رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم ملك علي
*** = 23 = البارت الثالث و العشرون سادي مجنون
***************** ********
" أنا عذراء سأطلب كشف طبيب نساء , ليقول بأنني لست حاملا و لم يسبق أن كنت كذلك يوما "
قالت ملك بجدية كبيرة و اصرار لاثبات الحقيقة , هي لن تسمح له بتشويه سمعتها بما يهذي به
توقف علي قبل الباب بخطوة واحدة , بعد سماع ما قالته و قد تفاجأ بشدة ,
على حد علمه سبق لهذه المرأة و أن رافقت رجالا كثرا ,
كيف يمكنها أن تقول كلمة كهذه بكل ثقة ؟
هل يعقل أن قلة حيائها بلغت مستوى أعلى مما كان يتوقعه أو ماذا ؟
لكنه تمالك نفسه و رسم ابتسامة سخرية على وجهه مجددا و استدار ناحيتها , و قد قرر المجادلة و عدم الانصراف استعدادا لمجاراتها في لعبتها
" فعلا ؟
جيد اذا اطلبي هذا و سأتهمك باجهاض الجنين ابني و اجراء عملية ترقيع و ستخدمينني بشدة
على الأقل ستوفرين علي جهد انتاج واحد ,
ثم أرني أين ستضعين وجهك أمام الآخرين أيتها العذراء ؟ "
اتكأ علي بقوة على آخر كلمة , بطريقة توحي بأنه يستهزئ بها , يتحداها و يستعرض مقدرته على قلب الحقائق ,
تشوشت أفكار ملك أكثر , نظرت اليه بعينيها العسليتين المحتارتين , و عبست ملامح وجهها الرقيقة و سألت بكل براءة
" ماذا تعني ؟ "
أجاب علي بكل ثقة دون أن يبرح مكانه , و دون أن تختفي ابتسامة السخرية من على شفتيه
" أعني أن بامكاني دحض كل ما تقولينه , و باشارة من أصبع يدي سأقوم باحضار ألف شهادة لاثبات ما أريده أنا ,
لن يجرؤ أي طبيب على قول عكس ما أريده ,
فأنت هنا في مجالي و تحت سلطتي فلا داعي أن تتعبي نفسك "
ردت ملك عليه بنفس الاصرار رغم صوتها المرتجف
" لكنني متأكدة من وجود طبيب شريف يؤكد بأنني لم أكن حاملا سابقا ,
ليس الجميع مخادعا مثلك "
اتسعت ابتسامة علي بخبث , و بدأ بالعودة ناحيتها بخطوات بطيئة
" فعلا ؟ أمم تفضلي اذا , أنا أرغب فعلا في رؤيتك تحاولين فعل ذلك "
صمت قليلا ثم أضاف و هو يحدق اليها بتفحص , من رأسها الى اخمص قدميها
" لكن لا تتأخري كثيرا ,
لأنني يؤسفني أن أعلمك أنك حتى لو لم تكوني حاملا سابقا ,
بامكاننا أن نبدأ الآن , و سيكون لدينا جنين بعد أيام ,
أنت طبيبة لا يعقل ألا تعرفي ذلك "
ما قاله علي أفزع ملك بشدة , نظرة عينيه كانت مخيفة بل مرعبة ,
شحب وجهها و هي تحاول تفسير معنى ما قاله , و بدأت بالتراجع الى الخلف , و قد شعرت بخطر قادم ,
خاصة أن هذا الرجل يشعرها بالاختناق , كلما غطتها قامته و هو ينظر اليها بتسلط ,
دون تفكير استدارت فجأة و اختطفت زجاجة المصل الموصولة بيدها , و المعلقة على الخطاف الى جانب السرير ,
في رمشة عين حطمتها بضربها على الحائط خلفها , و وجهت قطعة الزجاج التي علقت في عنقها الى رقبتها
كانت ملك ترتجف بأكملها , بعدما أدركت أن هذا الرجل يهدد بجدية بالاعتداء عليها , و جعلها حاملا رغما عنها لاستكمال خطته ,
لا تفسير آخر لكلامه و نظرته , حينها سيكون الموت أهون عليها , على الأقل ستموت بشرف
" أنت محق أنا طبيبة لذلك أجيد التصويب في أماكن قاتلة , لا تقترب و الا حصلت على جثة قبل أن ترفع رجلك من هناك "
قالت بصوت مرتجف و لكن بعينين ثابتتين , مهددة بالانتحار دون تردد , كانت تصوب الجزء الحاد من الزجاجة مباشرة على الشريان السباتي
أية حركة ببضع مليمترات تحدث قطعا و نزيفا حادا , يؤدي للموت خلال ثوان قبل أية محاولة للاسعاف ,
ردة فعلها صدمت علي , لم يتوقع منها أن تتصرف هكذا , و لا أن تكون ردة فعلها بهذه الحدة ,
لكنها كانت تبدو على حافة الانهيار , و هي تبدو جادة جدا فيما تريد الاقدام على فعله
ثبت علي في مكانه دون أن يدنو أو يتراجع , اختفت الابتسامة من على وجهه , و وقف يحدق اليها بعينيه الباردتين , و يده في جيبه متصنعا الراحة
في النهاية هو يريد استرجاع ما يخصه , لا يريد الحصول على جثة , لن يستفيد بذلك شيئا
استمر الاثنان في لعبة التحديق لثوان , و فجأة فهم علي ما الذي أثار أعصابها و أشعل غضبها ,
علت وجهه ملامح الاشمئزاز و القرف , و سارع لنفي شكوكها
" هل تعتقدين فعلا أنني مهتم بك ؟
يا الهي هل تتوهمين أنني سأدعك تحملين طفلي ؟
آسف لتخييب ظنك , و لكنني رجل أعتز بنظافتي الشخصية , لا ألمس شيئا دنسه غيري و ألقاه "
قال بذكاء حتى يدفعها للتراجع عما تهدد به ,
حسنا هو لم يقل أكثر من الحقيقة , بما أنه يعتبرها بائعة هوى , فهي على رأس لائحة أكثر الأشخاص الذين يكرههم في حياته ,
و بالفعل أرخت ملك يدها التي تحمل الزجاجة , و أخذت نفسا عميقا و أغمضت عينيها ,
صحيح أن الكلمات كانت مهينة و مذلة , لكنها على الأقل أشعرتها ببعض الأمان ,
تنهد علي بسرية هو الآخر , لكنه لم يسمح لها بالراحة لوقت طويل ,
و أضاف بطريقته المستفزة
" لكن لا تقلقي ,
هناك مائة طريقة لجعلك تحملين اذا أردت أنا ذلك , فلا تستعجلي و لا داعي لتمثيل العفة لأن لا أحد هنا يصدقك "
نظرت اليه ملك بعينيها اللتين اجتاحهما حزن و ألم عميق , بلغت قمة اليأس من النقاش معه , و كأنها تكلم جدارا لا يستوعب ما تقوله و تحاول شرحه ,
بدأت الدموع بالتجمع في عينيها , و صرخت في وجهه و هي تحدق اليه بحقد
" أنت فعلا سادي مجنون "
" و أنت لم تري الجنون على أصوله بعد "
سارع للاجابة على كلامها بصوت هادئ , و قد وقع منظرها في عينيه ,
كانت تبدو بائسة جدا و منظرها يثير الشفقة , ارتجفت يده قليلا قبل أن يضم قبضته بشدة ليوقفها دون أن تكشف ملك تأثره ,
لم يطل علي التحديق طويلا , و سرعان ما استدار ليتلافى رؤية تلك النظرة في عينيها ,
رغم أنه رجل صلب كالصخرة , الا أن دموع الآخرين و توسلهم لطالما كانت نقطة ضعفه
لكنه هنا لا يريد أن يتراجع أو يتأثر لأي سبب , هذه المرأة مدعية و ممثلة بارعة , و أكيد سبق و أن استخدمت هذه الطريقة ألف مرة على ضحاياها ,
و هو لن يسمح لها بالتأثير عليه , قال مذكرا نفسه بعدم اللين
أثناء ذلك كانت ملك قد بدأت فعلا في ذرف الدموع , و بدأ صوت نحيبها يصبح أكثر وضوحا , لكن دون أن توجه كلمة أخرى الى هذا الرجل عديم الرحمة
بقي علي يقف قرب الباب معطيا ظهره لها للحظات , أخذ نفسا عميقا أغمض عينيه لبرهة , حتى يرتب أفكاره التي يشوشها صوت البكاء خلفه ,
و دون أن يستدير ناحيتها , و لا أن يظهر أية بوادر للين قلبه اتجاهها قال بصوت مهدد
" تذكري أنك بدأت هذه اللعبة , و لكن أنا من سينهيها , لذلك استعدي جيدا "
خطا بعدها بسرعة فتح الباب و غادر الغرفة , تاركا ملك في يأس شديد ,
انهارت بعدها مباشرة على الأرض , تضم ركبتيها و تبكي بحرقة , بعد أن ألقت الزجاجة جانبا ,
دون حتى أن تبالي بالجرح , الذي أحدثته في كف يدها التي كانت تنزف
بعد انصراف علي عاد الهدوء الى الغرفة , و ما لبثت أن دخلت احدى الممرضات التي تفاجأت بحالة ملك ,
و سارعت لمساعدتها بالعودة الى السرير , ثم أعادت تثبيت المصل مجددا
حاولت الممرضة تهدئتها ببضع كلمات , و قامت بتضميد الجرح الذي بيدها , دون التعليق على شيء ,
أثناء ذلك دخل السيد عبد الحفيظ , كان قد حضر قبل ساعتين لكنها كانت نائمة , ففضل البقاء في البهو حتى يفتح لهما المجال للتحاور ,
بمجرد خروج علي من الغرفة حتى تبادلا حوارا سريعا , ثم طلب أن يراها للاطمئنان عليها
" ابنتي لم تبكين هكذا , أنت مريضة لا تجهدي نفسك ؟ "
بسماع صوت الرجل لاح لملك أمل آخر , فقد اعتقدت أن الكل تخلى عنها و ألا أحد يصدقها ,
بعدما قاله ذلك الرجل عنها , لم تتوقع أن يتبعها عبد الحفيظ الى هنا ,
جففت دموعها و جلست على حافة السرير
" سيدي أرجوك صدقني , أنا لا أعرف من يكون ذلك الرجل ,
هو يقول بأنني أخذت منه شيئا لا أعرف حتى ما هو , و لذلك هو يقوم بكل هذا لاحتجازي "
ابتسم الرجل بهدوء و اقترب منها , ربت على كتفها برفق يحاول مواساتها
" اهدئي ابنتي و أنا متأكد أننا سنجد حلا "
كان عبد الحفيظ يفكر بجدية , أن الأمر الذي أخذته ملك من علي , و تحاول ابعاده عنه هو ابنه ,
و هو يرى أن من حقه الدفاع عنه , لكنه لا يمكنه قول هذا الآن أمامها
" هل ستساعدني ؟ "
سألت ملك بكل يأس , و هز الرجل رأسه مع ابتسامة دافئة , و كأنه يحاول ارضاء طفلة باكية
" أكيد أنت فقط تعافي , و أنا لن أدعك أبدا حتى تسوى كل الأمور "
كانت كلماته مطمئنة جدا , وسط حالة الضياع التي تعيشها , أخرج بعدها هاتفا من جيبه
" خذي هذا هاتفك الذي صادرته الشرطة "
أخذت ملك الهاتف بكل لهفة , و قد تذكرت الآن فقط أنها لم تكلم والديها منذ مساء الأمس , فسارعت للاتصال بهما
" ابنتي أين أنت , لم لا تردين منذ أمس قلقنا عليك ؟ "
كانت والدتها متوترة و قد ظنت أن مكروها أصابها
" لا شيء ماما لا تقلقي , البارحة كنت جد متعبة و نمت لوقت طويل
أنا آسفة "
كانت ملك تحاول أن تخفي اضطرابها و حقيقة وضعها , و لكن صوتها الحزين كان واضحا جدا كي لا تلاحظه والدتها , التي حاولت تكذيب احساسها
" حسنا متى تعودين لقد بدأت أقلق ؟
لو أنك أخذت جواز سفرك الآخر , لحجزت رحلة الى أوروبا و منها الى هنا "
رغم عدم ارتياحها لما قالته ملك , الا أنها لم ترد التشكيك في كلامها , فلا سبب لتكذب ابنتها عليها لم يسبق أن فعلتها في حياتها
" ماما سبق و أخبرتك أن هناك مشاكل في الحجز "
حاولت ملك طمأنتها مجددا و أضافت
" في الحقيقة أنا الآن مع ممثل سفارتنا هنا , نحاول ايجاد حل لا تقلقي ,
ألست أنت من طلب مني أخذ عطلة طويلة ؟ "
قالت مع ابتسامة مصطنعة لتهدئة بالها , و تظاهرت والدتها بالارتياح , و قد أخفت ما تشعر به من قلق
" حسنا حبيبتي لا تغفلي عن هاتفك , أعلمينا بكل المستجدات و اذا تعسر الأمر سيقوم والدك بالتدخل "
" حاضر ماما لا داعي لازعاج بابا , هنا يقولون أن الأمر معتاد , و لن يأخذ أكثر من 48 ساعة "
قالت ملك بتوتر فآخر شيء تريده أن يتدخل والدها , لأنه سيعلم مباشرة بحظر السفر , و كل تلك الأكاذيب التي يرددها ذلك المجنون
هي تريد ايجاد حل أولا و العودة بهدوء , و لن تسمح بتورط والديها , الا اذا وصلت الى طريق مسدود , متمنية أن تكون مهلة اليومين اللذين ذكرتهما كافية
بعد أن أنهت ملك المكالمة تنهدت ثم استدارت لعبد الحفيظ
" ماذا الآن سيدي ألا يمكنني استعادة جواز سفري على الأقل ؟ "
بدت قلة الحيلة على وجه الرجل و أجاب بكل لباقة
" المحامي حاليا يقول أن ذلك غير ممكن , الا بتنازل زوجك عن الطلب ,
لكننا يمكن أن نقصده لاحقا , للتحاور و مناقشة التفاصيل لايجاد حل ,
أنت ارتاحي اليوم و غدا اصطحبك لرؤيته "
ردت ملك سريعا باستياء
" ذلك الرجل ليس زوجي , أقسم على ذلك سيدي "
" لا بأس يا ابنتي لا تتوتري , أعدك أن نجد حلا في أقرب وقت "
قال محاولا مجاراتها لم يرد أن يعاندها , حتى لا تنهار مثلما حدث صباحا ,
هزت ملك رأسها موافقة ثم راقبت ما حولها
" أنا لا أريد البقاء هنا علي الخروج من هذا المشفى "
هي لا تريد رؤية وجه ذلك الرجل مجددا حتى لو اضطرت الى الفرار و الاختباء , بقاؤها هنا يعزز فرصه للعودة , و ازعاجها باسماعها كلامه السام
" الطبيب قال ان بامكانك المغادرة اذا رغبت , لا شيء خطير في حالتك ,
هذه أمتعتك غيري ملابسك و سنذهب مباشرة "
وافقها عبد الحفيظ و أشار الى الأمتعة , التي حملها كريم من القسم و وضعها أمام الباب ,
غيرت ملك ملابسها بسرعة , و حملت حقائبها و غادرت مع عبد الحفيظ ,
بالخروج من المستشفى تذكرت أمرا هاما
" سيدي أنا لا أحمل أية بطاقة هوية غير جواز سفري المحجوز , هل يمكن ايجاد طريقة للاقامة في فندق أو حجز شقة "
نظر اليها الرجل بجدية و أجاب
" ممكن اذا ضمنتك السفارة , لكن أنت لا تعلمين الى متى ستبقين , ستكون المصاريف كبيرة جدا "
عبست ملك بعدما أشار الى امكانية بقائها مطولا هنا , و ردت بصوت خافت
" و لكنني لا أملك مكانا أذهب اليه "
شعر عبد الحفيظ بقلة حيلتها
" أعلم ابنتي لا تقلقي أنا سأتدبر الأمر , لنغادر تأخر الوقت "
بدا الرجل مراعيا جدا لها و لحالتها النفسية , ركبا بعدها سيارته و رحلا
***************** ********
" أنا عذراء سأطلب كشف طبيب نساء , ليقول بأنني لست حاملا و لم يسبق أن كنت كذلك يوما "
قالت ملك بجدية كبيرة و اصرار لاثبات الحقيقة , هي لن تسمح له بتشويه سمعتها بما يهذي به
توقف علي قبل الباب بخطوة واحدة , بعد سماع ما قالته و قد تفاجأ بشدة ,
على حد علمه سبق لهذه المرأة و أن رافقت رجالا كثرا ,
كيف يمكنها أن تقول كلمة كهذه بكل ثقة ؟
هل يعقل أن قلة حيائها بلغت مستوى أعلى مما كان يتوقعه أو ماذا ؟
لكنه تمالك نفسه و رسم ابتسامة سخرية على وجهه مجددا و استدار ناحيتها , و قد قرر المجادلة و عدم الانصراف استعدادا لمجاراتها في لعبتها
" فعلا ؟
جيد اذا اطلبي هذا و سأتهمك باجهاض الجنين ابني و اجراء عملية ترقيع و ستخدمينني بشدة
على الأقل ستوفرين علي جهد انتاج واحد ,
ثم أرني أين ستضعين وجهك أمام الآخرين أيتها العذراء ؟ "
اتكأ علي بقوة على آخر كلمة , بطريقة توحي بأنه يستهزئ بها , يتحداها و يستعرض مقدرته على قلب الحقائق ,
تشوشت أفكار ملك أكثر , نظرت اليه بعينيها العسليتين المحتارتين , و عبست ملامح وجهها الرقيقة و سألت بكل براءة
" ماذا تعني ؟ "
أجاب علي بكل ثقة دون أن يبرح مكانه , و دون أن تختفي ابتسامة السخرية من على شفتيه
" أعني أن بامكاني دحض كل ما تقولينه , و باشارة من أصبع يدي سأقوم باحضار ألف شهادة لاثبات ما أريده أنا ,
لن يجرؤ أي طبيب على قول عكس ما أريده ,
فأنت هنا في مجالي و تحت سلطتي فلا داعي أن تتعبي نفسك "
ردت ملك عليه بنفس الاصرار رغم صوتها المرتجف
" لكنني متأكدة من وجود طبيب شريف يؤكد بأنني لم أكن حاملا سابقا ,
ليس الجميع مخادعا مثلك "
اتسعت ابتسامة علي بخبث , و بدأ بالعودة ناحيتها بخطوات بطيئة
" فعلا ؟ أمم تفضلي اذا , أنا أرغب فعلا في رؤيتك تحاولين فعل ذلك "
صمت قليلا ثم أضاف و هو يحدق اليها بتفحص , من رأسها الى اخمص قدميها
" لكن لا تتأخري كثيرا ,
لأنني يؤسفني أن أعلمك أنك حتى لو لم تكوني حاملا سابقا ,
بامكاننا أن نبدأ الآن , و سيكون لدينا جنين بعد أيام ,
أنت طبيبة لا يعقل ألا تعرفي ذلك "
ما قاله علي أفزع ملك بشدة , نظرة عينيه كانت مخيفة بل مرعبة ,
شحب وجهها و هي تحاول تفسير معنى ما قاله , و بدأت بالتراجع الى الخلف , و قد شعرت بخطر قادم ,
خاصة أن هذا الرجل يشعرها بالاختناق , كلما غطتها قامته و هو ينظر اليها بتسلط ,
دون تفكير استدارت فجأة و اختطفت زجاجة المصل الموصولة بيدها , و المعلقة على الخطاف الى جانب السرير ,
في رمشة عين حطمتها بضربها على الحائط خلفها , و وجهت قطعة الزجاج التي علقت في عنقها الى رقبتها
كانت ملك ترتجف بأكملها , بعدما أدركت أن هذا الرجل يهدد بجدية بالاعتداء عليها , و جعلها حاملا رغما عنها لاستكمال خطته ,
لا تفسير آخر لكلامه و نظرته , حينها سيكون الموت أهون عليها , على الأقل ستموت بشرف
" أنت محق أنا طبيبة لذلك أجيد التصويب في أماكن قاتلة , لا تقترب و الا حصلت على جثة قبل أن ترفع رجلك من هناك "
قالت بصوت مرتجف و لكن بعينين ثابتتين , مهددة بالانتحار دون تردد , كانت تصوب الجزء الحاد من الزجاجة مباشرة على الشريان السباتي
أية حركة ببضع مليمترات تحدث قطعا و نزيفا حادا , يؤدي للموت خلال ثوان قبل أية محاولة للاسعاف ,
ردة فعلها صدمت علي , لم يتوقع منها أن تتصرف هكذا , و لا أن تكون ردة فعلها بهذه الحدة ,
لكنها كانت تبدو على حافة الانهيار , و هي تبدو جادة جدا فيما تريد الاقدام على فعله
ثبت علي في مكانه دون أن يدنو أو يتراجع , اختفت الابتسامة من على وجهه , و وقف يحدق اليها بعينيه الباردتين , و يده في جيبه متصنعا الراحة
في النهاية هو يريد استرجاع ما يخصه , لا يريد الحصول على جثة , لن يستفيد بذلك شيئا
استمر الاثنان في لعبة التحديق لثوان , و فجأة فهم علي ما الذي أثار أعصابها و أشعل غضبها ,
علت وجهه ملامح الاشمئزاز و القرف , و سارع لنفي شكوكها
" هل تعتقدين فعلا أنني مهتم بك ؟
يا الهي هل تتوهمين أنني سأدعك تحملين طفلي ؟
آسف لتخييب ظنك , و لكنني رجل أعتز بنظافتي الشخصية , لا ألمس شيئا دنسه غيري و ألقاه "
قال بذكاء حتى يدفعها للتراجع عما تهدد به ,
حسنا هو لم يقل أكثر من الحقيقة , بما أنه يعتبرها بائعة هوى , فهي على رأس لائحة أكثر الأشخاص الذين يكرههم في حياته ,
و بالفعل أرخت ملك يدها التي تحمل الزجاجة , و أخذت نفسا عميقا و أغمضت عينيها ,
صحيح أن الكلمات كانت مهينة و مذلة , لكنها على الأقل أشعرتها ببعض الأمان ,
تنهد علي بسرية هو الآخر , لكنه لم يسمح لها بالراحة لوقت طويل ,
و أضاف بطريقته المستفزة
" لكن لا تقلقي ,
هناك مائة طريقة لجعلك تحملين اذا أردت أنا ذلك , فلا تستعجلي و لا داعي لتمثيل العفة لأن لا أحد هنا يصدقك "
نظرت اليه ملك بعينيها اللتين اجتاحهما حزن و ألم عميق , بلغت قمة اليأس من النقاش معه , و كأنها تكلم جدارا لا يستوعب ما تقوله و تحاول شرحه ,
بدأت الدموع بالتجمع في عينيها , و صرخت في وجهه و هي تحدق اليه بحقد
" أنت فعلا سادي مجنون "
" و أنت لم تري الجنون على أصوله بعد "
سارع للاجابة على كلامها بصوت هادئ , و قد وقع منظرها في عينيه ,
كانت تبدو بائسة جدا و منظرها يثير الشفقة , ارتجفت يده قليلا قبل أن يضم قبضته بشدة ليوقفها دون أن تكشف ملك تأثره ,
لم يطل علي التحديق طويلا , و سرعان ما استدار ليتلافى رؤية تلك النظرة في عينيها ,
رغم أنه رجل صلب كالصخرة , الا أن دموع الآخرين و توسلهم لطالما كانت نقطة ضعفه
لكنه هنا لا يريد أن يتراجع أو يتأثر لأي سبب , هذه المرأة مدعية و ممثلة بارعة , و أكيد سبق و أن استخدمت هذه الطريقة ألف مرة على ضحاياها ,
و هو لن يسمح لها بالتأثير عليه , قال مذكرا نفسه بعدم اللين
أثناء ذلك كانت ملك قد بدأت فعلا في ذرف الدموع , و بدأ صوت نحيبها يصبح أكثر وضوحا , لكن دون أن توجه كلمة أخرى الى هذا الرجل عديم الرحمة
بقي علي يقف قرب الباب معطيا ظهره لها للحظات , أخذ نفسا عميقا أغمض عينيه لبرهة , حتى يرتب أفكاره التي يشوشها صوت البكاء خلفه ,
و دون أن يستدير ناحيتها , و لا أن يظهر أية بوادر للين قلبه اتجاهها قال بصوت مهدد
" تذكري أنك بدأت هذه اللعبة , و لكن أنا من سينهيها , لذلك استعدي جيدا "
خطا بعدها بسرعة فتح الباب و غادر الغرفة , تاركا ملك في يأس شديد ,
انهارت بعدها مباشرة على الأرض , تضم ركبتيها و تبكي بحرقة , بعد أن ألقت الزجاجة جانبا ,
دون حتى أن تبالي بالجرح , الذي أحدثته في كف يدها التي كانت تنزف
بعد انصراف علي عاد الهدوء الى الغرفة , و ما لبثت أن دخلت احدى الممرضات التي تفاجأت بحالة ملك ,
و سارعت لمساعدتها بالعودة الى السرير , ثم أعادت تثبيت المصل مجددا
حاولت الممرضة تهدئتها ببضع كلمات , و قامت بتضميد الجرح الذي بيدها , دون التعليق على شيء ,
أثناء ذلك دخل السيد عبد الحفيظ , كان قد حضر قبل ساعتين لكنها كانت نائمة , ففضل البقاء في البهو حتى يفتح لهما المجال للتحاور ,
بمجرد خروج علي من الغرفة حتى تبادلا حوارا سريعا , ثم طلب أن يراها للاطمئنان عليها
" ابنتي لم تبكين هكذا , أنت مريضة لا تجهدي نفسك ؟ "
بسماع صوت الرجل لاح لملك أمل آخر , فقد اعتقدت أن الكل تخلى عنها و ألا أحد يصدقها ,
بعدما قاله ذلك الرجل عنها , لم تتوقع أن يتبعها عبد الحفيظ الى هنا ,
جففت دموعها و جلست على حافة السرير
" سيدي أرجوك صدقني , أنا لا أعرف من يكون ذلك الرجل ,
هو يقول بأنني أخذت منه شيئا لا أعرف حتى ما هو , و لذلك هو يقوم بكل هذا لاحتجازي "
ابتسم الرجل بهدوء و اقترب منها , ربت على كتفها برفق يحاول مواساتها
" اهدئي ابنتي و أنا متأكد أننا سنجد حلا "
كان عبد الحفيظ يفكر بجدية , أن الأمر الذي أخذته ملك من علي , و تحاول ابعاده عنه هو ابنه ,
و هو يرى أن من حقه الدفاع عنه , لكنه لا يمكنه قول هذا الآن أمامها
" هل ستساعدني ؟ "
سألت ملك بكل يأس , و هز الرجل رأسه مع ابتسامة دافئة , و كأنه يحاول ارضاء طفلة باكية
" أكيد أنت فقط تعافي , و أنا لن أدعك أبدا حتى تسوى كل الأمور "
كانت كلماته مطمئنة جدا , وسط حالة الضياع التي تعيشها , أخرج بعدها هاتفا من جيبه
" خذي هذا هاتفك الذي صادرته الشرطة "
أخذت ملك الهاتف بكل لهفة , و قد تذكرت الآن فقط أنها لم تكلم والديها منذ مساء الأمس , فسارعت للاتصال بهما
" ابنتي أين أنت , لم لا تردين منذ أمس قلقنا عليك ؟ "
كانت والدتها متوترة و قد ظنت أن مكروها أصابها
" لا شيء ماما لا تقلقي , البارحة كنت جد متعبة و نمت لوقت طويل
أنا آسفة "
كانت ملك تحاول أن تخفي اضطرابها و حقيقة وضعها , و لكن صوتها الحزين كان واضحا جدا كي لا تلاحظه والدتها , التي حاولت تكذيب احساسها
" حسنا متى تعودين لقد بدأت أقلق ؟
لو أنك أخذت جواز سفرك الآخر , لحجزت رحلة الى أوروبا و منها الى هنا "
رغم عدم ارتياحها لما قالته ملك , الا أنها لم ترد التشكيك في كلامها , فلا سبب لتكذب ابنتها عليها لم يسبق أن فعلتها في حياتها
" ماما سبق و أخبرتك أن هناك مشاكل في الحجز "
حاولت ملك طمأنتها مجددا و أضافت
" في الحقيقة أنا الآن مع ممثل سفارتنا هنا , نحاول ايجاد حل لا تقلقي ,
ألست أنت من طلب مني أخذ عطلة طويلة ؟ "
قالت مع ابتسامة مصطنعة لتهدئة بالها , و تظاهرت والدتها بالارتياح , و قد أخفت ما تشعر به من قلق
" حسنا حبيبتي لا تغفلي عن هاتفك , أعلمينا بكل المستجدات و اذا تعسر الأمر سيقوم والدك بالتدخل "
" حاضر ماما لا داعي لازعاج بابا , هنا يقولون أن الأمر معتاد , و لن يأخذ أكثر من 48 ساعة "
قالت ملك بتوتر فآخر شيء تريده أن يتدخل والدها , لأنه سيعلم مباشرة بحظر السفر , و كل تلك الأكاذيب التي يرددها ذلك المجنون
هي تريد ايجاد حل أولا و العودة بهدوء , و لن تسمح بتورط والديها , الا اذا وصلت الى طريق مسدود , متمنية أن تكون مهلة اليومين اللذين ذكرتهما كافية
بعد أن أنهت ملك المكالمة تنهدت ثم استدارت لعبد الحفيظ
" ماذا الآن سيدي ألا يمكنني استعادة جواز سفري على الأقل ؟ "
بدت قلة الحيلة على وجه الرجل و أجاب بكل لباقة
" المحامي حاليا يقول أن ذلك غير ممكن , الا بتنازل زوجك عن الطلب ,
لكننا يمكن أن نقصده لاحقا , للتحاور و مناقشة التفاصيل لايجاد حل ,
أنت ارتاحي اليوم و غدا اصطحبك لرؤيته "
ردت ملك سريعا باستياء
" ذلك الرجل ليس زوجي , أقسم على ذلك سيدي "
" لا بأس يا ابنتي لا تتوتري , أعدك أن نجد حلا في أقرب وقت "
قال محاولا مجاراتها لم يرد أن يعاندها , حتى لا تنهار مثلما حدث صباحا ,
هزت ملك رأسها موافقة ثم راقبت ما حولها
" أنا لا أريد البقاء هنا علي الخروج من هذا المشفى "
هي لا تريد رؤية وجه ذلك الرجل مجددا حتى لو اضطرت الى الفرار و الاختباء , بقاؤها هنا يعزز فرصه للعودة , و ازعاجها باسماعها كلامه السام
" الطبيب قال ان بامكانك المغادرة اذا رغبت , لا شيء خطير في حالتك ,
هذه أمتعتك غيري ملابسك و سنذهب مباشرة "
وافقها عبد الحفيظ و أشار الى الأمتعة , التي حملها كريم من القسم و وضعها أمام الباب ,
غيرت ملك ملابسها بسرعة , و حملت حقائبها و غادرت مع عبد الحفيظ ,
بالخروج من المستشفى تذكرت أمرا هاما
" سيدي أنا لا أحمل أية بطاقة هوية غير جواز سفري المحجوز , هل يمكن ايجاد طريقة للاقامة في فندق أو حجز شقة "
نظر اليها الرجل بجدية و أجاب
" ممكن اذا ضمنتك السفارة , لكن أنت لا تعلمين الى متى ستبقين , ستكون المصاريف كبيرة جدا "
عبست ملك بعدما أشار الى امكانية بقائها مطولا هنا , و ردت بصوت خافت
" و لكنني لا أملك مكانا أذهب اليه "
شعر عبد الحفيظ بقلة حيلتها
" أعلم ابنتي لا تقلقي أنا سأتدبر الأمر , لنغادر تأخر الوقت "
بدا الرجل مراعيا جدا لها و لحالتها النفسية , ركبا بعدها سيارته و رحلا
