رواية عملتان لوجه واحد الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم آية الطري
☆ مهما بلغ فيك التقصير فلا تقصّر في صلاتك أبدًا .. كل تقصير في غير الصلاة المفروضة مُعرّض لمغفرة الله وعفوه، وأما التقصير في جنب الله مع التفريط في الصلاة فهذه علامة على سخط الله ! حافظوا على صلاتكم فهي طريق فلاحكم في الدنيا والآخرة☆
+
صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ♥️
+
------------☆☆☆☆
+
رغم كل ما فعلوه لإنقاذه لازالت حالته حرجة، حتى أنه لم يستيقظ قط، الطبيب منذ أمس يراقبه بإهتمام ويقدم له الرعاية المطلوبة قدر الإمكان، رفع جهاز قياس الحرارة أمام عينيه يدقق به بتركيز قبل أن يقول:
_" حرارته نزلت بس لسة مش طبيعية لكني متفائل يفوق خلال ساعات "
+
ابتسمت نورا تردد بدعاء:
_" يارب، مسك ماوقفت بكا لَحين خطفها النوم "
+
ذهب يغسل يديه في الحوض المجاور وسأل بفضول:
_" هي فعلًا زوجته؟ "
+
هزت نورا كتفيها بجهل وأجابت:
_" ما أكيد لكن واضح لهفتها عليه بتقول زوجته "
+
_" كيف صحتها الحين؟! "
+
تذكرت حالتها الغامضة فقالت بحيرة:
_" الصراحة يا هاشم فيها شي غريب ما فاهماه، أفضل تفحصها بنفسك "
+
_" وضحي الأعراض بالضبط "
+
قالها وهو يتجه للخارج فبدأت تسرد عليه بشيء من التفاصيل:
_" أول ما وصلوا أمس كنت بتعامل أنها مرهقة وتعبانة عادي بس اليوم ظهرت عليها أعراض ما قادرة أفسرها... جسدها بيصب عرق بارد، وفيه رعشة غريبة بتروح وترد عليها، وبين وقت والتاني بيجيها غمة نفس، غير إن رجلينها مش شايلنها وبتتألم.... ده كله خلاف بكاها اللي ما بينتهي وهي صامتة ما بتحكي كلمة"
+
ضاقت عيناه بتفكير يربط حديثها ببعضه والحيرة تملكته حتى قاطعتهما السيدة رشيدة تقول:
_" هِم يا هاشم أخوك ينتظرك بالخارج لأجل ما توصل العزيمة قبل الميعاد "
+
تذكر أنه يجب أن يذهب الآن فقال موجهًا حديثه لنورا على عجلة:
_" ابقي جارهم ولو طرأ شي اطلبيني فورًا "
+
مر الوقت وقد أتت بعض الحالات البسيطة تعاملت معها نورا بلطف والهدوء سيد المكان حتى وقفت السيدة رشيدة تقول:
_" نورا اليوم حنة بنت عبلة بروح أطل عليهم وبرجع ما بطول عليكِ "
+
_" الله معك باركي لهم عني، وأنا بروح في وقت آخر "
+
انصرفت رشيدة أيضًا وتركت نورا تُباشر الوِحدة وتراقب حالة راجح من حين لآخر،
+
في ذلك الوقت فاقت مسك بعد ساعات من النوم العميق، داهمها صداع شديد، أمسكت رأسها بألم وظلت تنظر لسقف الغرفة، هي تعرف ما بها لكن لمَن تشتكي، جالت أمامها ذكرى كريها، تلك الرسالة التي أتتها من إحدى صديقاتها المقربين تصف لها بكل جحود كيف خدعوها!!!....
+
عادت بها الذاكرة حينما كانت تقف في الحديقة شاخصة تقرأ الأحرف الأجنبية التي وصلتها على هاتفها تنص على:
_" لا تحاولي تجنبنا مسك، الآن لا خيار أمامكِ سوانا، ما فعله مالك ليس جريمة كفى غباءً وإدعاء للمثالية، أرسلت لكِ هدية صغيرة جسدك في أمس الحاجة لها، أعلم أنكِ تتألمين دون سبب واضح.... دعيني أكشف لكِ السر.... تتذكرين!.. اعتادتي في الفترة الأخيرة على المشروبات التي نتجرعها سويًا أليس كذلك!.... فقط لأنها تحتوي على مواد السعادة التي طالما رفضتي تجربتها معنا، يبدو سيدة الأعمال الصغيرة مسك منصور أصبحت... مدمنة!! نراكِ في القريب العاجل حينما تنتهي الكمية وترغبين في المزيد "
+
خرجت من ذكرياتها تصرخ بقوة تضرب يدها في الفراش وتنتفض كمن صدمتها الكهرباء:
_" مش قادرة... آه يا راجح.... ماماااا "
+
رفعت نفسها عن الفراش بعنف تتكئ على الحائط تهرب من ضيق صدرها، خطواتها بطيئة ومتخبطة حتى كادت تسقط لكن كانت نورا مسندها حينما اندفعت نحوها تمسك بها وتقول:
_" ايش صابك؟؟... رايدة تروحي لراجح؟ "
+
_" امممم... بس مش قادرة "
قالتها بعجز وسبحت عيناها في الدموع،
+
نورا آلمَها قلبها شفقةً عليها فأجلستها برفق فوق أقرب مقعد وأتت لها بماء:
_" اشربي على مهلك وهاخدك لعنده "
+
روَت المياة جفاف حلقها ونورا تُبعد الخصلات عن وجهها بلطف وتمسح لها حبات العرق بقماشة باردة، لسانها يردد بعض الآيات والأدعية حتى سكنت مسك تمامًا وهدأت رجفتها..
+
_" خديني مثل أختِك الكبيرة وصارحيني باللي فيكِ وأنا عهد عليا ما أخرج سرك ما حييت إلا بإذنك "
+
أخفضت رأسها بخجل ماذا تقول!! تفهمت نورا ترددها وأضافت بتشجيع:
_" دكتور هاشم وخالة رشيدة مشيوا ومش راجعين غير بالليل، احكي وقلبك مطمئن"
+
لا تدري على أي زر ضغطت ليخرج لها ما أخرجته مسك من ألم حي، يُرى ويُحس بل ويمزق القلوب، تحكي كأنها تتخلص من حمول ثقيلة تُدفن بقلبِها،
لم تتمالك نورا نفسها وبكت لبكائها، ضمتها بقوة تتبادلا الشهقات المتقطعة وسط ما حل من سكون بعدما أنهت "مسك" قصتها المريرة....
_" بسم الله على قلبك يا خيتي.... الله ينتقم من اللي أذوكِ "
+
بدأت مسك تلوم نفسها وتعاتب:
_" بس أنا خذلت الشخص الوحيد اللي قابلته و ما أذاني... عرّض نفسه للخطر عشاني وأنا خدعته، كان غصب عني والله.... كنت ضعيفة ومعانديش سبب أتعافى عشانه... سعد كان بالنسبة لي بطل بينقذني من الألم ومن وحشية راجح، كنت غبية "
+
تعترف بخطأها والندم يكاد يفتك بقلبها، احتوتها نورا بكلمات كثيرة مشفقة ختمتها بإقتراح ليتها لم تلفظه:
_" طب على حد فهمي أبوكِ قالب عليكِ الدنيا الحين، لأن راجح ما حاكاه من بعد اللي صابه... واجب تكلميه بنفسك وتطمنيه حتى لا يشك في أمركم، أو يكلم واحدة من اللي شغالين معاكِ في التصميم ويكتشف انك ما سافرتي أصلًا"
وعت مسك لتلك الحقيقة فجففت دموعها تردف بإدراك :
_" صح.... بس الفون اتكسر ولو كلمته من خط مصري هيكشفنا، راجح كان بيكلمه شات من فوني على أساس أنا اللي براسله... "
+
_" بسيطة عِندي اللي يصلح المحمول في أقرب وقت "
+
ثم أضافت بمكر لطيف:
_" تعرفي لو ماكنتِي حكيتي القصة كلها كنت بقيت حسباكِ زوجته، اكمن اسمك ما فارق لسانه طوال الليل "
2
هنا... تناست مسك أوجاعها للحظات، ارتبكت عيناها وتورد وجهها بخجل وهمست تتهرب:
_" ينفع أشوفه شوية "
+
--------------
+
أي إيقاعٍ هذا الذي نطقت به اسمه! أعاد سماع تسجيلها القصير عشرات المرات، وفي كل مرة يذهب لعالم آخر لم يشهده من قبل، تضخم صدره بصوت ضحكتها المميزة في نهايته، ابتسامة واسعة ارتسمت على محياه، رمى بجسده على الفراش يكرره مرارًا وكأنه تحول لمراهق لم يتم العشرين أثر صوتها الآسر....
+
_" بتول " نطقها سيف ببطء وحرارة تعكس مشاعر جياشة باتت تسكنه دون سابق إنذار...
+
لكنه اعتدل فجأة كأنه فاق لنفسه لينبس بعتاب:
_" ايه الهبل ده!.... فوق يا سيف دي بالذات لأ"
+
في تلك اللحظة ضربت كلمات بكر في عقله بقسوة فرمى الهاتف بضيق وجلس رأسه بين يديه حتى قاطعه طرق هادئ على باب غرفته التي استقلها في الفندق، ضبط أنفاسه واتجه يفتح وكما توقع كانت هي.... العميل " ٢٦".
+
_" كنت نازل " قالها سيف بجدية
+
بادلتها النبرة هاتفة وهي تنظر في ساعة يدها:
_" ساعتين راحة كفاية على ما أظن، غير كدة الأكل هيبرد ولو انت متعود تاكله ساقع تقدر تنسحب "
+
قالت حديثها بمغزى وانصرفت فورًا، شعر سيف بالضجر الحقيقي من أسلوبها غير التعاوني والمائل للغرور لكنه لم يُظهر هذا فقط أعدّ نفسه ولحق بها...
+
وصل للمطعم فوجد مالك جوارها على الطاولة في انتظار حضوره، سحب مقعدًا وجلس دون كلمة واحدة، بدأوا في تناول طعامهم بصمت، حتى رفعت عينيها نحوه وكادت تتحدث لكن أسكتها سيف قائلًا:
_" في شغلي بحب أمشي بقاعدة بتقول.... ما تستناش الفرصة تجيلك، مادام موجودة روحلها بنفسك! "
+
ثم نظر لها وأكمل بمقصد:
_" والشاطر اللي يعرف ياكل السخن والساقع "
+
ابتسمت ساخرة لكنها صُدمت حينما وقف وألقى نظرة على " آنا كورنوفا " الجالسة بنفس المكان على مقربة منهم وقال:
_ " عيب نعكر صفو الناس كدة من غير احم ولا دستور "
+
ثم وجه كلامه لمالك ونبس بغمزة:
_" لو شبعت تعالى معايا "
+
تجهم وجهها وهمست مستنكرة:
_" على فين، لازم تكلمها لواحدك مش عايزينها تشك فينا! "
+
دون أن ينظر لها جذب مالك من يده وتحدث بصوت عالٍ بالروسية:
_" أخي يود الاستجمام يا فتاة دعينا نستمتع بالإمتيازات الرائعة في مثل هذا الفندق الفخم "
+
عقد مالك حاجبيه ولم يفهم شيء فقط يمرر عينيه بينهما بتوتر فضحك سيف شارحًا:
_" استجمام يا شقيق... قالوا السبا بيصلّح اللي الوقت كسره… نشوف الساونا والجاكوزي هيصدقوا الكلام ده ولا لأ، مش معقول نعدي السفرية قُرديحي.... "
+
ألحق كلامه بنظرة مستفزة بطرف عينه نحوها وهمس:
_" تصحبكِ السلامة 26.... من اعتاد القيادة لا يرضخ لأوامر "
+
خرجا معًا وتركاها تكاد تجن فصعدت لغرفتها بتوعد، أما عن مالك فهمس لسيف بإنفعال:
_" انت بتعمل ايه بجد... آخر يوم ل " آنا " النهاردا وبعد كدة هتسافر والله أعلم على فين؟، سيف دي المدخل الوحيد للتنظيم غير كدة انسى نوصل لحاجة "
+
_تنهد سيف بإبتسامة غامضة يرتب على كتف مالك وهمس له بكلمات مبهمة:
_" هتسافر في حالة إتمام شغلها هنا، إنما لو ماتمش فمش هيكون آخر يوم ليها في العاصمة.... انسى شغلك القديم مع " طنط غرور فئة ٢٦ " واتفرج على الحصري مع ڤامبي"
+
كتم مالك ضحكته من اللقب الذي أطلقه على العميل ٢٦ فمالك أحد ضباط فريقها وسبق وتعامل معها كثيرًا لذلك حذر سيف قائلًا:
_" بلاش تعند معاها.... احنا لازم نتعاون عشان مهمتنا واحدة "
+
_" البادي أظلم " نطقها سيف بعدم اكتراث واستكملا طريقهما تحت أعين المدعوة " آنا " تلك الفتاة صاحبة الملامح الغامضة، والأكثر غموضًا كانت نظراتها لسيف بالتحديد...
1
--------------
+
كان بكر نائمًا في أحضان والده لا يشعر بالدنيا، تركها لمن عليها وفضَّل السكون التام والنوم العميق،
ليلى تراقب على استحياء تتذكر كيف نجت ولم يكشف وجودها ليلة أمس... حيث نام خلال دقائق من وصوله، وكادت هي تنسحب للخارج لكنها اكتشفت كونه مريضًا ويحتاج مساعدة فورية، فنزلت للعم صلاح وتظاهرت أنها سمعت خطوات في الشقة فوقها،
+
عندها صعدوا معًا ووجدوه ممد على السرير بملابسه كاملة كمن أغمى عليه أو بالفعل كذلك...
+
_" مالك يا ليلى؟! "
+
فاقت من دوامتها وانتبهت لنداء صلاح فقالت:
_" بتقول حاجة يا عم صلاح؟ "
+
ابتسم بإمتنان يردف بنبرة محملة بالإعتذار:
_" تعبتي معانا قوي... سهرانة جنبنا طول الليل تعملي له كمدات وتاخدي حرارته لو أخته من دمه مش هتعمل كدة!... مش عارف أقولك ايه يابنتي ربنا يكرم أصلك ويحفظلك كل عزيز "
+
أخفضت رأسها بخجل لا نعرف مصدره الحقيقي أهو من كلامه الطيّب في حقها أم خجلًا من خداعها لهم، بل أستبعد الإحتمال الثاني...
+
حمحمت وردت بإبتسامة باهتة:
_" ماتقولش كدة يا عم صلاح ده مايجيش حاجة في وقفتكم جنبي، الحمد لله إني كنت صاحية وحسيت بالبشمهندس لما رجع.... ومؤمن كتر خيره نزل جابله أدوية في نص الليل "
+
فجأة دخلت بثينة مع والدتها للغرفة سريعًا تقول بقلق:
_" بكر عامل ايه! وايه الكلام المنشور عن خطيبته ده؟! "
+
أشار لها صلاح لتخفض صوتها، هم بالفعل يعلمون، فمن لم تصله الفضيحة بعد!!، قال محذرًا بحزم:
_" مش عايزين سيرتها تيجي قدامه خالص يا بثينة فاهمة"
+
هُنا تشدقت أم مؤمن بقهر:
_" الله يحرق قلبها زي ما حرقت قلبه البعيدة، اللي زي دي مش كفاية عليها الفضيحة "
+
بكت بثينة بحزن واقتربت من بكر تردد:
_" وربنا ماتستاهلك يا بكر... ماتعملش كدة في نفسك "
+
واساها مؤمن بعقلانية:
_" طولي بالك يا بثينة هو أصلًا مش سامعك وزي ما عم صلاح قال بلاش نجيب سيرتها بقى صفحة واتقفلت "
+
عم الصمت لحظات حتى استأذنت ليلى بهدوء:
_ " هنزل أجهزله حاجة ياكلها على ما يفوق "
+
ردت أم مؤمن تشجع الفكرة:
_" وماله يابنتي، روحي معاها يا بثينة بدل ما بتعيطي على راسه كدة "
+
لم تعترض وخرجت مع ليلى التي ألقت نظرة أخيرة على وجهه الشاحب تحوِي مزيج غامض من المشاعر...
+
بعد وقت كانت الفتاتان في المطبخ وقد بدأت ليلى على الفور تقطع الخضروات وبثينة جوارها تنظر للفراغ بأعين خاوية وكأنها تكن مخاوف كبيرة...
+
_" هو انتِ تعرفي بكر من زمان يا بُسبُس؟ "
+
انتبهت لها الأخرى وردت بهدوء:
_" طبعًا... احنا متربيين سوا، عم صلاح يبقى ابن عم بابا الله يرحمه"
+
أخذت نفس قصير وأكملت بشرود:
_" كنا الأول ساكنين في حارة بعيدة عن هنا، لحد ما عمي صلاح باع بيته هناك وصفى كل اللي عنده واشترى شقتين في العمارة دي واحنا عملنا زيه هو أصلًا كان يعتبر المسئول عننا بعد وفاة بابا "
+
مدت ليلى شفتيها ببعض الاستغراب التي أعربت عنه قائلة:
_" أول مرة أعرف ان بينكم صلة قرابة فكرتها علاقة جيرة مش أكتر "
+
لم تعقب بثينة فقط نظرت لها وصمتت، رتبت ليلى على كتفها تضيف بدعم:
_" ماتزعليش... أي حد بيتحط في مواقف صعبة ولازم هيكمل، و بكر راجل كبير وواعي مش حاجة زي دي اللي هتهدم حياته "
+
هُنا انفجرت بثينة في بكاء عنيف كانت تكتمه بصعوبة، ثم بدأت تفصح عما في قلبها الحزين تقول:
_" صعبان عليا قوي يا ليلى، كل اللي بيتعلق بيهم بيسبوه...في الأول مامته وبعدها ياسين أخويا اللي كان زي توأمه... مات قدامه في حادثة وهما راجعين بنتيجة الثانوية، متخيلة!... حتى بنت الجيران أول حب في حياته لما اتقدملها أهلها رفضوه... اتخطى وساب كل ده وعزّل من الحارة، يقوم يتعرض تاني للغدر من الست اللي كانت هتبقى مراته، ماحدش يستحمل كله ده كتير بجد "
+
وقفت مشدوهة مما تسمع، بل وهي التي تعرف أكثر من ذلك، وفاة أعز أصدقائه منذ شهرين فقط.... وعلى يديهم.... شعرت بغصة في حلقها
+
لكنها تراجعت عن تلك المشاعر الخطِرة، عقلها يعنفها بصرامة، فأخذت تُذكر نفسها بهويتها الحقيقية وهدفها واجب القضاء...
1
انتبهت حينما ابتعدت عنها بثينة تقول بتهرب:
_" انسي اللي قولتهولك، هروح أطمن على تيتة وراجعة "
+
خرجت دون ان تسمع ردهل وتركت المبنى سريعًا متجهة للعقار المجاور حيث تقطن مع أسرتها، كانت تتحرك بعجلة تمسح دموعها التي تتجدد باستمرار، حتى شعرت بيد أحدهم توقفها وهو يقول بخوف:
_" أتبكين؟! "
+
نطقها باللغة الروسية فلم تفهمها فقط اتسعت عيناه من رؤيته أمامها أخذت تمسح وجهها بعشوائية، وتهتف بصوتها المبحوح الجاد عكس المعتاد:
_" انت هنا ليه؟ عايز حاجة! "
+
استغرب أليكسي من نبرتها الجديدة تلك فحمحم بإحراج وقال:
_" جيت أطمن على مستر بكر لو مسموح "
+
أومأت بإرتباك ورحبت به قائلة:
_" آه أكيد، بس هو نايم دلوقتي "
+
_" مش هزعجه أكيد "
+
ابتسمت له بود وأخذته لأعلى تحت عيناه اللاتي تراقباها بإنزعاج من بكائها اللعين، وحينما أصبحا أمام الشقة قال بصدق:
_" لا يليق البكاء بملامحك الرقيقة، كرهت رؤية ذلك "
2
لم ترد بكلمة لأنها لم تفهمه أصلًا أدرك كوْنه حدثها بالروسية فضحك بخفوت وقال ببساطة:
_" ماتبكيش مرة تانية، بتكوني أحلى بضحكتك الجميلة "
+
وكأنه ما قال شيئًا دخل وتركها تقف مصدومة عند الباب، لكن للحق أسعدها ذاك المختل!
+
-------------
+
جالس ينظر للفراغ والأوراق بين يديه تكاد تصرخ من قسوة قبضته، سلمى تظنه غاضبًا من فعلة أبيها المخزية، لكن في الحقيقة لا شيء يضاهي غضبه منها، لا يدري أيصفعها الآن ليُرضي كرامته ويشفي غليل قلبه، أم يضمها ويزيل دمعاتها الحارقة تلك، لكنه لم يفعل أيًّا منهما، فقط وقف يتجه للخارج بخطوات سريعة...
+
تبعته سلمى الباكية تسأل بتعجب:
_" أبيه رايح فين!.. انت كويس؟! "
+
لم يرد ببنت شفه وترك المنزل كله دون أن ينطق بكلمة منذ لحظة وصوله، نظرت لبتول خلفها تسأل بتيه:
_" ماتكلمش ولا كلمة وخرج، ماله طيب؟!... هو مخبي عني حاجة صح! "
+
لم تدرِ بتول بماذا تجيبها فظلت صامته والدقائق تمر ثقيلة محيرة، حتى وصلت مجدة تقول بلهفة:
_" حصل ايه يا بنات، شادي نازل واخد في وشه ومش بيرد ليه؟! كان عايز حاجة؟! "
+
نفت سلمى برأسها وتلجلجت قائلة تحاول ألا تُشعر والدتها بشيء :
_" لا هو بس متخانق مع خالي وكان جاي لسيف "
+
وضعت مجدة الأشياء من يدها وسألت بإستنكار و شكّ:
_" وهو مش عارف إن سيف في شغله من امبارح ومش راجع اليومين دول! "
+
_" معرفش يا ماما بقى الله!! ابقي اسأليه "
+
قالتها بغضب مفاجئ ودخلت غرفتها صافعة الباب خلفها، بينما غضبت مجدة ووجهت سؤالها لبتول بحزم:
_" حصل ايه يا بتول، مالها عفاريتها حاضرة ليه البت دي؟! "
+
بكل براءة بدأ بتول تشير بيدها كأنها تشرح الأمر لكن مجدة صاحت فيها بحنق أكبر:
_" بتقولي ايه انتِ؟!... أقولك اجري ورا صاحبتك هروح أهكلم أخويا أفهم منه"
+
ثم أكملت بتهكم وهي تخلع خمارها وتتجه للداخل:
_ " ياتكم الهم الواحد من الصبح على رجليه ويدخل يلاقي اللي يسد نفسه، قال يا مخلفة البنات "
+
زفرت بتول بأسى ودخلت لسلمى التي قالت فور أن رأتها:
_" كان بيبصلي ومتعصب صح؟ "
+
تجمدت بتول لا تفهم مقصدها فأضافت سلمى بغيظ:
_" شادي! "
+
نفت بتول تحاول سد الفجوة بينهما لكن أصرت سلمى تقول:
_" لا ماتكذبيش كان باين عليه أصلًا من لما دخل، أنا عملتله ايه! "
+
طبطبت عليها الأخرى وضمتها بحنان لتستمر في البكاء تعود لأسئلتها الضائعة:
_" ازاي مفيش نسبة تطابق في التحاليل؟!، شادي ماستغربش حتى، ازاي دي ردة فعله... أنا عايزة سيف دلوقتي "
1
بعد لحظات ارتفع رنين هاتفها، التقطته فورًا على أمل أن يكون المتصل أخيها أو حتى شادي لكنها وجدته رقم خاص، جعدت وجهها ونبست بإرهاق:
_" دا ايه ده كمان "
+
حمحمت تخفي أثر البكاء من صوتها و أجابت قائلة:
_" ألو "
+
انتظرت لحظة بعدها أتاها رد مخيف سحب الدماء من وجهها بل جمدها في مكانها:
_" لو مش عايزة فضيحتك توصل لأخوكِ و تبقى في كل مكان، اسمعيني للآخر ولواحدك "
-------------
+
كان عائدًا من عمله في وسط النهار من أحد الشوارع الهادئة قليلة المارة كي لا يُسمعه أحد كلمة تجرحه، قصدَ بيت السيدة نهال ليطمئن على أحوالها قبل ذهابه لمحل سكنه الجديد، لكن استوقفه مشهد حرك الدماء برأسه وكأنه يخصه...
+
تقف فتاة بكامل حشمتها تحاط بشابين يبدو عليهما سوء الخلق أحدهما "هاني " ذلك الذي سبق وكاد يُورط نوح معه في توزيع الممنوعات، يُعيقان سيرها بشكل جعل الرعب يتملكها وهي تردد برجفة وصدق:
_" معرفش أخويا فين والله العظيم... احنا كمان بندور عليه... لما يرجع خلصوا شغلكم معاه أنا ماعرفش حاجة "
+
شهقت فجأة وسالت دموعها بغزارة حينما أمسك أحدهما يدها واقترب منها بحقارة يقول:
_" طب نستناه ليه لما ممكن نخلص شغلنا معاك انت يا جميل "
+
كان قد اندفع نحوهم نوح وجذب الشابان بعيدًا عنها بكل ما أوتي من قوة وغضب وغيرة فطرية وهو يهتف بسخط:
+
_" ابعد عنها منك ليه....واقفين عايزين منها ايه؟! "
+
ضحك هاني بإستهزاء حينما أبصره وقال:
_" وانت مالك بس يا نوح!..... ماتسيبنا نشوف مصالحنا، أومال لو ماكانش أخوها معلم عليك في بنت عمتك كنت .... "
+
أخرسه نوح على الفور بلكمة عنيفة أصابت أنفه جعلته يصرخ متراجعًا للخلف، فتدخل صديقه يصيح بغضب وهو يُخرج سلاح أبيض يحركه في الهواء بحركات تهديدية:
_" انت هبت منك ولا ايه ياض!!!، هي كانت من بقيت أهلك، حقنا عند أخوها وبناخده "
+
تراجع نوح للخلف بحرص والفتاة وراءه تضع يدها على فمها بخوف وتبكي بصمت متحسرة على أخٍ وضعها في موقف كهذا مع صحبة السوء خاصته...
+
ارتفع صوت نوح يهدد هو أيضًا:
_" خدوا بعضكم وامشوا من هنا قبل ما أطلبلكم البوليس ووقتها مش هبلغ عنكم بس لأ... هجيب الشلة من جذورها "
+
لم يهتم بتهديده بل قرّب السلاح من رقبته وضغط عليها ثم تلفظ بسخط:
_" اهدى على نفسك يابا وفوق للكلام... انت عارف بتعادي مين ولا مضحي بروحك، والبوليس ده ييجي للعبط اللي زيك يتاخد في قضية مخدرات... تحرش.... تحريض ضد النظام إنما احنا كبار أوي و.... "
+
لم يكمل كلامه وجذبه هاني ليسكته يردد بسرعة:
_" خلاص ياسطا مش فاضيين للأشكال دي امشي حسابنا مع رامي "
+
ثم وجه حديثه لنوح وهو يضع يده على أنفه بألم:
_" مقبولة منك يا شيخ، عشان احنا ولاد حتة واحدة، ولما تشوف رامي قوله فلوسنا اللي عنده لو مارجعتش مش هيحصل طيب "
+
فقط وابتعدا من المكان ليصيح صديقه فيه بسخط وانفعال:
_" فيه يا عم هاني جبت ورا ليه انت خايف من عيل هِتي زي ده؟ "
+
رد عليه هاني وهو يضغط على أسنانه بحنق:
_" العيل اللي مش عاجبك ده وراه ناس تقيلة خرجوه في يومين من ٣ قضايا أسخم من بعض.... و رامي اختفى والله أعلم حصله ايه كل ده عشان هكر صفحته ونشر البوستات اياها... امشي واشتري عمرك"
+
أما عند نوح فالتفت لتلك المراهقة تبدوا في السادسة عشر فقط وجدها تخفض رأسها بخزي ويديها تتشابك بإرتجاف فصرف نظره عنها قائلًا:
_" انتِ كويسة؟! "
+
أومأت رحمة له تقول:
_" شكرًا... ربنا يجازيك خير "
+
_" ولكِ بالمثل.... الأحسن ماتمشيش من الشارع ده تاني... عن إذنك " قالها وتحرك خطوتين قبل أن تتغلب على إحراجها وتوقفه هاتفة:
+
_" أستاذ نوح... لو سمحت ممكن سؤال "
+
استدار يومئ برأسه بهدوء:
_" أكيد.. اتفضلي "
+
ابتلعت ريقها قبل أن تنظر له برجاء دفين:
_" هو انت تعرف مكان أخويا!... مش بتهمك في حاجة أنا بس عايزة أطمن عليه، أمي مموتة نفسها عياط طمنا بس ربنا يجبرك "
+
لم يعرف بماذا يجيبها هو للتو علم باختفائه لكن بالفعل يمكن أن يكون " عز " له دخل في ذلك فقد سبق وأخبره بحقيقة تورط " رامي" في اختراق صفحة "نوح" ونشره لمقالات سياسية خطيرة....
+
_" لو قدرت أساعده مش هتأخر، ربنا يرجعه ليكم بالسلامة "
+
كان يتحدث بهدوء وصدق جعلها تبتسم بقلة حيلة وقالت:
_" ربنا يكرمك مش عارفة أقولك ايه "
+
قالتها ورفعت عينيها له على استحياء لكنها صدمت بالدماء على رقبته أثر جرح صغير سببه له ذلك الوضيع فصاحت بخوف:
_" رقبتك مجروحة "
+
تعجب ووضع يده على رقبته لتتلطخ ببعض الدماء للحق لم يشعر بها، أخرجت على الفور منديل ورقي و اقتربت تمسح الدماء بحركة غير محسوبة نتيجة شعورها بالذنب.
+
_" أنا آسفة والله حقك عليا "
+
_" الحقي يا سهى مش ده نوح؟ " قالتها شهد تلكز صديقتها حينما لمحته من بعيد، سقط قلب سهى قبل أن تراه بمجرد ذكر اسمه وأسرعت في خطاها تغير الاتجاه...
+
_" ماتبصلهوش يا شهد امشي مش عايزاه يشوفني"
+
أوقفتها شهد رغمًا عنها وجعلتها تنظر نحوه ثم اردفت بخبث:
_ " مش تشوفي واقف مع مين لواحدهم وناقص يلزقوا في بعض "
+
لم تحتج لمزيد من الوصف لتنظر اتجاهه بسرعة قبل أن تهمس بصدمة:
_" مش دي رحمة أخت رامي؟ "
+
_" ياما تحت السواهي دواهي الله أعلم يعرفوا بعض من امتى "
+
نظرت لها سهى بعدم تصديق:
_" قصدك ايه؟! "
+
_" هي محتاجة يا نبيهة بقت واضحة، رامي استندل معاكِ لما عرف باللي بين أخته وبين نوح.... امشي نتكلم في مكان غير ده "
3
جذبتها شهد والأخرى كالمغيبة نظرت مرة أخيرة نحو نوح والفتاة القاطنة على مقربة كبيرة منه فأدمعت عينيها بحسرة على حالها قبل أي شيء...
+
بعد وقت دخلت المنزل عند شهد وألقت حقيبتها بعدما تغيبت من دروسها دون علم والدتها فهذه أصبحت عادتها في الآونة الأخيرة...
+
_" اشربي العصير وانسي لي نوح شوية وفكري في نفسك أديكِ شوفتي بعينك الباشا مقضيها ولا على باله "
+
أخذت شهد الكأس منها وهي تقول بتكذيب:
_" لا يا شهد مستحيل نوح يعمل كدة مش دي أخلاقه خالص "
+
ضربتها الأخرى بخفة على رأسها وتشدقت بسخرية:
_" انتِ هبلة ها؟ دا بدل ما تحمدي ربنا إنه كشفه ليكِ في عز الضهر... واحنا مش بالعادة نرجع من الشارع ده... بس دماغه شغالة اختار مكان الرجل مش عليه عشان ياخد راحته"
+
صمتت ترتشف العصير وهي تنظر لسهى بطرف عينيها فوجدتها تبكي بصمت فأكملت تضغط على الجرح:
_" عارفة كله كوم والبت رحمة السهنة دي كوم تاني طلعت حية من تحت تبن، جابت رجليه بنت اللئيمة... خيبة عليكِ انتِ كان بيكلمك من وراء حجاب "
+
فاض بها الكيل فانهارت تصرخ فيها:
_" ما خلاص بقى يا شهد أقوم اقطع شراييني عشان ترتاحي!! "
+
شهقت الأخرى تضرب على صدرها بتمثيل محكم وضمتها بقوة تردد بأسف:
_" قطع لساني يا سهى لو قاصدة أضايقك أنا بس مش قادرة اصدق الخبث اللي في ابن خالك بجد، ازاي ممثل شاطر أوي كدة يخربيته... بركة انه بعد عنكم كان خانقك ومقضيها هو.... ما ده تفكير اللي شبهه"
+
انهمرت دموعها بمرارة تتذكر رغبتها المجنونة في مصارحته بما أوقعت نفسها به لعله يسامحها ويدعمها كما يفعل، لكن هيهات!!
+
_" ماتجيبيش سيرته بقى يا شهد مش عايزة اسمع عنه حاجة، كفاية اللي حصلي بسببه، حتى أمي مش بتكلمني.. وأبويا مختفي زي رامي أكيد برضو بسببه "
+
كتمت شهد فرحتها وتظاهرت انها الداعم الوحيد لها في هذا الوقت وقالت:
_" انسي اللي فات بقى يا سهى انتِ مابقتيش عايزة حد خلينا نركز في حالنا وشغلنا "
+
ابتعدت عنها سهى تجفف دموعها وتقول بكره:
_" شغل ايه يا شهد؟ مسمية القرف ده شغل!! "
+
_" قرف ايه يا عبيطة! هو حد شايفك كله من ورا الشاشة يا ماما ماتبقيش عُقدية "
+
_" عقدية!! نكلم ناس مانعرفهاش بكلام مبتذل وفظ عشان متهددين دي مش عقدة ومصيبة كمان؟!!!... انتِ الفلوس اللي بيبعتوها نستك الاستغلال الواقع علينا منهم يا شهد... أنا مكملة على أمل ألاقي مخرج أنا مش عايزة أفضل كدة... النهاردا مكالمات الله أعلم بكرا هيطلبوا ايه؟ دول مافيا يا شهد انتِ مستوعبة؟ "
+
ألحقت حديثها الإنهياري بلطمة قوية على وجهها ثم صرخت:
_" يارب بقى ريحي من كل ده أنا مش وحشة كدة ماستاهلش ده أبدًا "
+
للحق ادمعت الأخرى هي أيضًا، تمنع نفسها من الانهيار، إن كانت سهى مصيبتها تتمثل في مكالمات إجبارية غير أخلاقية مع رجال لا تعرفهم، فشهد مصيبتها أكبر بكثير وتخطت حدود أكثر ..
+
--------------
+
الشمس على وشك الغروب وهو يجلس أمام والدها في منطقة آنية للمرة الأولى نشهدها، نظر مُحسن للأموال الموضوعة أمامه نظرات لاهثة ثم رفع عينيه لشادي بطمع وتساؤل:
_" ايه ده يا ابن جبران هي الحداية بتحدف كتاكيت! قلبك حن للعِشرة وجاي تراضيني بالمبلغ المحترم ده ولا بتشتري سكوتي زي بنت عمك أم الغالي؟"
+
أسند الآخر ظهره للخلف وتجاهل ما يهز به مُحسن، هو بالأصل يعرف دناءته وإمكانية تزويره للتحاليل لكن الآن هو للأسف يحتاجه وبشدة...
+
_" ده مهر سلمى "
+
طالعه محسن بنظرات مشدوهة:
_" سلمى مين؟! سلمى بنتي؟ "
+
_" عندك غيرها! "
+
لم يفهمه محسن أي مهر هذا ولما يقدم شادي مهر لسلمى:
_" مش القصد! انت عايز ايه بالظبط يا شادي؟! "
+
ابتلع ريقه واقترب منه يهتف بجمود:
_" تيجي معايا للمأذون وأكتب عليها "
+
_" انت اتجننت باين عليك، تكتب على مين! مالقيتش غيرك ياخي اتكسف على دمك دي بتقولك يا خالي "
+
تعرفون الرد المناسب هنا يجب أن يكون صفعة قوية تُحطم أسنانه، هل له عين للحديث بعدما تخلى عنها منذ كانت هي في السابعة أو أقل ، تركها تُلاقي مصير موحش في عالم مخيف حتى تلاشت فيه وضاع كيانها....
+
شادي يفهمه جيدًا ويعرف أنه لن يرفض أبدًا مادام له مصلحة لكنه أضاف يسايره ببرود:
_" سيبك من الكلام اللي مابيأكلش عيش ده، أنا اتقدمتلها و سيف ومجدة موافقين بس سكر معترض.... وأنا عايزها مراتي النهاردا قبل بكرا فملقيتش قدامي غير للأسف "
+
كان يتحدث بنبرة غريبة أو مريضة نوعًا ما حتى أن مُحسن تعجب منها لكنه سأل وهو يمرر يده على الاموال:
_" وبنتي موافقة! "
+
أضحكته الكلمة فهز رأسه بسخرية وقال:
_" موافقة.... اجهز انت بس وتعالى معايا وهتشوف ده بنفسك "
+
فقط ثم وقف بعدها وابتعد يُخرج هاتفه يتصل بها.... بينما رحب أبوها بالمهر المزعوم بكل وضاعة وقد ذاب اعتراضه الكاذب...
+
----------------
+
_" عارف باشا عندي خبر حلو أوي " قالتها مي مديرة أعماله بحماس شديد وهي تدخل إلى المكتب بخطوات سريعة، جعلت قلبه يطرق بالفرح وهو يهتف بلهفة:
+
_" اقعدي يا مي وفهميني"
+
وضعت أمامه بعض الأوراق بإبتسامة واسعة وجلست مقابله تشرح:
_" دي صور لأوراق ببيانات الست اللي كانت مع مدام نهال في نفس الغرفة في المستشفى اللي ولدت فيها "
+
غاصت عينيه المتلهفة في الاوراق، كان التصوير حديث لكن المعلومات غير واضحة وللحق من لهفته كأنما نسي القراءة فصاح فيها بإنفعال:
_" سيبك من الورق يا مي هاتي المختصر المفيد "
+
_" حضرتك عارف مرّ أكتر من ٢٨ سنة والورق الأصلي وصلناله بصعوبة من الأرشيف عشان كدة للأسف بيانات الست ممسوحة بس اسمها الأول.... مجدة "
+
عقد حاجبيه بإستنكار ونبس بسخط:
_" يعني ايه؟ هنلف مصر كلها ندور على الست مجدة اللي كانت مع نهال وقت الولادة عشان يمكن عارفة مكانها.... هي دي الأخبار يا مي!! "
+
هدأته قائلة بلباقة:
_" اهدى بس يا باشا واسمعني.... الست مجدة دي خلفت في اليوم ده ولد، واحنا وصلنا لبيانات المولود ده ... يعني معانا اسم ابنها وجوزها بمكان السكن والرقم القومي كمان "
+
وقف بعدم تصديق لدرجة لمعت عينيه وهو يردد بأنفاس عالية متقطعة:
_ " حلو... برافو.... يارب... تفتكري ده هيوصلني لابني؟ "
+
أومأت له بتفاؤل وقالت تطمئنه:
_" مدام نهال مالهاش حد هناك وأكيد استعانت بالست دي عشان تقدر تستخبى أو على الأقل اتكلمت معاها.... المهم فيه خيط نبدأ من عنده يا باشا وهنمشي وراه "
+
هز رأسه بإصرار وهو يقول:
_" صح، عندك حق "
+
قالها ووقعت عينيه على اسم المولود المدون على الأوراق فنطق بخفوت تلقائيًّا:
_" سيف محسن نصّار... ابني جه للدنيا في نفس اليوم اللي انت جيت فيه... يا ترى سمتيه ايه يا نهال!؟ "
+
---------------
+
وقف في منتصف جناحه المظلم إلا من ضوء القمر، ينظر للجدران أو بالمعنى الأوضح سارح في صورها التي تحتل المكان بأكمله في إعلان صريح عن وجود عاشق ولهان بل مدمن ميئوس من شفائه،
+
_" حقك عليا... على عيني أسيبك كل ده لواحدك!... عز عمره ما نسيكِ... وغلاوته في قلبي مش هطول عليكِ زيادة.... كام يوم بس وهعرف مين اللي دخلك في عداوته مع عمك وأخدك.... بعدها هحرقهم في بعض يدوقوا شوية من اللي شربته "
+
رفع يده يمررها على ملامحها بإبتسامة تحمل آلام سنوات طوال، نادرًا ما طلب شيئًا لنفسه... لكنها الشيء الوحيد الذي تمناه قلبه بكل جوارحه.... بعد أخيه ...
+
_" ١٣ سنة كتير يا بتول.... لو تعرفي اللي صاب عز فيهم هتسامحيني من غير أسف... بلاش تكوني نسيتيني مليش غيرك يفتكرني... حتى نصي التاني مايعرفش وجودي.. "
1
لم يكن وحده المتألم بالمكان، بل هناك مَن تنكمش على نفسها في أحد الاركان المظلمة، تكتم شهقاتها بصعوبة، ينقبض قلبها بوجع صارخ، هل حقًّا أخي! هل لعب القدر معنا بمثل تلك القسوة، مَن انتشلني من أصعب الشدائد أخي!!... لما أوصلونا لذلك! جواري ولا أعرف!؟
+
_" مصدومة فيا ها؟! "
قالها بسخرية باهتة كأنه يخاطبها، تجمدت مكانها تُبلل شفتيها بإرتباك، يبدو أنه لازال يخاطب حبيبته الغائبة....
+
بينما اتجه هو لجانب المشروبات يفتح إحدى الزجاجات ويتجرع مما فيها على دفعة واحدة كأنه بذلك يغلق باب الذكريات مؤقتًّا، ثم أنزلها وحرك رأسه جزئيًا ناحيتها وابتسم ساخرًا يضيف:
_" ماطولتيش!! جاحدة لدرجة تسافري وترجعي من غير ما بصي في وش أهلك.... لحقت أوحشك! "
+
أغمضت عينيها بقوة... يعلم بوجودها، تنفست بعمق ودفعت نفسها تتحرك نحوه ببطء، حتى ظهرت أمامه بملامحها الذابلة وسكونها غير المعتاد،
+
_" غبية أنا برضو عشان أدخل وكر التعبان وأتخيل إنه ماشافنيش "
هكذا سخرت من نفسها رافعة جانب فمها بينما عز تفحصها عن كثب قبل أن يسأل بهدوء:
+
_" جاية ليه يا نور!؟ "
+
نطقت بكلمة لم تصله لكن وصلته دموعها التي انسابت على وجهها دون صوت فاقترب يقول محذرًا بنبرة صادقة:
_" ابعدي عن طريقي يا نور... والبلد دي آخر بلد تفكري تدخليها إلا لو مستغنية عن روحك، انت فعلًا في وكر تعبان بس مش سنايبر، التعبان اللي هيخلص عليكِ من غير ما يرف ليه جفن يبقى زعيم أخطر منظمة فساد في العالم... بتلعبي على كبير أوي "
+
_" معاك حق! "
+
قالتها بيأس صدمه، ثم أكملت بقهر حقيقي:
_" بس أنا ما اختارتش يا عز، ما اختارتش أب مجرم وعديم ضمير، ولا أم كل همها السُلطة والفلوس، ماخترتش أتحرم من حضنهم وأتربى في حضن الغريب زي اليتيمة، ماخترتش أتحرم من حازم وأرجع لوحدتي تاني من غيره.... حتى إن يكون ليا أخ ماعرفهوش ومايعرفنيش برضو مش اختياري، كل ده هما اللي عملوه، واحنا العرايس اللي حركوها بحبال "
+
أدرك وجود خطب ما أصابها هناك، شعر بعجزها على الوقوف فسحبها لمقعد جانبي وقال بصوت رخيم:
_ " اهدي واقعدي "
+
جلست لكنها لم تصمت أكملت تفصح عما في جوفها بجنون:
_" قطعت الحبال ومارتحتش.... ساعدني نقطع الأيادي اللي مسكاها... يستاهلوا يتحرقوا يا عز صدقني... وِحشين أوي... الدنيا قصيرة على كل القذارة اللي في قلوبهم... طب ليه حرموني منكم.... انت وبعدين حازم... عذبوني كتير أوي "
1
تهزي بهذه الكلمات في حين تركها هو وذهب يفتش في أحد الأدراج، سريعًا أخرج حبتين من شريط دواء، وضعهما في كأس من الماء وعاد إليها يوجهه لفمها آمرًا:
_" اشربي يا نور "
+
كان تحرك رأسها برفض لكنه أجبرها تتجرعه وهو يردد بحنان:
_" هيهديكِ.... أنا آسف إنك روحتلهم عشاني... حقك عليا "
+
_" دمرونا يا عز... حرمونا من أبسط حقوقنا.... عمري ما هسامح "
ترددها بإنهيار وهو يظنها تتحدث عن حبيبها الراحل يغفل عن كونه محور كلامها، إلا الآن تُشكك في كلمات "رياض" رغم الأدلة والصور التي عرضها عليها، جاءت إليه لتقطع الشك باليقين، كانت ستأخذ عينه تخصه وترحل لكنه كشفها منذ لحظة وصولها لروسيا بل هو مَن أمنها كي لا تقع في أيدي أعدائها وأعداء والدها.....
1
-------------------
+
جلس متصلّب الملامح أمام المأذون، كأنّه يُصارع الزمن لا يتمم عقدًا سيربطه بمعشوقته للأبد، كان الهاتف موضوعًا على الطاولة والسماعة مرفوعة...
+
المأذون رفع حاجبيه متسائلًا، وهو يقلّب النظر بين شادي ومحسن:
+
_"العروسة مش هتحضر؟"
+
أجابه محسن، بصوتٍ لا يبالي:
_" لا احنا عيلة في بعض، نكتب بس وهنفرح بيهم سوا لما أخوها يرجع "
+
تدخل شادي يقرب منه الهاتف قائلًا بنبرة خالية من الحياة:
_" العروسة على التليفون تقدر تسمع موافقتها "
+
نظر المأذون إلى الهاتف، ثم أخذ اسمها من بطاقتها امامه وسأل بهدوء:
_" سمعاني يا آنسة سلمى! "
+
مرت ثوانٍ كسنوات على شادي ذلك الذي ضاعت فرحته وبهجته بيومٍ طالما تمناه قبل أن يسمع ردها المتردد:
_" آه يا مولانا مع حضرتك"
+
_" موافقة على الجواز من الأستاذ شادي جبران الرازي وباباكِ وكيلك؟! "
+
_" موافقة " لفظتها بسرعة كأنما تتخلص منها أو تراعي ضربات قلبها علها تُنهي الأمر وتهدأ
+
كان ياسر رفيق شادي أحد الحاضرين وثلاثة آخرين من معارفه الذين يثق بهم يستمعون لموافقة سلمى، ثم بدأ عقد القران بصيغتة الشرعية المعروفة....
+
كان يردد خلف المأذون بعقل شارد تحضره صورها ومراحل إكتمالها منذ كانت طفلة حتى أصبحت سلمى حبيبته الناضجة،
+
_" بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير "
+
قالها المأذون ختامًا وأعطاه القلم ليضع توقيعه، أمام عينيه اسمها مكتوب بجانب اسمه، لكنه لم يشعر بالفرح، كل شيء فيه كان ساكنًا... إلا ذاكرته.
+
رآها كما كانت قبل كل شيء، تضحك دون خوف، تسأله بلا حذر، وتثق به كأن قلبها لا يعرف غيره، كان يحبها في صمت، يخاف من أن يصرّح… فيفسد كل شيء، حتى جاءت لحظة الانكسار، كأن أحدهم مزّق صمته بسكين، وألقاه وسط نار لا تنطفئ.
+
انتهى من وضع توقيعه وطبع بصمته على الوثيقة، أصبحت له وهو لها وما بينهما فراغ مخيف...
+
استقبل التهاني من الواقفين يتظاهر بالفرحة لكن هيهات، بالنهاية أخذ الأوراق وتحدث إلى المأذون بهدوء:
_" هرجع لحضرتك بيهم بعد ما العروسة تمضي "
+
---------------------☆☆☆☆☆☆☆
+
رأيكم في البارت لو مفيش خطر ع الكاريزما 🤨
3
وعدت ووفيت متأخرتش أهو 🤭
2
ماتنسوش تضغطوا على النجمة لزوم التشجيع
+
رأيكم في تصرف شادي؟
2
تتوقعوا نور هتصارح عز ولا هتعمل تحاليل الأول من وراه!
2
ماذا لو وصل عارف الديب لسيف وأهله😈
1
مثلث الحب بتول وسيف وعز 😕!!!
4
لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا أن يفرج الله كربهم دمتم في أمان الله ♥️
+
