رواية مولاي سمعا وطاعة الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم رؤي صباح مهدي
الفصل 22
ذئبان, وفريسة واحدة
"جونثان؟؟"
بصوتها الحنون نادت عليه والدته لينتبه ويرد:
"انا اسف "
تبسمت وبشكل لا ارادي جذبت شالها الثقيل فاحاطها مدفئا اياها .. تسائلت بحب :
"ولماذا انت اسف يا ترى؟"
رد خجلا :
"لاني اخبرتك اني ذاهب للنوم ولكني لم انم"
قبلت رأسه بحنو وقالت:
"ولماذا لم تنم يا صغيري؟"
ابتلع ريقه ورد:
"لدي ارق"
عقفت حاجبيها وابتسامة تعلو شفتيها الرقيقتين:
"اليس من المبكر عليك ذلك يا جونثان"
هز راسه مهموما وقال:
"انا افكر بميري كل يوم.. كنا نلعب معا كثيرا والان انا لا اجد احدا لالعب معه"
وضعت يدها على كتفه وقالت:
"العب مع اختك؟ هي ايضا تشعر بالملل عندما لايكون لديها دروس.. مثلك تماما يا جونثان"
اطلق زفرة نفاذ صبر وتمتم:
"الن نزور القصر الملكي ابدا مرة اخرى؟"
نظرت الى الاسفل بالم وردت:
"لا يمكن ان يتواجد ملكين على عرش واحد يا جونثان. احدهما يجب ان يموت او يتنازل وغالبا مايكون الاضعف بينهما"
نظر الى تقلباتها وجهها الذي صار ينفث غضبا. سألها برفق:
"وابي هو الاضعف لذلك تنازل عن العرش واصبح عمي هو الملك وخرجنا من قصر جدي؟"
ابتلعت ريقها وهي تقول ببقايا كرامة تتشبث بها:
"والدك اثر الاستسلام على القتال.. خوفا علينا. لقد عقد عهدا مع ويليام وسنبقى بامان هنا مادمنا لا نلتقي باحد من مناصرينا ولا نطالب بالعرش.. "
ثم صمتت قليلا لتستجمع شجاعتها واكملت وعيون الصغير معلقة بها:
"عندما تكبر انت كل هذا سيتغير. انت ستعيد كل شئ الى مساره الصحيح.. اما الان فعلينا ان نلتزم بكلمة والدك"
وبمرارة استرسلت:
"لان الرجل يساوي قدر ماتساوي كلمته"
اكملت جملتها وربتت على شعر جونثان الاسود ثم نهضت وهي تقول:
"لا تخف يا ولدي... انا ووالدك سنحميك مهما كلف الامر, والان انهض الى سريرك"
اخذته الى فراشه ليتمدد فيه ووضعت على جسده الناعم الغطاء وقبلته ثم قالت:
"لا اريد منك ان تفكر كثيرا بتلك الفتاة. انها نقطة ضعف ويجب التخلص من ذكراها"
ثم رحلت تاركة اياه مستلقي على ظهره يفكر بالفتاة!
--
الان
تلاطم شعرها بوجهها وهي تنظر بحذر يمنة ويسرة. لقد قررت المخاطرة والهرب من القصر باي ثمن. لن تظل حبيسة رجل لاتعرف الرحمة طريقها الى قلبه. كل ما كان يُسمع في تلك اللحظة المهمة من لحظات حياتها صوت تنفسها وكل ما جال في خاطرها هو ما ستتعرض له خادمتها ليزا عندما يكتشف جونثان هروبها. لن يحتفظ بحياتها ولو للحظة بل سيعذبها حتى يعرف منها كل شي ثم سيقتلع راسها. هذا ما سيفعله بالتأكيد. ابتلعت ريقها وحاولت ان تزيد من جرأتها لتكمل المهمة التي بدأت بها .الهروب من القصر ثم سيكون عليها التواصل مع حلفاء والدها او الخروج الى بلد اخر حيث تحتمي هناك ريثما تكتشف خياراتها.ستفعلها.. ستنجح بالتاكيد ولن يمسك بها جونثان. هذا هو التفكير الايجابي الذي استمرت تحقن نفسها به كي لا تصاب باليأس.
--
لم تدري الماركيزة ايفيلين كم بقيت في حوضها الدموي. دقائق , ساعات لا تعلم. عندما تتسرب الدماء الى جلدها، اصبحت تفقد ارتباطها بالوقت. نهضت والدماء تقطر من جسدها. خطوط وخطوط تجذبها جاذبية الارض اليها فتنزل بعضها بهدوء والاخر بسرعه وخفة. القت نظرة سريعه على الجثة الهامدة التي خلفتها ورائها ولم تبالي بها على الاطلاق. كل ما استحوذ على عقلها في تلك اللحظة ان تتأكد من ان حارس لويس لم يغادر قصرها بعد. لقد اخبرها انه سيذهب نهار هذا اليوم ولكنها لا تعتقد انه سيفعلها. خصوصا بعدما اعطته بعضا من منومها الخاص لتتاكد انه لن يكتشف خروجها من القصر. القت دلوا من الماء على جسدها وفركت الدم لينزل ومع انه لم ينزل كليا وصبغ بعضا من جلدها فهي لم تكترث. لبست ملابسها وذهبت الى اعلى القصر حيث تبدو الحياة عادية والاحياء لا يفقهون مايجري تحتهم. سالت اول شخص صادفته:
"هل غادر السر ريتشارد؟"
اجاب الرجل:
"كلا سيدتي لم يغادر"
تبسمت وقالت:
"جيد. اذهب اليه واخبره بدعوتي له على العشاء. لدي امر مهم للحديث معه بشأنه"
نفذ الخادم المطيع بينما ذهبت هي لتتحضر لوليمة العشاء.
على العشاء كان ريتشارد متحمس ليسمع منها ماتريد قوله. توقع انها ستخبره بقبولها مساعدة لويس. وشعشعت ابتسامة ارتياح على وجنتيه عندما قالتها له:
"سيكون من دواعي سروري استضافة الامير لويس في قصري ومساندته بكل ما املك من جنود واموال. تحت شرط وحيد "
باهتمام شديد نظر لها ريتشارد بينما هي تدرس حركاته. اكملت:
"ان يتخذني زوجة له"
فغر ريتشارد فاه لانه لم يتوقع طلبا كهذا من ايفيلين . لم يسبق له ابدا ان سمع بزواج امير صغير من ارملة تكبره بضعف عمره على الأقل، إضافة الى انها تعتبر اخت امه بالتبني!. رغم محاولته لاخفاء نظره الاستنكار التي اعتلت وجهه. لمحتها ايفيلين واخفت غضبها. اكملت:
"ستذهب اليه وتخبره بعرضي. ان قبل فهو مرحب به هنا في مملكتي الصغيرة. ستغادر مع اول شعاع للشمس يا سير ريتشارد لحمل رسالتي للامير"
ثم تركت مقعدها وغادرت العشاء بدون ان تضع لقمة واحدة في فمها.
--
الليل القاتم ساعد ميري على التخفي ولكن البرد جمد شحمتي اذنها وارنبة انفها وحول عملية الهروب الى اصعب بكثير. تمالكت نفسها وهي تعبر من خلال ممر صغير بدون ان تصدر صوت . كانت تحمل بكلتي يديها ثوبها الثقيل او بالاحرى ثوب ليز الثقيل ومما اثر على سرعتها كثيرا وضايقها ولكن ما باليد حيلة .
بعد ان استطاعت ان تتمركز قرب الغابة الكثيفة التي تحيط بالقصر شعرت بالامان اكثر والراحة فالان هي على الاقل ليست حبيسته ... بدات تسير بثقة اكبر وخوف اقل لاعتقادها ان خارج اسوار القصر يقبع مناصري والدها . كانت تحسب ان حوائط القصر سجنها وعدوها يتربص بها في غُرفه واركانه. مالم تعلمه ميري ان خارج القصر في الحقيقة حيث يسكن كل من اذاهم والدها. كارهي ذلك الويليام الذي لم يدخر احدا بل روع الجميع ليحكم بيد من حديد. في داخل القصر يوجد ذئب واحد جائع لها بينما خارج القصر يوجد العشرات من الذئاب الذين ينتظرون الفرصة للانتقام من ويليام وعائلته.
في طريقه الى غرفتها كان جونثان يفكر كم ان النهار اصبح قصيرا. بالتأكيد فالشتاء جاء وهذا مايحصل لساعات النهار. انها تتقلص .
وصل الى غرفة ميري و دلف اليها. كانت مظلمة نسبيا وشمعة واحدة كانت موقدة. شعر بالشك يسري في جسده فور ان فتح ابواب غرفتها وشاهد الجسد النائم على السرير.. ضيق عينيه واقترب من السرير بينما كان قلب ليزا ينبض برعب. هذه هي نهايتها بالتأكيد. اذا ما اشاح الغطاء سيراها تنام هناك وسيجن جنونه.
وبالفعل زاد اقترابه بحيث كانت تشعر بتنفسه المتعالي وهو يشعر كذلك باضطرابها. همس:
"ميري... لماذا تخططين الان؟"
ثم رفع الغطاء لتظهر ليزا تحته. علم حينها ان ميري هربت فلا داعي لسؤال تلك المتقرفصة على نفسها برعب وانتظارها لتكذب عليه فيقتلها ثم يندم بعدها. كل ما نطق به:
"اي طريق ستسلك؟ تكلمي ولن اقطع راسك"
حرارة اللحظة والخوف جعلاها تغرد كالعندليب:
"طريق الغابة يا مولاي"
كشر عن اسنانه المطحونة بغضب وكور قبضته وصرخ باعلى صوته:
"يااااااااحرااااااااااااس... الاميرة هربت"
ثم ركض الى الخارج بينما انتشر الجنود كالنمل . ربط سيفه على خصره ووضع حذاءه العالي العنق ثم انهى كل شئ بسرعه بلبس عباءة ثقيلة جدا وركض عبر الاروقة وهي يصيح بالجنود الذين يتبعونه:
"حضروا لي حصاني.. فووووووورا"
ثم اضاف:
"جدوها قبل ان تموت بردا"
وهمس بينه وبين نفسه باضطراب:
"احضروها لي سالمة.. فكل ما يوجد خارج جدران هذا القصر يتربص بها"
ثم عاد للصراخ:
"حضروا المياه الساخنة فبالتاكيد ستنجمد في هذا البرد"
وهمس مرة اخرى بضيق:
"الغبية"
كانت ليزا تسمع صوته المجلجل وهي ترتجف وبنفس الوقت لا تعلم ما عساه سيفعل بها وكيف سيعاقبها على مافعلته ودعت من صميم قلبها ان تهرب مولاتها بسلام وامان.
ركب جونثان حصانه وانطلق غير منتظر لحراسه او جنوده يبحث عنها بجنون وقلبه يكاد يخرج من مكانه شوقا لها بينما كانت هي تحاول الاسراع للهرب من جحيمة في ذلك البرد. تعثرت قدمها بغصن على الارض وكادت ان تسقط لكنها تمالكت نفسها واستمرت بالسير . كلما حسبت انها خرجت من تلك الغابة وتخلصت من الاشجار وجدت نفسها تدخل اعمق وهي لم تدري انها دخلت في متاهة الاشجار وكل شئ هنا متشابه وبالذات لها. فكيف عساها ستعرف طريقها هنا وهي لا تستطيع فعل شئ داخل القصر الا بمساعدة احد.
من بعيد سمعت صوت الكلاب تنبح. عرفت على الفور ان عملية الهروب انكشفت فجونثان بالتأكيد عرف انها غادرت القصر وهو يبحث عنها الان. كان هذا تحفيز اكبر لها لتزيد من سرعتها ولا تدعه يمسك بها .
صرخ باعلى صوته واضعا يده امام وجهه كي لا تضربه الاغصان بينما حصانه يركض بينها:
"ميري..... اين انت ... ميري؟؟؟"
كلما نظر في الظلام وشاهد شبحا حسبه هي ولكن بعدها يتبين انه ليس سوى ظل وعينه تخدعه... اختبأت خلف شجرة عملاقة بينما تنظر لحصانه يقترب منها.. لماذا تهاونت في سرعتها؟ لماذا لم تركض بدل السير.؟؟ لامت ميري نفسها كثيرا بيد ان اللوم الان لن ينفعها فجونثان كان يتبع رائحتها اسرع من بقية الجنود وافضل حتى من الكلاب ... في اثرها كان الأقرب، واليها يتقرب في كل دقيقة اكثر من ذي قبل. تنهدت ونظرت الى السماء بينما نزلت دمعه من عينها... يجب ان اسرع.. هذا ما جال في خاطرها ثم انطلقت تركض في الظلمة مبتعدة عنه وشعرت ان حذائها بدا يعيقها فخلعته وبالفعل سرعتها زادت.. وبعد 10 دقائق فقط من الركض احست ان قدمها بدأت بالانجماد ورقبتها العارية الطويلة بدأت تصد تيارات من الهواء البارد كل جسدها بدأ يتذبذب بفعل التيار البارد واصابع قدمها الان بدأت تدغدغها بسبب الانجماد.. ووجنتها الصافية لم تعد تشعر بها.
بدأ الامر يصعب اكثر واكثر وهي تسمع صوت حصان جونثان ليس بالبعيد بينما هي تثقل حركتها وترتجف اوصالها ثم شاهدت امامها مكانا يبدو كالجحر. هذه الغابة معروفة بجحورها الممتلئة بالحيوانات المفترسة او الخفافيش التي تبحث عن الظلمة كي تتدلى وتنام. وهذا لم يمنع ميري التي قررت ان تجرب حظها في الجحر الذي امامها وتدخل فيه باحثه ليس فقط عن الدفء بل ايضا لتختبئ من جونثان. ولم تكد تدخل المكان حتى فاجأتها مجموعه من الذئاب الجائعه والتي تتطلع الى وجبة شهية لتدفئها. تراجعت للوراء بحذر وخوف بينما تقترب منها الذئاب بشراسة.. سمعت صوت حصان جونثان اقرب من ذي قبل ولاول مرة في حياتها تشعر بحاجتها اليه في هذه اللحظة. ولكن هل سيحميها فعلا ام انه سيتركها لتموت. سيجلس على صهوة حصانه يشاهد عرضا سخيا من تلك الحيوانات المفترسة وهي تهاجمها بلا هوادة وتقطعها اربا فلا يتبقى منها شئ سوى العظم... هل سيراها تنزف حتى الموت وتلك الانياب تنهشها. بالضبط كما نهشها هو.. واقترب منها جونثان بعد ان قاده الحصان اليها... توقف على مبعدة منها ويده متأهبة لتستل السيف. حصانه رفض التقدم اكثر فترجل من على ظهره وبهدوء قال لها:
"لا تتحركي ... "
اجابته وفمها قد جف من الركض والخوف:
"ولما لا ادعها تاكلني فاتخلص منك"
فتح عينيه على وسعهما وشعر بوخزة بقلبه. ولكن لماذا الاستغراب وهو الذي قادها الى كرهه بهذه الطريقة. اجابها بحذر:
"قلت لك لا تتحركي"
ردت عليه بينما تجمد الدمع في محاجر المقل:
"وما اختلافك انت عنهم... لا دعهم ينهشونني فهي مرة وسانتهي واتخلص من كل العذاب الذي اعيش فيه... افضل من تستمر بنهشي كل يوم فاعيش في دوامة من الالم الذي لا يحتمل والخوف الذي لا يستطيع عقل ادراكه"
تنفس بغضب ولم يجبها... بل اقترب حتى صار بجانبها ثم استدار ناحيتها وهو يرى اكبر الذئاب يقوم بحركته للهجوم:
"ابتعدي"
ودفعها بيده لتسقط على الارض فيخطئ الذئب الكتف التي كان يهاجمها ويعض على كتف جونثان.. صرخ بينما بادره بطعنه قوية من سيفه ثم ركض باتجاه الذئبين الاخرين وصرخ باعلى صوته كانه ذاهب الى الحرب:
"هااااااااااااااااااااااااااااا"
احدهما اصابه الخوف فركض مبتعدا والاخر هجم ليشتبك مع جونثان في عراك بالايدي والمخالب.. ذئبين وفريسة واحدة غائبة عن الوعي ترتجف بردا على الارجح كتلة جسمها في معظمها عظام اكثر من اللحم. حصل جونثان على الكثير من الخدوش حتى تمكن من الوصول الى خنجره بينما هو يسمع صوت الكلاب تقترب من موقعهم وما انتظر طويلا حتى هجمت كلاب الصيد على الذئب واردته بينما ظل نائما على الارض يتنفس بعدم تصديق فهذا الذئب كاد ان يفتك به. تجمع الحراس حول ميري فنهض متحاملا على المه وقال لهم:
"ابتعدوا عنها"
ثم اقترب منها وهي نائمة كالملاك.. حدق بها للحظة وشعر بان قلبه سيقفز ليحتضنها... هز راسه ليبعد مشاعره فالمشاعر ضعف اليس كذلك؟ هو لن يضعف امامها الان.. خلع عباءته ولفها حول جسدها المتجمد فاجتاحه الدفء ورغم انها فاقدة لوعيها ولكنها شعرت بذلك التغيير اللذيذ. ركب جونثان حصانه وهي تجلس امامه راسها مرتاح على صدره وبيد امسك الخصر الذابل الملفوف بعباءته واليد الاخرى امسكت لجام الحصان المتعطش للخروج من تلك الغابة المظلمة المخيفة حتى لحيوان كهذا الحصان الذي قد لايعلم ما يجري ولكنه فهم ان جونثان هو الاخر يريد ايصال جميلته النائمة الى القصر بامان وباسرع وقت ممكن..
دلف جونثان القصر يحمل ميري بكلتي ذراعيه وصارت جلبة بين الخدم فصرخ فيهم:
"لا اريد من اي احد اي ازعاج. ساعتني بها بنفسي"
ثم وبعد ان صعد صرخ في الخدم :
"حضروا لها حساء لحم الغزال لتتدفئ به"
ثم ركض الى غرفتها حث كانت ليزا جالسة بقرب حوض الاستحمام الخشبي وقد ملئته بالمياء الدافئة وبعض الشراشف البيضاء الناعمة لتجلس عليها مولاتها داخل الحوض وفي قلبها لايزال امل بهروبها بامان من قبضة جونثان الحديديه. ضرب جونثان الباب بكعب حذاءه فانفتح وقفت ليزا في مكانها مرتعبة وهي تراه يحمل ميري بوجهه المخدش وكتفه المدمى وشعره الذي تجمدت اطرافه. لم ينظر لها بل امرها :
"اخرجي "
لم تحتج ولم تقل اي كلمة بل هربت بسرعة من المكان تاركة اياه مع ميري.. وفور ان اغلقت الباب عليهما احتضنت كفيها احدهما بالاخر ووضعتهما على صدرها وقالت:
"ليحمينا الرب من سطوته "
وضعها جونثان على السرير بصمت ثم باعد خصلات شعرها التي انتشرت على وجهها. تنهد بالم وهو يرى تعابير الالم اكتسحت حمرة وجنتيها ثم بدأ يبعد طرفي عباءته عن جسدها. فتح ثوبها برفق بينما شعرت بيد خشنة تداعب جلدها الناعم . فتحت عينها لتراه فوقها. كوحش بري بدماءه وجروحه طالعها فملئها الرعب. همهمت بضعف:
"ابتعد عني... ابتعد عني"
صرخ فيها:
"ايتها اليرقة الصغيرة لماذا فعلت ذلك؟ هل تعتقدين انك قادرة على الهرب من هنا ؟ لن ادعك تهربين ابدا"
ازال جونثان اخر قطعه ملابس من على جسد ميري لتشيح بوجهها عنه بينما حملها الى حوض الاستحمام الذي تشيع منه حرارة لذيذة ووضعها فيه فانغمس جسدها في الدفئ والراحة والالم بسبب الجروح التي اصابتها. كانت اطراف اصابعها زرقاء بفعل البرودة ومنملة بفعل وضعها بالماء الدافئ. اطلقت اهه ممزوجة بالارتياح وعدم الارتياح فقال لها:
"لم تكوني لتقدري على الهرب... انظري الى هذه القلعة التي بناها والدك . في وسط الغابة حيث كان يهاب من ان يصل اليه احد من كارهيه فوضعها في مكان جميل صدف ان يكون نائ . هذه الغابة يا ميري لن يهرب من خلالها الا من يعرفها جيدا.. "
ثم امسك بخرقة خاصة بغسل الجسد وبدأ يمررها على ظهرها وهي متكورة على نفسها امامه تبكي. نظر لها بنفاذ صبر وسألها:
"لماذا تبكين؟"
ردت عليه بسؤال:
"لماذا تغسل لي جسدي؟"
ضيق عينيه وهو يعرف جيدا كم افعاله معها متناقضة وهذا بالضبط ما يحصل عندما قلبك لا يوافق على جنون افعالك... هذا عدم التوافق قاده الى تناقض جعلها مرتعبة اكثر منه لان تصرفاته من غير الممكن باي حال من الاحوال التنبؤ بها فهي لا تعلم متى سيصرخ في وجهها ومتى سيحنو عليها. ابتلع ريقه وهمس:
"اعطني يدك"
اعطته يدها ولم تجبه بل ظلت ساهمة ولم يمكنها بالطبع ان تمنع نفسها من الاستمتاع بهذا الحمام المريح ولكن مع هذا لم تدعه يشعر باستمتاعها بل ظلت ترمقه بنظرات الحقد بينما هو يحاول ان يبدو صارما امامها... القى بنظره على قدمها التي كانت متجرحة بسبب الركض عارية القدم امسك بها واخرجها من الماء ثم ظل ينظر الى الجروح وهو يطالع بعض الاخشاب الصغيرة التي دخلت بها. قال لها:
"تحملي"
وقبل ان تسأل مامعنى كلامه او تعترض سحب خشبة صغيرة كانت واضحة دخلت في كعب قدمها بينما اطلقت هي اهة مكتومة دليل المها. همس لها:
"يوجد الكثير من الجروح بقدمك"
ردت بالم:
"لا تؤلم كما تؤلم جروحك التي في قلبي"
صك على اسنانه بقوة وصمت... لا يهم ما سيقوله او يفعله. فقد خسرها لانه اراد ان يخسرها.. خوفه من ان يكون حبها نقطة ضعفه. تماما.. كما اخبرته والدته!
ذئبان, وفريسة واحدة
"جونثان؟؟"
بصوتها الحنون نادت عليه والدته لينتبه ويرد:
"انا اسف "
تبسمت وبشكل لا ارادي جذبت شالها الثقيل فاحاطها مدفئا اياها .. تسائلت بحب :
"ولماذا انت اسف يا ترى؟"
رد خجلا :
"لاني اخبرتك اني ذاهب للنوم ولكني لم انم"
قبلت رأسه بحنو وقالت:
"ولماذا لم تنم يا صغيري؟"
ابتلع ريقه ورد:
"لدي ارق"
عقفت حاجبيها وابتسامة تعلو شفتيها الرقيقتين:
"اليس من المبكر عليك ذلك يا جونثان"
هز راسه مهموما وقال:
"انا افكر بميري كل يوم.. كنا نلعب معا كثيرا والان انا لا اجد احدا لالعب معه"
وضعت يدها على كتفه وقالت:
"العب مع اختك؟ هي ايضا تشعر بالملل عندما لايكون لديها دروس.. مثلك تماما يا جونثان"
اطلق زفرة نفاذ صبر وتمتم:
"الن نزور القصر الملكي ابدا مرة اخرى؟"
نظرت الى الاسفل بالم وردت:
"لا يمكن ان يتواجد ملكين على عرش واحد يا جونثان. احدهما يجب ان يموت او يتنازل وغالبا مايكون الاضعف بينهما"
نظر الى تقلباتها وجهها الذي صار ينفث غضبا. سألها برفق:
"وابي هو الاضعف لذلك تنازل عن العرش واصبح عمي هو الملك وخرجنا من قصر جدي؟"
ابتلعت ريقها وهي تقول ببقايا كرامة تتشبث بها:
"والدك اثر الاستسلام على القتال.. خوفا علينا. لقد عقد عهدا مع ويليام وسنبقى بامان هنا مادمنا لا نلتقي باحد من مناصرينا ولا نطالب بالعرش.. "
ثم صمتت قليلا لتستجمع شجاعتها واكملت وعيون الصغير معلقة بها:
"عندما تكبر انت كل هذا سيتغير. انت ستعيد كل شئ الى مساره الصحيح.. اما الان فعلينا ان نلتزم بكلمة والدك"
وبمرارة استرسلت:
"لان الرجل يساوي قدر ماتساوي كلمته"
اكملت جملتها وربتت على شعر جونثان الاسود ثم نهضت وهي تقول:
"لا تخف يا ولدي... انا ووالدك سنحميك مهما كلف الامر, والان انهض الى سريرك"
اخذته الى فراشه ليتمدد فيه ووضعت على جسده الناعم الغطاء وقبلته ثم قالت:
"لا اريد منك ان تفكر كثيرا بتلك الفتاة. انها نقطة ضعف ويجب التخلص من ذكراها"
ثم رحلت تاركة اياه مستلقي على ظهره يفكر بالفتاة!
--
الان
تلاطم شعرها بوجهها وهي تنظر بحذر يمنة ويسرة. لقد قررت المخاطرة والهرب من القصر باي ثمن. لن تظل حبيسة رجل لاتعرف الرحمة طريقها الى قلبه. كل ما كان يُسمع في تلك اللحظة المهمة من لحظات حياتها صوت تنفسها وكل ما جال في خاطرها هو ما ستتعرض له خادمتها ليزا عندما يكتشف جونثان هروبها. لن يحتفظ بحياتها ولو للحظة بل سيعذبها حتى يعرف منها كل شي ثم سيقتلع راسها. هذا ما سيفعله بالتأكيد. ابتلعت ريقها وحاولت ان تزيد من جرأتها لتكمل المهمة التي بدأت بها .الهروب من القصر ثم سيكون عليها التواصل مع حلفاء والدها او الخروج الى بلد اخر حيث تحتمي هناك ريثما تكتشف خياراتها.ستفعلها.. ستنجح بالتاكيد ولن يمسك بها جونثان. هذا هو التفكير الايجابي الذي استمرت تحقن نفسها به كي لا تصاب باليأس.
--
لم تدري الماركيزة ايفيلين كم بقيت في حوضها الدموي. دقائق , ساعات لا تعلم. عندما تتسرب الدماء الى جلدها، اصبحت تفقد ارتباطها بالوقت. نهضت والدماء تقطر من جسدها. خطوط وخطوط تجذبها جاذبية الارض اليها فتنزل بعضها بهدوء والاخر بسرعه وخفة. القت نظرة سريعه على الجثة الهامدة التي خلفتها ورائها ولم تبالي بها على الاطلاق. كل ما استحوذ على عقلها في تلك اللحظة ان تتأكد من ان حارس لويس لم يغادر قصرها بعد. لقد اخبرها انه سيذهب نهار هذا اليوم ولكنها لا تعتقد انه سيفعلها. خصوصا بعدما اعطته بعضا من منومها الخاص لتتاكد انه لن يكتشف خروجها من القصر. القت دلوا من الماء على جسدها وفركت الدم لينزل ومع انه لم ينزل كليا وصبغ بعضا من جلدها فهي لم تكترث. لبست ملابسها وذهبت الى اعلى القصر حيث تبدو الحياة عادية والاحياء لا يفقهون مايجري تحتهم. سالت اول شخص صادفته:
"هل غادر السر ريتشارد؟"
اجاب الرجل:
"كلا سيدتي لم يغادر"
تبسمت وقالت:
"جيد. اذهب اليه واخبره بدعوتي له على العشاء. لدي امر مهم للحديث معه بشأنه"
نفذ الخادم المطيع بينما ذهبت هي لتتحضر لوليمة العشاء.
على العشاء كان ريتشارد متحمس ليسمع منها ماتريد قوله. توقع انها ستخبره بقبولها مساعدة لويس. وشعشعت ابتسامة ارتياح على وجنتيه عندما قالتها له:
"سيكون من دواعي سروري استضافة الامير لويس في قصري ومساندته بكل ما املك من جنود واموال. تحت شرط وحيد "
باهتمام شديد نظر لها ريتشارد بينما هي تدرس حركاته. اكملت:
"ان يتخذني زوجة له"
فغر ريتشارد فاه لانه لم يتوقع طلبا كهذا من ايفيلين . لم يسبق له ابدا ان سمع بزواج امير صغير من ارملة تكبره بضعف عمره على الأقل، إضافة الى انها تعتبر اخت امه بالتبني!. رغم محاولته لاخفاء نظره الاستنكار التي اعتلت وجهه. لمحتها ايفيلين واخفت غضبها. اكملت:
"ستذهب اليه وتخبره بعرضي. ان قبل فهو مرحب به هنا في مملكتي الصغيرة. ستغادر مع اول شعاع للشمس يا سير ريتشارد لحمل رسالتي للامير"
ثم تركت مقعدها وغادرت العشاء بدون ان تضع لقمة واحدة في فمها.
--
الليل القاتم ساعد ميري على التخفي ولكن البرد جمد شحمتي اذنها وارنبة انفها وحول عملية الهروب الى اصعب بكثير. تمالكت نفسها وهي تعبر من خلال ممر صغير بدون ان تصدر صوت . كانت تحمل بكلتي يديها ثوبها الثقيل او بالاحرى ثوب ليز الثقيل ومما اثر على سرعتها كثيرا وضايقها ولكن ما باليد حيلة .
بعد ان استطاعت ان تتمركز قرب الغابة الكثيفة التي تحيط بالقصر شعرت بالامان اكثر والراحة فالان هي على الاقل ليست حبيسته ... بدات تسير بثقة اكبر وخوف اقل لاعتقادها ان خارج اسوار القصر يقبع مناصري والدها . كانت تحسب ان حوائط القصر سجنها وعدوها يتربص بها في غُرفه واركانه. مالم تعلمه ميري ان خارج القصر في الحقيقة حيث يسكن كل من اذاهم والدها. كارهي ذلك الويليام الذي لم يدخر احدا بل روع الجميع ليحكم بيد من حديد. في داخل القصر يوجد ذئب واحد جائع لها بينما خارج القصر يوجد العشرات من الذئاب الذين ينتظرون الفرصة للانتقام من ويليام وعائلته.
في طريقه الى غرفتها كان جونثان يفكر كم ان النهار اصبح قصيرا. بالتأكيد فالشتاء جاء وهذا مايحصل لساعات النهار. انها تتقلص .
وصل الى غرفة ميري و دلف اليها. كانت مظلمة نسبيا وشمعة واحدة كانت موقدة. شعر بالشك يسري في جسده فور ان فتح ابواب غرفتها وشاهد الجسد النائم على السرير.. ضيق عينيه واقترب من السرير بينما كان قلب ليزا ينبض برعب. هذه هي نهايتها بالتأكيد. اذا ما اشاح الغطاء سيراها تنام هناك وسيجن جنونه.
وبالفعل زاد اقترابه بحيث كانت تشعر بتنفسه المتعالي وهو يشعر كذلك باضطرابها. همس:
"ميري... لماذا تخططين الان؟"
ثم رفع الغطاء لتظهر ليزا تحته. علم حينها ان ميري هربت فلا داعي لسؤال تلك المتقرفصة على نفسها برعب وانتظارها لتكذب عليه فيقتلها ثم يندم بعدها. كل ما نطق به:
"اي طريق ستسلك؟ تكلمي ولن اقطع راسك"
حرارة اللحظة والخوف جعلاها تغرد كالعندليب:
"طريق الغابة يا مولاي"
كشر عن اسنانه المطحونة بغضب وكور قبضته وصرخ باعلى صوته:
"يااااااااحرااااااااااااس... الاميرة هربت"
ثم ركض الى الخارج بينما انتشر الجنود كالنمل . ربط سيفه على خصره ووضع حذاءه العالي العنق ثم انهى كل شئ بسرعه بلبس عباءة ثقيلة جدا وركض عبر الاروقة وهي يصيح بالجنود الذين يتبعونه:
"حضروا لي حصاني.. فووووووورا"
ثم اضاف:
"جدوها قبل ان تموت بردا"
وهمس بينه وبين نفسه باضطراب:
"احضروها لي سالمة.. فكل ما يوجد خارج جدران هذا القصر يتربص بها"
ثم عاد للصراخ:
"حضروا المياه الساخنة فبالتاكيد ستنجمد في هذا البرد"
وهمس مرة اخرى بضيق:
"الغبية"
كانت ليزا تسمع صوته المجلجل وهي ترتجف وبنفس الوقت لا تعلم ما عساه سيفعل بها وكيف سيعاقبها على مافعلته ودعت من صميم قلبها ان تهرب مولاتها بسلام وامان.
ركب جونثان حصانه وانطلق غير منتظر لحراسه او جنوده يبحث عنها بجنون وقلبه يكاد يخرج من مكانه شوقا لها بينما كانت هي تحاول الاسراع للهرب من جحيمة في ذلك البرد. تعثرت قدمها بغصن على الارض وكادت ان تسقط لكنها تمالكت نفسها واستمرت بالسير . كلما حسبت انها خرجت من تلك الغابة وتخلصت من الاشجار وجدت نفسها تدخل اعمق وهي لم تدري انها دخلت في متاهة الاشجار وكل شئ هنا متشابه وبالذات لها. فكيف عساها ستعرف طريقها هنا وهي لا تستطيع فعل شئ داخل القصر الا بمساعدة احد.
من بعيد سمعت صوت الكلاب تنبح. عرفت على الفور ان عملية الهروب انكشفت فجونثان بالتأكيد عرف انها غادرت القصر وهو يبحث عنها الان. كان هذا تحفيز اكبر لها لتزيد من سرعتها ولا تدعه يمسك بها .
صرخ باعلى صوته واضعا يده امام وجهه كي لا تضربه الاغصان بينما حصانه يركض بينها:
"ميري..... اين انت ... ميري؟؟؟"
كلما نظر في الظلام وشاهد شبحا حسبه هي ولكن بعدها يتبين انه ليس سوى ظل وعينه تخدعه... اختبأت خلف شجرة عملاقة بينما تنظر لحصانه يقترب منها.. لماذا تهاونت في سرعتها؟ لماذا لم تركض بدل السير.؟؟ لامت ميري نفسها كثيرا بيد ان اللوم الان لن ينفعها فجونثان كان يتبع رائحتها اسرع من بقية الجنود وافضل حتى من الكلاب ... في اثرها كان الأقرب، واليها يتقرب في كل دقيقة اكثر من ذي قبل. تنهدت ونظرت الى السماء بينما نزلت دمعه من عينها... يجب ان اسرع.. هذا ما جال في خاطرها ثم انطلقت تركض في الظلمة مبتعدة عنه وشعرت ان حذائها بدا يعيقها فخلعته وبالفعل سرعتها زادت.. وبعد 10 دقائق فقط من الركض احست ان قدمها بدأت بالانجماد ورقبتها العارية الطويلة بدأت تصد تيارات من الهواء البارد كل جسدها بدأ يتذبذب بفعل التيار البارد واصابع قدمها الان بدأت تدغدغها بسبب الانجماد.. ووجنتها الصافية لم تعد تشعر بها.
بدأ الامر يصعب اكثر واكثر وهي تسمع صوت حصان جونثان ليس بالبعيد بينما هي تثقل حركتها وترتجف اوصالها ثم شاهدت امامها مكانا يبدو كالجحر. هذه الغابة معروفة بجحورها الممتلئة بالحيوانات المفترسة او الخفافيش التي تبحث عن الظلمة كي تتدلى وتنام. وهذا لم يمنع ميري التي قررت ان تجرب حظها في الجحر الذي امامها وتدخل فيه باحثه ليس فقط عن الدفء بل ايضا لتختبئ من جونثان. ولم تكد تدخل المكان حتى فاجأتها مجموعه من الذئاب الجائعه والتي تتطلع الى وجبة شهية لتدفئها. تراجعت للوراء بحذر وخوف بينما تقترب منها الذئاب بشراسة.. سمعت صوت حصان جونثان اقرب من ذي قبل ولاول مرة في حياتها تشعر بحاجتها اليه في هذه اللحظة. ولكن هل سيحميها فعلا ام انه سيتركها لتموت. سيجلس على صهوة حصانه يشاهد عرضا سخيا من تلك الحيوانات المفترسة وهي تهاجمها بلا هوادة وتقطعها اربا فلا يتبقى منها شئ سوى العظم... هل سيراها تنزف حتى الموت وتلك الانياب تنهشها. بالضبط كما نهشها هو.. واقترب منها جونثان بعد ان قاده الحصان اليها... توقف على مبعدة منها ويده متأهبة لتستل السيف. حصانه رفض التقدم اكثر فترجل من على ظهره وبهدوء قال لها:
"لا تتحركي ... "
اجابته وفمها قد جف من الركض والخوف:
"ولما لا ادعها تاكلني فاتخلص منك"
فتح عينيه على وسعهما وشعر بوخزة بقلبه. ولكن لماذا الاستغراب وهو الذي قادها الى كرهه بهذه الطريقة. اجابها بحذر:
"قلت لك لا تتحركي"
ردت عليه بينما تجمد الدمع في محاجر المقل:
"وما اختلافك انت عنهم... لا دعهم ينهشونني فهي مرة وسانتهي واتخلص من كل العذاب الذي اعيش فيه... افضل من تستمر بنهشي كل يوم فاعيش في دوامة من الالم الذي لا يحتمل والخوف الذي لا يستطيع عقل ادراكه"
تنفس بغضب ولم يجبها... بل اقترب حتى صار بجانبها ثم استدار ناحيتها وهو يرى اكبر الذئاب يقوم بحركته للهجوم:
"ابتعدي"
ودفعها بيده لتسقط على الارض فيخطئ الذئب الكتف التي كان يهاجمها ويعض على كتف جونثان.. صرخ بينما بادره بطعنه قوية من سيفه ثم ركض باتجاه الذئبين الاخرين وصرخ باعلى صوته كانه ذاهب الى الحرب:
"هااااااااااااااااااااااااااااا"
احدهما اصابه الخوف فركض مبتعدا والاخر هجم ليشتبك مع جونثان في عراك بالايدي والمخالب.. ذئبين وفريسة واحدة غائبة عن الوعي ترتجف بردا على الارجح كتلة جسمها في معظمها عظام اكثر من اللحم. حصل جونثان على الكثير من الخدوش حتى تمكن من الوصول الى خنجره بينما هو يسمع صوت الكلاب تقترب من موقعهم وما انتظر طويلا حتى هجمت كلاب الصيد على الذئب واردته بينما ظل نائما على الارض يتنفس بعدم تصديق فهذا الذئب كاد ان يفتك به. تجمع الحراس حول ميري فنهض متحاملا على المه وقال لهم:
"ابتعدوا عنها"
ثم اقترب منها وهي نائمة كالملاك.. حدق بها للحظة وشعر بان قلبه سيقفز ليحتضنها... هز راسه ليبعد مشاعره فالمشاعر ضعف اليس كذلك؟ هو لن يضعف امامها الان.. خلع عباءته ولفها حول جسدها المتجمد فاجتاحه الدفء ورغم انها فاقدة لوعيها ولكنها شعرت بذلك التغيير اللذيذ. ركب جونثان حصانه وهي تجلس امامه راسها مرتاح على صدره وبيد امسك الخصر الذابل الملفوف بعباءته واليد الاخرى امسكت لجام الحصان المتعطش للخروج من تلك الغابة المظلمة المخيفة حتى لحيوان كهذا الحصان الذي قد لايعلم ما يجري ولكنه فهم ان جونثان هو الاخر يريد ايصال جميلته النائمة الى القصر بامان وباسرع وقت ممكن..
دلف جونثان القصر يحمل ميري بكلتي ذراعيه وصارت جلبة بين الخدم فصرخ فيهم:
"لا اريد من اي احد اي ازعاج. ساعتني بها بنفسي"
ثم وبعد ان صعد صرخ في الخدم :
"حضروا لها حساء لحم الغزال لتتدفئ به"
ثم ركض الى غرفتها حث كانت ليزا جالسة بقرب حوض الاستحمام الخشبي وقد ملئته بالمياء الدافئة وبعض الشراشف البيضاء الناعمة لتجلس عليها مولاتها داخل الحوض وفي قلبها لايزال امل بهروبها بامان من قبضة جونثان الحديديه. ضرب جونثان الباب بكعب حذاءه فانفتح وقفت ليزا في مكانها مرتعبة وهي تراه يحمل ميري بوجهه المخدش وكتفه المدمى وشعره الذي تجمدت اطرافه. لم ينظر لها بل امرها :
"اخرجي "
لم تحتج ولم تقل اي كلمة بل هربت بسرعة من المكان تاركة اياه مع ميري.. وفور ان اغلقت الباب عليهما احتضنت كفيها احدهما بالاخر ووضعتهما على صدرها وقالت:
"ليحمينا الرب من سطوته "
وضعها جونثان على السرير بصمت ثم باعد خصلات شعرها التي انتشرت على وجهها. تنهد بالم وهو يرى تعابير الالم اكتسحت حمرة وجنتيها ثم بدأ يبعد طرفي عباءته عن جسدها. فتح ثوبها برفق بينما شعرت بيد خشنة تداعب جلدها الناعم . فتحت عينها لتراه فوقها. كوحش بري بدماءه وجروحه طالعها فملئها الرعب. همهمت بضعف:
"ابتعد عني... ابتعد عني"
صرخ فيها:
"ايتها اليرقة الصغيرة لماذا فعلت ذلك؟ هل تعتقدين انك قادرة على الهرب من هنا ؟ لن ادعك تهربين ابدا"
ازال جونثان اخر قطعه ملابس من على جسد ميري لتشيح بوجهها عنه بينما حملها الى حوض الاستحمام الذي تشيع منه حرارة لذيذة ووضعها فيه فانغمس جسدها في الدفئ والراحة والالم بسبب الجروح التي اصابتها. كانت اطراف اصابعها زرقاء بفعل البرودة ومنملة بفعل وضعها بالماء الدافئ. اطلقت اهه ممزوجة بالارتياح وعدم الارتياح فقال لها:
"لم تكوني لتقدري على الهرب... انظري الى هذه القلعة التي بناها والدك . في وسط الغابة حيث كان يهاب من ان يصل اليه احد من كارهيه فوضعها في مكان جميل صدف ان يكون نائ . هذه الغابة يا ميري لن يهرب من خلالها الا من يعرفها جيدا.. "
ثم امسك بخرقة خاصة بغسل الجسد وبدأ يمررها على ظهرها وهي متكورة على نفسها امامه تبكي. نظر لها بنفاذ صبر وسألها:
"لماذا تبكين؟"
ردت عليه بسؤال:
"لماذا تغسل لي جسدي؟"
ضيق عينيه وهو يعرف جيدا كم افعاله معها متناقضة وهذا بالضبط ما يحصل عندما قلبك لا يوافق على جنون افعالك... هذا عدم التوافق قاده الى تناقض جعلها مرتعبة اكثر منه لان تصرفاته من غير الممكن باي حال من الاحوال التنبؤ بها فهي لا تعلم متى سيصرخ في وجهها ومتى سيحنو عليها. ابتلع ريقه وهمس:
"اعطني يدك"
اعطته يدها ولم تجبه بل ظلت ساهمة ولم يمكنها بالطبع ان تمنع نفسها من الاستمتاع بهذا الحمام المريح ولكن مع هذا لم تدعه يشعر باستمتاعها بل ظلت ترمقه بنظرات الحقد بينما هو يحاول ان يبدو صارما امامها... القى بنظره على قدمها التي كانت متجرحة بسبب الركض عارية القدم امسك بها واخرجها من الماء ثم ظل ينظر الى الجروح وهو يطالع بعض الاخشاب الصغيرة التي دخلت بها. قال لها:
"تحملي"
وقبل ان تسأل مامعنى كلامه او تعترض سحب خشبة صغيرة كانت واضحة دخلت في كعب قدمها بينما اطلقت هي اهة مكتومة دليل المها. همس لها:
"يوجد الكثير من الجروح بقدمك"
ردت بالم:
"لا تؤلم كما تؤلم جروحك التي في قلبي"
صك على اسنانه بقوة وصمت... لا يهم ما سيقوله او يفعله. فقد خسرها لانه اراد ان يخسرها.. خوفه من ان يكون حبها نقطة ضعفه. تماما.. كما اخبرته والدته!
