رواية انتصر قلبي الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم قسمة الشبيني
الثالث بعد العشرين
لازالت منذ خمس دقائق تجلس ناظرة أرضا عاقدة ذراعيها بحدة لا تخفى على والديها وهى واثقة أنهما يرقبان أنفاسها بعد ذلك التصريح الذى أعلنته ويبدو لها مرفوضا تماما من قبليهما بل ويتشددان فى مناقشته ايضا.
شعرت بحركة لترفع عينها خلسة فترى امها تضغط فوق كف ابيها وكأنها تطلب منه التحلى بالصبر وهذا بالفعل ما تحتاج إليه بعض الصبر حتى تتمكن من البوح ورغم أنها لا تنوى البوح بكل ما تخفيه إلا أن طرح وجهة نظرها قد يدفعهما لبعض التعقل ومنحها فرصة الإختيار.
_ حبيبة انت فاهمة اللى بتقوليه ده؟
فتحت لها أمها بابا للحوار لتسرع مقتنصة الفرصة
_ طبعا يا ماما ، انتو مش من سنين بتلحوا عليا علشان اقبل اتجوز انا قبلت اهو
_ جاد يا حبيبة؟
_ وماله جاد بس يا بابا؟ وبعدين حضرتك شوفتنا اتجوزنا خلاص دى مجرد زيارة يا ارتحنا يا ماحصلش
_ يا بنتى احنا جيران طول عمرنا مش اول مرة تشوفيه علشان تقولى يا نرتاح يا مايحصلش واحنا بنتمنى فعلا من زمان انك تتجوزى وتعيشى مرتاحة مع راجل يقدر يصونك ويحافظ عليك بس اللى زى جاد دلوقتي محتاج اللى ترعاه يبقا بعد العمر ده تعيشى له ممرضة ؟
_ يا بابا جاد فقد البصر مابقاش عالة بالعكس انا شايفة أنه قدر بسرعة يتكيف مع وضعه وظروفه
_ وشوفتى أمته انت بتراقبيه يا حبيبة؟
_ هو انا محتاجة اراقبه يا ماما ده بابا لسه قايل احنا جيران وبيته على بعد كام خطوة من بيتنا !
نهدة حائرة فرت من صدر أمها استرعت انتباه والدها الذى تحركت عينيه نحوها وكأنه يقيم هذا التمسك غير المبرر من قبله فهى المرة الأولى منذ سنوات التى تتقبل فيها ابنته خبر تقدم أى شخص لخطبتها بهذا الهدوء طالما كانت ثائرة رافضة محتجة ومجرد ظهورها اليوم بهذا الهدوء يثير أفكاره وقبولها فكرة الارتباط من جاد بهذه الحالة تزيد مخاوفه .
نهض محمود عن الطاولة منهيا الحوار لتلحق به امها بينما ظلت حبيبة فوق مقعدها حتى اختفيا عن ناظريها ليشرق وجهها وتسطع ابتسامة صافية تزينة
_ أخيرا يا جاد ؟ بعد العمر ده كله شوفتنى؟ بس أجمل حاجة انك شوفتنى دلوقتي يعنى شوفت بقلبك مش بعنيك.
..................
رغم أن مرفت مطمئنة لتناسق ملابسه إلا أنها دخلت غرفته للمرة الثالثة تتفحصه وكأنها تتأكد من استعداده لهذه الخطوة ، لقد لزمت هبة غرفتها منذ أمس بشكل أشعرها بالمزيد من الضيق وبدأت ترى أن جاد على الطريق الصحيح
_ انت بردو هتمشى بالعصاية دى يا جاد؟
ابتسم جاد فها هو السبب لتفقد أمه له عدة مرات يظهر في سؤالها
_ معلش يا ماما خلينى اعمل اللى يريحنى
_ بس عروستك واهلها لازم يعرفوا انك بتشوف
اخترقت الكلمة مسامعه لتترك صدى بصدره اشعره ببعض التوتر وكأن هذا الصدر لا يصدق بعد أن هناك أخرى قد توسمه باسمها أو تدمغ جنباته بصورة منها لكنه تنفس بعمق مع هزة رفض من رأسه
_ خلى كل حاجة لوقتها يا امى هى لو هتقبل بيا كونى شايف ولا لا مش هيفرق فى قرارها
_ انا حاسة انك بتديهم سبب علشان يرفضوا
ربما ترى أمه الحقيقة التى يرفض الإعتراف بها فلم يعد لديه أسباب تدفعه لمتابعة التظاهر بعدم الرؤية، عينيه توقفت عن التلصص على محياها برفض تام من عقله لهذه الفعلة فيبدو أن عقله أقر أنها ليست حقا له ليفعل ولم يعد هناك تهديد يدفعه أيضا للتظاهر هو نفسه أصبح يتشكك فى نواياه .
_ ماما هاتى هيثم يجى معانا خالى زمانه على وصول
_ انا نفسى افهم ازاى أقنعت خالك يجى معاك؟
_ خالى عاقل يا ماما وعارف أنه كبير العيلة وكمان راجل وحاسس بيا ومقدر موقفى
_ يعنى لو هبة خرجت دلوقتي وطلبت منك ماتروحش هتروح؟
_ مش هتطلب يا ماما
أولاها ظهره وكأن ذلك سيخفى عنها ألمه متظاهراً بتفقد مظهره لتغادر الغرفة بصمت .
...............
حاول مرات عديدة منذ أمس مهاتفة الرقم الذى تحدث منه هاني ليفشل مما اشعره ببعض القلق فربما يقع في ورطة كبيرة يعجز عن التعامل معها لكنه لازال يتظاهر أمام زوجته بأن الأمور على ما يرام
_ انا نازل يا سندس ومش هتأخر
هزت رأسها ليرى الحزن المسيطر عليها
_ مالك حاجة تعباكى؟
_ كان نفسى جاد يتجوز هبة
_ هى مش راضية يا سندس
_ هتعيش طول عمرها كده يعنى؟
ربما لا تعلم زوجته بمدى الألم الذى يمزق صدره منذ أعلمه جاد بقراره الزواج من أخرى وربما لن تفعل لكن قلبه بالفعل يتلوى داخل صدره لعلمه بمدى وعورة الطريق الذى اختارت ابنته السير فيه لكنه لم يعد قادراً على دفعها لتغيره بعد أن زوجها لجاد وقابلت هذا الزواج بالرفض الذى أخبره به، ربما تمنى أن يمنحها جاد المزيد من الوقت لكنه يعجز أيضاً عن سؤاله ليفعل
_ تعرف انا كنت عاوزة أخطب حبيبة لهاني؟
أخرجته من صراع أفكاره ليتنهد فصدره لم يعد يحتمل المزيد من هذا الألم ربت فوق كفها متظاهراً بعدم سماعه ما قالت
_ لو احتجت أى حاجة رنى عليا هكون عندك فى دقيقتين.
...............
تعترف مرفت أمام نفسها انها منحت هبة كل الوقت لتظهر تمسكها بجاد وأنها لم تفعل ورغم ذلك تتمنى أن تقتنص الفرصة ولو فى اللحظة الأخيرة.
دخلت للغرفة بعد طرقة خفيفة
_ جاهز يا هيثم
_ ايوه يا تيتة
واجهت نظراتها نظرات هبة التى تهربت منها فوراً وهى تدفع هيثم للخارج
_ روح يا حبيبي لعمو جاد
انطلق الصغير وكأنه ينتظر أن يفعل بينما نظرت هى إلى عمتها وهى تعلم أنها لازالت تأمل ما لا ترضاه هى
_ صدقينى يا عمتى جاد يستحق فرصة كاملة مع واحدة يكون أول راجل فى حياتها واهم راجل فى حياتها يستحق يعيش كل المشاعر الجميلة اللى مااقدرش اقدمها له، انا قلبى مقفول على ياسر يا عمتى ومفيش حاجة فى الدنيا هتغير ده ومش هقدر اظلم جاد واكدب عليه واوهمه بحب عمره ما هيكون غير من طرف واحد.
تقاوم مرفت الدموع التى تصارع لتتحرر من قيود مآقيها فما تكنه هبة لولدها الراحل من مشاعر يسعد أى ام فقدت ابنها وتضارب المعاناة التي تسببت فيها مشاعر جاد و أملها أن يكون بديلا لأخيه يؤلمها بشدة فتجد نفسها بين الطرقات عاجزة عن التقدم ومنح أى منهما ما يحتاج لتشعر أن عليها الاستسلام وترك الأمور لطبيعتها فكل منهما سيحصل على ما ينتج عن اختياره وسيحيا ما أراده لنفسه لذا انسحبت دون كلمة واحدة .
أغلقت الباب لتصطدم بوجود أخيها خلفها فيرى كل منهما معاناة الآخر ، اليوم الذى تمنته قلوبهم جميعاً دون أن يتخيل أى منهم أن يحمل هذا الكم من الألم والصراع.
....................
دار هاني بين الغرفات للمرة التى لا يعلم عددها، هل يظن علاء أنه يعاقبه بغيابه عنه؟
ياله من احمق مغرور!!
لقد تركه منذ داهمه أثناء محادثته مع أبيه صباح أمس وكأنه يحاول بث الخوف داخل صدره من عدم عودته إليه وكأن هذا الأمر يعنيه بالفعل، لا يعترف علاء بأنه نفسه لا يعنى شيئاً له، يصور له غروره أنه قادر على ترويضه وتطويع مشاعره له لكنه بالفعل لا يعلم عن دواخله شيئاً.
.................
لم تعد للمنزل ليلة أمس ولم يكن من الصعب عليه معرفة مكانها برفقة عشيقها الذى هو أحد رفاقه بالفعل، لم يكن يهتم كثيراً بكيفية رؤية رفاقه له فهو فى بداية شبابه كانت ميوله واضحة لهم ورغم أنه حاول اخفاء تلك الميول بزواجه من لارا إلا أنها لازالت تدور حوله ولولا الهالة القوية التى يحيطه بها أبيه لانتهى أمره منذ سنوات.
علم أنها فى طريق العودة لذا لم يكن عليه سوى بعض الانتظار والذى قد يكون مفيداً فى كل الأحوال فغيابه المتعمد عن الشاليه سيلقن هاني درساً ليتوقف عن محاولة الهروب منه.
_ حمد الله على السلامة يا مدام
زفرة متأففة عبرت بيها عن عدم ترحيبها وجوده بغرفتها لكنه لم يهتم بينما دارت لتواجهه بوقاحة
_ خير بتعمل ايه هنا؟
ارتفع حاجبيها فور رؤيته بفراشها بهذه الهيئة لتتحداه نظراتها بنفس الوقاحة التى لم تثر حفيظته
_ تعالى يا لارا
عقدت ساعديها تبدى رفضاً ليتابع
_ هو ناجى منعك تقربى من جوزك؟
هزة داخلية ظهرت فى إرتجافة شفتيها وهو يواجهها بهذه القوة بعلاقتها بغيره لكنها رغم شعورها بالتوتر اجتاح صدرها الغضب فأي رجل ينتظر زوجته في فراشها وهو يعلم أنها عادت للتو من خيانته؟
ألهذه الدرجة يحتقر زواجه منها ؟
ألهذه الدرجة لا تعنى له شيئاً ؟
_ كونك عارف مايهمنيش بس ماتبقاش عديم الرجولة للدرجة دى
ترددت ضحكاته وهو ينهض عن الفراش بلا اهتمام لهيئته ليقترب منها وكأنها لم تنتقص من رجولته للتو، بدأ فك ازرار سترتها لتنظر إلى أنامله التى تتلمس بشرتها ثم ترفع إليه أعين متسائلة بدهشة فعلية واضحة
_ انت بتعمل ايه ؟
_ انت عارفة أن جوازنا فادنى كتير اوى ، من ناحية نفى كل الحكايات اللى كانت بتشوه صورتى ومن ناحية تانية ادانى فرصة اشتغل في حاجات كتير واقدر اخبى كل حاجة فى شغلك أنت وأهلك بس خلاص كفاية
_ كفاية ايه؟
_ كفاية خيانة انا من اللحظة دى هكون ليكى وبس وانت ليا وبس
_ علاء انت عارف إن ده مش هيحصل
_ تحبى تتأكدى؟؟
ولم ينتظر منها إجابة لقد كان محتاطا للأمر بشكل يكفى ليعجزها عن الرفض ويعجز عقلها عن تدارك خطورة المواجهة التى حدثت للتو، يعلم أنها تراه حقيرا لدرجة كبيرة لدرجة قد تدفعها لتراه يتغاضى عن كل الخيانة التى كانت أساس زواجهما .
...................
يشعر ثلاثتهم أن محمود لا يرحب بهذا الزواج وربما كان هذا الشعور مريحا لها ولأخيها ، لازال الصراع يؤلم قلبها فهل سيحصد جاد المزيد من الألم؟
تقدمت حبيبة من مجلسهم لترتفع نحوها الأعين ويشعر جاد بالراحة لعدم حاجته لتفقد هيئتها رغم تمكنه من ذلك .
_ تعالى يا حبيبة
ابتسمت لأمها التى أعلنت ترحيبا رفض إعلانه ابيها لتتقدم من عبدالقادر مقدمة له الضيافة أولا
ابتسمت مرفت حين جلست فى النهاية تحمل كوب جاد لتمسك كفه بلا حرج وتضع الكوب بين أنامله فى مشهد صدم والديها بشكل واضح .
أسرعت عينا جاد نحوها ترى ما يدفعها لهذا الاهتمام غير المبرر بوجهة نظره ، لابد أنها تشفق عليه وهو لن يقبل بهذا مطلقاً.
استعد لإعادة الكوب ورفض هذا الاهتمام وهذا الزواج بالتالى لكن نظرة واحدة لوجهها منعته أن يفعل وتوقف كفه لتحيط أنامله بالكوب الذى دسته بينها للتو .
نظرتها له لا تحمل لمحة من الشفقة، لا يمكنه أن يخطئ الشفقة التى أصبح يراها بنظرات هبة ونظرات أمه وخاله وربما كانت هذه الشفقة هى الدافع الأول وراء ثورته التى وصلت به لهنا.
_ شكرا
كلمة واحدة منه كانت كافية ليزداد إشراق ملامحها لينتفض قلبه رافضا النظر إليها فتستجيب اجفانه فورا وترتخى مخفية محياها عن عقله .
الصمت الذى يتبعه ابيها إعلانا عن رفضه لن يكون سبباً إعلانها القبول المستتر، يبدو أنه كان سببا لصراع دار بينهما ورجحت كفته بفضل تلك الابتسامة التى كللت ملامحها.
_ تسمح لى يا عمى اتكلم مع الآنسة حبيبة خمس دقايق ؟
شعر أنها تختلس النظر إليه بحياء يمكنه إثارة مشاعر أي رجل فى موقف مشابه ورغم ذلك يتحفظ قلبه محافظاً على رتابة خفقاته.
_ مفيش مشكلة احنا هنا جمبكم
غادر الجميع عدا هيثم الذى يلازمه لكن أمه عادت خطوة لتسحبه بهدوء فيدفعه نحوها شاكراً لها إبعاد الصغير
_ حمد الله على السلامة
إلتقى حاجبيه فمن المفترض أن يكون المبادر بفتح الحوار
_ الله يسلمك
_ انا عارفة أنها متأخرة بس ماكنش ينفع ازورك واطمن عليك
_ والدك جالى اكتر من مرة
عينيها جريئة النظرات بشكل أشعره بالحرج ولولا تلك النظارة السوداء التى تخفى عينيه لما تمكن من مواجهة تلك الأعين
_ انت مش معترضة انى أعمى ؟
_ بعد الشر عليك من العمى الأعمى أعمى القلب مش النظر
يريد أن يتنفس لكنها تعجزه أن يفعل، لم تكن له علاقات بالجنس الآخر بشكل يهيئه لمواجهة ما تغمره به من مشاعر فى أول لقاء بينهما والذى لم يتوقع أبدا أن يكون بهذه الحرارة التى تغلفه بها.
بحث عن كلمات يتابع بها حواره معها فهو بحاجة للمزيد من التوضيح لكنها بادرته أيضاً
_ طنط مرفت قالت لبابا أنها حالة نفسية بس انا مش فارق معايا
_ افهم من كلامك انك موافقة على جوازنا ؟
صمتت أخيراً واسبلت جفنيها لترحمه من رؤية نظراتها ليشعر ببعض المرح الذى لم يتخلل مشاعره منذ صباه بهذا الحماس
_ سكتى ليه؟
مزيد من الحياء نجح هذه المرة فى إثارة عقله ليبتسم مع قدرته على رؤية ما ترفض شفتيها النطق به .
دفعه عقله الذى يقتنص الفرصة ليرغم قلبه على المتابعة مبتعدا عن انين ماضيه فيبدو له أن القدر يقدم له ترياقا شافيا ويرى أنها مناسبة تماما لحمايته من زلات عديدة سيوقعه فيها قلبه الذى يرفض التخلى عن عشقه القاتل.
.....................
ضمت صورة ياسر لصدرها دون أن تسمح للنوم بسحب وعيها منها، تشعر بوحدة مخيفة تدفعها للتيقظ وكأن دثار النوم يخفى لها رعبا تخشى من مواجهته.
أنها المرة الأولى التي تكن فيها بكامل وعيها فى هذا المكان الذى طالما كان مشبعا بمشاعر كل منهما تجاه الآخر ورغم البرودة التى سكنته منذ رحلت انفاس ياسر إلا أن وجودها هنا يشعرها بالسكينة .
نهضت تتجه إلى الخزانة حيث تركت كل متعلقات زوجها الراحل كاملة لتفتحها وتسحب قنينة العطر تبحث بين عبيرها عن رائحة ياسر لكن مهلا لقد فقد العطر عبيره أيضاً
نظرت للزجاجة وهى تعيدها لمكانها فلم يكن العطر وحده ما يتكون منه عبير ياسر بل إن العطر جزء من تكوينه فقد كان دفء أنفاسه وشذى همساته واحاطة نظراته لها تمنح العطر عبير ياسر .
ضمت نظراتها الأغراض لتشعر بالحيرة وتبدأ تفحصها بسرعة مكتشفة غياب قنينة عطر وقطعة من ملابس ياسر الداخلية ، ارتعبت وجذبت الأعراض كلها والتى تحفظ كل منها عن ظهر قلب لتتأكد أنها فقدت بعضا من أغراضه، هرول عقلها يبحث بين الذكريات وسرعان ما تعالت أنفاسها غضبا وهى تتذكر المرة الوحيدة التي دخل فيها هاني لهذه الغرفة مدعيا البحث عن عطر لإفاقتها .
لعنته داخليا للمرة التى لا تعلم عددها فقد أصبحت تلعنه بعدد أنفاسها ثم بدأت إعادة الأغراض إلى مأمنها.
عادت إلى مقعدها وأمام عينيها صورة زفافها لترتسم نفس الابتسامة التى تحمل حنينها الذى لا ينتهى وشوفها الذى لن يرتوى .
....................
شعر بها تتسلل فهو لم يغلبه الإرهاق كما تظاهر بل يشعر بالاشمئزاز من نفسه ومنها ، سحبت هاتفها وارسلت رسالة قبل أن ترتدى ملابسها وتغادر متلصصة ليفتح عينيه متأففا فهى ذاهبة لا محالة للقاء ناجى ، يعلم أنها تشعر بالتخبط من تودده لها بهذه الحميمية وأنها تفكر في هذه اللحظة فى البحث عن سبب يقتنع به عقلها لهذا القرب لكنه استعد مسبقاً
سحب هاتفه أيضاً وأجرى اتصالاً لم يزد عن كلمة واحدة
_ نفذ
ثم استرخى رغم كرهه لفراشها الذى يحمل عطرها منتظراً.
.................
ركض هيثم لغرفة أبيه الراحل ليقف بالباب
_ ماما مش هنا يا تيتة
وقبل أن تفزع أمه تحدث هو بهدوء
_ هتلاقيها فوق يا هيثم اقفى له يا ماما على السلم يطلع فوق
نظرت له أمه بدهشة بينما ركض هيثم خارجاً لتلحق به ثم تعود بعد دقائق
_ عرفت منين أن هبة طلعت فوق؟
_ هتروح فين يا ماما طبيعى تكون فوق
_ انت قولت لحبيبة أنك متجوز هبة؟
_ طبعا لا ، انا مش متجوز هبة يا ماما انا طلقتها امبارح
رأى الفزع يعتلى ملامح أمه وشعر بأنفاسها تثقل ليتابع
_ هى اللى طلبت يا ماما
_ هى؟؟ أمته حصل الكلام ده؟
نزع نظارته السوداء يلقى بها فوق الطاولة وهو يتذكر ما حدث ليلة أمس
طرقات خفيفة على باب غرفته لم تتعرف عليها أذنيه ليثور قلبه فوراً فلا أكف غريبة قد تطرق باب غرفته سوى اكفها هى، أسرع ملتقطا نظارته يخفى لهفة عينيه عنها فلو جاءته فى هذه اللحظة تعلن رغبتها فيه لقدم ما تبقى من عمره قربانا لسعادتها
فتح باب الغرفة وكانت هى ليعلو ضجيج مشاعره فيكاد يصم أذنيه
_ اتفضلى يا هبة
تقدمت للداخل وقبل أن يتبع ثورة قلبه تحدثت
_ جاد انا فعلا فرحانة علشانك وهعتبر اللى حصل منك ماحصلش واتمنى تفضل طول عمرك الأخ اللى طول عمرى اتمنيته وشوفتك عليه
صفير حاد وكأن أذنيه ترفض الإستماع ليتقدم حتى تخطاها وهى تتابع
_ انا كنت فاهمة انك بتحاول تعوض وجود ياسر فى حياتى ماكنتش اعرف حاجة عن مشاعرك بس انت نفسك فاهم مشاعرك غلط وبكرة لما تحب بجد هتعرف الفرق بين احساسك بيا واحساسك بحبيبتك
ضم قبضته بقوة فكيف تمنح نفسها السلطة للحكم على مشاعره ؟
_ بلاش تتكلمى عنى لو سمحت اتكلمى عن مشاعرك انت
_ انا مقدرة كل غضبك منى لانى عارفة يعنى ايه حب ويعنى ايه حرمان
حرمان!!!
تردد صدى الكلمة فى فراغه الداخلى ليصرخ عقله
عن اى حرمان تتحدث ؟!
لا يمكن لأى شخص أن يشعر بالحرمان مثله هو، لا يعتبر رحيل ياسر عنها حرمان بل ما عاشه هو الحرمان نفسه ما مر به الألم بعينه ورغم ذلك ظل متمسكاً بتلك المشاعر التى تنفى ببضعة احرف تعرفه عليها.
_ عاوزة إيه يا هبة؟
_ افتكر قبل ما تبدأ خطوة جديدة في حياتك لازم تنضفها من أثر الماضى، طلقنى يا جاد جوازنا كان غلط انت كنت قادر تحمينى من غير جواز وانا لو كنت فاهمة غرضك الحقيقى من الجواز ماكنتش قبلته مهما حصل.
_ غرضى!؟ من فضلك كفاية كده اتفضلى روحى اوضتك وخلال نص ساعة هحقق طلبك واخلصك منى
_ جاد ارجوك انا مش عاوزة اخسرك
_ انا مااقدرش اخسرك يا هبة بينا حاجات كتير لازم احافظ عليها بس لازم اخد مساحتى من فضلك سواء شيفانى اخ او لأ انا محتاج اتعافى منك
سحبت نفسها خارج غرفته بينما ظل متجمدا موضعه وقد منح عينيه الأذن للتعبير عن مدى خسارته .
هزته أمه برفق
_ جاد سرحت فى إيه انا بكلمك؟
_ معلش يا ماما اعذرينى انا تعبان جدا
سحبت رأسه إلى صدرها مع استسلام منه فهو يشعر أنه طفل يحتاج بشدة الاختباء بصدر أمه وتعلم مرفت أنه فقد عانى ما يكفيه من ألم وعليها أن تحاول منحه ما يحتاج ليبرأ من جروح قلبه.
................
تجاهل عدة إتصالات حتى ظهر اسم أبيه على شاشة الهاتف ليسحبه ويغلف صوته بنعاس زائف
_ نعم يا بابا
_ مراتك فين يا علاء؟
_ مش عارف كانت هنا دلوقتي يمكن بتاخد شاور فى حاجة
_ مراتك فى المستشفى بتموت مابتردش على موبايلك ليه؟
_ مستشفى؟؟ مستحيل، كانت نايمة فى حضنى دلوقتي بابا انت بتقول ايه؟
_ هبعت لك لوكيشن تعالى بسرعة
أنهى الاتصال ليخلص صوته من زيف أكاذيبه ضاحكا بقوة فقد تخلص منها للأبد.
بموتها
انتهى الجزء الأول من معاناته
لازالت منذ خمس دقائق تجلس ناظرة أرضا عاقدة ذراعيها بحدة لا تخفى على والديها وهى واثقة أنهما يرقبان أنفاسها بعد ذلك التصريح الذى أعلنته ويبدو لها مرفوضا تماما من قبليهما بل ويتشددان فى مناقشته ايضا.
شعرت بحركة لترفع عينها خلسة فترى امها تضغط فوق كف ابيها وكأنها تطلب منه التحلى بالصبر وهذا بالفعل ما تحتاج إليه بعض الصبر حتى تتمكن من البوح ورغم أنها لا تنوى البوح بكل ما تخفيه إلا أن طرح وجهة نظرها قد يدفعهما لبعض التعقل ومنحها فرصة الإختيار.
_ حبيبة انت فاهمة اللى بتقوليه ده؟
فتحت لها أمها بابا للحوار لتسرع مقتنصة الفرصة
_ طبعا يا ماما ، انتو مش من سنين بتلحوا عليا علشان اقبل اتجوز انا قبلت اهو
_ جاد يا حبيبة؟
_ وماله جاد بس يا بابا؟ وبعدين حضرتك شوفتنا اتجوزنا خلاص دى مجرد زيارة يا ارتحنا يا ماحصلش
_ يا بنتى احنا جيران طول عمرنا مش اول مرة تشوفيه علشان تقولى يا نرتاح يا مايحصلش واحنا بنتمنى فعلا من زمان انك تتجوزى وتعيشى مرتاحة مع راجل يقدر يصونك ويحافظ عليك بس اللى زى جاد دلوقتي محتاج اللى ترعاه يبقا بعد العمر ده تعيشى له ممرضة ؟
_ يا بابا جاد فقد البصر مابقاش عالة بالعكس انا شايفة أنه قدر بسرعة يتكيف مع وضعه وظروفه
_ وشوفتى أمته انت بتراقبيه يا حبيبة؟
_ هو انا محتاجة اراقبه يا ماما ده بابا لسه قايل احنا جيران وبيته على بعد كام خطوة من بيتنا !
نهدة حائرة فرت من صدر أمها استرعت انتباه والدها الذى تحركت عينيه نحوها وكأنه يقيم هذا التمسك غير المبرر من قبله فهى المرة الأولى منذ سنوات التى تتقبل فيها ابنته خبر تقدم أى شخص لخطبتها بهذا الهدوء طالما كانت ثائرة رافضة محتجة ومجرد ظهورها اليوم بهذا الهدوء يثير أفكاره وقبولها فكرة الارتباط من جاد بهذه الحالة تزيد مخاوفه .
نهض محمود عن الطاولة منهيا الحوار لتلحق به امها بينما ظلت حبيبة فوق مقعدها حتى اختفيا عن ناظريها ليشرق وجهها وتسطع ابتسامة صافية تزينة
_ أخيرا يا جاد ؟ بعد العمر ده كله شوفتنى؟ بس أجمل حاجة انك شوفتنى دلوقتي يعنى شوفت بقلبك مش بعنيك.
..................
رغم أن مرفت مطمئنة لتناسق ملابسه إلا أنها دخلت غرفته للمرة الثالثة تتفحصه وكأنها تتأكد من استعداده لهذه الخطوة ، لقد لزمت هبة غرفتها منذ أمس بشكل أشعرها بالمزيد من الضيق وبدأت ترى أن جاد على الطريق الصحيح
_ انت بردو هتمشى بالعصاية دى يا جاد؟
ابتسم جاد فها هو السبب لتفقد أمه له عدة مرات يظهر في سؤالها
_ معلش يا ماما خلينى اعمل اللى يريحنى
_ بس عروستك واهلها لازم يعرفوا انك بتشوف
اخترقت الكلمة مسامعه لتترك صدى بصدره اشعره ببعض التوتر وكأن هذا الصدر لا يصدق بعد أن هناك أخرى قد توسمه باسمها أو تدمغ جنباته بصورة منها لكنه تنفس بعمق مع هزة رفض من رأسه
_ خلى كل حاجة لوقتها يا امى هى لو هتقبل بيا كونى شايف ولا لا مش هيفرق فى قرارها
_ انا حاسة انك بتديهم سبب علشان يرفضوا
ربما ترى أمه الحقيقة التى يرفض الإعتراف بها فلم يعد لديه أسباب تدفعه لمتابعة التظاهر بعدم الرؤية، عينيه توقفت عن التلصص على محياها برفض تام من عقله لهذه الفعلة فيبدو أن عقله أقر أنها ليست حقا له ليفعل ولم يعد هناك تهديد يدفعه أيضا للتظاهر هو نفسه أصبح يتشكك فى نواياه .
_ ماما هاتى هيثم يجى معانا خالى زمانه على وصول
_ انا نفسى افهم ازاى أقنعت خالك يجى معاك؟
_ خالى عاقل يا ماما وعارف أنه كبير العيلة وكمان راجل وحاسس بيا ومقدر موقفى
_ يعنى لو هبة خرجت دلوقتي وطلبت منك ماتروحش هتروح؟
_ مش هتطلب يا ماما
أولاها ظهره وكأن ذلك سيخفى عنها ألمه متظاهراً بتفقد مظهره لتغادر الغرفة بصمت .
...............
حاول مرات عديدة منذ أمس مهاتفة الرقم الذى تحدث منه هاني ليفشل مما اشعره ببعض القلق فربما يقع في ورطة كبيرة يعجز عن التعامل معها لكنه لازال يتظاهر أمام زوجته بأن الأمور على ما يرام
_ انا نازل يا سندس ومش هتأخر
هزت رأسها ليرى الحزن المسيطر عليها
_ مالك حاجة تعباكى؟
_ كان نفسى جاد يتجوز هبة
_ هى مش راضية يا سندس
_ هتعيش طول عمرها كده يعنى؟
ربما لا تعلم زوجته بمدى الألم الذى يمزق صدره منذ أعلمه جاد بقراره الزواج من أخرى وربما لن تفعل لكن قلبه بالفعل يتلوى داخل صدره لعلمه بمدى وعورة الطريق الذى اختارت ابنته السير فيه لكنه لم يعد قادراً على دفعها لتغيره بعد أن زوجها لجاد وقابلت هذا الزواج بالرفض الذى أخبره به، ربما تمنى أن يمنحها جاد المزيد من الوقت لكنه يعجز أيضاً عن سؤاله ليفعل
_ تعرف انا كنت عاوزة أخطب حبيبة لهاني؟
أخرجته من صراع أفكاره ليتنهد فصدره لم يعد يحتمل المزيد من هذا الألم ربت فوق كفها متظاهراً بعدم سماعه ما قالت
_ لو احتجت أى حاجة رنى عليا هكون عندك فى دقيقتين.
...............
تعترف مرفت أمام نفسها انها منحت هبة كل الوقت لتظهر تمسكها بجاد وأنها لم تفعل ورغم ذلك تتمنى أن تقتنص الفرصة ولو فى اللحظة الأخيرة.
دخلت للغرفة بعد طرقة خفيفة
_ جاهز يا هيثم
_ ايوه يا تيتة
واجهت نظراتها نظرات هبة التى تهربت منها فوراً وهى تدفع هيثم للخارج
_ روح يا حبيبي لعمو جاد
انطلق الصغير وكأنه ينتظر أن يفعل بينما نظرت هى إلى عمتها وهى تعلم أنها لازالت تأمل ما لا ترضاه هى
_ صدقينى يا عمتى جاد يستحق فرصة كاملة مع واحدة يكون أول راجل فى حياتها واهم راجل فى حياتها يستحق يعيش كل المشاعر الجميلة اللى مااقدرش اقدمها له، انا قلبى مقفول على ياسر يا عمتى ومفيش حاجة فى الدنيا هتغير ده ومش هقدر اظلم جاد واكدب عليه واوهمه بحب عمره ما هيكون غير من طرف واحد.
تقاوم مرفت الدموع التى تصارع لتتحرر من قيود مآقيها فما تكنه هبة لولدها الراحل من مشاعر يسعد أى ام فقدت ابنها وتضارب المعاناة التي تسببت فيها مشاعر جاد و أملها أن يكون بديلا لأخيه يؤلمها بشدة فتجد نفسها بين الطرقات عاجزة عن التقدم ومنح أى منهما ما يحتاج لتشعر أن عليها الاستسلام وترك الأمور لطبيعتها فكل منهما سيحصل على ما ينتج عن اختياره وسيحيا ما أراده لنفسه لذا انسحبت دون كلمة واحدة .
أغلقت الباب لتصطدم بوجود أخيها خلفها فيرى كل منهما معاناة الآخر ، اليوم الذى تمنته قلوبهم جميعاً دون أن يتخيل أى منهم أن يحمل هذا الكم من الألم والصراع.
....................
دار هاني بين الغرفات للمرة التى لا يعلم عددها، هل يظن علاء أنه يعاقبه بغيابه عنه؟
ياله من احمق مغرور!!
لقد تركه منذ داهمه أثناء محادثته مع أبيه صباح أمس وكأنه يحاول بث الخوف داخل صدره من عدم عودته إليه وكأن هذا الأمر يعنيه بالفعل، لا يعترف علاء بأنه نفسه لا يعنى شيئاً له، يصور له غروره أنه قادر على ترويضه وتطويع مشاعره له لكنه بالفعل لا يعلم عن دواخله شيئاً.
.................
لم تعد للمنزل ليلة أمس ولم يكن من الصعب عليه معرفة مكانها برفقة عشيقها الذى هو أحد رفاقه بالفعل، لم يكن يهتم كثيراً بكيفية رؤية رفاقه له فهو فى بداية شبابه كانت ميوله واضحة لهم ورغم أنه حاول اخفاء تلك الميول بزواجه من لارا إلا أنها لازالت تدور حوله ولولا الهالة القوية التى يحيطه بها أبيه لانتهى أمره منذ سنوات.
علم أنها فى طريق العودة لذا لم يكن عليه سوى بعض الانتظار والذى قد يكون مفيداً فى كل الأحوال فغيابه المتعمد عن الشاليه سيلقن هاني درساً ليتوقف عن محاولة الهروب منه.
_ حمد الله على السلامة يا مدام
زفرة متأففة عبرت بيها عن عدم ترحيبها وجوده بغرفتها لكنه لم يهتم بينما دارت لتواجهه بوقاحة
_ خير بتعمل ايه هنا؟
ارتفع حاجبيها فور رؤيته بفراشها بهذه الهيئة لتتحداه نظراتها بنفس الوقاحة التى لم تثر حفيظته
_ تعالى يا لارا
عقدت ساعديها تبدى رفضاً ليتابع
_ هو ناجى منعك تقربى من جوزك؟
هزة داخلية ظهرت فى إرتجافة شفتيها وهو يواجهها بهذه القوة بعلاقتها بغيره لكنها رغم شعورها بالتوتر اجتاح صدرها الغضب فأي رجل ينتظر زوجته في فراشها وهو يعلم أنها عادت للتو من خيانته؟
ألهذه الدرجة يحتقر زواجه منها ؟
ألهذه الدرجة لا تعنى له شيئاً ؟
_ كونك عارف مايهمنيش بس ماتبقاش عديم الرجولة للدرجة دى
ترددت ضحكاته وهو ينهض عن الفراش بلا اهتمام لهيئته ليقترب منها وكأنها لم تنتقص من رجولته للتو، بدأ فك ازرار سترتها لتنظر إلى أنامله التى تتلمس بشرتها ثم ترفع إليه أعين متسائلة بدهشة فعلية واضحة
_ انت بتعمل ايه ؟
_ انت عارفة أن جوازنا فادنى كتير اوى ، من ناحية نفى كل الحكايات اللى كانت بتشوه صورتى ومن ناحية تانية ادانى فرصة اشتغل في حاجات كتير واقدر اخبى كل حاجة فى شغلك أنت وأهلك بس خلاص كفاية
_ كفاية ايه؟
_ كفاية خيانة انا من اللحظة دى هكون ليكى وبس وانت ليا وبس
_ علاء انت عارف إن ده مش هيحصل
_ تحبى تتأكدى؟؟
ولم ينتظر منها إجابة لقد كان محتاطا للأمر بشكل يكفى ليعجزها عن الرفض ويعجز عقلها عن تدارك خطورة المواجهة التى حدثت للتو، يعلم أنها تراه حقيرا لدرجة كبيرة لدرجة قد تدفعها لتراه يتغاضى عن كل الخيانة التى كانت أساس زواجهما .
...................
يشعر ثلاثتهم أن محمود لا يرحب بهذا الزواج وربما كان هذا الشعور مريحا لها ولأخيها ، لازال الصراع يؤلم قلبها فهل سيحصد جاد المزيد من الألم؟
تقدمت حبيبة من مجلسهم لترتفع نحوها الأعين ويشعر جاد بالراحة لعدم حاجته لتفقد هيئتها رغم تمكنه من ذلك .
_ تعالى يا حبيبة
ابتسمت لأمها التى أعلنت ترحيبا رفض إعلانه ابيها لتتقدم من عبدالقادر مقدمة له الضيافة أولا
ابتسمت مرفت حين جلست فى النهاية تحمل كوب جاد لتمسك كفه بلا حرج وتضع الكوب بين أنامله فى مشهد صدم والديها بشكل واضح .
أسرعت عينا جاد نحوها ترى ما يدفعها لهذا الاهتمام غير المبرر بوجهة نظره ، لابد أنها تشفق عليه وهو لن يقبل بهذا مطلقاً.
استعد لإعادة الكوب ورفض هذا الاهتمام وهذا الزواج بالتالى لكن نظرة واحدة لوجهها منعته أن يفعل وتوقف كفه لتحيط أنامله بالكوب الذى دسته بينها للتو .
نظرتها له لا تحمل لمحة من الشفقة، لا يمكنه أن يخطئ الشفقة التى أصبح يراها بنظرات هبة ونظرات أمه وخاله وربما كانت هذه الشفقة هى الدافع الأول وراء ثورته التى وصلت به لهنا.
_ شكرا
كلمة واحدة منه كانت كافية ليزداد إشراق ملامحها لينتفض قلبه رافضا النظر إليها فتستجيب اجفانه فورا وترتخى مخفية محياها عن عقله .
الصمت الذى يتبعه ابيها إعلانا عن رفضه لن يكون سبباً إعلانها القبول المستتر، يبدو أنه كان سببا لصراع دار بينهما ورجحت كفته بفضل تلك الابتسامة التى كللت ملامحها.
_ تسمح لى يا عمى اتكلم مع الآنسة حبيبة خمس دقايق ؟
شعر أنها تختلس النظر إليه بحياء يمكنه إثارة مشاعر أي رجل فى موقف مشابه ورغم ذلك يتحفظ قلبه محافظاً على رتابة خفقاته.
_ مفيش مشكلة احنا هنا جمبكم
غادر الجميع عدا هيثم الذى يلازمه لكن أمه عادت خطوة لتسحبه بهدوء فيدفعه نحوها شاكراً لها إبعاد الصغير
_ حمد الله على السلامة
إلتقى حاجبيه فمن المفترض أن يكون المبادر بفتح الحوار
_ الله يسلمك
_ انا عارفة أنها متأخرة بس ماكنش ينفع ازورك واطمن عليك
_ والدك جالى اكتر من مرة
عينيها جريئة النظرات بشكل أشعره بالحرج ولولا تلك النظارة السوداء التى تخفى عينيه لما تمكن من مواجهة تلك الأعين
_ انت مش معترضة انى أعمى ؟
_ بعد الشر عليك من العمى الأعمى أعمى القلب مش النظر
يريد أن يتنفس لكنها تعجزه أن يفعل، لم تكن له علاقات بالجنس الآخر بشكل يهيئه لمواجهة ما تغمره به من مشاعر فى أول لقاء بينهما والذى لم يتوقع أبدا أن يكون بهذه الحرارة التى تغلفه بها.
بحث عن كلمات يتابع بها حواره معها فهو بحاجة للمزيد من التوضيح لكنها بادرته أيضاً
_ طنط مرفت قالت لبابا أنها حالة نفسية بس انا مش فارق معايا
_ افهم من كلامك انك موافقة على جوازنا ؟
صمتت أخيراً واسبلت جفنيها لترحمه من رؤية نظراتها ليشعر ببعض المرح الذى لم يتخلل مشاعره منذ صباه بهذا الحماس
_ سكتى ليه؟
مزيد من الحياء نجح هذه المرة فى إثارة عقله ليبتسم مع قدرته على رؤية ما ترفض شفتيها النطق به .
دفعه عقله الذى يقتنص الفرصة ليرغم قلبه على المتابعة مبتعدا عن انين ماضيه فيبدو له أن القدر يقدم له ترياقا شافيا ويرى أنها مناسبة تماما لحمايته من زلات عديدة سيوقعه فيها قلبه الذى يرفض التخلى عن عشقه القاتل.
.....................
ضمت صورة ياسر لصدرها دون أن تسمح للنوم بسحب وعيها منها، تشعر بوحدة مخيفة تدفعها للتيقظ وكأن دثار النوم يخفى لها رعبا تخشى من مواجهته.
أنها المرة الأولى التي تكن فيها بكامل وعيها فى هذا المكان الذى طالما كان مشبعا بمشاعر كل منهما تجاه الآخر ورغم البرودة التى سكنته منذ رحلت انفاس ياسر إلا أن وجودها هنا يشعرها بالسكينة .
نهضت تتجه إلى الخزانة حيث تركت كل متعلقات زوجها الراحل كاملة لتفتحها وتسحب قنينة العطر تبحث بين عبيرها عن رائحة ياسر لكن مهلا لقد فقد العطر عبيره أيضاً
نظرت للزجاجة وهى تعيدها لمكانها فلم يكن العطر وحده ما يتكون منه عبير ياسر بل إن العطر جزء من تكوينه فقد كان دفء أنفاسه وشذى همساته واحاطة نظراته لها تمنح العطر عبير ياسر .
ضمت نظراتها الأغراض لتشعر بالحيرة وتبدأ تفحصها بسرعة مكتشفة غياب قنينة عطر وقطعة من ملابس ياسر الداخلية ، ارتعبت وجذبت الأعراض كلها والتى تحفظ كل منها عن ظهر قلب لتتأكد أنها فقدت بعضا من أغراضه، هرول عقلها يبحث بين الذكريات وسرعان ما تعالت أنفاسها غضبا وهى تتذكر المرة الوحيدة التي دخل فيها هاني لهذه الغرفة مدعيا البحث عن عطر لإفاقتها .
لعنته داخليا للمرة التى لا تعلم عددها فقد أصبحت تلعنه بعدد أنفاسها ثم بدأت إعادة الأغراض إلى مأمنها.
عادت إلى مقعدها وأمام عينيها صورة زفافها لترتسم نفس الابتسامة التى تحمل حنينها الذى لا ينتهى وشوفها الذى لن يرتوى .
....................
شعر بها تتسلل فهو لم يغلبه الإرهاق كما تظاهر بل يشعر بالاشمئزاز من نفسه ومنها ، سحبت هاتفها وارسلت رسالة قبل أن ترتدى ملابسها وتغادر متلصصة ليفتح عينيه متأففا فهى ذاهبة لا محالة للقاء ناجى ، يعلم أنها تشعر بالتخبط من تودده لها بهذه الحميمية وأنها تفكر في هذه اللحظة فى البحث عن سبب يقتنع به عقلها لهذا القرب لكنه استعد مسبقاً
سحب هاتفه أيضاً وأجرى اتصالاً لم يزد عن كلمة واحدة
_ نفذ
ثم استرخى رغم كرهه لفراشها الذى يحمل عطرها منتظراً.
.................
ركض هيثم لغرفة أبيه الراحل ليقف بالباب
_ ماما مش هنا يا تيتة
وقبل أن تفزع أمه تحدث هو بهدوء
_ هتلاقيها فوق يا هيثم اقفى له يا ماما على السلم يطلع فوق
نظرت له أمه بدهشة بينما ركض هيثم خارجاً لتلحق به ثم تعود بعد دقائق
_ عرفت منين أن هبة طلعت فوق؟
_ هتروح فين يا ماما طبيعى تكون فوق
_ انت قولت لحبيبة أنك متجوز هبة؟
_ طبعا لا ، انا مش متجوز هبة يا ماما انا طلقتها امبارح
رأى الفزع يعتلى ملامح أمه وشعر بأنفاسها تثقل ليتابع
_ هى اللى طلبت يا ماما
_ هى؟؟ أمته حصل الكلام ده؟
نزع نظارته السوداء يلقى بها فوق الطاولة وهو يتذكر ما حدث ليلة أمس
طرقات خفيفة على باب غرفته لم تتعرف عليها أذنيه ليثور قلبه فوراً فلا أكف غريبة قد تطرق باب غرفته سوى اكفها هى، أسرع ملتقطا نظارته يخفى لهفة عينيه عنها فلو جاءته فى هذه اللحظة تعلن رغبتها فيه لقدم ما تبقى من عمره قربانا لسعادتها
فتح باب الغرفة وكانت هى ليعلو ضجيج مشاعره فيكاد يصم أذنيه
_ اتفضلى يا هبة
تقدمت للداخل وقبل أن يتبع ثورة قلبه تحدثت
_ جاد انا فعلا فرحانة علشانك وهعتبر اللى حصل منك ماحصلش واتمنى تفضل طول عمرك الأخ اللى طول عمرى اتمنيته وشوفتك عليه
صفير حاد وكأن أذنيه ترفض الإستماع ليتقدم حتى تخطاها وهى تتابع
_ انا كنت فاهمة انك بتحاول تعوض وجود ياسر فى حياتى ماكنتش اعرف حاجة عن مشاعرك بس انت نفسك فاهم مشاعرك غلط وبكرة لما تحب بجد هتعرف الفرق بين احساسك بيا واحساسك بحبيبتك
ضم قبضته بقوة فكيف تمنح نفسها السلطة للحكم على مشاعره ؟
_ بلاش تتكلمى عنى لو سمحت اتكلمى عن مشاعرك انت
_ انا مقدرة كل غضبك منى لانى عارفة يعنى ايه حب ويعنى ايه حرمان
حرمان!!!
تردد صدى الكلمة فى فراغه الداخلى ليصرخ عقله
عن اى حرمان تتحدث ؟!
لا يمكن لأى شخص أن يشعر بالحرمان مثله هو، لا يعتبر رحيل ياسر عنها حرمان بل ما عاشه هو الحرمان نفسه ما مر به الألم بعينه ورغم ذلك ظل متمسكاً بتلك المشاعر التى تنفى ببضعة احرف تعرفه عليها.
_ عاوزة إيه يا هبة؟
_ افتكر قبل ما تبدأ خطوة جديدة في حياتك لازم تنضفها من أثر الماضى، طلقنى يا جاد جوازنا كان غلط انت كنت قادر تحمينى من غير جواز وانا لو كنت فاهمة غرضك الحقيقى من الجواز ماكنتش قبلته مهما حصل.
_ غرضى!؟ من فضلك كفاية كده اتفضلى روحى اوضتك وخلال نص ساعة هحقق طلبك واخلصك منى
_ جاد ارجوك انا مش عاوزة اخسرك
_ انا مااقدرش اخسرك يا هبة بينا حاجات كتير لازم احافظ عليها بس لازم اخد مساحتى من فضلك سواء شيفانى اخ او لأ انا محتاج اتعافى منك
سحبت نفسها خارج غرفته بينما ظل متجمدا موضعه وقد منح عينيه الأذن للتعبير عن مدى خسارته .
هزته أمه برفق
_ جاد سرحت فى إيه انا بكلمك؟
_ معلش يا ماما اعذرينى انا تعبان جدا
سحبت رأسه إلى صدرها مع استسلام منه فهو يشعر أنه طفل يحتاج بشدة الاختباء بصدر أمه وتعلم مرفت أنه فقد عانى ما يكفيه من ألم وعليها أن تحاول منحه ما يحتاج ليبرأ من جروح قلبه.
................
تجاهل عدة إتصالات حتى ظهر اسم أبيه على شاشة الهاتف ليسحبه ويغلف صوته بنعاس زائف
_ نعم يا بابا
_ مراتك فين يا علاء؟
_ مش عارف كانت هنا دلوقتي يمكن بتاخد شاور فى حاجة
_ مراتك فى المستشفى بتموت مابتردش على موبايلك ليه؟
_ مستشفى؟؟ مستحيل، كانت نايمة فى حضنى دلوقتي بابا انت بتقول ايه؟
_ هبعت لك لوكيشن تعالى بسرعة
أنهى الاتصال ليخلص صوته من زيف أكاذيبه ضاحكا بقوة فقد تخلص منها للأبد.
بموتها
انتهى الجزء الأول من معاناته
