجل أن يحدد معه ميعاد يتقدم فيه لابنته لطلب يدها
خرجت رقية من فاقعتها الوردية هذه، مبتسمة الثغر على صوت رنين هاتفها وعندما ابصرت صاحب الرقم زادت ابتسامتها إتساعًا لترد سريعًا، فهذا العسكري الذي يقف على مكتب أخيها وهو من يوصل لها الأخبار التي تحدث في القسم :
-الو يا سمير فرحني بخبر ربنا يفرحك
-ضحية جديدة للسفاح مش عارف مين بالظبط بس فيه شاهدة وهى في مكتب يونس باشا دلوقتي وهو جاي في الطريق
انتفضت رقية من مكانها بسرعة مستبشرة بهذا الخبر لتقول وهى تسحب متعلقاتها من فوق مكتبها الصغير :
-يا ما انت كريم يارب ايوه كده خلوا الواحد ياكل عيش وينزل خبر يكسر السوشيال بدال اللي اتفكس ده
هرولت بسرعة خارج مكتبها تتأكد من وجود كاميرتها العزيزة داخل حقيبتها، وأثناء هذا اصطدمت في جسد رجل جعلها تتراجع للخلف كرد فعل طبيعي وقبل أن تعتذر اتاها صوته الرجولي مختلط بالضحكات :
-انتي طول الوقت كده ماشية بسرعة
ارتسمت الابتسامة على وجه رقية وانعقدا حاجبيها بإندهاش لوجوده هنا إذ قالت متسائلة :
-عمر بتعمل ايه هنا؟!
وضع الآخر كفيه في جيوب سترته الجلدية وهو ينظر حوله إلى الجريدة التي يطلب منه أخاه العمل بها :
-سفيان اخويا عايزني اشتغل هنا مهندس برمجة، مكنتش اعرف إنك شغالة في الجريدة دي بالتحديد
ورفعت الأخرى حاجبيها بذهول وقد وصل إلى عقلها أن سفيان يريد أن يجمعها به :
-بجد هتشتغل هنا؟؟
-لأ طبعًا، انا اشتغل في الجريدة المعفنة دي وابقى تحت مدير يشخط وينتر، وانا اللي يزعق فيا اخرسله صوته اللي فرحان به ده، صحيح كنتي بتجري ليه
تذكرت رقية أمر الشاهدة فدفعته بسرعة من أمامها قائلة :
-فيه جريمة حصلت تاني بس المرة دي في واحدة شافت السفاح ومتحفظين عليها في قسم المنتزه دلوقتي
ابتسم عمر بإتساع ليقول بسرعة وهو يلحق بها وقد وجد حجة للهروب من هذه المقابلة :
-طب استني جاي معاكي
وتذكرت الأخرى ما قاله سمير وأن يونس قادم إلى القسم لذا قالت بنفي وهى تمنعه من الخروج :
-لأ طبعًا تيجي فين مش انت جاي تقدم هنا روح يلا روح
رحلت بسرعة لكنها استدارت رافعة اصبعها، محذرة إياه مرة أخرى :
-إياك تيجي يا عمر
رمق الآخر طيفها بحنق شديد ثم قال :
-أقسم بالله البنت دي هبلة وانانية كمان، تقولي نبقى فريق ونكشف السفاح وفي الآخر عايزة كل حاجة لوحدها، بس ده بُعدها اخلص بس من المقابلة الشؤم ده وانطلها هناك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من سيارته متعجلًا حتى لم يبالي بركنها بل ألقى بالمفاتيح إلى أحد العساكر قائلًا :
-اركن يا ابني العربية وابقى هاتلى المفاتيح
دلف إلى القسم بخطوات سريعة يكاد يأكل الأرض تحت قدميه، لا يصدق إلى ما وصل إليه ذلك السفاح المجنون، يقتل طالبة وفي الجامعة دون خوف أو قلق، سيصاب حقًا بالجنون إن لم يمسك به
لكن ها هناك بصيص أمل من تلك الحادثة فعندما ذبح تلك الطالبة في مرحاض الفتيات كما فهم من الشرطي الذي أبلغه بالأمر، أبلغه أيضًا أنه كان في المرحاض فتاة أخرى شهدت الحادثة وقد رأت كل شئ وهي الآن في مكتبه تنتظره
الشاهدة الوحيدة التي رأت وجه السفاح الذي استغرق من وقته شهر وأكثر من أجل أن يمسك عليه شيئًا :
-يــــونــس
لم يستدر بل توقف في منتصف القسم ضاربًا وجهه بكفه لمعرفته لصاحبة الصوت جيدًا، تلك الكارثة التي هي شقيقته للأسف، كيف تعلم بالخبر وتكون في موقع الحدث قبل وجوده هو شخصيًا؟ هل تعين جواسيس في القسم هنا؟؟
استدار ليبصرها تهرول ناحيته وفي يدها كاميراتها العزيزة وعلى وجهها ابتسامة شديدة الإتساع وكأنها ذاهبة إلى نزهة رفقة والديها
وضع يد على خصره والأخرى مسح بها وجهه ليقول من بين أسنانه :
-انتي ايه اللي جابك هنا؟!
اتسعت عيني الأخرى لا تفهم كيف يسأل سؤالًا كهذا لها :
-ايه اللي جابني؟! في مكتبك دلوقتي شاهدة شافت سفاح إسكندرية اللي محدش عارف يمسكه بقاله سنتين وهي الوحيدة اللي شافت وشه، خبر زي ده مش عايزني ابقى موجودة فيه!؟
-انتي ايه اللي عرفك بالموضوع أساسًا ده انا اللي ماسك القضية لسه عارف من نص ساعة؟؟
رفعت إحدى حاجبيه تدعي الغرور وهي تعدل من لياقة سترتها الشتوية :
-يونس لآخر مرة بقولك متسألش سؤال زي ده لصحافية
-طب يا ست الصحافية انتي مش معاكي إذن يسمحلك تشوفي الشاهدة أصلًا فـ يلا زي الشاطرة ارجعي جريدتك
امسكت رقية بذراعه بسرعة قبل أن يرحل راسمة على وجهها ملامح استعطاف حيث قالت :
-بس انا اختك يا يونس
-مليش في الوسايط والله أجري بعيد
كاد أن يرحل لكنها تمسكت بذراعه مرة أخرى قائلة :
-طب بص والله مش هاخد ولا صورة هسمعها بس، سيبني استرزق وأكل عيش الله يخليك
-تسترزقي وتاكلي عيش ايه؟؟ هو احنا فارشين خضار في سوق الجمعة!؟
نادى بصوت مرتفع على أحد العساكر فاستبشرت رقية لظنها أنهم سيذهبوا الآن إلى تلك الشاهدة، ولكن خابت آمالها بل تحطمت حين قال يونس فور أن أتى ذلك العسكري الذي نادى عليه :
-خد ارمي البنت دي في الحجز
سحب ذراعه منها واتجه إلى مكتبه تاركًا الأخرى تنادي عليه ولم يهتم، فتح باب المكتب ليكون أول وجه يقابله هو أكثر وجه تمنى تمزيقه بيديه ولكن للأسف لم تسنح له الفرصة
لم يحتج الكثير من الوقت ليتعرف على صاحب هذا الوجه الارستقراطي "عاصم غانم" أكثر شخص كرهه ولا يعتقد أنه قد يأتي يوم ويصفى قلبه إتجاهه فستُ أعوامٍ لم تفعل
-ها فين الشاهدة واقف كده ليه
هتفت بها رقية بعد أن أفلتت من العسكري لقولها انها شقيقة يونس وانه كان يمزح لا أكثر، نظرت إلى الناحية التي ينظر إليها أخاه لتتسع عينيها بذهول وفقط سؤال قفز إلى عقلها
ما بال الماضي يلاحق يونس هذه الأيام؟ في البداية عايدة والآن عاصم!؟
دارت بسرعة بعينيها في المكتب لتهتف مذهولة أكثر من ذهولها لرؤية عاصم هنا :
-شروق؟؟
وأخيرًا أبعد يونس عينيه عن عاصم والذي كان يدور بينهما معركة نظرات باردة فور أن استمع إلى اسم تلك الفتاة صاحبة الحقيبة الضائعة والتي تسكن بنايتهم ولكن.. لما تبدو هكذا؟؟
دلف إلى المكتب فأدارت عينيها له وكأنها استوعبت أن الباب قد فتح من الأساس، لم تكن هي وكأنه شبح لها، عينيها جاحظة بطريقة مخيفة تشرح رعبًا قد عاشته، وجهها شاحب كالأموات ويديها ترتعش فوق قدميها وكأنها فرت من ملك الموت قبل أن يقبض روحها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
انتهت المحاضرة العملية التي اخذوها في المعمل ليبدأ الجميع في الذهاب فقد انتهى اليوم وانتهت جميع المحاضرات لجميع الطلاب، وأثناء خروج الجميع دلفت هى متخفية أسفل قبعة وكمامة لتدخل متجهة إلى وجهتها وأعينها تقدح شرارًا، بينما تُخرج من جيبها منديل سبق وسكبت عليه بعض المخدر
وأثناء انشغال عائشة بجمع أشيائها حتى تذهب وجدت فجأة من كتم أنفاسها من الخلف ثم أسقطها أرضًا، ليبدأ جسدها كرد فعل طبيعي بالانتفاض والمحاولة بالفكاك حتى أنها جرحت صاحب اليدين هذه بأظافرها
بدأت الرؤية تتشوش عندها واعصابها ترتخي لتقوم الأخرى بتركها لكن لم تبعد المنديل عن وجهها إلا عندما تأكدت أنها فقدت الوعي، دفعت جسدها أسفل الطاولة حتى لا يراها العامل أثناء إغلاق المعامل ثم امسكت بهاتف عائشة وحطمته هاتفة بغل :
-علشان متعرفيش تتصلي على حد يلحقك قبل بكرة يا زبالة
خرجت من المعمل بعدما أنزلت سكين الكهرباء حتى لا تفتح الأضواء بالليل ويخرجها أمن الكلية، وقد وسوس لها الشيطان أن هذه أفضل طريقة تنتقم منها بعدما فُصلت من الكلية وخسرت درجاتها، وقام والدها بمعاقبتها من وراء رأسها وكل هذا لأجل جملة ألقتها فقط
خرجت ولم تبالي بها أو حتى تبالي أنها قد تبقى بالداخل لأيام دون أن يصل إليها أحد، ففي ظنها أنها ستظل لليل حتى تفق وتظل تصرخ وتنادي إلى أن ينقذها أحد أو في أسوء الحالات ستظل ليوم غد حتى يأتي الطلاب
لم يأتي على بالها أن النشرة الجوية أكدت أن هناك عاصفة رعدية يوم غد لذا المدارس والجامعات وكل شئ سيكون إجازة ليوم وربما أكثر...


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close