اخر الروايات

رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم ملك علي

رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم ملك علي


=البارت الثاني و العشرون أنا عذراء
غادر علي قسم الشرطة , يحمل ملك الغائبة عن الوعي باتجاه السيارة , كانت خطواته هادئة لكن ملامحه ساخطة ,

أما ملك فقد كانت في عالم آخر , و هي تدس رأسها في صدره , ذراعاها تتدلى من الجهتين , و شعرها يتطاير ليلتصق برقبته , مما زاد من امتعاضه
كان إبراهيم يجلس هناك بصبر , منتظرا عودته مع كريم من داخل القسم , إلا أنه فوجئ به يعود وحده حاملا امرأة بين يديه ,
حدق الرجل بدهشة لثوان , قبل أن يركض ناحية باب السيارة و يفتحه ,
هو لم يتعود خلال سنوات عمله الطويلة مع علي , أن يسأل عن أي شيء يخصه ,
لكنه الآن فعلا فضولي بشأن المعجزة التي حصلت ,
حتى تتغير طباع هذا الرجل الصخرة , و يقبل أن يحمل امرأة غريبة بهذا الشكل و في مكان عام ,
رغم أنه حاول القاء نظرة مقربة , الا أنه متأكد أنه لم يرها قبلا مع سيده
كان وجه علي أسودا بسبب الانزعاج و عينيه ترسلان شرارا , و ملك تستلقي باستسلام بين أحضانه
بمجرد أن فتح إبراهيم باب السيارة الخلفي , ألقى علي ملك بالداخل دون مراعاة , كأنه يلقي كيسا مهملا
بعدها نزع سترته بتذمر شديد و ألقاها معها , كانت تعابير القرف تعلو وجهه و كأنه على وشك الاستفراغ ,

جلس بعدها إلى جانب إبراهيم , في الكرسي الأمامي للسيارة و أشار له بالانطلاق

" قد الى المستشفى و لا تنس إحراق تلك السترة "

قالها بغضب و لم يجرؤ السائق على معارضته أو حتى الاستفسار منه , و انطلق بالسيارة مباشرة .

في قسم الشرطة بعد مغادرة ملك مع علي , خرج عبد الحفيظ و المحامي جوزيف أولا , تاركين كريم و محاميه لاستكمال اجراءات الافراج

بمجرد وصولهم إلى باب القسم حتى وقفا قليلا للتحادث

" ما رأيك متر فيم حصل قبل قليل ؟ "

سأل عبد الحفيظ حيث لم يعد يستطيع إخفاء حيرته , عدل جوزيف نظاراته ثم أجاب

" صراحة أعتقد أن الحقيقة ما رواها المحامي و موكله "

" كيف ذلك ؟ "

سأل عبد الحفيظ وقد شوشته الإجابة أكثر

تنهد جوزيف و أضاف

" الرجل الذي جاء قبل قليل قائلا أنه زوج السيدة , هو رجل أعمال ثري جدا أو بالأحرى ملياردير ,

أنا البارحة حينما قرأت اسمه اعتقدت أنه مجرد تشابه أسماء لا أكثر ,
و لكن برؤيته قبل قليل تعرفت عليه , و أؤكد لك لا يعقل أن يخادع امرأة للزواج به , حتى لو كانت أميرة , لأنه ببساطة لا يحتاج إلى ذلك
ربما حضرتك لست ملما بعالم المال و الأعمال , و لكنه فعلا ذائع الصيت و محترم جدا ,

كنت تفهمت الأمر لو كان معكوسا , و لكن هكذا بالوضعية التي تصفها الطبيبة , لا يمكن للعقل تقبله "

لم يفهم عبد الحفيظ قصده دائما
" وضح لو سمحت "

فاسترسل الرجل بثقة

" يعني اذا جاءت امرأة و قالت أنها زوجته و حامل منه , و هو أنكر لبدا الأمر أكثر منطقية
فرجل بثقله تحلم أية امرأة أن تكون زوجته أو حتى رفيقته


و لكن أن يأتي من مكان بعيد , ليروي تفاصيل حياته الخاصة أمامنا , من أجل امرأة لا يعرفها فهذا أمر لا يصدق ,
ثم صراحة كان قلقه على زوجته واضحا جدا ,


حضر بنفسه إلى القسم رغم مكانته الاجتماعية المرموقة , أرسل محام ذو وزن في المجال حصل على كفالة في ظرف قياسي ,


و دفع مبلغا طائلا مقابل اطلاق سراحها , و لولا شهادة ملكية القطعة التي أظهرها المحامي , لكان الحكم بالسجن مؤكدا بالنسبة لها ,

أخبرني أي رجل قد يقوم بكل هذا , من أجل امرأة لا تربطه بها أية علاقة ؟


ثم كان واضحا جدا أنها تعرفت عليه بمجرد دخوله , لم يبد أنها تلتقيه لأول مرة أو أنه غريب عنها "

زادت حيرة عبد الحفيظ , بتذكر ردة فعل ملك بمجرد رؤية علي , و بدأ رأسه يؤلمه بسبب الضغط

" هل تقصد أنها تكذب ؟ "

سأل و قد لاحظ أن ملك كانت تبدو صادقة في كل ما قالته , لم يبد عليها أنها تمثل أو تدعي في أي وقت من الأوقات

أجاب جوزيف و هو يطرق رأسه
" لم أقل ذلك سيد عبد الحفيظ , لكن ما قاله المحامي و تقرير الطبيب النفسي واضح ,

هي تعبة نفسيا و منهارة لدرجة إنكار الواقع , بسبب الظروف المحيطة بزواجها و مشكلة الحمل ,

أكيد أن الضغط عليها كان رهيبا , لذلك وجب مجاراتها بدل تكذيبها أو مواجهتها , و هذا ما يفعله زوجها بكل مراعاة "

صمت قليلا ثم أضاف

" أنا رأيي أن لا نتدخل , إلا إذا أرادت الطلاق منه فأنا في الخدمة , رغم أن الرجل بدا متعلقا بها


أما بخصوص اتهام التهريب , فالمحامي علوان الأفضل في المجال , و هو من سيتابع الأمر لكنني سأكون دائما تحت تصرفكم "

لم يجد عبد الحفيظ بما يعقب و قد بدا أن كل ما قاله المحامي منطقيا , و اكتفى بمد يده للمصافحة

" حسنا شكرا لك متر على تعبك معنا , سأتصل بك إذا استجد أمر آخر "

صافح الرجلين بعضهما و افترقا , اتجه جوزيف الى سيارته و غادر , أما عبد الحفيظ فكان قلبه غير مرتاح ,
فنظرة الفزع في عيون ملك حين رؤيتها لعلي لا تفارق ذاكرته

" حتى لو كان زوجها لن يجبرها على البقاء معه , إن هي رفضت الأمر ستتدخل السلطات لصالحها "

قال محدثا نفسه ثم بقي في الانتظار , حتى غادر كريم يحمل أمتعة ملك التي حرزتها الشرطة سابقا , و تبعه المحامي عطية و الذي ما لبث أن غادر سريعا ,

اتجه عبد الحفيظ ناحية كريم و بادره

" سيدي من فضلك ,
هل يمكن أن أعرف عنوان المستشفى الذي نقلت إليه زوجة رئيسك ؟ "

أراد على الأقل الاطمئنان على حالها , و قد كانت فاقدة الوعي عند مغادرتهما ,

لم يقل كريم شيئا بل تنحى جانبا و اتصل بعلي , و أخذ الاذن لاصطحاب الرجل معه ,

لم يرد أن يراوغه لأنه اذا أراد ايجادها سيفعل دون عناء , كما أنه لا يريد أن يثير شكه أكثر مما فعل , لذلك اتجه الاثنان بعدها مباشرة الى المشفى .
.
.
.
في غرفة المستشفى , كانت ملك تستلقي دون حراك على السرير , بوجه شاحب و عينين مغلقتين ,
شعرها الكستنائي منثور على الوسادة , و جسمها مغطى بازار أبيض

على ظهر يدها اليمنى , وضعت ابرة موصولة بزجاجة مصل معلقة تتدفق قطرة بقطرة ,

حينما وصلت كانت منهارة و غير واعية و كان ضغطها منخفضا جدا , أعطاها الطبيب حقنة مهدئة و أوصى بتركها ترتاح دون إزعاج حتى تستفيق تلقائيا ,

مقابلها في آخر الغرفة , يجلس علي بملامحه الباردة على الأريكة واضعا رجلا على رجل ,
و يتفحص لوحه الالكتروني متفقدا أخبار البورصة بكل تركيز ,

لم يستطع أن يغادر رغم أنه أراد ذلك بشدة , فلا شيء يوتر أعصابه أكثر من رؤية وجه هذه المرأة , لكنه خشي أن تستفيق و تكلم أحدهم , و تفسد خطته قبل أن يكملها ,

كان يرفع عينيه من وقت لآخر , متفقدا وجهها إن كانت أفاقت أو لا , و نظرته الحادة تحمل الكثير من الحقد و الضغينة ,

كان يرغب أن يخطو نحوها , يمسكها من رقبتها و يجعلها تستفيق فورا لتخبره عما يريده ,
لكنه كان يتريث حتى لا يضيع ما فعله سدى ,

بعد انقضاء ثلاث ساعات
فتحت ملك أخيرا عينيها بعد عدة محاولات فاشلة , كان جفنيها مثقلين من تأثير المهدئ , رؤيتها ضبابية و حلقها جافا و ملتهبا ,
إضافة الى صداع رهيب في رأسها

عبست ملك قليلا دون إصدار صوت , و حينما همت برفع يدها لتدليك جبينها من أجل تخفيف الألم , انتبهت إلى الخط الوريدي على ظهر يدها و المصل الموصول به ,

رفعت عينيها و تفحصت السرير , لتتأكد أنها في غرفة مشفى , لا يمكنها أن تخطئ المكان الذي قضت فيه سنوات حياتها الأخيرة ,

أخذت نفسا عميقا و استجمعت ما بقي من قوتها , و اتكأت بمرفقها على السرير محاولة الجلوس ,

فجأة انطلق صوت بارد برودة الثلج من الجانب الآخر من الغرفة

" أفقت أخيرا ؟ "

جفلت ملك لسماع الصوت و رفعت رأسها ناحيته , و قد انتبهت الآن فقط الى الرجل الذي يجلس هناك على الأريكة في الزاوية , و يحدق ناحيتها بنظرات قاتلة


برؤية وجهه تذكرت كل ما حصل قبل مجيئها إلى هنا الاحتجاز , التهم الموجهة لها , هويتها الزائفة و كل تلك الأكاذيب التي قالها هذا المعتوه المترصد ,


تنهدت ملك بعمق ثم جلست مكانها بعناء و اعتدلت

" ماذا تفعل هنا ؟ "

سألت بصوت خافت فيه بحة و لكن انزعاجها كان واضحا

" ما رأيك ؟ "

رد علي عليها بسخرية بالغة , و قد رفع إحدى حاجبيه متسائلا ,

طبعا هو هنا لرؤية نتيجة ضغطه عليها , و ليس لمشاهدة الجمال النائم

أشارت ملك بأصبعها الى الباب و قالت بصوت مرتجف

" أخرج لا أريد رؤية وجهك أيها المخادع , و سأجعلك تدفع ثمن كل ما فعلته معي أيها البائس "

قطب علي جبينه مستاءا و رمقها بنظرة زاجرة , لم يشتمه أحد في حياته بقدر ما فعلت هذه المرأة

" صوني لسانك أو سترين الوجه الآخر "

قال بصوت عميق غاضب

جفلت ملك و قد ارتجف قلبها من تهديده

"هل هناك وجه آخر لهذا المجنون ؟
ماذا بقي ليفعله الا أن يخنقني بيديه الاثنتين "

حدثت نفسها و زاد استياؤها بسببه , لكنها قررت ألا تدخل معه في جدال آخر , فالارهاق قد بلغ مبلغه منها ,

أشاحت بعينيها الى الاتجاه الآخر , و عادت للاستلقاء على الوسادة مغمضة عينيها ملتزمة الصمت ,
و معطية ظهرها لأكثر شخص يزعجها في هذا العالم ,

فربما يسأم و يخرج و يدعها و شأنها , للتفكير في مخرج لمشاكلها الذي هو سببها الرئيسي ,


صمت علي هو الآخر لثوان منتظرا أن تعود للنقاش مجددا , لكنها خيبت ظنه فما كان عليه إلا أن بادر هو بالكلام ,


لا يريد أن يبقى طوال اليوم هنا , و يلعب معها لعبة التجاهل , وقته أثمن من يضيعه على مماطلتها

" كوني عاقلة و أعيدي ما أخذته , لقد رأيت ما يمكنني الإقدام على فعله "

بسماع كلامه المستفز مجددا غيرت ملك رأيها بتجاهله ، و بدأت باستجماع ما تبقى من طاقتها , كي تستطيع النهوض و الرحيل من هنا ,

الآن هي لا تريد أن تبقى معه في مكان واحد , و لكنها ضاقت ذرعا بهذه الجملة الغبية ,

فردت عليه بأنفاس متقطعة و لكن بصوت مرتفع و واثق

" اسمع سبق أن قلت أنني لا أعرفك , و لم آخذ منك شيئا ,
فتوقف إذا عن لعبتك السخيفة هذه و اخرج من حياتي "

بالرغم أن ملامح علي كانت تبدو في غاية الهدوء , إلا أن نظرته كانت مستاءة جدا و غاضبة ,

لم يتوقع أن تستمر في الإنكار بعد كل ما فعله ، و هي لا تتردد في شتمه في كل مناسبة مما بدأ يفقده صبره

نهض علي من مكانه بكل تأن , عدل كم قميصه , وضع يده في جيبه و قال بكل هدوء

" حسنا إذا هذا اختيارك , اذا أردت الاستمرار في هذه اللعبة فلا مانع لدي , متأكد أنني سأستمتع كثيرا "

قال بنبرة تهديد معربا عن نيته في عدم التراجع عما يفعله ،

و خطا نحو الباب بخطوات متأنية استعدادا للمغادرة , و قد بدأ دماغه في التفكير في وسيلة جديدة لحل الموضوع .

قفزت ملك من فراشها و تقدمت خطوتين خلفه , و قد غلب غيظها الانهاك الذي كانت تعانيه ,
بعدما أدركت أن معنى ما يقوله ، أنه لن يتوقف عن جنونه و لن يعتقها من هذا الجحيم


" ما الذي تريده مني بالضبط ؟ أنا لم آخذ منك شيئا ألا تفهم ؟
أنا لست زوجتك لست مريضة نفسيا و لست حامل "


كانت ملك تصرخ عاليا خلفه و كأنها فقدت صوابها , صمتت بعدها لبرهة ثم استرسلت و كأنها تذكرت شيئا هاما ،
حدقت الى الأرض بشرود و أضافت بصوت خافت


" أنا أنا عذراء أصلا , سأطلب كشف طبيب نساء ليقول بأنني لست حاملا ، و لم يسبق أن كنت كذلك يوما "


توقف علي قبل الباب بخطوة واحدة بعد سماع ما قالته , و قد تفاجأ بشدة من ثقتها بقول كلمة مثل هذه .
.
.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close