رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم صابرين
22- وضحية أخرى للسفاح
جماعة هو موضوع المقتطفات المستقبلية دي حلوة ولا بايخة 
"مقتطف مستقبلي"
-نورهان علي صفوان
انتفض جسدها بخفة عندما نادى العسكري باسمها فنظرت بتلقائية ناحية حمزة والذي بدوره استقام من فوق المقعد وقد كان هادئًا عكسها تمامًا، وقف أمامها معيدًا ما قاله عليها بنبرة حانية بشدة :
-متخافيش أبدًا انا معاكي عايزك تقولي كل اللي حصل ماشي
وآماءت له نور مستعدة للدخول إلى النائب وما إن خرج سليم والمحامي الخاص به حتى دلفت هى رفقة حمزة متحاشية النظر إلى سليم فلن تفيد النظرات بشئ، أصابتها الرهبة من الموقف حيث جلست هنا نفس الجلسة لكن في القسم وتوالت عليها الاتهامات دون رحمة بأشياء لم ترتكبها
ازدرقت لعابها بتوتر عندما دفعها حمزة للأمام بخفة فتقدمت وجلست على المقعد الأمامي للمكتب وجلس حمزة في المقعد المقابل، بدأ النائب اسألته إذ هتف بجدية :
-نورهان علي صفوان انتي متهمة بضرب شاب بطريقة وحشية في المدرسة قدام الطلاب والمعلمين وتم تصوريك وانتي بتعملي كده، ما هى أقوالك فيما نُسب إليكِ؟
تنفست نور بهدوء ثم قالت بينما تقبض بكفيها المتعرقين على ملابسها :
-محصلش سليم أتحرش بيا وانا ضربته فعلًا منكرش، رد فعل طبيعي من أي واحدة اتحرش بيها حد، بس مكنتش اعرف إني بتصور
-كانت ايه علاقتك بسليم؟؟
-مفيش علاقة أصلًا مجرد طالب وانا المُدرسة وسبق وحصل موضوع التحرش ده مع أكتر من طالبة وانا نصحته وحذرته وهو متعظش لدرجة انه اتحرش بيا انا
نظر النائب إلى الكاتب بجانبه حيث كان يسجل كل ما يُقال، ثم عاد ونظر إلى نور وسألها :
-بس سليم أنكر أنه عمل كده
وهذه المرة تحدث حمزة بدلًا عنها قائلًا :
-بس هو حصل فعلًا وفيه شهود على كده
-مين؟؟
-رحمة عثمان هواري ولؤي محفوظ هواري طلاب في المدرسة نفسها وهما برا دلوقتي
استدعى النائب العسكري الذي يقف في الخارج طالبًا منه إحضار رحمة ولؤي هذان ليدلفا الاثنين وعندما سألهم النائب عن شهادتهم تحدث لؤي أولًا :
-انا اعرف سليم من لما كنت في تانية إعدادي كان هو لسه منقول جديد مدرستنا وكان أكبر من الكل عنده ١٧ سنة تقريبًا علشان كان بيسقط ويعيد، وبصراحة كانت سمعته مش أحسن حاجة طالب فاشل العيال حواليه علشان فلوس أبوه وكان بيكلم بنات سواءً في المدرسة أو السنتر وانا كنت عارف انه مش تمام بس مشوفتش عليه حاجة عن التحرش غير في يوم كده
أدلى لؤي بما رآه يوم تحرش سليم برحمة فنظر النائب موجهًا حديثه إلى رحمة قائلًا :
-سليم اتحرش بيكي ازاي؟
نظرت رحمة إلى أخيها بقلق والآخر ابتسم مشجعًا إياها رغم أنه يعلم أن ما سيسمعه لن يعجبه أبدًا، ابتعلت الأخرى لعابها بتوتر ثم تحدثت عن ذلك اليوم البشع :
-كنت يومها في حمام المدرسة ولما خرجت منه كان سليم واقف جنب الباب وحط رجله علشان يوقعني وانا اتكعبلت بس هو مسكني قبل ما أقع... مسك دراعي بايد وايده التاني كان... يعني
ارتعش جسدها وادمعت عينيها لتذكرها هذه الذكريات السيئة فقال النائب مراعيًا حالتها :
-خلاص تمام امضوا على أقوالكم وتقدروا تتفضلوا
فعل الاثنين ما قاله وخرجا بينما تنفس حمزة بقوة قابضًا على كفه وكان أشبه بمن يجلس على جمر، ووالله لولا أن أي فعل قد يرتكبه في سليم سيجعل موقف نور سئ لخرج الآن وحطم رأس ذلك الحقير على ما فعله بشقيقته الصغيرة
انتبه للنائب عندنا وجه حديثه إلى نور قائلًا :
-آنسة نور عايز أعرف ايه اللي حصل من سليم بالظبط، انتي بتقولي مش أول مرة يعملها عايزك تتكلمي وتقولي كل مرة عمل ايه؟ وقولتيله ايه؟ ولما تحرش بيكي حصل ايه بالتفصيل
آماءت الأخرى برأسها مستعدة للبوح بالأمر للمرة الثانية بينما في الخارج وعندما خرج لؤي ورحمة استقبلهم محفوظ وعثمان يسألانهما عما حدث بينما سحب عثمان ابنته بعيدًا وجعلها تقف امامه ثم هتف بجدية :
-رحمة انا وامك واخواتك سألناكِ سليم ده عملك ايه ليه مقولتيش الحقيقة وقولتي اتنمر عليا؟؟
طأطأت الأخرى رأسها مجيبة عليه بنبرة خافتة يكسوها الندم :
-كنت خايفة يا بابا
وضع الآخر يده على كتفها متحدثًا بغضب مكتوم :
-كنتي خايفة من ايه؟! واحد حيوان زي ده يتحرش بيكي وإحنا منعرفش؟!
-انا آسفة يا بابا
زفر عثمان بضيق وهو ينظر إليها بتأنيب ثم عاد وجلس في مكانه في إنتظار خروج نور من الداخل، وأثناء الانتظار ظهرت شروق وعائشة لتقف شروق بسرعة ملتقطة أنفاسها وهى تنظر حولها بحثًا عن نور :
-نور فين؟؟
وقف حسين والدها أمامها هاتفًا بتساؤل :
-انتوا اللي جايين منين
رفعت شروق أمامه هاتفها حيث علىٰ فيديو لفتاة تبرئ نور وتتحدث عن كم كانت معلمة جيدة وخلوقة ومحترمة وسط الجميع، ابتسم يونس مفتخرًا بما فعلت شقيقته :
-لا رقية شكلها عملت إنجاز
آماءت عائشة يإيجاب وبالكاد تلتقط أنفاسها بسبب ركضهم :
-عملت إنجاز فعلًا بالجريدة اللي شغالة فيها، اقنعنا كذا واحد وواحدة بالموضوع وناس كتير تعاطفت مع نور بعد الفيديوهات دي والبركة في مس ناهد وهاجر جابوا عنوانين الطلاب من إدارة المدرسة وسبنا رقية وبراءة وهاجر يكملوا وجينا إحنا على هنا
-هى نور دخلت؟؟
تساءلت بها شروق وهى تبحث عن نور بعينيها فقال ياسر وهو يشير إلى مكتب النائب العام :
-دخلت من عشر دقايق وإن شاء الله خير بإذن الله
آماءت عائشة تدعو لأختها في نفسها ثم قالت ببعض الحرج :
-طب انا عايزة ادخل الحمام، فيه حمام هنا؟؟
-في الدور اللي تحت
نطق بها يونس فحملت عائشة نفسها وذهبت وقد لحقت بها شروق كذلك وعندما هبطا إلى الطابق الأرضي ابصرا والد سليم المدعو سعيد غانم يتحدث رفقة رجل آخر فنظرت له شروق بحنق وودت لو تغرز اظافرها في وجهه لكنها اتقت الشر ولم تفعل
اتجه كلاهما إلى المرحاض تزامنًا مع خروج سليم من مرحاض الرجال وقد اصطدم كتفه بكتف عائشة فقال بإعتذار دون أن ينظر :
-لا مواخذة
وكانت إجابة الأخرى ضائقة حتى أنها لم تتعرف إليه لكونه مخفضًا رأسه :
-يا عم روح هى ناقصاك انت كمان
استدار سليم إليها وقد شعر بغضب من حديثها ليقول بحدة :
-احترمي نفسك ما قولت لا مواخذة اوطي على جزمتك يعني ابوسها
وقفت شروق وعائشة يحدقان به بدهشة لكونه ذلك الفاسد سليم، والآخر لم يتعرف عليهما فهو لا يعلم غير نور ولم يرى أقارب لها سوى المعلمة ناهد، ابتسمت عائشة بشر وهى تضع حقيبتها على جنب :
-لأ قاصد وانا هخليك فعلًا توطي على جذمتي تبوسها
ضحك الآخر بسخرية شديدة ليدفع عائشة في كتفها قائلًا :
-طب بس يا شاطرة العبي بعيد
نظرت عائشة إلى كتفها في موضع دفعته وبكل قوتها دفعته بيديها فسقط سليم على ظهره من عنصر المفاجأة ثم هتفت شروق وهى تهم بخلع حذائها :
-احنا نوروك دلوقتي الجذمة وهى بتنزل على راسك يا متحرش يا زبالة
أما بالأعلى خرجت نور مع حمزة وهى مبتسمة بإتساع فقال علي مستبشرًا من بسمتها :
-خير عملتوا ايه؟؟
واجابته الأخرى بسعادة وهى تحتضنه بقوة قائلة :
-اخدت إفراج مع حفظ القضية ليوم الأربعاء
-يعني ايه مش فاهم؟؟
وهذه المرة اجابه حمزة مبتسمًا لسعادة نور الواضحة منتظرًا سعادتها الكبرى عندما يبرئها تمامًا مما اتهموها به :
-يعني مش هترجع القسم هترجع معانا ويوم الأربعاء إن شاء الله هتكون المحاكمة
اندهش يونس لهذه السرعة إذ قال :
-ايه السرعة دي؟ يوم الأربعاء بعد يومين؟!
-ايوه طبعًا متنساش اني القضية رأي عام علشان كده لازم تخلص بسرعة وإن شاء الله هتطلع براءة انا مستبشر خير
ختم حديثه ناظرًا إلى نور بتلك النظرات التي تجعلها تخجل وقد جاهدت على كبت ابتسامتها هذه المرة لكون والدها يقف الآن، استمع الجميع إلى أصوات مرتفعة قادمة من الأسفل فقال حسن بقلق :
-هما مش البنات تحت
هبط بسرعة هو واخوته فقال حمزة وهو ينظر إلى إسماعيل :
-بنات مين؟؟
-شروق وعائشة مش عارف فيه ايه اتمنى الموضوع ميكونش له علاقة بيهم
تحركت نور من مكانها عندما سمعت اسم شقيقتها وابنة عمها لتهبط ببطء بسبب جرحها إلى الأسفل وقد لحق بها حمزة وقبل أن تنهي الدرج كانت تقف مذهولة مما ترى، شروق وعائشة يمسكان سليم كل واحدة من جهة، واحدة تعض والأخرى تضرب وسعيد يصرخ في الجميع وهو يحاول إنجاد ابنه من أسفل يديهما
بينما اعمامها يقفون دون تدخل متشفين في سليم، وبصعوبة ابعدوا شروق وعائشة ليصرخ المحامي الخاص بسليم ناظرًا إلى اعمامها قائلًا :
-انا هقدم محضر باللي حصل ده ومش هسكت أبدًا
وبهدوء نظر عبد الجواد إلى ابنتي اخويه قائلًا :
-عملكم ايه؟؟
-اتحرش بينا
نطقا بها في نفسٍ واحد فصرخ سليم مدافعًا عن نفسه :
-والله ما حصل انا معملتش كده
وبنفس صراخه قالت شروق وهى تهبط بحذائها فوق رأسه :
-لا عملت كده يا كداب يا ابن الكدابة هنتبلى عليك يعني
وبدأت المشاجرة مرة أخرى وعلت الأصوات بينما قال حمزة بخفوت لنور :
-واضح إنهم بيتبلوا عليه فعلًا ومعملش كده علشان مستحيل يعملها في المكان ده بالذات وهو لابس في قضية تحرش، بس شكل بنت عمك واختك شافوه فادوه علقة وده مجرد مبرر، شكل عرق الجنان ده في عيلتكم كلها
نظرت إليه نور رافعة حاجبها وقد ساعد انعكاس الشمس من النوافذ في بروز لون عينيها الخضراء لتقول :
-يعني احنا غلطانين اننا بندافع عن نفسنا
-لأ طبعًا ده انا مبسوط إنه ادوه علقة كنت هموت وادهالوا بس يلا سبقوني
ازدرقت نور لعابها بتوتر تريد أن تسأله نفس السؤال الذي سألته له في المشفى عن عدد السنوات التي قد تحكم عليها إن لم تُبرأ من القضية :
-حمزة
-قلبه
وقلبها هى من دق لكلمته لتشيح بوجهها الناحية الأخرى مدعية الغضب رغم ابتسامتها التي تعافر للخروج :
-اهو جينا للكلام اللي ملوش لازمة
-انتي شايفة اني كلامي ومشاعري ملهومش لازمة؟؟
نطق بها معاتبًا بينما عينيه لا تحيد عن عينيها التي رفعتها له لجزء من الثانية ثم اخفضتها مرة أخرى من ثم قالت :
-انا اقصد كلامك معايا بالطريقة دي من غير أي حاجة رسمية بينا حرام
-انا مستني اخلصك من القضية دي وهتقدملك، مستعد والله اتقدملك دلوقتي بس مش وقته
رفعت الأخرى عينيها له بحزن لتقول بنبرة بائسة :
-حمزة اهلي مش هيوافقوا متعلقش نفسك بحبال دايبة وتعلقني معاك ومتسألش حبال دايبة يعني ايه، يعني حبال هتتقطع في أي لحظة
ابتسم الآخر مردفًا بثقة :
-حبي ليكي مش حبال دايبة يا نور مستعد أعمل اي حاجة علشان تبقي مراتي
قلبت الأخرى عينيها كاتمة بسمتها بكل ما أوتيت من قوة ثم تساءلت :
-هتعرف تطلعني براءة من القضية؟؟
-وإن مطلعتش حبيبتي براءة مين اللي هطلعه؟!
ضربت نور كفيها ببعضهما مديرة رأسها الناحية الأخرى بعدما فشلت في كبت بسمتها لترتسم بإتساع على ثغرها تزامنًا مع قولها :
-لا إله إلا الله يا ابني حرام ركبتنا ذنوب، انا ماشية
هبطت آخر درجات السلم متجهة إلى اعمامها ووالدها الذين كانوا يشحنون الشجار الذي احتد فنادى حمزة عليها وعندما استدارت إليه هتف بصدق نفس الجملة التي اعتاد قولها لها دون حرج وهو ينظر مباشرةً إلى عينيها ذات اللون الفاتح بسبب الشمس التي تتسلل من النوافذ :
-عينيكي حلوة بتخطف القلب وانا في حضرتهم قلبي خفيف بيتخطف بسهولة، جهزي نفسك ليوم الأربعاء وانا في ضهرك وكوني واثقة في ده
لم تجعله يكمل كلامه واستدارت عاضضة شفتيها بقوة من خجلها، ويلي لولا أن اعمامها منشغلين بالمشجارة بعد تصريح شروق الكاذب بأن سليم تحرش بهم والأصوات مرتفعة لماتت خجلًا من حديثه
وقفت بجانب ياسر بينما هبط حمزة الدرجات المتبقية متجهًا بخطى واثقة ناحية المحامي الخاص بسليم والذي كان يقسم أنه سيفعل الأفاعيل بسبب ضربهم لسليم، وقف أمامه مباشرةً ناظرًا له بحدة رغم هدوء نبرته :
-اهدى على نفسك يا متر بدال ما انا اطلع للنائب دلوقتي وارفع قضية تحرش زيادة غير اللي هتوصلك من البنات اللي اتحرش بيهم سليم في المدرسة والساتر، اصل انا مقولتلكش البنات دول كلهم هيشهدوا معانا ضد الزبالة ده فنصيحة مني بلاش تكمل في القضية دي علشان هتخسرها وهتبقى وحشة في تاريخك الطويل علشان انا اقسم بالله وقسم على قسمك لأحبسوا
صاح الآخر غاضبًا من تهديده هذا إذ قال :
-سليم قال إنه معملش حاجة وده يبقى افتراء
ضحك الآخر بسخرية ثم قال مشيرًا إلى سليم خلف والده :
-افتراء ايه يا باشا محسسني أنه الشيخ البخاري ده لابس في قضايا تحرش؟! بس وماله قضية بقضية ونطلع سوا نقدمهم في بعض بس معتقدش اني واحد متقدم فيها محاضر تحرش هيتصدق إنه بنتين بيتبلوا عليه إنه اتحرش بيهم
تابعت نور حديثه بإنبهار بذكائه وسرعة تفكيره فبالرغم من أنه يعلم أن شروق وعائشة كاذبتان إلىٰ أنه قلب الأمر على سليم بكل سهولة، ابتسمت بسمة متسعة وهى تراقبه عن كثب تتذكر غزله لعينيها والذي قاله أول مرة
كانت حينها مستيقظة في الصباح الباكر من تلك الحمى للمرة الثانية ولا تزال إبرة الكانولا معلقة في يدها، خرجت إلى الشرفة وهى تحكم الحجاب القطني عليها وفي يدها كوبًا من القهوة الذائبة "نسكافية"
تراجعت بسرعة عندما وجدت حمزة يجلس في الشرفة يقرأ في كتاب، عادت للخلف وقررت أن تحتسي الكوب في الداخل ولكنها تذكرت أمرًا فأسرعت واحضرته ثم دلفت إلى الشرفة محمحمة فانتبه الآخر رافعًا نظره من الكتاب منبهرًا بجمال عينيها ولا يدري ما تلك الصدفة ففي الكتاب كان يقرأ سطر يصف جمال عيني نور الآن
ولعينيها حكاية أخرى فـتارة هى عسلية وتارة هى خضراء وفي كلتا الحالتين تخطف قلبي المسكين بكل سهولة
بينما نور لم ترى نظرته هذا إذ مدت المظلة له مخفضة نظرها سريعًا كما العادة :
-اتفضل الشمسية
نظر الآخر لها ببؤس لإخفاء عينيها فترك الكتاب ونظر إلى المظلة قائلًا :
-لو قولتلك احتفظ بيها هترديها زي الكتاب؟!
-ايوه طبعًا اتفضل شمسيتك
اخذ منها حمزة المظلة متمتمًا :
-انتي عنيدة أوي علفكرة
لاحظ وجود إبرة الكانولا في يدها فقال :
-صحيح سمعت باللي حصلك إمبارح ألف سلامة عليكي، اوعي تنزلي أبدًا تحت المطر طالما مناعتك متستحملش
هزت الأخرى رأسها بهدوء وبالكاد سمعها وهى تقول بنبرة خافتة وهى تنظر إليه :
-الله يسلمك
سُحر الآخر للون عينيها البراق أسفل شروق الشمس المنعكس في مقلتيها فقال دون وعي لما سيقول، فقط قال ما أتى على عقله دون إدراك للنتائج :
-عيونك حلوة بتخطف القلب
جفلت الأخرى من غزله الصريح هذا لتعلو ضربات قلبها بتوتر شديد ودون زيادة كلمة فرت من أمامه إلى الداخل مختبئة من عينيه فقال الآخر مذهولًا :
-لا ثواني ايه اللي حصل ده هى اتكسفت أوي كده ليه
نادى عليها بصوت مرتفع معتذرًا منها إذ قال :
-يا نور مش قصدي حاجة وحشة والله طلعت مني بشكل عفوي، طب تعالي اقعدي في البلوكة زي ما انتي عايزة انا اصلًا ماشي ورايح الشغل
أما بالنسبة إلى الأخرى لم تجب بل ضمت كفيها بقوة واغمضت عينيها هامسة لنفسها بتحذير من أن تدع أي مشاعر تتسلل لها :
-لا يا نورهان لأ ده حرام وهو أكيد عايز يتسلى مش أكتر، بس مش على حساب قلبك وكرامتك والثقة اللي حطوها ابوكي وأمك فيكي
فتحت عينيها مقررة عدم التصادم معه تحت أي ظرفٍ كان، فهى ليست الفتاة الغبية التي تصدق أي شاب غازلها بجملة جميلة فتنصاع خلفه كما الحمار، هى اعفى وأطهر من هذا...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جلس على فراشه يربط الحذاء بينما عينيه معلقة على شقيقه الذي كان يقف أمام المرآة يمشط شعره استعدادًا للذهاب للعمل لكن هناك فرق عن كل يوم، ملامحه بائسة حزينة على غير العادة وهو على هذه الحالة منذ يوم أمس، حتى أنه لم يتناول العشاء كما أخبرته والدته
-يوسف
انتبه الآخر له فاستدار منتظرًا ما سيقول ليقول يونس وهو يرمقه بقلق من هذه الحالة البائسة التي هو بها :
-فيه ايه يا ابني مالك حزين كده ليه؟! امك قالتلي إمبارح متعشتش وكنت زعلان ومقولتش لحد ودخلت تنام وانا بصراحة كنت مشغول إمبارح بالبت اللي اغمى عليها دي والسفاح اللي مطلعش السفاح بس سيبك من ده كله انت مالك مش مظبوط كده ليه؟!
-مفيش مرهق شوية
نفى بها يوسف تزامنًا من ارتدائه لساعته فقال يونس بصوت تحذيري :
-ولاه سبق وقولتهالك لو هتكدب على الدنيا كلها مش هتعرف تكدب عليا، انت آه وقت زعلك كتوم وبتسكت سكوت مريب بس مش عليا يا يوسف
تنهد الآخر مستندًا بكفيه على السرّاحة بينما ينظر إلى انعكاس أخيه تزامنًا مع قوله :
-إمبارح في اوضة العمليات براءة تعبت أوي ووقعت على الأرض بسبب نقص فيتامين الحديد عندها وانا كنت بضغط عليها ورفضت إنها تسيب العملية وتمشي رغم إنها قالتلي أكتر من مرة إنها تعبانة ومش قادرة تقف
ابتلع لعابه بتوتر متذكرًا حالتها بعدما سقطت أرضًا بكل ضعف تهمس إنها متعبة ولا تستطيع أن تكمل :
-مكنتش اعرف إني عندها انيميا حادة ومأكلتش من إمبارح، انا في نظرها طول الوقت دكتور مفتري بيأمرها طول الوقت تروح وتيجي بس انا شخصيتي كده مش بحب أقعد ساكت وعندي عمليات ومرضى لازم أمر عليهم، وهى للأسف كسولة أوي كنت فاكرها عايزة تخرج وخلاص وفضلت اقولها لأ لحد ما وقعت
-وبعدين؟؟
نطق بها يونس بهدوء منتظرًا أن يكمل فاستدار إليه الآخر مكملًا وكأنه يتحدث مع نفسه فعلاقته مع يونس رغم اختلاف شخصياتهم إلىٰ أنها متينة بشدة :
-انا طول الليل بفتكر لما كانت تمشي ورايا ببطء وانا أفضل اقولها روحي وتعالي، لما كانت تقعد وتقول مش قادرة أقف ومش هكمل، لما كانت تطلب أجازة وانا اقولها لأ، ده كله كانت بتبقى تعبانة وانا كنت فاكرها بتتكاسل
-يآه ده انت طلعت مفتري أوي
لوى الآخر شفتيه بضيق وهو من كان يشكو له ليخفف عنه والآن أصبح يسكب على جراحهه ملحًا :
-يعني انا بشكيلك علشان تقولي كده
-ده الواقع وانا بصراحة عارفك مش بترحم في الشغل وأكتر من مرة تغير الممرضة المساعدة ليكي بسبب حركتك الكتيرة دي، بس بصراحة شابوه للبنت دي أول ممرضة تكمل معاك تسع شهور باين ومتقولش انا عايزة اتنقل
زفر يوسف بحنق من حديثه هذا فقال يونس ضاحكًا لحنقه الواضح :
-مش كل حاجة شغل شغل شغل إدي لنفسك ولغيرك راحة شوية، انت عمرك يا يوسف ما اخدت أجازة من شغلك حتى في عِز تعبك ومرضك بتروح، حرام عليك نفسك دي برضو محتاجة راحة، ده انت مرة سبتنا في العيد وروحت المستشفى علشان حالة طارئة، آه انت عندك ضمير في زمن ما يعلم به إلا ربنا وانا معجب بده، بس زي ما قولتلك ارحم نفسك شوية
وقف امامه مباشرةً فأصبحا كإنعكاس واحد من ثم أضاف بنبرة عابثة غير معتادة منه :
-بس قولي خوفت عليها ولا ضميرك وجعك عليها بس يا ابو ضمير صاحي
حمحم الآخر وكاد أن يكذب فقال يونس بتحذير :
-عارف هتحور هديك بالبونية في وشك
ابتسم له بعبث ثم قال :
-البنت عجباك صح ما انا بصراحة مش هلومك بقالها معاك أكتر من ٨ شهور ويوميًا معاك وطول الست ساعات ماشية وراك، أكنها كتكوت ماشي وراء أمه
ضحك يوسف بشدة على هذا التشبيه فقال يونس بخبث :
-عجباك صح؟؟ قول قول البنت عجباك واقطع دراعي إما كانت داخلة دماغك
واستسلم الآخر لإصراره هذه إذ قال :
-خلاص آه عجباني ويمكن بدأت احبها كمان، معرفش ليه رغم إننا مختلفين بس دايمًا فيها حاجة بتشدني، طريقتها في الكلام لبسها المحتشم حتى استفزازها ده بحبه
ابتسم مدركًا سبب رفضه لكل مرة تطلب إجازة أو أن تتدرب مع طبيب آخر :
-كان معاك حق لما كدبت على إسماعيل انا عايزها فعلًا جنبي بس.... خلاص انا نقلت تدريبها لدكتور تاني
-ليه بس كده؟؟
نطق بها يونس مستنكرًا فعلته هذه فقال الآخر بقلة حيلة :
-علشان انا فعلًا زي ما قولت بضغط على الكل حتى على نفسي بسبب الشغل وهى مش حمل ضغط علشان كده سيبت تدريبها لدكتور تاني وبصراحة بدأت احس بندم
-خلاص رجعها
-مش هعرف انا اللي نقلتها مش هعرف ارجعها إلا بطلب منها هى وبعدين هى مش طيقاني بعد اللي حصل فمعتقدش إنها هتطلب ترجعلي تاني
سحب يونس مفاتيحه ثم قال رامقًا إياه بحنق :
-خلاص يا اخويا اولع في نار الندم، اديك مش بس بعدتها عنك لأ وكمان مبقيتش طيقاك مع اني أشك إنها كانت طيقاك من الأول
عقد يوسف حاجبيه يراه يضع سلاحه في بنطاله فقال :
-انت رايح فين ده لسه بدري على معاد خروجك؟!
-لأ ما انا مش رايح القسم، رايح باقوس
وزادت إنعقاد حاجبي الآخر ثم قال بتعجب :
-عندك مهمة هناك
-لأ
نفى بها يونس ثم أضاف بنبرة ساخرة لتذكره أكثر شخص يحب إستفزازه والذي سيذهب هناك من أجل مقابلته :
-رايح أشوف سفيان فياض
واتسعت أعين يوسف بشدة لهذا الاسم الذي لم يسمعه منذ أربع سنوات تقريبًا، من ثم هتف بتوجس ولا يريد أن يكون التوقع الذي قفز في عقله هو الصحيح :
-ليه؟؟
-علشان سفيان شغال على قضية السفاح بس من ناحية أمن الدولة وكان موجود ليلة ما قبضنا على اللي كان عامل فيها السفاح ده
تنهد يوسف براحة وسرعان ما هتف بتساؤل :
-صحيح مش كانت رقية موجودة معاك يومها، هو مسألش عليها؟!
نفى الآخر وهو يقف أمام المرآة يعدل من خصلات شعره السوداء :
-مشفهاش أصلًا ومسألش عنها ولا انا سألت عن عمر مكناش فاضيين نتفاجئ أساسًا
نظر إليه بتركيز في استرسل :
-صحيح سألت رقية عن موضوع رقم عمر اللي رن عليها قبل ما تقولي السفاح ناوي يرمي واحد في ميامي؟؟
-آه سألتها وقالتلي الاسم مش عمر دي زميلتها في الجريدة واسمها قمر
تنهد يونس بحيرة ينظر إلى المرآة أمامه ثم قال :
-حاسسها بتكدب
-وانا كمان
-طب وبعدين؟؟
نطق بها يونس وهو يحوّل أنظاره له فقال يوسف بجدية شديدة :
-هى راحت الجريدة دلوقتي حاول ترجع بدري من الشغل وانا وانت هنقعد معاها ونسألها بطريقة مباشرة ومن غير لف ودوران واتمنى تكون رقية قد الثقة اللي احنا حاطينها فيها، علشان لو بجد بتقابل عمر من ورانا؟ انا مش هعديلها تصرفها ده على خير
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كان يقف وهو يضع كلتا يديه داخل جيوب سترته البنية، ينتظرها أمام كلية الصيدلة كما اخبرها في انتظار أن تصل، حسنًا لقد تلقى تحذير من شركة البترول التي يعمل بها لكثرة استئذانه للخروج منذ أن بدأ العمل بها لكن فليحترق الجميع من أجلها
لقد ترك العمل في نفس الشركة في السويس من أجل أن يبقى بجانبها هنا في الإسكندرية في حال احتاجت لمساعدة وها هى تحتاج أسيقول لها لا من أجل تحذير!؟
أخرج هاتفه عندما دق بأسمها أو على الأحرى الاسم الذي يطلقه عليها "حُلمي البعيد" يطلق عليها هكذا لأنها بالفعل حلم بعيد له لكن سيظل يحلم بها إلى أن يأذن الله وتصبح زوجته، رد عليها متسائلًا أين هى فقالت الأخرى :
-انا داخلة على البوابة اهو انت فين
ابصرها ياسر قادمة من الداخل فعلم أنها أتت مبكرًا، اغلق الهاتف واتجه إليها بخطى واسعة وعندما رأته اقتربت منه بسرعة مردفة :
-جيت بدري يعني انا اتصلت اشوفك صحيت أصلًا ولا لأ
تقدم ياسر أمامها مردفًا بجملة واحدة قائلًا :
-فين مكتب العميد
رفعت الأخرى حاجبها متعجبة هدوءه الشديد هذا لكنها لا تشك في أنه سيحل الأمر، فلطالما كان ياسر يحل جميع المشاكل التي يرتكبونها، ولطالما الجميع كان يصفه بأنه ورث ذكاء ورزانة جده ووالده عبد الجواد
سارت خلفه وتخبره بالإتجاهات إلىٰ أن توقفا أمام مكتب كُتب عليه بالخط العربي "عميد الكلية"
طرق ياسر الباب تزامنًا مع نظره إليها مذكرًا إياها بما يقوله كل مرة تُشرك نفسها في مشكلة بسبب لسانها :
-هندخل جوا متتكلميش انا هحل الموضوع
آماءت له عائشة بينما فتح ياسر الباب بعدما استمع إلى صوت يسمح له بالدخول، وما إن دلف حتى أبصر رجل عجوز يجلس خلف المكتب وأمامه يجلس رجلان متقاربان من العمر، بينما تقف فتاتان واحدة منهما في حالة سيئة من الجروح التي تملأ وجهها وذراعيها التي ظهرت عليهما آثار أسنان تركت أثرًا واضحًا
كتم ياسر ضحكته على شراسة تلك القصيرة وكم تروق لها جرأتها هذه، هو مستعد لحل جميع مشاكلها من هذا النوع، على الأقل هى لا تصمت على حقها ومن يرشها بالماء ترشه بالنيران كما يقولون
دلف إلى الداخل بخطوات ثابتة ملقًا التحية تزامنًا مع وقوف أحد الرجلين وقد بدت ملامحه غاضبة إذ قال وهو يتجه إلى عائشة :
-انتي بقى المتخلفة اللي ضربتي بنتي انا مش عارف اشكالك ازاي تدخل صيدلـ
واستوقفه ياسر إذ رفع يديه دافعًا إياه بخفة للخلف ليقول بنبرة خشنة قاسية رغم هدوء ملامحه :
-مش فيه راجل قدامك؟! تكلمه وملكش دعوة بيها خلي الموضوع راجل لراجل، وبالنسبة للكلمة اللي رميتها فدي هتبقى حق عليك علشان احنا داخلين بذوق وانتي بدأتها بقلة ذوق
تحدث العميد جاعلًا ذلك الرجل يتراجع :
-أستاذ كامل إحنا عايزين نحل الموضوع بشكل وُدي، فلو سمحت أقعد
جلس الآخر مكانه رامقًا عائشة بحدة فقال ياسر بقوة وهو يقف أمام عائشة مخفيًا إياها خلف ظهره فلا يود أن ينظر إليها أحد بنظرة لا تروق له :
-قولت لحضرتك خلي الموضوع راجل لراجل وبنتك غلطت في بنت عمي وهى ردت عليها
رفع الآخر حاجبه ساخرًا إذ قال :
-وغلطت ايه بنتي علشان بنت عمك تبوظ وشها بالشكل ده
-غلطت في شرفها وقالت اكيد بتعمل مع الدكاترة حاجة في الخباثة علشان كده هما بيمدحوا فيها طول الوقت
اختلفت نبرته إلى الحدة ليكمل بنبرة أشد خشونة :
-لو انت راجل ترضى حد يقول الكلام ده في حق بنتك فأنا مرضاش يتقال على بنت عمي واللي هتبقى مراتي واحنا صعايدة منرضاش الكلام ده على بناتنا
نظرت له عائشة بإستنكار لكلمة "هتبقى مراتي" ولكنها اسرَّتها ولم تتحدث بينما قال الرجل الثاني محدثًا الفتاة وقد كان المعيد، والذي كان متواجدًا في المعمل أثناء ما حدث :
-ايه الكلام ده يا صفا ازاي تقولي كلام زي ده عن زميلتك؟! مش معنى اني كل الدكاترة بيثنوا على ذكائها وشطارتها اللي متتنكرش يبقى ده معناه اني هى بتعمل حاجة حرام ده اسمه رمي محصنات
نظر والد الفتاة لها بحدة ثم قال :
-انتي قولتي كده فعلًا؟؟
ابتلعت الأخرى لعابها بخوف وبشكل طبيعي انكرت هذا إذ قالت :
-لأ انا مقولتش كده
تحدث العميد بصرامة قائلًا :
-آنسة صفا أنتي لو مقولتيش الحقيقة هتتفصلوا انتوا التلاتة وهتتحرموا من درجات الترم الأول
فزعت عائشة من تهديده هذا لتنظر بسرعة إلى ياسر الذي بدوره كان ينتظر ما ينتويه العميد، إذ بالفعل خافت الفتاة الأخرى والتي تنمرت على عائشة في البداية، وقد خافت من أن تُحرم من الدرجات فاعترفت قائلة :
-لأ قالت، انا سمعتها قالت كده فعلًا على عايشة
نظر العميد إلى والد صفا مردفًا بنبرة بعملية :
-أستاذ كامل التربية قبل التعليم وده شئ معروف، انا آسف لمكانتك بس انا مضطر اعاقب بنت حضرتك على اللي قالته في حق زميلتها
آماء الآخر بتقبل ثم نظر إلى ابنته بغضب وخيبة أمل :
-انا عمري ما علمت ولادي يغلطوا في حد خاصةً لو الغلط ده يمس الشرف وانا آسف بجد على اللي حصل
تحدث ياسر بعدم تقبل لإعتذاره هذا إذ قال :
-وانا برضو آسف مش متقبل إعتذار حضرتك لوحده، لازم بنتك تعتذر لعائشة
نظر الآخر لابنته بصرامة أن تعتذر فقالت الأخرى وهى تنظر إلى عائشة بغل :
-انا آسفة يا عايشة
-عائشة يا ماما انطقي الاسم صح
نطقت بها الأخرى بتهكم فأبتلعت صفا اهانتها هذه تستمع إلى العميد يقول :
-اتفضلي يا آنسة صفا بس مش على المدرج، على بيتكم انتي مفصولة أسبوع من الكلية ومحرومة كمان من بعض الدرجات وده علشان تفكري قبل ما تغلطي في بنت في شرفها وتفتكري إنك بنت زيها وأكيد ده هيتردلك في يوم من الأيام
تحركت الأخرى للخارج بعصبية وقد تبعها والدها بينما نظر العميد إلى عائشة مضيفًا :
-ده مش معناه إنك برضو معفاة من العقاب يا آنسة انتي استخدمتي العنف في حال كان ممكن تيجي تشتكي ليا وده اترتب عليه إنك كسرتي أدوات في المعمل
-انا مستعد ادفع تمن اللي اتكسر كله
نطق بها ياسر بجدية شديد جعلت عائشة تشعر أنه من الجيد انها أخبرت ياسر وليس نور التي لم تكن حقًا لتتقن التصرف في هذه الحالة بشخصيتها المسالمة
خرجا من المكتب ليقول ياسر بجدية وهو يحدق في ساعته :
-عندك محاضرات دلوقتي صح؟؟
ورغم تعجب الأخرى من معرفته بموعد محاضراتها إلىٰ أنها قالت :
-ياسر ابقى قول لبابا على موضوع الفلوس بلاش تدفعهم انت، أكيد مش معاك حاليًا وانا دبستك في الموضوع
وابتسم لها الآخر بحنو وود لو يضربها على رأسها ويخبرها أنه يتمنى أي ظرف يحدث يقربه منها حتى ولو لدقائق :
-بس يا هبلة، انا معايا ومتشليش هم، كسري اللي انتي عايزاه وانا أصلح من وراكي عندنا كام عائشة يعني
تبسمت الأخرى بحرج وسرعان ما تذكرت ما قاله بالداخل فرفعت رأسها له هاتفة بجدية :
-علفكرة مكنش ينفع تقول بنت عمي وهتبقى مراتي ليه الكدب يعني
ورغم أنها لتوها ألقت صخرة على قلبه من وراء لسانها إلىٰ أنه قال محاولًا إدعاء الابتسام :
-يا ستي فرضًا بما سيكون يعني ولا انا منفعش يعني
-لا يا ياسر
وقد كانت هذه الصخرة أكثر ثقلًا لكنه أسرَّها في نفسه رغم أن هناك غصة مريرة استحمكت حلقه وود لو يصرخ بها لما هى قاسية معه هكذا، لما هى دائمة الصد له هكذا، ما السئ به حتى ترفضه ألأنه أكبر منها؟! أجل الفارق بينهم كبير لكن عشر سنوات لا تمنع اثنين من الارتباط ببعضهما
ألا يكفي ما يفعله عمه به ورفضه التام للتقرب منها إلىٰ أن تتزوج نور لتأتي هى وتسكب ملحًا على جراحه بكلامها هذا
ورغم أن كلامها كان قاسيًا إلىٰ أن القلب لا يكره المحب لذا تحدث بهدوء كاتمًا الغصة في صدره :
-خلي بالك من نفسك ولو احتجتي حاجة قوليلي، انا جاي إسكندرية أصلًا عشانكم
راقبته عائشة وهو يرحل لتقول بهمس وهى تشد الحقيبة على كتفها :
-ربنا يصلح حالك يا ياسر مرة أحسك عايز اختي ومرة أحسك عايزني انا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلف إلى المدرج بخطىٰ هادئة رغم لهفته في أن يراها وقد بحث عنها بعينيه في ارجاء المدرج ولكنه لم يبصرها، عجبًا هل عاندت ولم تأتي رغم علمها بأن هناك اختبار؟ أم لم تعلم من الأساس؟!
اعتدل جميع الطلبة فور رؤيته بينما هو اتجه ليجلس في مكتبه ممسكًا بكشف الأسماء ليشرع في المناداة على أسماء الطلبة حتى يعلم مَن الحاضر ومَن الغائب، وعندما وصل إلى اسمها ونادى عليها استمع إلى صوتها فرفع رأسه بسرعة يبحث عنها وعندما لم يراها نادى مرة أخرى متصنعًا أنه لم يسمع :
-فين شروق حسين صفوان؟؟
-انا هنا يا دكتور
وقفت شروق حتى يراها إذ كانت تجلس بجانب الحائط تمامًا وبجانبها عدد كبير من الفتيات ولم تظهر منهم، أما عاصم تعجب جلوسها في هذا المكان الغير معتاد لكن لم يعلق على الأقل أتت ورآها
أنهى كشف الحضور والغياب ثم أخذ يوزع أوراق الأختبار ثم عاد وجلس مكانه وعينيه كانت تتابعها بشغف يفكر جديًا في التقدم لها، وحتى إن تم رفضه سيكون أفضل من أن يتلظى بنيران الندم ويقول ليتنا تقدمت لها ولم أُضعها من يدي
مر أكثر من نصف الوقت بسرعة ليسمع أحد الطلاب يسأل إن كان يُسمح بالخروج لمن أنهى الاختبار وكان رد عاصم :
-آه اللي خلص يقدر يتفضل بعد ما يسلم الورقة
تقدم بعض الطلاب بأوراق الاختبار فقد وضع عاصم الاختبار سهل وهذا لأنه لم يكن لديه الوقت الكافي ليلة أمس ليضع اختبار صعب، وهذا بسبب والده وأخيه وأيضًا طلب طليقته
وعلى ذكر عايدة لقد تفاجأ كثيرًا بطلبها لعودتهم مرة أخرى من أجل ابنتهم تالين، لا يدري لما كانت ملامحها بائسة هكذا؟ هو لا يعلم ماذا حدث في هذا الشهر الذي انفصلوا به لكنه يعلم أن هذا الشئ أثر بشكل كبير على نفسيتها حتى أصبحت الكسرة في عينيها واضحة هكذا
ورغم كل هذا هو لن يعود إليها فليس بعدما جرب طعم الحب مع أخرى بالنسبة إليه أفضل منها، هو لم يخبرها هذا صراحةً البارحة بل قال بعد صمت طويل أنه سيفكر في الأمر، وقد قال هذا متحاشيًا كسر خاطرها فهى في النهاية والدة ابنته وكانت زوجته في يوم من الأيام
سيرفض بالطبع لكن بعد أن يعلم لما طلبت منه هذا، وهل لأهلها يد في الأمر
-اتفضل يا دكتور
نطقت بها شروق وهى تمد له ورقة الاختبار فأخذها منها عاصم مبتسمًا لها :
-ايه اخبار البرد دلوقتي؟؟
-الحمد لله
هتفت بها بإختصار شديد وهمت بالخروج فقال عاصم مناديًا عليها تزامنًا مع إخراجه لبعض الأوراق من حقيبته :
-استني يا شروق
بينما الأخرى توقفت ولم تستدير تشعر بضيق شديد يعتمر صدرها، لقد أتت اليوم لمحاضرته رغمًا عنها بعد أن علمت أن هناك اختبار عليه درجات، لا تريد أن تتصادم معه أو تتحدث معه طالما تحدثهما سويًا يسبب لها شبهة هى في غنى عنها
استدارت له تحاول أن تبقى هادئة وألا تهتم بنظرات بعض الفتيات اللواتي تركن الاختبار وأخذن يراقبن بإنتباه ما سيحدث، وكأن هناك فيلمًا يعرض أمامهن :
-نعم يا دكتور
أعطى عاصم لها بغض الأوراق ولا تزال الابتسامة مرتسمة على وجهه :
-اتفضلي المحاضرات اللي فاتتك
-شكرًا يا دكتور اخدتها كلها من واحدة زميلتي
تعجب الآخر هذا ليرجع يده للخلف وقد تعجب أكثر من نبرتها الجامدة وكأنها تجبر نفسها على الوقوف معه، ورغم هذا حاول أن يكون لبقًا عارضًا عليها عرض آخر :
-تمام لو حاجة وقفت معاكي تقدري
ولم تدعه حتى يكمل حديثه إذ قالت بنبرة أكثر جمودًا وقد تضايقت بشدة لرؤيتها للبعض يهمس والانظار معلقة عليهما :
-شكرًا يا دكتور هخلي زميلتي تشرحهم ليا هى شاطرة ومن أوائل الدفعة عن أذنك
تركت المدرج بأكمله ورحلت تسب وتلعن في جميع مَن بالداخل، لما كانوا يتهامسون؟؟ تبًا لهم أجمعين هل تقف معه في وضع مخل حتى يتحدثوا عنها بسوء!؟
لما يحب الناس دائمًا التحدث على الآخرين دون أن يدركوا إن هذه تدعى غَيبة
دلفت إلى المرحاض المتواجد في إحدى الأدوار وحمدًا لله أن لا أحد موجود بالداخل، ألقت بحقيبتها بعنف على جنب ناظرةً إلى المرآة بغضب، تود العودة إليهم والصراخ بهم عن الذي يتهامسون به عليها
تنهدت بضيق وهى تشعر بإختناق يضيق داخل صدرها، سحبت حقيبتها ودلفت إلى أحد المراحيض المرتصة بجانب بعضها لتلبث في الداخل لدقائق وعندما أنهت استمعت إلى الباب الخارجي للمرحاض يدفع بقوة
أخرجت رأسها حتى ترى من فعل هذا وقد اتسعت عينيها بصدمة عندما وجدت فتاة ساقطة أمام باب المرحاض التي هى به، جاحظة الأعين وكأنها ترى أمامها ملك الموت
كادت أن تخرج وتساعدها على الوقوف لولا أنها استمعت إلى صوت رجولي قال تزامنًا مع إغلاقه للباب الخارجي :
-فريال صدقيني مفيش مكان هتعرفي تهربي مني فيه
اختبأت شروق خلف الباب وفقط جزء من عينيها يراقب ما يحدث إذ رأت من خلال انعكاس المرآة رجل يرتدي قبعة بلسان وقد نزعها وظهر لها فقط نصف وجهه
أما عن تلك المسكينة الساقطة أرضًا هتفت برعب :
-انت عايز مني ايه يا اخي، خلاص كل واحد هيروح لحاله سيبني في حالي مقدرش أكمل معاك
هبط الآخر إلى مستواها متحدثًا بحزن حقيقي :
-بس انا حبيتك يا فريال ايه الوحش فيا علشان ترفضي تكملي علاقتنا، انا ابن ناس وحسب ونسب زي ما بيقولوا
-هـــو بالعافــــية
تلىٰ صرختها هذه صرخة أكبر عندما امسك بخصلات شعرها بقوة هامسًا بشر :
-آه بالعافية ما هو انا مترفضش مرتين واللي ابقى عاوزها تروح لغيري انا عايزك يا فريال ذوق عافية هتتجوزيني
-لأ
صاحت بها الأخرى برفض فترك خصلات شعرها ونظر إليها لبرهة صامتًا قبل أن يقول وهو يخرج سكين حاد من جيبه جعل شروق تتراجع للخلف برعب حقيقي تسمعه يقول من الخارج :
-عارفة كنت بستغرب لما اسمع عن واحد قتل واحدة رفضت ترتبط به، كنت بسأل نفسي يعني هى آخر واحدة في الدنيا علشان يقتلها لأنها رفضت ترتبط به
احتدت نظراته بشكل مخيف وهو يرفع السكين أمام وجهها مسترسلًا :
-هو مش بيقتلها علشان هى آخر واحدة في الدنيا وإنما إحنا الرجالة لما نتعلق بواحدة ونبقى عايزينها وهى تقول لأ وتروح لغيرنا دي بتوجع رجولتنا جدًا وأحيانًا البعض بيتهور ويقتل
كادت المدعوة فريال أن تصرخ لعل أحدًا ينجدها لكن سبقها الآخر واحكم يده على فمها وقيدها بحيث جعل ظهرها ملاصقًا لصدره بينما قال وهو يجعل السكين يمر على وجهه من أعلى جبينها إلى أسفل خدها مسببًا جرح كالخط الرفيع :
-انا حبيتك بجد يا فريال وكنت مستعد اعمل أي حاجة علشانك بس انتي نهيتي علاقتنا بقسوة وقولتي لأ مش هكمل وانا رجولتي وكرامتي اتوجعت
وضع السكين على عنقها بينما الأخرى كانت تتحرك بهستيريا أسفل يده ليقول وهو يقرب شفتيه من أذنها وقد تجمعت الدموع في عينيه :
-لو خليتك تعيشي معايا غصب عنك هتسيبيني في الآخر وانا مش عايزك تسبيني فهخليكي تروحي مكان أحسن من الدنيا، بلغي سلامي لأبويا لما تروحي جهنم يا فريال
وما إن ختم حديثه حتى سحب السكين بعنف على عنقها ناحرًا اياها فسقطت الأخرى من يدها وجسدها ينتفض بسبب خروج الروح منهاط بينما صرخ الآخر بقوة وقد سالت الدموع من عينيه لأول مرة أو لنقول لثاني مرة فالأولى كانت عندما زهق روحًا لأول مرة :
-غـــبـيــة رفضتيني علشان ابن عمك زي ما الأولى رفضتني وراحت لغيري بس انا معرفتش اقتلها فقتلتك انتي
وكانت شروق تستمع إلى هزيه المستمر من الخارج لتشهق بصدمة عندما ابصرت دماءً تتسلل من فتحة الباب بالأسفل وعندما استمع الآخر إلى هذه الشهقة وقف بسرعة ودفع أحد أبواب المراحيض لكن لم يكن بها أحد فاتجه إلى الثاني وفعل نفس الشئ
وعندما استمعت شروق إلى دفعه للأبواب أغلقت عليها من الداخل بقوة ولم تلبث لثواني إلا ووجدته يدفع الباب بجنون وهو يصيح :
-اطــلـعـي
وكرد فعل سريع منها دفعت الباب بظهرها بقوة ولم تجد حلًا غير الصراخ فاخذت تصرخ وتصرخ بكل ما أوتيت من صوتها وعندما استمع الآخر إلى طرقات عنيفة على الباب الخارجي سحب قبعته ووضعها على وجهه وقفزت من النافذة ولحسن حظه كان المرحاض في الطابق الأول وقفزته أدت لإلتواء بسيط في قدمه لكنه لاذ بالفرار
أما بالداخل توقفت شروق عن الصراخ عندما كُسر الباب واستمعت إلى صوت إحدى الفتيات تصرخ قائلة :
-الـحقـونـي في واحدة مقتولة هـــنـا
تهاوى جسد شروق أرضًا بعدما ارتخت جميع أعصاب جسدها منتفضة بخفة من الرعب وقد زاد الرعب أضعافًا عندما رفعت كفيها الذّين تلوثا بالدماء فجثة فريال تقع خلفها مباشرةً يفصلهم فقط الباب...
