رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم الكاتبة شموسة
الفصل الثاني والعشرون
( 1)
كما في العمر لحظات انتصار ولحظات هزيمة .. به أيضا لحظات نفقد فيها الاتزان وحكمنا على الأمور ..حينما نُسجن في لُجة مشاعر سلبية .. ونلف وندور حول انطباعات وهمية.. متشبثين بخرافات ليس لها أساس من الصحة .
هذا ما فطن إليه هلال خلال الفترة التي ابتعد فيها .. بعد تلك الليلة المؤلمة التي عاشها يوم أن تهجم على نصرة أمام الناس ..
هذا الأمر وحده كان كفيلا بأن يشعره بالخزي من نفسه للأبد.. ليس فقط لأنها زوجته وأم أولاده ولكن لأنها نصرة (حبيبة القلب) ..
لكن تلك اللحظة التي انفجر فيها كريم في وجهه ورأى فيها ذلك الكره الممزوج بالخوف في عينيه ..
تلك اللحظة التي وعى أخيرا بعد ساعات من الغضب الأعمى على نظرات بناته إليه ونظرة نصرة خائبة الرجاء فيه ..
وتلك الحمائية التي ظهرت من ابنه تجاه أمه .. و الكلمات الجارحة التي تلفظ بها أصغر أبنائه في وجهه..
كل هذا كان بمثابة صفعة قوية أفقدته الرؤية .. أشعرته بأنه مجرم وبأنه قد دمر حياته وحياة عائلته.. فلم يجد مفرا من الهروب ..
كان يريد أن يلملم شتات نفسه .. ويقيّم أفعاله .. ويطبب جراحه ..
كان يرغب في التخلص من الإحساس بالذنب والاحساس بالألم ويفند ويقيم كل شيء حوله.
كان يشعر بالخزي من مواجهة أولاده ومواجهة صديقه ومواجهة نصرة .
ذهب لأخيه في العاصمة وتقوقع على نفسه بضعة أيام غير قادر على التواصل مع أحد .. ليس عقابا لهم وإنما عقابا لنفسه .. وشعورا بالخزي منهم ..
لم يجد ما يقوله ولم يجد ما يبرر به .. فالاعتذار لن يرمم ما تحطم .. ولن يمحو ما بدر منه .
أول شيء فعله هو البحث عن عمل .. وهذه المرة لم يكن اختياره ينحصر فيما يتقنه .. لقد استوعب الدرس .. وأجبر نفسه على القبول بأي عمل مهما كان ..
كان عليه أن يثبت لنفسه أولا قبل أن يثبت لعائلته بأنه رجل على قدر المسئولية .. فعمل مع أخيه في السوبر ماركت الخاص به .. وفي سمسرة العقاارات المهنة الأخرى التي يمتهنها أخوه .. ومع الوقت فهم فكرتها وأسرارها التي لم يبخل عليه أخوه فيها .. واكتشف بأنه لا يزال قادرا على تعلم الجديد ..و أصر أن يرسل لعائلته مبلغا شهريا رغم أنه لم يكن يتواصل مع أحد منهم ..
وحانت لحظة العودة ..
كان لابد أن يعود .. هو ذهب في الأساس حتى يستطيع العودة .. فلو بقى لما استطاع العودة إليهم هلال المعدل .. هلال الذي كان قبل سنوات قبل أن تطمس ملامحه الخيبات ..
المحنة على قدر صعوبتها فرضت عليه مواجهة صعبة ومؤلمة مع الذات .. ومن أجل الأحبة قرر أن يغير من تفكيره .. وجاهد في عمله ..
وحان وقت العودة .. لأنه يعلم بأن هناك ما عليه إصلاحه .. ولأنه يعلم بأن مدة الشهرين الخاصة بالتجهيز لزواج ابنته قد انتهت .. ولأنه قد حصل على ذلك المبلغ من المال الذي سيساعده على شراء ما تبقى رغم أنه لا يعرف ما الذي تبقى بالضبط ..
حان وقت العودة لأن طلال أخبره في الهاتف بأن الوقت ينفد منه وبأن أخيه سيسافر خلال أسبوعين .. لذا عاد ..
لكن كان عليه أن يبدأ من حيث انتهى ليلة مغادرته للقرية .. كان عليه أن يبدأ بكريم الذي علم من طلال عن طريق الصدفة في احدى الاتصالات التي كان يحرص على الرد عليها حتى يحفظ ماء وجه عائلته مع اصهاره بأنه يعمل عند جابر دبور .
جابر الذي لا يعرف كيف يريه وجهه بعد كل ما حدث .. رحلته للعاصمة .. وذلك الوقت الطويل جدا الذي مر عليه بدون عائلته أعطاه الفرصة للتفكير وإعادة تقييم أفكاره وتصرفاته ووجد نفسه قد أخطأ تجاهه .. وأخوه أيضا عاتبه فيما فعل مع جابر ومع أسرته ..
حان وقت مواجهة اخطاءك يا هلال .. وكم تحتاج من شجاعة لفعل ذلك ..
مسح كفيه المتعرقين بجانبي جلبابه واقترب ليدخل المعرض فاستقبله أحد العمال القدامى مرحبا "كيف حالك يا أبا كريم متى عدت ؟"
سقط القلم من يد كريم كما سقط قلبه .. ورفع رأسه يحدق في ذلك الذي يسلم على الرجل وعيناه مسلطتان عليه فاستقام من جلسته واقفا وتعرق جسده كله فجأة وانفجرت دقات قلبه لكنه عجز عن تصنيف شعوره أهو فرح أم خوف أم ترقب.
ظل الاثنان يحدقان في بعضهما من بعيد دون كلمة في الوقت الذي خرج جابر يقول لأحد عماله" الأجهزة الخاصة بالمعلم خيري الفكهاني لماذا لم تخرج من المخا ..."
توقف متفاجئا لثوان ثم هتف" هلال!!"
فك هلال تشابك عينيه مع ابنه ونظر لجابر يقول مداريا توتره من المواجهة بابتسامة محرجة " كيف حالك يا جابر ؟"
اتسعت ابتسامة الأخير بفرحة حقيقية واقترب من هلال قائلا "أنا بخير .. المهم طمئني عنك (واستدار يقول للعمال الذين يتطلعون بفضول في المشهد) هلا عدتم لأشغالكم؟"
تحرك الواقفون بينما اقترب هلال ليقف أمامه قائلا بصوت متحشرج وكأنه يطلب العون "أنا عدت يا صاحبي فهل سأجد ترحيبا؟ "
حضنه جابر بمحبة وشوق قائلا "نورت المحافظة وستنير بيتك يا أبا كريم ؟"
قال هلال وهو ينظر يمينا حيث لا يزال كريم يقف مذهولا "سأنير البيت حينما يسمح لي رجل البيت الصغير بدخوله "
قالها بصدق لكن كريم اعتقد أن والده يتهكم ..ولم يدرِ ما الذي حدث في اللحظة التالية .. ليجد نفسه قد انفجر في البكاء فجأة فالتاع قلب هلال واسرع إليه يضمه بينما ظل جابر مكانه متأثرا وغمغم "هلا دخلتما لمكتبي لتكونا على راحتكما ؟"
قال هلال وهو يربت على ظهر ابنه " لا.. سنذهب أنا وهذا البطل إلى مكان لنتحدث سويا (وأنزل أنظاره لكريم الذي يخبئ رأسه في صدر جلباب أبيه وقال ) أليس كذلك يا كريم ستأتي معي ؟"
ابعد كريم رأسه قليلا ليرفع أنظاره نحو والده حتى يتأكد من أنه لا يحلم وأن هذين الذراعين اللذين يحضناه هما ذراعي والده هلال جمعة ..قبل أن يهز رأسه وسط فيضان من الدموع موافقا.. فقال هلال وهو ينظر لجابر بنظرات ممتنة" أنا لي عودة للجلوس معك يا جابر جلسة مطولة .. لكن دعني أجبر ما كسرته ثم آتيك يا صاحبي"
كلامه الهادئ وتلك النظرة الممتنة المعتذرة في عينيه وكلمة (صاحبي) طمأنت قلب جابر وأدخلت السرور عليه فقال بابتسامة يداري تأثره " في انتظارك يا صاحبي في انتظارك "
××××
في إحدى المقاهي كان كريم يجلس أمام والده مطأطئ الرأس عيناه لا تزالان نديتين بالدموع بينما النادل يضع أمامهما ما طلباه ثم ينسحب ليقول هلال مشيرا على كوب العصير "اشرب يا كريم"
لم يلمس كريم الكوب ولكن رفع أنظاره يقول لوالده" أنا أسف يا أبي عما بدر مني تلك الليلة كنت خائفا منك على أمي (وتلفظ بنشيج )و لم أكن ... "
تحشرجت العبرات في حلقه فقال هلال" لا بأس يا كريم ..أنا قبلت اعتذارك .. وأريدك أنت أيضا أن تقبل اعتذاري"
لاح سؤال في عيني الصغير ليضيف هلال "تقبل اعتذاري على كوني لم أكن أبا جيدا لك"
هتف كريم بعاطفة متأثرة صادقة "لا يا أبي أنا أحبك جدا"
مال هلال والتقط رأس ابنه يقبلها بعينين غائمتين ثم قال أمام وجهه الباكي الذي رفعه له" وأنا أحبك يا كريم وأعدك بأني سأصحح أخطائي لأني وجدت أنه ليس عيبا أن نخطئ دون قصد لكن العيب أن نتمادى في هذا الخطأ"
سأله كريم بنظرات مترجية "هل هذا يعني بأنك ستبقى معنا ولن تتركنا مجددا ؟"
ربت هلال على ظهر ولده يرد "بالطبع .."
اتسعت ابتسامة كريم من وسط دموعه وسأله وكأنه يريد أن يتأكد" هل هذا يعني بأنك ستذهب معي للبيت الآن؟"
قال هلال وهو يزيح كرسيه للخلف" أجل الآن وفورا"
استقام كريم واقفا ثم مال يسحب بعضا من العصير عبر الماصة على عجل فقال هلال "انتظر حتى تنهيه"
اسرع كريم يقول "لا لا فلنعد للبيت بسرعة (ثم تسمر مكانه يتمتم ) لكن علينا بالاستئذان من عمي جابر أولا فلم تنتهي ساعات العمل بعد"
اتسعت ابتسامة هلال بإعجاب وسحب رأس ولده ليضمها إليه ومال ليطبع قبلة عليها بينما عيناه تلمعان بدموع التأثر من هذا الولد الذي يبدي رجولة والتزام مبكرين وغمغم "لا بأس سنتصل بالمعلم جابر ونخبره بأنك ستذهب معي (وغمغم في سره ) وليساعدنا الله في المهمة الصعبة ..مهمة مواجهة نصرة"
××××
بعد قليل كان يحتضن بشوق ابنتيه همسة ونسمة للمرة التي فقد عدها في جلسته على الأريكة بينما أخذت اسراء تمسح دموعها المتأثرة بعودة والدها .
أما كريم فجلس بابتسامة سعيدة يتابع المشهد على مقعد بعيد ويتذكر كيف كان دخوله عليهن برفقة والده منذ قليل كمن عاد إليهم بنصر كبير .
قال هلال لأسراء مطمئنا" سأجلس مع طلال لنحدد موعد قريب لزفافك يا اسراء إن شاء الله "
أومأت الأخيرة برأسها بينما نظر هو لباب غرفة نومه المغلق منذ أن حضر.. فقد بادرت نصرة بمجرد أن تواجهت عيناهما بترك المكان والدخول لغرفتهما وأغلقت الباب عليها.
ترك ابنتيه اللتان لا تزالا ملتصقتان به واستقام واقفا يتحرك نحو غرفة النوم وهو يتبادل النظرات القلقة مع اسراء ..
هذه هي المواجهة الأصعب عليه .. والتي يعلم بأنها لن تكون سهلة ونصرة لن تسامحه بسهولة .
طرق على الباب قائلا" ألن تفتحي لنتحدث يا نصرة ؟"
من خلف الباب كانت تجلس على طارف السرير منكسة الرأس يديها الممتلئتان مضمومتان في حجرها تقبض على مشاعرها بقوة .
لقد وعدت نفسها ألا تضعف .. وألا تسامحه فما فعله كان خيانة للعهد .. عهد العشق الذي ربط بين قلبيهما على مدى ربع قرن ..
تعاهدا على تحمل الضراء قبل السراء الأحزان قبل الأفراح تعاهدا ألا يفترقا لكنه لم يلتزم بالعهد .
هل يحسب نفسه إذا ما جاء معتذرا ستسامحه بسهولة؟! .. هكذا حدثت نفسها وهي تقاوم تلك المشاعر التي خانتها هي الأخرى وتهتاج في صدرها الآن في شوق عارم إليه .
جاءها صوته الذي افتقدته بشدة يقول "نصرة بالله عليك اعطني فرصة لأن نتحدث سويا ..وأنا متقبل بعدها أي عقاب منك "
مسحت الدموع من عينيها بحركة حادة تشجع نفسها على مواجهته واستقامت واقفة .
سمع هلال الباب يفتح فتسارعت ضربات قلبه لتطل عليه نصرة بعينين ووجه حُمر من أثر البكاء لكن ملامحها كانت جامدة .
تأملها بشوق وهي معصوبة الرأس بوشاح صغير تقول له بوجوم "تعال لنتحدث في غرفة الجلوس "
قالتها وتجاوزته تسبقه للغرفة فقالت اسراء لأخواتها" اصعدوا هيا للسطح "
تحرك هلال يدخل خلفها غرفة الجلوس بينما تلكأ أولاده وأعناقهم تشرئب لباب الغرفة فشاهدوا هلال وهو يقترب من نصرة الجالسة على الأريكة ويقبّل رأسها فأبعدته بإشاحة من يدها وهي مستمرة على وجومها.
زجرت اسراء اخوتها لتنفيذ ما طلبت فتحركوا على مضض لكنهم لم يقدروا على الابتعاد لأكثر من الجلوس على السلم المؤدي للسطح يشعرون بالتوتر .. أما إسراء فجلست في الصالة بترقب لترى ماذا سيحدث مع والديها .
قال هلال بهدوء " أنا اعترف بأخطائي يا نصرة .. وجئتك لاعتذر وأطلب سماحك"
قالت تقبض على مشاعر الضعف التي تضغط عليها "ما الذي اعادك ؟"
تكلم بنفس الهدوء" جئت لأكون وسطكم "
أشاحت بوجهها تتمتم "أنت اخترت الهرب"
قال مدافعا عن نفسه "لم يكن هربا منكم يا نصرة ..كنت أهرب من نفسي ومن تصرفاتي ..كنت أريد هدنة من الجميع لأفكر وأتوازن نفسيا .. لأحاسب نفسي وأقيّم تصرفاتي.. كنت أريد هذا بشدة ..وفي نفس الوقت لم أكن قادرا على النظر في عينيك أنت والعيال بعد ما صدر مني آخر مرة .. شعرت بأني أؤذي الجميع بوجودي .. والآن جئت لأكون وسطكم فهل ستقبلين بي يا نصرة وتغفرين لي؟"
لان قلبها قليلا لكنها استمرت في الاشاحة بوجهها بعيدا عنه توبخ نفسها لتمنعها من أي محاولة للضعف أمامه ثم قالت دون أن تنظر إليه " لن أستطيع منعك عن بيتك وأولادك .. أما عن صفحي عنك فهذا ما لا أقدر عليه حاليا"
تطلع هلال فيها يتأملها ويتأمل جلباب البيت القطني فوق جسدها الأبيض المكتنز وعنقها الملوي بعيدا عنه متحكما في شوقه إليها ومعترفا بأخطائه ..ثم قال لها بهدوء" وأنا متقبل أي عقاب يرضيك يا أم كريم وسأصبر حتى أنول الرضا "
تكتفت وهي لا تزال عازفة عن النظر إليه فبدت كطفلة غاضبة ثم قالت "ستنام مع كريم في غرفته"
أطرق برأسه وقال " قلت طلباتك مجابة يا أم كريم"
تغضنت ملامحها للحظة وقلبها يرتجف لنبرته المنكسرة لكنها نهرت نفسها عن أي محاولة لتمرير ما حدث بسهولة ليأتيها صوت هلال قائلا" أنا عدت معي مبلغا من المال وأريدك أن تخبريني ماذا ينقصنا بالضبط لنكمل الحد الأدنى من المطلوب "
أدارت وجهها إليه وسألته بعبوس "كم معك؟"
حينما رد على سؤالها اتسعت عيناها وهتفت صارخة "من أين حصلت على مبلغ كهذا يا هلال ؟؟؟!!"
تفاجأ هلال بثورتها .. لتضرب على وجهها صارخة "مددت يدك للحرام يا أبا كريم !!"
اتسعت عينا اسراء بالخارج بينما هتف هلال بحزم" اخفضي صوتك يا نصرة .. عن أي حرام تتحدثين يا امرأة!.. استغفر الله العظيم .. (وأضاف بلهجة مصدومة )هل هذه نظرتك لي يا أم كريم .. يا خسارة العشرة والأيام !"
تأتأت نصرة تقول بحاجبين معقودين وبلهجة أهدأ "لم أقصد .. لكن هذا المبلغ الكبير في هذه الفترة القصيرة"
رد هلال موضحا بعبوس "أنا كنت أعمل مع أخي في السوبر ماركت وكما تعلمين فهو يعمل كسمسار للعقاارات أيضا وقد علمني أسرار المهنة بارك الله له وكانت تأتينا مبالغ لا بأس بها من سمسرة العقاارات كنت أرسل لك منها شهريا .. حتى استطعنا أن نتوسط في بيع قطعة أرض كبيرة .. (وأضاف بفخر) والله يا نصرة كأن الله قد أرسلها لي في الوقت المناسب لنا .. كان رجل قد عاد للبلد بعد غياب سنوات ليبيع عمارة يمتلكها وقطعة أرض فضاء بجوارها ولم يكن يعلم أي شيء في البلد .. فأوقعنا الله في طريقه ليوكل لنا مهمة البحث له عن مشترٍ سريع لاستعجاله للعودة وتصفية ممتلكاته في البلد .. وقد وفقنا الله في البيعة وقبضنا مبلغ السمسرة .. والحقيقة أن أخي قد تنازل عن جزء من نصيبه لي محبة ليضاف على نصيبي .. وأعطاني الجزء الأخر على سبيل الدين المؤجل سأرده له فيما بعد إن شاء الله"
تغرغرت الدموع في عيني نصرة وغمغمت "هذا رزق ابنتنا الطيبة اسراء يا هلال"
أطرقت اسراء برأسها متأثرة بينما قال هلال معترفا" سبحان من يدبر الأمر .. المهم هل هذا المال سيكفي التزاماتنا؟"
قالت نصرة "سيكفي إن شاء الله لكننا لن نستطيع أن نشتري به إلا الأساسيات وكما تعلم أهل البلدة"
قاطعها منفعلا "يا نصرة ليس من المعقول أن نشتري لها أشياءً لن تستخدمها لمجرد المفاخرة!!"
ردت معترفة" أنا أتفق معك .. لكن أهل طلال سيعايروننا"
طرقة على الباب المفتوح تبعها دخول اسراء تقول" هلا سمحتما لي بالتدخل ؟"
ساد الصمت لثوان قبل أن تضيف إسراء "أرى أننا نقتل أنفسنا بدخولنا في منافسة مع أهل البلدة .. أنا سأتحدث مع طلال وأخبره بإمكانياتنا وبصراحة حتى أكبر العائلات تحتاج لوقت للتجهيز وهم متعجلون لذا سأخبره بظروفنا وعليه أن يقرر هو "
قال هلال بلهجة حازمة" بل أنا من سيتحدث معه ومع والده .. ونخبره بوضعنا .. وبأننا لن نستطيع أن نحضر إلا الأساسيات"
غمغمت نصرة شاعرة بالقلق على فسخ الخطبة" ومن الممكن أن نتحجج بقصر المدة ونعدهم بأننا سنحضر الباقي بعد الزواج "
حدجها هلال واسراء بنظرة حادة فغمغمت على مضض" استرها معنا يا رب "
×××××
بعد ثلاثة أيام
عند صلاة الفجر
"هذه ستكون المرة الأخيرة يا أم هاشم"
قالتها لنفسها وهي تتطلع من شباك المطبخ تترقب خطواته وتنتظر مروره من أمام بيتها .
تهكمت على نفسها تقول" مر ثلاثة أيام وأنت تقولين هذا الكلام .. وبأنها المرة الأخيرة التي ستقفين فيها لتنتظريه يا أم هاشم !"
فركت يديها في بعضهما لا تعرف ماذا تفعل .. تشعر بذنب كبير إذا ما وافقت على محسن وفي قلبها رجل أخر .. رجل ليس كأي رجل .. إنه الغالي .
ربما هي ليست قادرة على نسيانه لأنها قلقة عليه .. هكذا بررت لنفسها .. فلو كانت تراه سعيدا لاستطاعت أن تطمئن عليه ..
عادت لتقارع نفسها " طوال سبع سنوات هي عمر زواجه يا أم هاشم كل هذا وتتحججين بالقلق عليه !"
عادت من جديد تعطي لنفسها المبررات ..لأنه لم يكن سعيدا كما تمنت أن تراه .. تشعر به يزداد حزنا سنة بعد الأخرى منذ زواجه.
"هذا فقط ما يصوره لك عقلك يا بنت زكريا"
قالتها لنفسها موبخة وأضافت " أنت تتصورين هذا حتى تجدي لك مبررا للتفكير به"
رفعت أنظارها مجددا للنافذة وهمست "لا والله هو بالفعل حزين .. وازدادت همومه في الفترة الأخيرة"
راقبته يخرج من بوابة بيته الذي يقع على أول الشارع فتعالى صخب دقات قلبها كلما اقترب أكثر ..
كان يقترب بخطوات بطيئة ثقيلة .. السبحة في يده وشفتيه تتمتمان بهمس .. حتى مر من أمامها.
كل مرة تتمنى أن تجمد الصورة في تلك اللحظة التي يمر فيها من أمام النافذة .. تلك اللحظة التي يكون فيها في أقرب مسافة منها .. تجمد الصورة لتحتفظ بها أمام عينيها كلما اشتاقت لرؤيته .
نهرت نفسها باستنكار وهي تراه يبتعد نحو المسجد المجاور "ماذا تفعلين يا بنت زكريا ألم تعدي نفسك بأنك ستنسيه .. ستنزعينه من قلبك! .. أنت تزدادين تطرفا وجنونا"
ابتعدت عن النافذة واسرعت نحو غرفتها لتقف على سجادة الصلاة ووعدت نفسها بأن هذه المرة ستكون المرة الأخيرة التي ستصلي فيها خلفه ..
المرة الأخيرة التي ستفكر فيه .. وستقلق عليه .. وستهتم لأمره ..
المرة الأخيرة التي ستدعو له ..
"المرة الأخيرة يا أم هاشم"
قالتها لنفسها وهي تستعد للصلاة وأضافت بلهجة متهكمة "المرة الأخيرة بعد تلك المرات التي كانت أيضا الأخيرة!"
بعد دقائق رفعت يديها للسماء تدعو ربها .. وبصعوبة شديدة منعت نفسها ألا تدعو له .. فقط غمغمت مناجية "يا رب أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين "
صمتت كثيرا .. وتلجم لسانها ويداها المرفوعتان نحو السماء وهي تحاول أن تجبر نفسها على النطق .. على الدعاء .. لتقول أخيرا بصعوبة " يا رب .. اخرجه من قلبي .. وساعدني في ألا أفكر فيه أو أُشغل به .. واسعده يا رب اسعده وفرح قلبه يا كريم ..(نبهت نفسها لأنها عادت لتدعو له فتوقفت عن الاسترسال ثم قالت بحشرجة والحروف تخرج بصعوبة من فمها ) ساعدني يا رب أن أنسى جـ ا بـ ر "
قالتها واجهشت في البكاء وكأن قلبها يُنتزع منها .
×××××
في العاشرة صباحا
كانت أعين المارة تناظر المشهد باندهاش بينما الأفواه إما تتحرك يمينا ويسارا بتهكم أو فاغرة متفاجئة ..غير مصدقة لهذا الخبر الذي انتشر كالنار في الهشيم منذ الصباح الباكر.
أن جابر دبور طلق بنت العسال!! .
وقف جابر في الشارع بجوار بيته يديه في جيبي جلبابه وتعبير جامد على ملامحه يتطلع في أثاث البيت الذي يحمله الرجال فوق سيارات النقل .
ورغم كل شيء مر به .. فالشعور بالفشل شعور مُر..
أما بدير فكان يقف بعيدا عن البيت يستند على سيارته الخاصة مرتديا نظارة الشمس السوداء ليحجب عن الجميع انفعالاته خاصة مع الشعور بالحرج الذي يشعر به من النظرات المارة .. ومن الفضوليين اللذين تعامل معهم باقتضاب .. فهذا هو أحد عيوب الحياة في مجتمع صغير كله يعرف بعضه .. وكل ما يحدث في حياتك يعلم به الجميع .. وطلاق بنت العسال مهما حاول إعطاء المبررات للفضوليين أو هو إطلاق شائعات بأكاذيب عن أسباب الانفصال سيظل طلاق الإناث أمرا غير مرحب به في أي عائلة .
وقف هلال بجوار جابر يشد من أزره قائلا "أتمنى من الله أن يعوض عليك يا صاحبي "
ربت جابر على ذراعه ثم قال" طمئنني عنك أنت"
رد هلال بهدوء" بخير الحمد لله سأجلس اليوم مع طلال ووالده لنحدد موعد الزواج (ونظر لجابر يقول ببعض الحرج) كنت أرغب في أن أجلس معك أيضا لأعتذر لك عما بدر مني من حماقات "
قال جابر بهدوء "لا داعي لتلك الرسميات يا هلال يكفيني أنك عدت لبيتك وأنك أزلت أي سوء فهم بيننا "
قال بدير بخشونة للرجال الذي يحملون الأشياء فوق السيارات" هل انتهيتم؟"
أومأ له أحدهم فأشار له بأن يبدؤا في التحرك بينما استدار هو ليقول لجابر من بعيد" في انتظارك يا معلم جابر يوم الجمعة لنتحدث في أمور النفقة وما إلى ذلك"
لم يرد جابر .. ناظره ببرود ولم يرد.. فاستدار الثاني يشمخ بذقنه بخيلاء مقصودة وركب سيارته مبتعدا .. وسيارات النقل بدأت هي الأخرى في التحرك أمام أنظار جابر معلنة نهاية مرحلة من حياته وبداية أخرى .
شكر جابر الواقفين المواسين له والذين حاول بعضهم التدخل لربما استطاع لم الشمل من جديد ..فاكتفى بالرد بكلمات قليلة مقتضبة بما يعني ( قسمة ونصيب ) ثم تحرك يربت على ذراع هلال قائلا "انتظرني سأطمئن على الحاجة نجف وأعود حتى نجلس في أي مكان.. أريد أن أطمئن عليك وأعرف احوالك وماذا فعلت في العاصمة"
قال هلال بحرج وهو يهرش في مؤخرة رأسه بحركة أعادت جابر لأكثر من ثلاثين سنة حينما كانا صغارا "أنا أيضا أريد أن أجلس معك لنتحدث في إجراءات التقسيط فيما يخص الأجهزة المنزلية الخاصة بإسراء فأنا أعلم بأنك لا تزال تحتفظ بها لنا "
اتسعت ابتسامة جابر وربت على ذراع هلال في صمت ثم استدار ليدخل من بوابة البيت يشعر وكأن وصول هلال كان هدية له من الله خاصة مع عودته أكثر هدوء وراحة عما كان عليه في السنوات الأخيرة .
دخل الصالة التي فرغت من الأثاث .. فكان الشعور محزنا ..
رحلت أخيرا .. رحلت بعد عذاب و كان يحسبها لن ترحل .. لكنها أخذت معها من عمره الكثير .. كما أخذت الغربة من عمره ..
فهل لا يزال في العمر بقية لتعويض ما فاته؟!.
بحثت عيناه عن والدته ليطمئن عليها فغرفتها الوحيدة التي بقيت من أثاث البيت .. اقترب من غرفتها ليجدها جالسة على السرير تبكي .
سحب جابر نفسا عميقا ثم قال يتصنع المرح" ما بك يا حاجة نجف من المفترض أن تكوني سعيدة الآن وقد تخلصت منها !"
رفعت إليه عينين باكيتين وغمغمت "ابكي على حظك يا حبيبي .. وابكي على ميس"
جلس جابر بجوارها على السرير وقال وهو يلف ذراعه ليحضن جسدها الضئيل "الحمد لله على كل شيء يا أمي وميس ربي يعلم كم صبرت من أجلها .. عموما لا تستبقي الأحداث .. فأنا لا أتوقع أن كاميليا من ذلك النوع من النساء التي ستعيش راهبة من أجل تربية ابنتها .. ستتزوج يوما ما ووقتها وكما تقتضي العادات في بلدتنا ستترك ميس في بيت العسال ووقتها سأتدخل أنا لضمها .. إن شاء الله"
قالت نجف وهي ترفع له عينين باكيتين "وأنت يا بني هل ستبقى هكذا ؟"
رد جابر بلهجة هادئة مطمئنة " من قال هذا يا نجف؟!.. سأتزوج بإذن الله وسأملأ لك هذا البيت أطفالا"
قالت بفرحة عارمة" حقا يا جابر .."
رد جابر مؤيدا وهو يستقيم واقفا "بالطبع ..على الحياة أن تستمر وجابر دبور لا يكسره شيء (وأضاف في سره ) المهم أن تقبل هي بي"
قالت نجف بحماس وهي تمسح دموعها "والله لأبحث لك عن من هي أجمل منها وأصغر"
رد جابر مناكفا" لاااااا .. المرة الماضية كانت من ترشيحك يا غالية وها هي النتيجة "
قالها مشيرا على خارج الغرفة حيث البيت الفارغ من الأثاث .. فتغضنت ملامح نجف شاعرة بالذنب ..ليسرع جابر قائلا "أنا اشاكسك فقط يا غالية .. أنتِ رشحتها وأنا وافقت عليها بإرادتي الكاملة .. وأتحمل المسؤولية .. عموما هناك فتاة بعينها أتمناها زوجة وأتمنى أن تقبل بي"
هتفت نجف بحمائية "ومن هذه التي لن تقبل بجابر دبور زينة شباب المحافظة كلها"
اتسعت ابتسامته على حمائيتها الأمومية ثم علق متهكما" زينة شباب البلدة مطلق ويعول يا حاجة"
هتفت باعتراض "لا يعيبك يا حبيبي ..والله لا يعيبك أبدا ..أنا لا أقول هذا الكلام لأنك ابني ولا كي أواسيك .. والله لا تُذكر سيرتك بين الناس إلا وأرى التقدير والاحترام في عيونهم ..فأنت وأخيك كالأوسمة على صدري أشكر الله على نعمتكما في حياتي .. يا جابر أنا أكيدة أنه لن يتردد بيت من بيوت القرية أو خارجها في مصاهرتك"
هز جابر رأسه مبتسما ثم قال" اللهم لك الحمد والشكر .. عموما نتمنى أن يكون هذا رأي العروس أيضا .. سأذهب الآن لأن هلال ينتظرني "
قالت أمه بلهفة "متى سنتقدم لتلك العروس؟"
رد جابر مبتسما "ليس الآن يا نجف .. لقد طلقت أم ابنتي منذ أيام ولا أريد لأهل البلدة أن يسيئوا الظن"
قالت مدافعة " لا والله لا أحد يسيئ الظن بك أبدا.. وهل كنت تحتاج لأن تطلقها حتى تتزوج ثانية إن كنت تريد! .. لكن لا بأس .. ألن تخبرني من هي على الأقل ؟ "
زينت الابتسامة شفتيه ورد مناكفا وهو يتحرك مغادرا" فيما بعد يا نجف لا تتسرعي"
لم تستطع الانتظار فأسرعت خلفه حتى أمسكت بذراعه تقول والفضول يغلبها "أسعد قلبي يا جابر وأخبرني لربما جسيت نبض العروس "
قال جابر محذرا" ليس هذا وقته يا أمي تريثي بالله عليك "
قالت بإصرار" اخبرني من هي إذن"
نظر في عمق عينيها وأجاب" أم هاشم"
فغرت نجف فاهها لثوان ثم قالت متفاجئة "ابنة الشيخ !"
هز جابر رأسه يتطلع في رد فعل أمه ثم قال بلهجة متوجسة" لا تصدميني يا حاجة بأفكار غريبة فأنا دوما أراهن على رجاحة عقلك وحكمتك وبأنك ..."
قاطعته تقول" أأقول لك على سر ؟"
أومأ جابر برأسه فقالت " كانت هي أول ترشيح لي حينما طلبت مني أن ارشح لك فتيات للزواج"
اتسعت عينا جابر متفاجئا بينما أضافت نجف "لكني خشيت أن تقول أمي اختارت لي سمراء البلدة ..فترددت قليلا وحينما جئت لاقترح عليك كاميليا كنت أنوي أن أرشح الاثنتين معا لكني على أخر لحظة شعرت بأني أظلم أم هاشم حينما أضعها مع كاميليا أمام عينيك فهما مختلفتان في الشكل وخشيت أن يكون سمار بنت الشيخ هو ما يزين جمال بنت العسال في عينيك أكثر دون أن تزن الأمور بعقلك فرشحت كاميليا وقلت لنفسي إن لم تكن النصيب سأعرض عليك أم هاشم لكنك قبلت ببنت العسال "
لم يدر جابر ماذا يقول سوى أن غمغم "النصيب يا حاجة نجف .. القسمة والنصيب .. ولعله خير لنا جميعا .. عموما لو كنتِ رشحت لي الاثنتين .. كنت اخترت أم هاشم .. لأني أعرف قدرها جيدا .. فلو الاثنتان كانتا قد وضعتا أمامي في الميزان وقتها لرجحت كفة أم هاشم عندي ببساطة ..ليس لشيء سوى أن كفة بنت الشيخ بشخصها ومقامها ومقام آبائها ترجح أمام جمال كاميليا الذي شد انتباهي وقتها لن أنكر .. لكني لا أعلم كيف لم أفكر في أم هاشم وقتها يا أمي! .. (وشرد وكأنه يحاول تذكر تلك الفترة وأضاف وهو يهز أكتافه بحيرة ) لا أذكر أم هاشم في هذه الفترة ولا أذكر احتكاكها بي .. ربما سلاما عاديا حينما عدت من السفر تعرفين بأنها بمجرد أن كبرت التزمت في علاقتها بي وأنا احترمت رغبتها .. وبعد عودتي من السفر شُغلت ببناء البيت ووضع الأساس لتجارتي في السوق وأمور كثيرة كانت تشغل رأسي في تلك الفترة ثم طلبت منك أن ترشحي لي زوجة بما أني كنت بعيدا عن البلدة لفترة طويلة ..( وتنهد منهيا حديثه ) عموما هذا هو النصيب .."
غمغمت نجف "بارك الله لك يا ولدي وأدام عليك نعمة العقل إنها فتاة من ذهب "
قال جابر وهو يفتح باب البيت " أريد منك فقط أن تتريثي لبعض الوقت حتى لا يربطها الناس بانفصالي عن أم ميس .. ( وأضاف متعجلا) سأذهب أنا لأن هلال ينتظر بالخارج منذ مدة السلام عليكم"
رددت نجف السلام وهي تتحرك خلفه وحين أختفى تطلعت في البيت الخالي حولها وعاد الأمل لينمو بداخلها لحياة أفضل قادمة .. فرفعت عينيها لأعلى تهمس" عجل الله بجبر خاطرك يا جابر وكتب لك من الاقدار خيرها"
××××
قبيل الظهيرة
قالت بسمة في الهاتف متفاجئة " لا حول ولا قوة إلا بالله .. اللهم لا شماتة "
رددت مليكة معها " اللهم لا شماتة يقولون عادت لبيت أبيها في نفس يوم زفافك.. المهم طمئنيني عنك هل من جديد ؟"
غمغمت بسمة باقتضاب "لا جديد"
هتفت مليكة بغيظ "لماذا يا بسمة؟!"
ردت بسمة بعصبية " أرجوك يا مليكة يكفي عليّ توبيخ أمي .. أشعر بالندم أني أخبرتها لكني كنت أحاول تخفيف الصدمة المستقبلية عنها (واضافت لتغير الموضوع ) المهم طمئنيني عنك أنت لا تعجبيني يا مليكة"
ردت الأخيرة تهرب من الإجابة" فيما بعد يا بسمة اذهبي الآن لأن الحاجة نحمدو تنادي سنتحدث فيما بعد"
زفرت بسمة بقوة وهي تلقي بالهاتف بجوارها ورفعت شعرها لأعلى تشعر بالحر.. فأمسكت بريموت المكيف وعدلت الدرجة في جلستها على السرير..
السرير الذي تستعمله هي وكامل بنظام المناوبة.. هو يسهر خارج الغرفة طوال الليل ويدخلها بعد الفجر لينام على السرير بينما هي تتخذ من الأريكة رغم عدم ارتياحها في النوم مكانا لها ..
حاولت ليلة أمس أن تتسلل لتعرف أين يذهب فتفاجأت بأنه في الغرفة الموجودة في آخر الصالة .. غرفة لم تستكشف محتواها بعد نظرا لاضطرارها الالتزام بغرفتها كعروس جديدة ..
ومادامت ملتزمة غرفتها ولا تجد ما تفعله خاصة وأن كامل كان يقضي اليومين الماضيين إما نائما أو في تلك الغرفة ولا يجتمعا إلا وقت الطعام حينما يدخل إليها بتلك الطاولة ذات العجلات بطعام يرسل من المطعم إليهما.. فيستقبله كامل وشامل من زيلا عند أول الجناح من الخارج وذلك التزاما بالأوامر بألا تدخل للجناح في حالة وجود أحد التوأمين في الطابق .. فيأكلان الطعام إما في صمت أو في مناكفة يتقن هو استفزازها فيها .
لذا قررت بسمة أن تستغل الوقت وتبدأ في دراسة الماجستير .. خاصة وأن كامل اليوم لم يأت لينام .. دخل منذ قليل اغتسل وبدل ملابسه وطلب منها أن تفطر وحدها و نزل..
تطلعت في الكتب الضخمة أمامها وهي تشعر بخواء عقلي وحاولت البحث في الانترنت عن بعض المعلومات التي تحتاجها لبحثها لكنها شعرت بأنها مزدحمة بالأفكار ومرتبكة وبأنها لا تعلم من أين تبدأ ..
أمسكت بالهاتف تهم بالاتصال بمفرح لسؤاله عن بعض الأمور فيما يخص بحث الماجستير لكنها تذكرت بأنها عروس وسيكون اتصالها في هذا التوقيت غير مناسب فعادت وألقت الهاتف بجوارها .
طرقة على الباب تعجبت لها بسمة فكامل لا يطرق بل يقتحم الباب دون انذار فقالت "ادخل"
دخلت زيلا إلى الغرفة فعرفت بسمة بأن كامل وشامل ليسا في هذا الطابق بدليل صعود زيلا التي قالت بالإنجليزية "جئت لآخذ الملابس التي تحتاج للغسيل"
عقدت بسمة حاجبيها لأنها كانت تنوي أن تسأل سوسو أين توجد الغسالة لتغسل ملابسها فأومأت لزيلا التي تحركت على الفور ناحية الحمام حيث توجد سلة الغسيل فسألتها بسمة بإنجليزية ركيكة "ألم تري كامل؟"
ردت زيلا من الداخل" كامل وشامل وونس في المطعم بالأسفل"
عقدت بسمة حاجبيها وغمغمت "أنا هنا وهم بالأسفل!"
خرجت زيلا تحمل سلة الملابس فسألتها بسمة وهي تشعر بعدم الراحة لاطلاع الخادمة على ملابسها الخاصة" أين توجد الغسالة ؟"
ردت زيلا" هناك غرفة مخصصة للغسيل والكي بالأسفل "
سألتها بسمة متفحصة "وأنت من تقومين بغسيل ملابس كل من في البيت؟"
ردت زيلا بوقفة متململة من التحقيق" أجل اغسلهم وأتركهم لسوسو هانم لتفرزهم بعد أن يجفوا لما يحتاج للكي وما يحتاج للطي تطويه وتوصله بنفسها للغرف أو معي"
قالت بسمة بعدم راحة "اتركي ملابسي أنا سأغسلها "
رفعت زيلا حاجبيها ثم أكتافها باستسلام ومالت تضع السلة على الأرض لتفرزها .. فهبت بسمة تقول بضيق وقد شعرت بعدم راحة أيضا لاطلاع الخادمة على ملابس كامل الخاصة "اتركي السلة كلها"
تجمدت زيلا وعوجت رأسها تنظر لبسمة باستفهام فكررت الأخيرة شاعرة بضيق شديد "أتركي ملابسي وملابس كامل أنا من سأقوم من الآن فصاعدا بالاعتناء بهم (وحاولت أن تخفف من حدتها فأضافت ) من فضلك"
استقامت زيلا تهز رأسها وتحركت لتخرج ببساطة في الوقت الذي بدأت أغنية تأتي من خارج الغرفة وهي ليست المرة الأولى التي تسمع أغاني تأتي من مكان ما فتركت السرير وتحركت لتخرج وتتفقد الجناح فوجدت الصوت ينبعث من غرفة الألعاب .
ابتديت عمري النهاردة
نفسي أعيش لك من جديد
نفسي قلبك بس يرضى
حبي ليك عمال يزيد
دنتا حبك عندي دنيا
قلبي من غيرك وحيد .
دخلت غرفة الألعاب الفارغة .. وتطلعت في الأركان لتجد الاغنية تصدر من سماعات موزعة في المكان.. فتفحصت ما حولها ثم اقتربت من المكتبة لتجد عشرات القصص الأدبية والروايات الأجنبية والعربية وكتب ودواوين لأكثر من شاعر وكتب أخرى بالإنجليزية لم تفهم محتواها .
كل ليلة وكل يوم.. تيجي على بالي
وأسهر وأعد النجوم.. حالي هو حالي
وأنام في سيرتك وأقوم .. وأسهر الليالي
أحست بحركة في الخارج فخرجت لتجد زيلا تخرج من غرفة شامل تمسك بسلة الغسيل فسألتها" بحدة هل سألت ونس قبل أن تأخذيها ؟"
هزت زيلا رأسها فتحركت خصل شعرها المضفرة لضفائر كثيرة رفيعة وردت" لا أحد بالغرفة وسوسو هانم طلبت مني أن أحضر الغسيل "
حركت بسمة رأسها باستسلام لكنها وعدت نفسها بأن تخبر ونس برأيها في هذا الموضوع لربما شعرت هي الأخرى بالغيرة على شامل.
(الغيرة)
الكلمة استوقفتها فحاولت الفرار من الخاطرة بسؤالها لزيلا التي تحركت مغادرة "من شغل هذه الأغاني؟.. أقصد أين ريموت كنترول السماعات ؟"
ردت زيلا "هذه الموسيقى تأتي من المطعم بالأسفل ..أحيانا يوصلون الموسيقى التي تشغل فيه للزبائن هنا في الطابق"
اندهشت بسمة وهزت رأسها لزيلا التي غادرت الجناح فهمت هي الأخرى بالنزول للطابق الأرضي لكنها وجدت نفسها بالمنامة فتحركت لتبدل ملابسها .
ابتديت عمري النهاردة
نفسي أعيش لك من جديد
نفسي قلبك بس يرضى
حبي ليك عمال يزيد
دانتا حبك عندي دنيا
قلبي من غيرك وحيد
حين نزلت بسمة بعد قليل لم تجد أحد في بهو الفيلا فتحركت لتخرج للحديقة لتجد غنيم وسوسو يحتسيان القهوة فألقت عليهما التحية ليرد غنيم بمناغشة "يا صباح الحلويات .. الشيء الجيد الوحيد الذي فعله هذان الثوران في حياتهما أن منحاني قطعتي حلوى تطيلان العمر بالنظر إليهما "
اشتعلت وجنتي بسمة على غير عادتها فهذا الرجل يشعرها بالدفء كلما نظرت إليه وغمغمت بكلمات متلعثمة بالشكر جعلت سوسو تقول لزوجها بتوبيخ" كف عن المغازلة يا غنيم احرجت البنت"
سألت بسمة وهي تحضن نفسها بحركة دفاعية لتداري ارتباكا داخليا لا يظهر على ملامحها الجادة "قيل لي أن الجميع في المطعم (ونظرت حولها ) هل أخرج إلى الشارع للوصول للمطعم أم..."
قطعت حديثها مطلقة صرخة صغيرة حينما اقترب منها شهبندر واسرعت بالاحتماء خلف مقعد سوسو ليتدخل غنيم ليناديه بلهجة حازمة ويشير له فاستجاب الأخير وذهب إليه ملبيا بينما قالت سوسو ترد على سؤالها " لا يا بسمة هناك باب داخلي في الفيلا بعد المطبخ وبجوار غرفة الغسيل .. "
شكرتها بسمة واسرعت بالعودة للفيلا بخطوات مسرعة .. بينما غمغم غنيم بهدوء "هذه البنت لم تتخل عن تحفظها معنا بعد كما فعلت الجنية الأخرى "
بعد دقيقة من البحث متتبعة مصدر الصوت المنبعث لأغنية أخرى لوائل جسار دلفت بسمة للمطعم .
بكل مشاعري حبيتها
مشيت وياها سِكتها
ومش ندمان
في المطعم الخالي من الزبائن في هذا الوقت قبيل الظهيرة .. وقفت بسمة تتطلع حولها في المكان الأنيق المريح الذي يشبه مقاهي العائلات الراقية ..
لمحت كامل يقف عند واجهة المطعم الزجاجية يتحدث في الهاتف بينما ونس وشامل يقفان عند احدى الطاولات يتذوقان شيئا ما في طبق .
فجأة وقف أمام بسمة رجل أربعيني أشقر بملامح أوروبية قال لها بعربية ركيكة ذكرتها بإنجليزيتها وهي تحادث زيلا "نورت المكان يا هانم (وأضاف بلهجة عفوية ) وااو !..يا الهي!.. أنت بكل صدق من أجمل النساء اللاتي رأيتهن في حياتي "
تفاجأت بسمة بما قال في الوقت الذي جاء صوت كامل هادرا مرعبا "ديمتري !"
أجفل الأخير واستدار لكامل باندهاش بينما تحرك شامل ليصل لدميتري قبل وصول كامل الذي اقترب هو الاخر ليقول شامل لديمتري بالإنجليزية بلباقة" ما قلته غير لائق يا ديمتري "
حرك ديمتري مقلتيه نحو كامل ورفع كفيه في الهواء باستسلام يقول معتذرا " أنا آسف أنا لم أقصد الإساءة "
ألجم كامل غضبه وهو يقترب من بسمة التي تعاطفت مع حرج الرجل ليسحبها كامل بعيدا بينما قال شامل بهدوء "تعرف بأن العادات الشرقية تختلف عن الغرب ومن غير اللائق مدح امرأة تخص رجل أخر "
غمغم ديمتري بهدوء" أعرف أعرف بأنكم متعصبون بشأن نسائكم ..أنا فقط تحدثت الحقيقة فهي جميلة جدا "
تنحنح شامل يناظره بنظرة توبيخ فوضع ديمتري كفه على فمه ليكتمه ضاحكا فربت شامل على ذراعه بينما قال كامل لبسمة بعبوس" لماذا نزلت؟"
همست باستنكار" وهل لابد أن استأذن قبل نزولي؟! .. أنا ظللت حبيسة الغرفة فوق لكني فوجئت بأن ونس بالأسفل "
قال كامل من بين أسنانه وهو يتأمل شعرها الأسود المعقوص على شكل ذيل حصان للخلف وعينيها الفيروزيتين الرائعتين " كان من الممكن أن تخبريني قبل النزول "
هتفت بنفس الهمس وهي ترفع إليه ذقنها المزين بطابع الحسن "لماذا؟.. هل خرجت من البيت حتى أحتاج لإخبارك!!"
تدخل شامل لينهي الخلاف العصبي الهامس قائلا وهو يأخذ طبقا من أحد الطباخين "صباح الخير يا بسمة"
بعد ثوان متجمدة تتطلع في كامل بغيظ وتحد في عناق عيون كالمغناطيس بينهما استدارت بسمة تنظر لشامل بابتسامة خطفت قلب كامل الذي شعر بالغيظ من تلك النبرة الهادئة التي قالت بها" صباح النور يا شامل (ونظرت لونس خلفه)صباح الخير يا ونس"
لوحت لها الأخيرة بيدها التي تمسك بالشوكة بينما في اليد الأخرى طبقا يشبه الطبق الذي قدمه لها شامل قائلا" تذوقي هذه الحلوى وأخبريني برأيك صنع خصيصا للعرسان"
بامتنان أخذت بسمة منه الطبق بينما رفع كامل زاوية شفته العليا بامتعاض واستدار ليدخل خلف منصة طويلة.
تطلعت بسمة في الطبق لتجد قطعة مثلثة من الحلوى الطرية تشبه الكريم كراميل بطبقات ملونة بين البيج والبني وعليها خيوط سائلة باللون الأحمر لصوص الفراولة.
عاد شامل لونس يسألها مشيرا على الطبق الذي رسم بصوص الفراولة عليه قلبين متداخلين "ما رأيك؟"
رفعت إليه عينين لامعتين بملامحها الساحرة وابتسامتها التي تزين فمها الواسع بين صدغين عريضين وهزت رأسها بإعجاب شديد وهي تتذوق طبق الحلوى فرفع لها شامل شعرها المموج عن وجهها وتطلع فيها بحنان .
داعبت رائحة البن أنف بسمة وحواسها متزامنة مع الأغنية الجديدة التي انبعثت من السماعات الداخلية للمطعم فتطلعت تبحث حولها عن مصدر الرائحة ثم اقتربت من تلك المنصة التي يقف خلفها كامل يفعل شيئا ما في ماكينة عملاقة فطنت من الرائحة الخاصة بالبن بأنها لصنع القهوة .
وضعت الطبق فوق المنصة الأفقية وجلست على أحد الكراسي العالية أمامها بينما كامل يستدير لها بكوب صغير من الفوم عليه اسم المطعم ( مطعم أهل ....) اسم احدى المدن في بلد غنيم نخلة والتي هي مسقط رأسه هو وأجداده.
بامتنان أخذت منه الكوب الصغير الذي يحتوي على نوع قهوتها المفضل الذي اكتشفته منذ فترة وجيزة.. فقربته من أنفها لتشتم رائحته أولا ثم رفعته لشفتيها الجميلتين ترشف القهوة المركزة باستمتاع وامتنان لكامل الذي وقف يتأملها على أنغام وغناء عبد الوهاب في الأجواء
كل دة كان ليه
لما شفت عِنية
حن قلبي إليه
وانشغلت عليه
تحرك صدر كامل بأنفاس حارة تزدحم بزخم مشاعر كثيرة ومتناقضة ..تشعره بالارتباك .. وبأنه لا يعرف من أين يبدأ معها..
هل يعترف لها بمشاعره ؟..
لكنه لا يزال يجهل مشاعرها تجاه زوجها السابق ..
ماذا لو كانت لا تزال تحبه؟ ..
ماذا لو أذل نفسه بالاعتراف ليجد صدا منها أو استهانة؟!..
ماذا لو لم تتقبله؟ ..
أسئلة كثيرة ليس لها أول من آخر ..أسئلة كالأسواط تجلده ليلا وهو يصارع وحوشه ليحتفظ بكلمة رجل قطعها على نفسه .. أسئلة كالجحيم تعذبه ..
لتتمثل أمامه في الصباح .. بكامل حسنها وبهائها وتلك النظرة الحزينة في عينيها ..
يراها بكينونتها أمامه فتمحو كل عذابه ليلا.
استعاد في ذهنه الكلمات التي خطها بقلمه في غرفة الألعاب ليلة أمس فوجدها تصف حالته .
أتدرين !
في عتمة الليل
بينما أصارع الوقت ووحوشي الجائعة
أرى عينيك كوكبين منيرين من فضة
وأراني على مرفأ شفتيك لاجئا.
في عتمة الليل
أغفو ثائرا لكرامتي ..
متمردا على قلبي ..
وأصحو مع مولد يوم جديد..
لأستقبل من نورك نهاري
ومن بسمة شفتيك سُكر قهوتي
أتدرين !
ما عدت أعرفني
فمنذ التقيتك احترفت الصبر
وبحثت خلف أيامي السابقة لأمحو أثر الزلات
ووبخت نفسي ..كيف لم التقيك منذ بداية العمر
رفع أنظاره نحو أخيه الذي كان يتطلع فيه لحظتها بنظرة شاردة .. فخاطبه شامل من بعيد فكريا" أنا قلق عليك وأخشى من انهيارك "
ظل كامل يحدق فيه لثوان صامتا ثم رد بنفس الطريقة الصامتة "أنا عالق في متاهة مشاعر عجيبة وأكاد أجن ولا أعرف حتى بداية الطريق "
فجأة تغيرت النظرة البائسة الجادة في عيني كامل وهو ينظر لشيء ما عند واجهة المطعم الزجاجية وتحولت إلى نظرة متسعة جعلت شامل يدير وجهه بالتبعية لتتسع عينيه هو الأخر وتسونامي تدخل عليهم بشورت رياضي ساخن بلون فاقع ينتهي فوق ركبتيها وبلوزة فضفاضة تسقط عن أحد كتفيها حتى نصف ذراعها الأبيض ثم خلعت نظارة الشمس ذات الفصوص اللامعة على الجانبين وهتفت بسعادة" العرسان !!"
هرش شامل في مؤخرة رأسه واختلس نظرة لأخيه يتحكم مثله في ابتسامة شقية تريد البزوغ في الوقت الذي استدارت بسمة بحدة تتطلع بقرف في تلك التي دخلت المطعم تقول بصوتها العالي وهي تتطلع في التوأمين "يا ما شاء الله! يا ما شاء الله .. ما هذه الوسامة والجمال"
ناظرتها ونس بمقلتين مقلوبتين من رأسها حتى أخمص قدميها فاستدركت تسونامي قائلة "وبالطبع العروستين كقمرين .. أتعرفون... أنا أتعمد أن اتناول فطوري هنا في المطعم لأصطبح بهذه الوجوه الوسيمة "
تقدم منها ديمتري يشير لها بكفه لأن تتقدمه نحو إحدى الطاولات ..فبادرته بالقول وهي تضربه على صدره" أما أنت يا دِمِتْرَة فبسبوسة بالقشطة "
وضع ديمتري يده موضع الضربة عابسا وغمغم باللغة الروسية "لماذا تبادرني دوما بالضرب؟.. وماذا تعني بالقشطة؟ ..فأنا أعرف البسبوسة فقط !"
تركته تسوماني واقتربت من التوأمين تتأملهما ثم قالت لونس وبسمة " هل تستطيعان التفريق بينهما يا بنات؟.. أنا شخصيا كنت أفرق بينهما بواحد مبتسم والثاني جاد عابس (ومنحت كامل نظرة خاصة خاطفة وهي تضيف ببطء ولؤم ) لكني أفضل الخطرين"
أكلت الغيرة قلب بسمة وشعرت بأنها توشك على فقد السيطرة على نفسها وهذا لا تحبه .. لا تحب أن تشعر أحد بأنه قد استطاع استفزازها حتى لو كانت هذه الوقحة بينما علقت تسونامي وهي تحدج بسمة بنظرة حاقدة لم تستطع التغلب عليها" لون العدسات جميل .. لكن لو جربتي لون أكثر دُكنة وهدوءً أتوقع سيكون مناسب لك أكثر (ونظرت لكامل تضيف ) إلا إذا كانت هذه طلبات العريس"
أنزلت بسمة ساقيها عن الكرسي العالي وهي تتطلع فيها بنظره متعالية من رأسها حتى أخمص قدميها وتحركت بوجه بارد وذقن مرفوع تترك المكان وهي تمسك بكوب القهوة مترفعة عن الخوض في مهاترات نسائية ليست من مستواها .. فتطلع كامل في ظهرها المغادر حتى عبرت الباب الموصل إلى داخل الفيلا بضيق بينما قالت تسونامي بلؤم تتصنع الاندهاش" هل تضايقت مني العروس؟( ونظرت للواقفين تضيف ) لم أقصد بشأن العدسات أي شيء جارح قصدت أن أنصحها والله ... عموما أعتذر لأي سوء فهم "
قطع كامل حديثها حينما تكلم بلهجة جافة "ديمتري .. رافق الزبونة إلى إحدى الطاولات"
تحرك ديمتري يشير لتسونامي أن تتقدمه فقالت الأخيرة وهي تتحرك بمشية استعراضية متبخترة "أجل يا دِمِترة فأنا سأموت من الجوع"
حاولت الجلوس على طاولة في واجهة المطعم لتكون أمام التوأمين لكن ديميتري أشار لها بإصرار أن تدخل للقاعة الداخلية فتبعته وهي تقول لتداري حرجها "ماذا ستقترح على لأفطر اليوم من تلك الأكلات الغريبة التي عندك يا دِمترة ؟"
تطلع شامل في كامل ذو الوجه العابس الذي استدار يولي الجميع ظهره واستشعر مزاجه العكر بينما نقرت ونس بإصبعها على ذراع شامل ثم أشارت بعينيها على هاتفه فأخرجه الأخير من جيبه ليجدها قد كتبت له" من هذه المرأة المستفزة؟.. كيف لا تعرفانها وهي تتصرف بهذا الشكل الوقح ؟"
أعاد شامل الهاتف لجيبه ثم وضع كفه على ظهرها ليحثها على الحركة قائلا "هيا لنعود للفيلا يا ونس ولا تشغلي نفسك بها ..هي مجرد زبونة تسكن في الفيلا المقابلة وعلينا التعامل مع كل أنواع الزبائن"
ناظرته بنظرة ممتعضة وهي تتحرك معه بينما قال شامل لكامل" أنا وونس سنخرج للتنزه ثم سنمر على المعهد الذي قدمت لها فيه لنعرف تفاصيل الدراسة أما موعد الطبيبة فقد تأجل إلى يوم الخميس .. هل تحب أن تأتي أنت وبسمة معنا ؟"
رد كامل باقتضاب دون أن يستدير إليه" في حفظ الله"
تطلع الأخر فيه لثوان لا يعرف كيف يساعده ثم زفر بضيق وأسرع ليلحق بونس .
××××
بخطوات متلكئة مرت من أمام بيته والحزن يعتصر قلبها .. لقد وقع عليها الخبر بصدمة كبيرة .. ولم تستوعب ما يقوله الناس منذ الصباح ..
جابر طلق كاميليا !!.. وتم نقل كل حاجياتها من بيته !!.. تجاوزت البيت شاردة تفكر .. ألهذا كان حزينا بشدة وهو يخرج لصلاة الفجر !..
كتفت ذراعيها تطحن ضروسها وهي لا تزال تحدق في الأرض الترابية تحت خطواتها .
"حسبي الله فيك يا بنت العسال احزنتيه "..
دخلت أم هاشم من بوابة بيتها ووقفت بجوارها تقضم شفتيها وتقول لنفسها بغيظ" ليتني أستطيع أن أذهب إليها لأضربها علقة ساخنة بنت العسال وأعيدها لتعتذر للغالي وتطلب منه السماح "
وضربت على جانبيها وعقلها يقارب على الشتات وغمغمت "والله لولا أنهم سيقولون ما دخلك أنت لكنت ذهبت إلى تلك الذبابة الخضراء ولقنتها درسا حتى تعود إليه"
تذكرت ما تناقلته ألسنة أهل البلدة طوال اليوم بأن جابر سيجلس مع آل العسال يوم الجمعة للاتفاق على مؤخر الصداق والنفقة ..ثم أمسكت ذقنها بأصابعها بوقفة معوجة تضع قبضة اليد الأخرى في ظهرها وقالت غاضبة "مؤكد سيرد بنت العسال يوم الجمعة ..بالتأكيد سيسعى أهلها للصلح بعد أن تكون قد قرصت من أذنها بطلاقها"
وغمغمت بحزن شديد وهي تتذكر وجهه الحزين اليوم عند الفجر " يا لهف قلبي عليك يا جابر وعلى حظك (نظرت للسماء ) يا رب لا أعرف هل احسبن عليها لما فعلته في حقه أم أدعو لها بالهداية لتعود إليه فيفرح قلبه "
وعادت تفكر ثم قالت بحرقة قلب "هداك الله يا بنت العسال .. هداك الله له .. اسعد قلبه يا رب .. اسعد قلبه فأنت الحنان المنان .. لقد تعب وشقي في عمره فلا تشقيه بِبُعد تلك الذبابة الخضراء عنه ( وضربت على فمها ) استغفر الله العظيم .. سامحني يا رب لكنها تذكرني بالذباب الأخضر المقرف لكن ماذا نفعل ملكت قلب الغالي اهدها له يا كريم "
"هل تحدثين نفسك يا أم هاشم؟!!"
انتفضت الأخيرة مفزوعة وأمسكت بصدرها وهي تقول "أفزعتني يا عماه!!"
قال يحيى مستفسرا" ماذا تفعلين بوقفتك هذه تحدثين نفسك!"
غمغمت تداري ضيقها "لا شيء كنت فقط احسب حسبة تخص المشروع ..هل ستخرج؟"
رد يحيى بإيماءة من رأسه ثم أضاف" أنا أبلغت محسن بأننا سنرد عليه يوم الجمعة القادم بشأن طلبه"
بذهن شارد هزت أم هاشم رأسها تتجاوز عمها لتدخل فلحقها الأخير بصوته قائلا" لا نريد أن نتأخر عن الجمعة يا أم هاشم فلا يصح"
ردت أم هاشم وهي تدخل باب البيت الداخلي" الله المستعان (ثم غمغمت في سرها ) ومن له ذهن للتفكير في الزواج الآن والغالي بهذا الحزن! .. (وأضافت بغيظ ) حرق الله دمك يا بنت العسال كما حرقت دمي "
××××
بعد العصر
تطلعت سوسو من بعيد من جلستها في إحدى الغرف المفتوحة على البهو إلى كامل الذي دخل للتو من المطعم ثم قالت لغنيم الذي يقرأ في كتاب" هذا الولد به شيء غريب"
رفع غنيم أنظاره فوق النظارة المعلقة على أنفه ثم نظر لكامل وسألها "ماذا تقصدين؟"
قالت سوسو بتدقيق "لا أعرف ..أشعر به قلقا وعصبيا أكثر من اللازم وأحسه تائها .. اليوم قضاه بالمطعم وزوجته بغرفتها لم تنزل إلا وقتا قصيرا في الصباح .. كيف لعريس أن يترك عروسه كل هذه الساعات وحدها في أول أسبوع من الزواج!"
رد غنيم بلهجة مطمئنة رغم احساسه بنفس مشاعر زوجته" أنت فقط من تفكرين كثيرا .. المطعم كان به أكثر من موضوع بحاجة لترتيب وشامل كما رأيت أخذ عروسه وخرج لذا كان على كامل أن يقوم بالأمر وحده"
لم تشعر سوسو بالراحة رغم ما قاله زوجها في الوقت الذي نزلت بسمة للدور الأرضي فتواجهت مع كامل الذي انتهى للتو من مكالمة هاتفية يتلقى التهاني من بعض المعارف ووقفت عند أخر درجة من درجات السلم تتأمله .
اقترب منها وسألها بهدوء" هل كل شيء تمام؟"
هزت رأسها ثم سألته" لماذا لم تصعد لتنام تبدو مجهدا ؟"
كان يتمنى أن يجيب ( حتى أنام كالصخرة حينما أصعد فلا أشعر بوجودك ) لكن كرامة الرجل فيه أبت الاعتراف لها بتأثيرها عليه فقال بهدوء" كان هناك بعض الأمور في المطعم عليّ متابعتها بنفسي لأن شامل خرج مع ونس"
ساد الصمت وكلاهما يتطلع في الأخر فلم تجد بسمة ما تقوله لتفتح مجالا للحديث وهي تشعر به صامت بعكس يوم الصباحية فقالت " أنا أريد أن أسجل في مدرسة لتعلم قيادة السيارة "
عقد حاجبيه وهتف" قيادة السيارة!! ..لماذا؟!!"
هزت كتفيها وردت "أريد أن أتعلم"
رد مجادلا " وما الحاجة لذلك؟.. لدينا سائق نستدعيه عند الحاجة .. وأنا موجود وشامل"
عقدت ذراعيها أمام جذعها وردت بإصرار "لكني أريد بشدة أن أتعلم قيادة السيارة يا كامل .. أريد أن أنمي مهاراتي حتى لو لن استخدمها "
قال بحدة "وهل تتوقعين مني أن أوافق أن يعلمك رجل غريب قيادة السيارة ؟"
قالت بغير استيعاب "اعتقد بأنه هناك سيدات يعلمن القيادة وبالتأكيد هذه المدينة بها أكثر من مدرسة لتعليم القيادة "
زم شفتيه وقال وهو يضع يديه في جيبيه" ما دمت تريدين التعلم فأنا من سيعلمك "
رفعت حاجبا وردت ساخرة "أنت!"
انقلبت مقلتيه وقال مناكفا" هل لديك اعتراضا يا باشمهندسة باسمة !"
اشتعلت وجنتيها ..لكنها احتفظت بجدية ملامحها وهي تشيح بنظراتها بعيدا عنه بينما قلبها يعاني انفجارا في ضربات القلب فقالت بلهجة متهكمة "أخشى فقط أن آخذك من معجباتك"
هرش في أرنبة أنفه ورد بنظرة متفحصة "وهل هذا يضايقك ؟"
عادت تنظر إليه لتسأله بعبوس" ماذا تقصد؟"
مال عليها واضعا يديه في جيبي بنطاله يتطلع في وجهها قائلا ببطء" هل .. يضايقك .. وجود المعجبات من حولي؟"
رمشت بعينيها الجميلتين عدة مرات تداري ارتباكا داخليا ثم ردت بعناد وهي ترفع له ذقنها الجميل" لا .. لا يضاقني .. عليك فقط أن تحافظ على شكلنا أمام الناس .. فكما تطلب مني أن أتقن الدور .. عليك أنت أيضا بعمل ذلك "
احتفظ بوجه بارد رغم مرارة الشعور وظل يحدق فيها وذلك الجحيم الذي يبيت فيه ليل نهار يشتد استعارا .
جحيم التفكير في تفاصيل علاقتها بزوجها السابق.. وأسباب الطلاق .. وتلك الأسئلة التي لا يجد لها إجابة ؟
لماذا لم يكن هو أول وآخر زوج لها؟ ..
لماذا أوقعه الله في حبها ليتلظى بنار الغيرة وهو يتخيل امرأته في أحضان رجل أخر حتى لو كان حلالها؟! ..
لماذا كتب الله عليه هذا الشقاء وهو وحده يعلم أي جحيم يعيشه ؟
من باب الفيلا دخل شامل وونس ففضا بدخولهما جمود تلك الوقفة عند نهاية السلم .
دخلت ونس تمسك ببالون كبير من الهليوم على هيئة قلب أحمر بينما شامل يحمل بعض الأكياس الأخرى تحمل أسماء محلات شهيرة للأزياء والاكسسوار .. فبادرهما كامل قائلا بلهجة متهكمة " عدت بها من روضة الأطفال ؟"
عبست ونس في وجهه ثم أخرجت هاتفها وبحثت عن رقمه الذي لم تستخدمه من قبل وكتبت له " الحقيقة اشفق على بسمة المسكينة فليس لديها من يدللها ويشتري لها قلب أحمر كبير كهذا "
أشار له شامل أن يتفحص هاتفه فقطب كامل وأخرجه من جيبه بينما حشرت بسمة رأسها معه لترى ماذا أرسلت له قبل أن تبتسم وترفع رأسها لكامل الذي ابتسم ابتسامة صفراء مستخفة لتضيف ونس "واشتريت أيضا.."
وفتحت أحد الأكياس وأخرجت علبة ضخمة جدا .. تحتوي على عدد كبير جدا من أقلام التلوين بتدرجات تفصيلية لكل لون ووقفت تعرضها على الجميع بسعادة جمة فغمغم كامل بنفس اللهجة المتهكمة "لم أخطئ حين قلت أحضرها من روضة الأطفال ..هيا يا باسمة قبل أن يقيم لها أرجوحة في بهو الفيلا .. هيا أريد أن أنام"
ابتسمت بسمة وقالت لونس "رائع يا ونس ستبدعين بهذه الألوان "
قالتها وهي تصعد خلف كامل الذي نظر لونس من فوق السلم بإغاظة فتطلعت فيه بامتعاض .
سألها شامل "هل تضايقك مناكفة كامل لك؟"
هزت رأسها بلا ثم كتبت على هاتفها" لكني أخشى أن يكون لا يحبني "
قهقه شامل وقال موضحا "العكس تماما .. كامل أخي لو كنت شخصا عاديا لما أبدى نحوك أي اهتمام .. كامل يعامل من لا يعنونه بتجاهل وبرود تام .. لكن مشاكسته المتعمدة لك دليلا على دفء مشاعره تجاهك وأنا لولم استشعر هذا جيدا لما تركته يناكفك ..( وأقترب منها يقول بصوت أخفت) كما أن جزءا من مشاكستك غيرة منك"
عقدت حاجبيها بعدم فهم فأوضح" كامل يغار منك لأنك تستحوذين على اهتمامي.. كامل متعلق بي بشدة ويغار منك على توأمه .. لكن كرامة الرجل فيه لن تعترف بصبيانية شعوره .. "
اتسعت عيني ونس ثم ضحكت فقال لها غامزا" هيا لنسلم على أبي وأمي ثم نصعد لنجرب ما اشتريناه "
قالها وهو يسحبها من يدها خلفه وهي تكتم الضحك .
××××
بعد يومين
ظهرا
قالت سوسو وهي تتطلع عبر النافذة" لا أفهم لماذا خرج شامل وونس في يوم كهذا كان من الممكن التأجيل"
رد غنيم بهدوء" كما قال لك الموعد تأجل أكثر من مرة مع طبيبة السمعيات ولم يجدا مفرا من الذهاب اليوم "
عادت لتتطلع عبر النافذة في الأجواء المصفرة بالخارج والتي تنذر بهبوب عاصفة رملية يحذر منها خبراء الطقس منذ أيام وقالت" حتى الرؤية متعذرة كيف سيقود السيارة بهذا الشكل ؟!"
قال غنيم مطمئنا "الطقس كما قيل في نشرات الأخبار لن يزداد سوءً إلا من بعد العصر فلا تقلقي يا سوسو واجلسي بالله عليك لأني بدأت أتوتر أنا الأخر"
غمغمت سوسو بقلق "سلم يا رب سلم"
نزلت بسمة من الدور العلوي وتطلعت في ظهر كامل الذي يقف أمام إحدى نوافذ الفيلا بصمت يديه في جيبي بنطاله..
إن الوضع بينهما يزداد صمتا .. تشعر به يتحاشى التعامل معها .. كالعادة يبيت في غرفة الألعاب ويدخل في الصباح ليلقي بنفسه على السرير مجهدا من السهر فينام حتى الظهيرة ثم يقضي وقته بالمطعم متعللا بانشغال شامل بعروسه .. لكنها تعرف بأنه يقلل فترات التواجد معها في مكان واحد .. فقط يصعد ليأكل معها بالغرفة فلا يزال الطعام يصل إلى العرسان في غرفهم .. فيتناولان الطعام في صمت أو يتشاكسان كعادتهما .
صمته وغموضه يصيبانها بالجنون على عكس ما كانت تتوقع .. بل إنها أحيانا تشعر بالحنق حينما تفكر بأنه لا يحاول تحين أي فرصة لأي مغازلة من رجل لامرأة .
نهرت نفسها على هذا التفكير المنحرف فهي تعلم جيدا بأنه لو كان قد ألمح لذلك لأغضبها .. فعلى أي أساس سيرغب في علاقة جسدية بينهما بدون أي عاطفة أو حتى التزام منه بالعيش معها طوال العمر! .
قالت في سرها وهي تنظر حولها بنظرات حائرة" فيم تفكرين أنت الآن يا بسمة؟.. أهذا وقته أم أن هرموناتك تلعب في رأسك .. عليك بإيجاد حل لهذا الموقف السخيف الذي وضعت نفسك فيه "
أدار كامل وجهه وتطلع فيها وكأنه قد أحس بوجودها.. وراقبها من بعيد عند السلم تنظر حولها بشرود فعقد حاجبيه بينما تحركت بسمة نحو حمويها في غرفة الجلوس تلقي التحية .
رد غنيم مداعبا" هلت علينا جميلة الجميلات "
ابتسمت بحرج فقال مشاكسا وهو يتبادل النظرات مع سوسو" كيف تتركين هذا الولد يقضي نهاره بعيدا عنك ؟.. أم أنك تعاقبينه على شيء ما بطرده من الغرفة ؟"
تأتأت بسمة وهي تختلس نظرة سريعة لكامل الذي يقترب ثم قالت بابتسامة محرجة لتدافع عن نفسها" أنا .. أبدا .. بل هو المشغول عني في أمور المطعم "
أيدها كامل وهو يقف بجوارها ويلف ذراعه حول ظهرها" ألا يكفي بأني مشغول عن زوجتي في المطعم بينما ابنك الأخر غارق في العسل ويترك كل شيء فوق رأسي!"
رد غنيم موجها الحديث لبسمة" المطعم بالفعل كان به ضغطا كبيرا طوال الأسبوع لكني لم أتوقع أن يأخذها كامل على عاتقه.. ظننته سيتحجج مثل أخيه بالزواج ويتركني أنا غارقا فيها "
غمغم كامل معترضا "سامحك الله يا أبي "
استمر غنيم في حديثه مضيفا بنظرة متفحصة للواقفيّن أمامه" لكن اليوم بالذات ومع هذه الأجواء العاصفة والمطعم مغلق ..ظننت بأنه لن ينزل من غرفته"
فهم كامل شكوك والده خاصة مع تلك النظرة المتفحصة التي يناظرهما بها ومن ملامح والدته أحس بأن هناك ما يدور بينهما من تساؤلات فشدد من ضم بسمة إليه وكأنه يثبت أن الأمر بينهما طبيعيا وقال "كلامك صحيح يا أبي وهذا ما كنت أظنه أنا الأخر لكن ماذا أفعل بابنك الذي أصر على الذهاب للطبيبة في هذا الجو الغريب فقلقي عليه أفسد عليّ ماكنت أخطط له مع باسمتي "
قالها وأنزل نظراته إليها يقول" أليس كذلك؟"
رفعت أنظارها نحوه ورأسها مسندا على صدره مجبورة ولم تجد ما تقوله.. فقط تشعر بدفء جسده الرجولي الملتصق بها.. في الوقت الذي هتفت سوسو بقلق وقد عادت لسيرة شامل "لماذا تقلقونني عليكم دوما لا أفهم "
سأل كامل بسمة بهمس "هل أنت بخير ؟"
السؤال داعب هرموناتها المائلة للكأبة في هذا الوقت من الشهر فشعرت بأنها على وشك البكاء لكنها تماسكت حتى لا تبدو مجنونة أمامه وأومأت برأسها فقال وهو يقاوم مشاعره التي اهتاجت بضم جسدها الطري إليه "حسنا هيا لنصعد بالأعلى كما ترين أصبحنا مصدرا للشكوك "
تركها وأضاف "سأحاول أولا الاتصال بهذا الغبي لأطمئن بأنه قد وصل للعيادة "
ابتعد قليلا فنظرت بسمة لسوسو وشعرت بحرج شديد من سؤالها عما تريد ..ليس فقط لأن العم غنيم موجود فتستطيع أن تنتحي بها جانبا ولكن لأنها تشعر بالحرج من سؤالها عن شيء كهذا ..فالعلاقة بينهما لا تزال جديدة ورسمية.
تركت الغرفة وتطلعت في كامل الواقف عند النافذة يوليها ظهره ويتحدث في الهاتف وسألت نفسها" ماذا سأفعل الآن في هذا الموقف المحرج ؟"
لقد فاجأتها عادتها الشهرية في غير موعدها و لم تحضر معها أيا من الفوط النسائية .. لم تجد سببا لذلك وهي ذاهبة للعاصمة التي تحتوي على كل شيء لكن لحظها التعس تفاجأت بها اليوم قبل موعدها.. وما زاد من موقفها تعقيدا أن ونس ليست موجودة لتستعير منها .
ماذا ستفعل الآن ..وماذا لو انتظرت حتى عادت ونس ثم تفاجأت بأنها الأخرى ليس معها منها وازداد الطقس سوءً بالخارج .
بدأ نشاط الرياح يزداد فازداد قلق سوسو لكن كامل قال لوالديه بصوت عال بعد أن اغلق الهاتف" شامل وونس بخير وينتظران الدور عند الطبيبة "
تطلعت فيه بسمة بحرج وهو يقترب منها متفحصا ثم سألها" ما بك تحومين في المكان بتوتر منذ أن نزلت؟"
تقبضت وسألته ببرود متعمد "هل لديك رقم صيدلية ؟"
عقد حاجبيه وسألها" لماذا ..ماذا تريدين .. هل أنت مريضة ؟"
بلعت ريقها وردت" لا لا مجرد صداع فكنت أريد أن ابتاع مسكنا هلا أعطيتني الرقم ؟"
رد كامل " أنا لدي حبوبا مسكنة بالأعلى تعالي لأعطيك واحدة "
أسرعت بالقول تداري شعورها بالحرج "لا أنا أريد نوعا معينا هو ما أنا معتادة عليه"
سألها بإصرار مماثل "ما اسمه أخبريني ..عندي أكثر من نوع"
قالت بغيظ وقد أغاظها إصراره "لا ..أريد رقم الصيدلية يا كامل وأنا سأطلبه بنفسي "
عقد حاجبيه في الوقت الذي سمع صوت الرياح بالخارج فقال وهو ينظر للنافذة "وهل تعتقدين بأن هناك من سيوصل لك مسكنا في هذه الأجواء ؟.. إن أقرب صيدلية على بعد كبير خارج منطقة الفلل "
قالت بإصرار وهي تخرج هاتفها "اعطني إياه لنجرب"
أخرج هاتفه وقال بعناد" أخبريني باسمه وأنا سأطلبه لك "
لم تجد ما تقوله سوى أن رفعت إليه وجها أحمرا تقول بلهجة حادة وهي تداري حرجها "اعطني الرقم يا كامل أنا أملك لسانا لطلب ما أريد "
راقبت تغير وجهه من العبوس للتسلي فاشتعلت وجنتاها تشتمه في سرها بغيظ بينما أملاها كامل الرقم وهو يناظرها بنظرة ماكرة وتلك الابتسامة المتسلية التي تستفزها تزين شفتيه .
أسرعت بالاستدارة توليه ظهرها بمجرد أن حصلت على الرقم وابتعدت عدة خطوات وهي تطلبه .. لكنها لم تجد ردا فعاودت الاتصال مرة أخرى لتجد الرقم قد اصبح غير متاح فزفرت بغيظ واستدارت لتتفاجأ بكامل خلفها مباشرة حتى كادت أن تصدم به .
سألها وتلك الابتسامة على زاوية شفتيه "اخبريني باسم النوع الذي تريدينه وأنا سأخرج لأحضره لك "
جزت بسمة على أسنانها وهمست لنفسها وهي تتطلع في ملامح وجهه المتسلية "ينتعش عند ذكر الوقاحة .. معنوياته ترتفع حينما تأتي سيرة قلة الحياء"
تكتفت أمامه تقول بلهجة متهكمة" وهل تخفى عليك الأنواع !"
لاحت نظرة مفاجئة في عينيه مختلطة بالصدمة قبل أن تنقلب ملامحه فجأة ليقبض على ذراعها قائلا بانزعاج شديد "حتى لو كنتُ كما تتصورين لي باعا مع النساء لست متبحرا في أمورهن الخاصة ولست متفرغا للحديث عن تلك الأمور مع إحداهن "
بلعت بسمة ريقها فترك ذراعها يقول وهو يوليها ظهره ويبتعد "سأبتاع لك ما سأجده أمامي في السوبر ماركت "
اسرعت لتلحق به قائلة "كامل"
استدار إليها لتقول شاعرة بالضيق لإزعاجه "أريد أن أذهب معك "
اتسعت عيناه ثم هتف" في هذا الجو الغريب!! .. ابقي مكانك ولن أغيب "
امسكت بذراعه تقول بإلحاح" أريد أن اذهب أنا لأشتري ما أريد بنفسي أرجوك .. ها هي ونس مع شامل بالخارج"
مط شفتيه وناظرها بتردد ثم قال وهو يتفحص ما ترتديه .. بنطال من الجينز وبلوزة طويلة نسبيا وشعر مربوط للخلف على شكل كعكة ثم أشار لها لتتبعه متجها إلى داخل الفيلا وليس خارجها فتعجبت ولحقت به .
في طريقهما مرا بشهبندر الجالس في ركن ما في الفيلا فمال عليه كامل يربت عليه ثم قال له بتحذير" اجلس بأدب وإلا ستطردك سوسو هانم من الفيلا في هذا الجو .. لقد اقنعناها بصعوبة بمبيتك في الداخل اليوم "
ابتعدت بسمة عن شهبندر بتوجس بينما قال كامل له" أدب "
فأحنى الكلب رأسه ليقول كامل " هدوء "
فجلس الكلب على أربعة ليضيف كامل "مسْكَنَة "
فانقلب الكلب على ظهره .
ضحكت بسمة فاستدار لها كامل مبتسما ثم دخل من باب داخلي بجوار الباب الموصل للمطعم وتبعته لتجد نفسها في مرآب به سيارتين غير السيارة الضخمة التي كانا يسافران بها ..
غمغمت بسمة وهي تتبعه في المرآب المظلم نسبيا وصوت الرياح قوي بالخارج رغم سخونتها "لم أكن أعلم بأن هناك مرآبا للفيلا وله باب داخلي أيضا "
فتح لها كامل باب السيارة ثم ركب هو في مقعد السائق وخلال ثوان كانت تخرج على ممر معبد لخروج السيارات بين حديقة الفيلا والمطعم .
كان الجو حارا والرياح الساخنة المحملة بالرمال قد لونت الأجواء باللون الأصفر وجعلت الرؤية متعسرة بعض الشيء على بعد أمتار من السيارة بينما قوة الرياح واضحة للعين المجردة من حركة الشجر .
شعرت بسمة ببعض الرهبة وبرغبة في الانكماش وتطلعت فيه بجوارها تطمئن نفسها وهي تتأمل تفاصيله الرجولية خلف عجلة القيادة ثم سألته "هل المكان قريب؟"
رد دون أن ينظر إليها مركزا في الطريق أمامه "الصيدلية بعيدة نسبيا لكن هناك سوبر ماركت قريب من هنا .. لقد ذهبنا بالسيارة بسبب الجو (وبحث في جيوبه قائلا) يبدو أني نسيت نظارتي "
تطلعت فيه بقلق وهو يدقق في الطريق مضيقا عينيه قبل أن يختلس لها نظرة سريعة قائلا بلهجة متسلية" هل تشعرين بالخوف ؟"
ردت بصدق وبدون تفكير" لا "
عاد يحدجها بنظرة سريعة ثم عاد للطريق وهو يقول" هل هذا ثقة فيّ أم عدم اعتراض على الموت معي؟"
أجفلهما كيس يطير في الهواء وقف قليلا على زجاج السيارة الأمامي قبل أن يطير مجددا فقالت بسمة "بعيد الشر ..ركز في الطريق يا كامل وكف عن المناكفة "
فاتسعت ابتسامته وغمغم" جبانة !"
××××
تأمل شامل ما يحدث بترقب شديد والطبيبة تختبر سمع ونس التي تقف في غرفة زجاجية وعلامات التركيز شديدة على وجهها وهي تشير للطبيبة أي من الأصوات سمعت وما الذي لم تسمعه .. بعدها طلبت منها الطبيبة ارتداء سماعاتها ثم أعادت الاختبار .. لكن ما كان يقلق شامل ذلك التعبير المتعجب الذي يلوح على وجه الطبيبة قبل أن تنتهي من الاختبار وتطلب من ونس الخروج ثم تعود لتجلس خلف مكتبها .
استقبل شامل زوجته بابتسامة مشجعة وأجلسها على الكرسي المواجه له أمام مكتب الطبيبة ثم سأل الأخيرة "طمئنينا يا دكتورة هبة"
قالت الطبية "قياس السمع عند ونس اظهر أن ضعف السمع لديها من النوع المتوسط.. والحقيقة أشك في أنه قد تم قياسه لها وهي صغيرة بشكل دقيق .. كما أنني أتوقع بأن السماعة التي ترتديها بعيدا عن كونها من طراز قديم أرى انها ليست مناسبة لها أو بمعنى أصح مضبوطة على مقياس سمعها "
اتسعت عيني ونس لتضيف الطبيبة وهي تخرج كتابا يبدو قديما نسبيا من مكتبها وتضيف" سأشرح هنا حتى لا نضطر أن نستعير سماعة ونس"
وبحثت عن صفحة معينة أظهرت صورة سماعات ونس وهي عبارة عن جهاز خارجي يثبت خلف الأذن كبير نسبيا وبه ما يشبه خرطوم مطاطي في نهايته سدادة كسدادة الأذن وأضافت" كما أني أرى أن الجزء المطاطي الذي يثبت في داخل الأذن والذي يؤخذ له مقاسا ثم يصمم على حسب قالب الأذن أراه غير مناسب مع أذنها وهذا بالتأكيد أثر كثيرا على تلقيها للأصوات حولها "
قاطعها شامل " لا تؤاخذيني يا دكتورة فأنا أحاول الفهم ..هل تخبرينا بأن سماعتها طول هذه السنين بها شيء غير دقيق في القياس وفي قالب الأذن ؟!"
أومأت الطبيبة تقول" أجل بالإضافة لأن السماعات وخاصة الأنواع القديمة تحتاج لزيارة للطبيب بعد تركيبها أكثر من مرة لضبطها على الأذن حتى يصل المستخدم لها إلى درجة الراحة في سماع الأصوات وكما فهمت من ونس قبل الكشف عليها بأنها لم تقم إلا بزيارة واحدة لأول سماعة وضعتها ولم تعد للطبيب لضبطها حينما لم تشعر بالراحة"
أخرجت ونس دفترها وكتبت " لأن الطبيب كان بأحد المستشفيات المجانية بالعاصمة وكان المشوار طويلا جدا ولم أرغب بأن أشق على أبي ولم أكن أعلم بذلك ..فلم يخبرنا أحد بأن علينا ضبط السماعة ظننت بأني سأرتديها وأسمع فقط "
قرأت الطبيبة ما كتبته ونس وهزت رأسها متفهمة بينما سألها شامل" هل تعتقدين يا دكتورة هبة بأنها لو كانت ارتدت سماعات مضبوطة كانت تحسنت حالتها ؟!"
ردت الطبيبة وهي تنظر لونس" حالة أذنيها حالة مزمنة لن تتحسن بالعلاج.. لكن بالتأكيد هناك أمور كثيرة كان من الممكن أن تختلف في حياتها وفي استيعابها لما حولها لو كانت ترتدي السماعات الصحيحة وخصوصا فيما يخص الكلام فحالة ضعف السمع لديها متوسطة.. هناك أشخاص لديهم ضعف سمع شديد واستطاعوا بعد مجهود كبير من الأهل التواصل عبر الكلام صحيح ليس بإتقان الأشخاص الطبيعيون أو حتى متوسطي السمع لكنهم فعلوها "
تبادل شامل النظرات مع ونس المصدومة ثم سألها "وماذا بشأن الكلام يا دكتورة هل ستستطيع التحدث ؟ "
خلعت الطبيبة نظارتها ووضعتها على المكتب وعادت بظهرها لتستند على المقعد خلفها ثم قالت" موضوع الكلام هذا به بعض الغموض .. من المفترض أن ضعف السمع عندها متوسط وكما فهمت من ونس قبل الكشف بأنها كانت طفلة طبيعية حتى سن الرابعة وبأنها كما وصفت كانت قليلة الكلام ربما لعيشها في بيئة أحادية مع والدها فقط لكن كانت تنطق ببعض الكلمات البسيطة وبأنها بعد تلك الوعكة الصحية التي أصابت أذنيها وفقدها القدرة على السمع إلا للأصوات العالية توقفت عن النطق لكن السؤال هو .. هل حاولت يا ونس النطق بعد وضع السماعات ؟"
ارتبكت ونس ثم كتبت "حاولت لكني فشلت .. فكل مخارج الحروف كانت صعبة ولساني كان ثقيلا كما أنني..."
توقفت عن الكتابة تشعر بالاستياء فعقدت الطبيبة حاجبيها ونظرت لشامل الذي أضاف موضحا" تعرضت للتنمر من زملائها في المدرسة "
هزت الطبيبة برأسها متفهمة ليسألها شامل بإصرار ولهفة "هل ستستطيع التحدث يا دكتورة؟"
تعلقت عيون ونس وشامل بالطبيبة التي صمتت قليلا تجمع المعلومات أمامها ثم قالت شارحة "مركز الكلام في المخ إذا لم يتم استعماله في السن الصغير يحدث له ضمور ..لكن ما دامت كانت طفلة طبيعية حتى سن أربع سنوات أي استقبلت الكلمات وخزنتها ونطقت بضع كلمات فالأمل موجود ..لكن أعتقد بأنه يحتاج لإرادة قوية من الممكن أن أوصي لكما بأخصائية تخاطب لاستشارتها (وتوجهت لونس تقول) ألا تستطيعين نطق أي كلمة ؟"
اختلست ونس النظر لشامل ثم كتبت بعد تردد" بعض كلمات مبتورة الاحرف أبدو في نطقها كالبلهاء "
عقد شامل حاجبيه ثم تبادل نظرات مع الطبيبة وقد فطنا لأنها تشعر بالحرج من المحاولة فلم تعقب الطبيبة وقالت "على أية حال كما قلت الأمل موجود لكنه سيحتاج لإرادة قوية ..أعرف أطفالا ولدوا ضعاف السمع من النوع الشديد واستطاعوا بالتدريب وبإرادة والديهم أن يصلوا لمستوى لا بأس به من النطق والتواصل مع الأخرين (ونظرت في عيني ونس تضيف ) المهم الإرادة يا ونس"
سألها شامل" وماذا سنفعل بالنسبة للسماعات؟ .. بالتأكيد هناك أنواع أكثر تطورا من سماعتيها الحاليتين"
ردت الطبيبة " بالتأكيد هناك أنواع وماركات.. والأسعار تختلف من ماركة لأخرى حسب الإمكانيات بالطبع"
قال شامل بتأكيد "نريد الأحدث وبأي مبلغ"
وضحت الطبيبة وهي تفتح كتالوجا من فوق المكتب "إذن سأرشح لكما اسم ماركتين أو ثلاثة .. سأشرح لكما الإمكانيات ولتختاروا منهم ما يناسبكم (ونظرت لونس تضيف بابتسامة ) أتوقع بأن حياتك ستتغير يا ونس .. أولا سنضبط لك ما يناسب ويحسن سمعك بنسبة كبيرة جدا ثانيا السماعات الحديثة أصبح لها تقنيات ممتازة تستطيعين التحكم فيها .. وتستطيعين سماع الأغاني والموسيقى دون صعوبة والتحكم في الأصوات من حولك عما إذا كنت تريدين سماع محدثك فقط دون الأخرين أم سماع الجميع .. سيكون معك ما يشبه بريموت صغير للتحكم في كل شيء من حولك وتغيير وضع السماعة ليناسب ما تريدين سماعه .. وستلتقطين الأصوات الحقيقية دون تشويش أو مضايقة أو تقطع بإذن الله وستوصلين السماعة بالهاتف الذكي وتضبطيها منه .. لقد أصبح هناك طفرة حالية في هذا المجال وكل يوم هناك الأحدث"
اتسعت ابتسامة ونس ونظرت لشامل بتأثر فمد يده ليحضن كفها سعيدا جدا وقال للطبيبة" أبلغينا بالأنواع المرشحة وسنختار فورا "
تأملت ونس وقلبها يدق بعنف شرح الطبيبة في الكتالوج لتفاصيل كل نوع في سعادة غامرة وانبهار حقيقي بالإمكانيات .. لكن المبلغ المخيف الذي ذكرته الطبيبة صدمها بشدة خاصة حينما اختار لها شامل السماعة الأغلى ثمنا والأكثر إمكانيات جعلها تشعر بأنها في حلم .. حلم كبير .. حلم صعب التصديق ..
لكنها اعترفت لنفسها بأنه بعد تحقق حلمها بالزواج من شامل لم يعد هناك صعبا للتحقيق أمام إرادة الله .
××××
في ذلك السوبر ماركت الشهير وصلت بسمة بعد اختيار بعض المستلزمات الأخرى للرفوف التي كانت تبحث عنها .. وقبل أن تقترب منها استدارت لكامل الذي يدفع خلفها عربة التسوق ويتتبعها خطوة بخطوة وقالت له بحرج" هل ستظل تتبعني هكذا؟"
تراقصت الابتسامة على شفتيه ورد "وهل من المفترض أن أذهب وأترك زوجتي وحدها بالمكان! "
غمغمت باعتراض وهي تعود للأرفف لتختار ما تريد" لا أقصد لكن أعطني مساحة .. أدر وجهك على الأقل"
رد متهكما بصوت خافت" لماذا ؟.. هل ستخلعين ملابسك ؟ .. أنا شخصيا لا أمانع لكن بالتأكيد ليس أمام الناس"
غمغمت بغيظ وهي تضع ما اختارته في عربة التسوق وتدفنه تحت المشتريات الأخرى "وقح!"
قال دون أن ينظر إليها وهو يدفع العربة بجوارها "سامحك الله"
حدجته بطارف عينيها وتراقصت ابتسامة على شفتيها وهمست في سرها" لماذا أصبح لا يحادثني إلا بلهجة بلده .. وكأنه ينقصني أن يتحدث بلهجته !"
طحن كامل ضروسه يحاول تجاهل النظرات المختلسة لها من المارين وينهر نفسه حتى لا يصل إلى هذا الحد من التطرف ..
لم يكن غيورا من قبل على امرأة بهذا الشكل .. خاصة وأن أفكاره تصل إلى حد المبالغة والرغبة في حبسها وهذا مؤشر ليس بالجيد .. الأمر كما شرحه لشامل من قبل ليس عدم ثقة فيها أو في نفسه وإنما شعور غير مريح.. بل مغيظ ممن يتطلع فيها .
أما بسمة فكانت تشعر بالراحة وهي تتحرك بحرية في السوبر ماركت ورغم تلك العيون التي تتطلع فيها من وقت لأخر لكن الوضع في العاصمة أكثر راحة كونها ليست معروفة ..كما أن هذا الوسيم الضخم الذي يسير بجوارها يمنحها شعورا بالسعادة رغم سماجته ووقاحته وتعمده لاستفزازها.
وصلت بسمة للكاشير ووقفت أمامه تضع المشتريات من العربة التي يمسك بها كامل والذي كان شاردا لثوان يتذكر ذلك اليوم قبل ثلاث سنوات حينما كان يسير خلفها يتمنى أن يعرف من تكون .. ثم ابتسم متعجبا من لعبة القدر..
قطع شروده وتصلبت ابتسامته وهو يحدق في ذلك الشاب الذي يقف خلف الكاشير يحدق بملء عينيه في بسمة مصدوما ثم أمسك بالبضاعة يمررها على الماكينة أمامه وعيناه لا تتزحزحان عنها ما بين الصدمة والوله .
ولم يكن كامل أقل منه صدمة وهو يراه مجددا .. إنه ذلك المراهق الذي كان يعمل في محل الحلاق والذي كان متولها بها .. لقد كبر قليلا وأضحى شابا يافعا يلامس العشرين من العمر على أقصى تقدير .
ضربت الدماء في رأس كامل خاصة مع استمرار تطلع الشاب في بسمة بجرأة فقال لها بخشونة وهو يمنحها مفتاح السيارة "اسبقيني إلى السيارة"
نظرت له بسمة بعدم فهم لتتفاجأ بوجهه الغاضب وهو يقول بلهجة آمرة "إلى السيارة يا (كامل) فورا"
أنزل الشاب نظراته بسرعة وقد انتبه لما يفعل بينما أمسكت بسمة رغم اندهاشها بالمفتاح ونظرت عبر الباب الزجاجي هامسة بغيظ تداري شعورا بالخوف من الخروج في هذا الجو "هل سأخرج في هذا الجو وحدي؟!.."
نظر كامل للباب الزجاجي ثم استدار يضرب على المنضدة بعدائية قائلا للشاب" هلا أسرعت وركزت فيما تفعل لو سمحت .. لن نقف أمامك طوال اليوم"
ارتبك الشاب واسرع بالإنجاز بينما ناظرت بسمة كامل بعدم فهم واشفقت على الشاب الذي كان متلعثما بشكل واضح .
بعد قليل خرجا من السوبر ماركت لتستقبلهما الرياح الساخنة التي اشتدت سرعتها بينما ازدادت الأجواء اصفرارا فأسرع كامل وبسمة نحو السيارة وبمجرد أن وضعا فيها الأكياس وركبا هتفت بغيظ" ما الذي حدث؟! ولماذا أفزعت الشاب وتعاملت معه بهذه الفظاظة؟!!"
ابقى كامل على فمه مغلقا وهو يحرك السيارة عائدا للبيت فصرخت بسمة بعصبية" أنا اتحدث معك يا كامل"
أدار وجهه إليها قائلا" الشاب قليل الأدب ويحدق في الزبونات بجرأة ..ويحمد ربه أني أمسكت أعصابي"
تطلعت فيه بغير تصديق ولم تفهم سببا لردة فعله المبالغ فيها فهتفت بغيظ" وهل كل شخص سينظر لي ستخانقه .. ولماذا أنت منفعل هكذا ؟"
لم يرد عليها ورأته يضيق عينيه أكثر وهو يركز على شيء ما على يمين الطريق فأدارت وجهها تنظر إلى ما ينظر إليه ورأت سيدة ومعهما طفلين على ما يبدو ينتظران سيارة أجرة وقبل أن تفطن لما يحدث كان كامل قد توقف على بعد أمتار من السيدة ثم رجع بالسيارة للخلف ووقف أمامها يفتح النافذة المجاورة لبسمة وقال لها "ادعها للركوب حتى نجد لها سيارة أجرة إن كانت متوجهة لخارج المدينة "
ارتبكت بسمة وكالعادة يأخذها كامل من شعور لشعور أخر دون تمهيد فقالت للمرأة عبر النافذة" تفضلي لنوصلك لأقرب نقطة "
غمغمت المرأة" شقتي على بعد بضعة شوارع وكنت أنتظر زوجي لكن سيارته تعطلت به"
قالت بسمة "تفضلي لنوصلك "
بعد بعض التردد دخلت المرأة ومعها طفلين ولد في الرابعة وبنت في الثانية تحملها على ذراعها وأخذت تتمتم بالشكر الكثير وتتحدث عن غرابة الطقس وانقلابه بهذا الشكل .
لاحظت بسمة أن كامل يختلس النظرات عبر المرآة الأمامية ثم يعود ليحدق في الطريق بعينين ضيقتين حتى يرى أمامه فشعرت بالغيظ خاصة حينما استدارت لتعقب ببرود على حديث السيدة وتفحصتها بنظرة أنثوية قبل أن تعود لتنظر أمامها بدم محروق وهي تعترف بأن السيدة أصغر سنا مما توقعت وأحلى .. لكن كامل فاجأها حينما أشار لها بإشارات مخفية على المقعد الخلفي.
لم تفهم لأول وهلة ما يريد فوضح لها بالإشارات بما يعني ( الطفلة الصغيرة ) .
عقدت بسمة حاجبيها فجز على أسنانه يشير لها حتى فهمت أخيرا بأنه يرغب في مداعبة الطفلة الصغيرة فتعجبت بشدة ثم استدارت تقول للمرأة "بسم الله ما شاء الله هلا اعطيتني الحلوة ؟"
استشعرت بسمة بتوجس المرأة وترددها فقالت بلطف" إن كانت تخاف من الأغراب فلا بأس أتركيها على راحتها "
وعادت لتنظر أمامها فقالت المرأة بحرج" لا بالطبع تفضلي"
أخذت بسمة منها الطفلة وأجلستها على حجرها وهي تشعر بخوف المرأة من أن يكونا لصيّن فشتمت في سرها ثم تطلعت في كامل الذي أخذ يداعب الطفلة ويناغشها بلهجة بلده قائلا بلطف" ما هذا الجمال ؟ (وأمسك بيدها يطبع قبلة عليها وهو يقسم نظراته بينها وبين الطريق مضيفا) ما اسمك يا حلوة "
تطلعت فيه الطفلة بخجل بينما أشاحت بسمة بوجهها تغمغم من بين أسنانها" وما الداعي للتحدث بلهجة بلدك الآن وأنت تتقن لهجتنا جيدا "
ثم تطلعت في المرآة لتجد المرأة تراقب كامل لكنها لم تعرف هل تراقبه من أجل طفلتها أم لسبب أخر .
قال كامل للطفلة وهو يمسك بطرف فستانها "وما هذا الفستان الجميل .. أنا أريده من أجل زوجتي اعطيني إياه "
أمسكت الطفلة بفستانها بتملك وقد انقلب وجهها تناظر كامل بعبوس فضحك الأخير عليها .
ظلت بسمة تتأمله بينما استدار كامل للصبي الذي وقف خلف مقعديهما وكأنه يقول (أنا هنا ) فأخذ كامل يناغشه ويسأله عن اسمه .. لتقوم المرأة بسحب ابنها قبل أن يسترسل بالمعلومات عنهم توجسا من بسمة وكامل قبل أن تشير على إحدى البنايات وهي تأخذ الطفلة من بسمة" هنا .. شكرا لكما"
قالتها وفتحت الباب بسرعة تسحب ابنها خلفها .
قالت بسمة بعد قليل من بين أسنانها" المرأة ظنت أننا لصّان .. وقفنا لها بالسيارة ثم طلبنا أن نحمل الطفلة"
اتسعت عينا كامل متفاجئا ثم قهقه عاليا فانفجرت دقات قلب بسمة وغمغمت وهي تشيح بوجهها "كان ينقصني ضحكة الأستاذ كامل ليكتمل المشهد !"
قال الأخير وهو يقترب من الفيلا " أنا وشامل توقفنا عن اظهار اهتمامنا بالأطفال بعد أن كاد أن يقبض علينا في باريس "
سألته باندهاش "لماذا؟"
رد عليها وهو يضغط على بوابة المرآب "لأننا حاولنا مداعبة طفلين في الشارع فخافت أمهما وظنت بأننا متحرشان بالأطفال "
اتسعت عينا بسمة فأضاف" هناك يخافون من هذه الأمور جدا .. من وقتها أصبحنا نتحكم في انفسنا لكننا نشعر بالضيق "
قالها وهو يوقف السيارة ويفتح الباب فشردت بسمة للحظات تغمغم في سرها "إلى هذه الدرجة يحب الأطفال"
قطع كامل شرودها حينما قال وهو يحمل الأكياس من المقعد الخلفي" حمدا لله على السلامة باشمهندسة باسمة .. ولا تترددي مجددا من اللجوء إلينا في أي ظرف شخصي طارئ"
××××
في المساء
كان صوت الرياح بالخارج وحفيف الشجر مخيفا.. هكذا شعرت بسمة وهي تنزل من غرفتها لتجد الأسرة في جلسة عائلية منتهزين اغلاق المطعم اليوم بسبب حالة الطقس فرصة للتجمع .
كانت ترتدي رداء منزليا مريحا من بنطال وبلوزة بينما تركت شعرها مسدلا على ظهرها بحرية غير قادرة في حالتها تلك على ربطه ..
ورغم شعورها بالإرهاق المصاحب لحالتها لم تحب أن تبقى في الغرفة وحدها خاصة بعد أن أرسل لها كامل يبلغها بأنهم مجتمعون بالأسفل بعد عودة شامل وونس من عند الطبيبة.
كانت الأسرة متجمعة في غرفة المعيشة المفتوحة على البهو .. غنيم وسوسو على مقعدين وثيرين في الواجهة بينما ونس وشامل يسارا على أريكة وشهبندر يجلس أرضا بين ونس وغنيم .. أما كامل فكان يمينا على أريكة أخرى .. وأمامهم المكسرات والمقرمشات وعلب المشروبات الغازية والعصائر.. وصوت أم كلثوم خافت ينشر السحر على الأجواء .
بدت الأجواء حميمية وبسمة تلقي التحية فربت لها كامل على الأريكة التي يجلس عليها لتجلس بجواره وهي تسأل شامل "اخبرني عن التفاصيل.. ماذا فعلتما عند الطبيبة ؟"
رد شامل قائلا بحماس " التفاصيل أننا قد طلبنا السماعة المناسبة وخلال أيام ستكون جاهزة .. إن السماعات كما فهمنا موديلات وماركات مثل أجهزة الهواتف ..( ونظر لونس التي تتربع على الأريكة بجواره تحاول كسر البندق بالكسارة وأضاف ) ونس متحمسة جدا وتقريبا حفظت الكتالوج الخاص بالسماعة الذي أخذناه من الطبيبة"
تركت ونس الكسارة وأخرجت دفترها تكتب" الأمر مثير جدا وأنا متحمسة للتجربة الجديدة "
قرأ شامل ما كتبته على الجميع بينما عادت ونس للكسارة المعدنية تضغط بقوة مصرة على كسر حبة البندق.
لم تشعر بسمة بالراحة في جلستها فرفعت ساقيها تثنيهما بجوارها محتفظة بمكان بسيط بينها وبين كامل في تلك الأريكة التي لا تتسع إلا لشخصين فسألها بهدوء" هل تشعرين بالتعب؟"
ردت بهمس "قليلا"
سألها "لماذا لم تحاولي النوم ؟"
ردت "حاولت ولم أفلح أريد أن أنام ولا أستطيع .. واشعر بالبرد "
نظر كامل للمكيف وسألها" هل ترغبين في أن نعدل درجة المكيف رغم أن الجو حار يا باسمة؟!"
قالت بسرعة" لا لا أعرف بأن الجو حار "
سألها "هل تشربين شيئا ساخنا؟"
هزت رأسها بلا ثم قالت" لا أشعر بالشهية لأي شيء "
تدخلت سوسو وقد لاحظت انكماشها فسألت" ما بها بسمة؟"
احمرت وجنتاها فأسرع كامل بالرد" يبدو أنها تعاني من نزلة برد "
سألت سوسو" هل أحضر لها دواءً لنزلات البرد؟"
رد كامل "أعطيتها حبة دواء يا أمي سلمت يديك"
فجأة أفلتت حبة البندق من الكسارة وطارت في الهواء نحو غنيم الذي التقطها بكفه بمهارة قبل أن تصيبه فشعرت ونس بالحرج الشديد وغطت وجهها بكفها واختبأت برأسها خلف ظهر شامل الذي تشارك مع الجميع في الضحك بينما قال كامل مناكفا "حاسبي.. كدت أن تؤذي أبي!"
أبعدها شامل من خلف ظهره وهو لا يزال يضحك بينما قال غنيم" لا بأس "
تكلم كامل بغيظ" لا أعرف لماذا تصرين على تكسير البندق بنفسك هناك مكسرات أخرى مقشرة جاهزة"
ناظرته بملامح ممتعضة بينما استقام كامل وتحرك مبتعدا فسأله شامل" إلى أين؟ "
رد وهو يصعد السلم "سأعود"
بعد قليل عاد كامل يمسك بشرشف وضعه على قدمي بسمة التي تفاجأت بينما صوت شامل في الخلفية يقول بتهكم" حبيبي كيمو الحنون ما هذا الذي أراه! .. افرحي يا سوسو ابنك أثمرت فيه التربية أخيرا "
غمز غنيم لسوسو مبتسما بينما ترك كامل بسمة التي احمر وجهها وتحرك نحو شامل في صمت.. فناظره الأخير بترقب ليقول كامل حينما وصل إليه" طبعا حنون يا فلذة كبدي .. وسأثبت لك حنان قلبي حالا "
قالها وهو يلف ذراعه فجأة حول ذراع الأخر ليشل حركته فاتسعت عينا ونس وهي ترى كامل يخرج من جيبه جهازا صغيرا بينما شامل يعترض" لا يا كامل .. لست بحاجة إليه .. يا لسخافتك يا حلّوف!"
قال غنيم لونس مهدئا" إنه يقيس له مستوى السكر في الدم فلا تقلقي "
عقدت بسمة حاجبيها باستغراب بينما اشرأبت ونس بعنقها لتنظر فيما يفعل كامل وهو يأخذ بعض نقاط الدم من اصبع شامل فوق جهاز فقوست شفتيها شفقة عليه .
بعد أن انتهى أطلق كامل سراح أخيه فدفعه شامل بغل قائلا "اذهب لا نريد منك حنانا"
سألت سوسو كامل بترقب" طمئننا"
رد الأخير وهو يعود للجلوس مكانه" كل شيء تمام الحمد لله "
هتف شامل "قلت لك لست بحاجة للتحليل"
سألت بسمة كامل بخفوت "هل يعاني من مرض السكري ؟"
رد كامل وهو يخطف منديلا مبللا من فوق المنضدة ثم كسارة البندق من أمام والدته "لا ولكنه معرض للإصابة به بنسبة كبيرة لهذا قررنا تخفيض وزننا واتباع حمية غذائية"
شعرت بالقلق عليه فسألته "وأنت؟"
أدار وجهه نحوها يقول" أنا بخير .. حتى الآن فمن المرجح أن أكون مثله فنحن عادة ما نمرض بنفس الأمراض "
طارت واحدة من البندق مرة أخرى وضربت كامل في صدره فانفجر الجميع في الضحك حتى بسمة التي امسكت بالحبة لتعطيها لكامل الذي التفت لونس والدخان يخرج من أذنيه فترك مقعده متقدما نحوها ..
استقام شامل واعترض طريقه يقول من بين ضحكاته مهدئا "ألف مبروك لقد أصابتك البندقة إصابة صحيحة وكسبت معنا جائزة"
تجاهل كامل ما يقوله أخيه وقال من فوق كتفه "هات الكسارة يا ونس "
قال شامل مهدئا "عيب أن تحدث زوجة أخيك بهذه الطريقة هيا عد لمكانك فأنت أكبر منها"
أخرجت له ونس طرف لسانها بإغاظة فهتف كامل "تغيظني يا شامل "
قال شامل دون أن يستدير إليها" عيب يا ونس "
وربت على صدر أخيه يسترضيه بينما سوسو وغنيم وبسمة غارقون في الضحك .
هتف كامل بإصرار وهو يمد يده لها "هات الكسارة قلت يا ونس "
وضعتها في يده باستسلام ممتعض فأخذها وعاد لمقعده يقول بغير تصديق" ستفقأ أعيننا جميعا حتى تكسر حبة بندق واحدة !"
ابتأست ملامح ونس فقال شامل من بين ضحكاته" لا بأس يا حبيبتي إنه شرير"
استقام كامل مرة أخرى متجها ناحيتها فأسرع شامل يحميها بجسده بينما وضع الأخر أمامها على المنضدة كسارة بندق خشبية كانت أمامه وقال" استعملي هذه وارحمي أعيننا"
عاد ليجلس بجوار بسمة التي سألت مبتسمة" من منكما أكبر لم تخبرنا؟"
عاد التوأمان ينظران لبعضهما بتسلي ثم قال شامل" ونحن طلبنا منكما التخمين (وسأل ونس ) ما رأيك يا ونس من الأكبر أنا أم كامل؟"
نظر كامل لأمه قائلا بتحذير" أمي ..إياك والتحدث ..أبي أنا أعلم بأنه لن يتفوه بشيء أما أنت فلا تكتمين سرا "
ضحكت سوسو بينما أشارت ونس بعد حيرة على كامل ..فسألها شامل" لماذا توقعت بأن كامل الأكبر؟ "
مثلت العبوس تعني لأنه عبوس دوما فرفع كامل زاوية شفته العليا ثم علق " هذا لأني لا أطيق الصغار (وسأل بسمة بجواره ) وأنت يا باسمة من تتوقعين؟"
قالت بسمة بتردد "الحقيقة أشعر بالحيرة ولا أستطيع .. (ولمحت سوسو تشير لها بإشارة مخفية فهتفت متفاجئة) شامل! .. شامل الأكبر!"
صاح التوأمان باعتراض" يا أمي .. يا أمي كنا سنلاعبهما قليلا !!"
انفجر غنيم وسوسو في الضحك بينما تطلعت ونس في شامل تشير له ( أنت الأكبر! )
رد شامل ضاحكا "أكبر منه بربع ساعة "
أمسك كامل بالكسارة وبدأ يكسر في البندق ويضعه في طبق صغير وهو يقول لونس مغيظا "أرأيت .. أنت تزوجت العجوز فينا بينما باسمة تزوجت الأكثر شبابا"
ابتسمت له ابتسامة صفراء فقال كامل لأخيه" إن لم تتعامل زوجتك معي بتوقير صدقني ستجدها يوما معلقة من شعرها في السقف فلن أتحمل كثيرا"
سألت بسمة سوسو وهي تلملم في ساقيها بجوارها حتى لا تخونها قدماها وتنزلقان لتلامس فخذ كامل "هل كان الحمل في توأمين متعبا؟"
ردت سوسو بسرعة" كان بشعا .. كانت تجربة بشعة تعذبت فيها كثيرا ولهذا لم أكررها أبدا"
فرضت الذكريات نفسها على الجلسة بدأتها سوسو وشاركها غنيم ثم شامل وكامل.. وتفاجأت بسمة بالأخير يضع لها طبقا صغيرا فوق ساقيها المضمومتين إلى جانبها به حبات البندق المقشرة .. مع نظرة سريعة نحوها وعاد لالتقاط أطراف الحديث وكأنه معتادا على تقشير البندق لها !.
ارتجف قلب بسمة وتأملت جانب وجهه الجاد الملامح وهو يتشارك مع عائلته الذكريات عن الوطن والحنين إليه ثم مدت اصابعها تلتقط البندق واحدة تلو الأخرى وتأكلها ببطء وقد شعرت بشهية مفاجئة .... للبندق .
رفعت ونس الدفتر بعد قليل لتري الجميع ماذا رسمت فتطلع شامل فيه بإعجاب ثم منح الدفتر لأبيه ليجدها قد رسمت بالقلم الرصاص غنيم وسوسو في جلستهما متجاورين كل واحد منهما على مقعده .
انبهر غنيم بالرسم وأعطاه لسوسو التي غمغمت" ما شاء الله !"
أمسك شامل بوجهها وطبع قبل على خدها شاعرا بالفخر بها فأحمر وجه الأخيرة بخجل ..ليقول شامل "ارسمي الباقين "
تدخل كامل قائلا " ارسمينا أنا وشامل لأرى مدى تطابق الصورة التي سترسمينها "
قالها وهو يضع المزيد من البندق المقشر بشكل آلي في الطبق الصغير بجواره دون أن ينظر لبسمة بينما يده الأخرى تلقي بواحدة من البندق في فمه .
لكزت سوسو زوجها تشير له على ما يفعله كامل فابتسم الأخير بينما قبلت ونس التحدي وبدأت في الرسم .
شعور عظيم بالدفء والراحة يتسلل إلى بسمة .. تراقب الجميع وسيلا أخر من الذكريات ينساب بنعومة في هذه الأمسية الرائعة ..
أخذت تسألهم بفضول وكانوا يجيبونها بينما صوت أم كلثوم يصدح في الخلفية ..
هواك هو اللي خلى العمر غالي
وبالثانية أحسبه مش بالليالي
ما يحدث من تضاد بين الخارج والداخل .. بين الطقس الثائر المخيف المشبع بالرمال والأجواء الأسرية الدافئة المشبعة بالمحبة أثر فيها ..
وأخاف أسرح يفوتني لمحة منك
ومن الدنيا اللي أجمل من خيالي
وكامل الذي يشاركها الأريكة كان الشعور بقربه مريحا للكثير من المشاعر السلبية التي تزورها في هذه الفترة من الشهر..
كلما ركزت مع الأصوات المرعبة طمسها صوت الضحكات وغناء أم كلثوم وصوت كامل ومشاكساته الصبيانية .
هواك نسى الزمان طبعه
وخد منه الأمان لينا
ودارى عننا دمعه
وخلاه ما دري بينا
ونَوّر للأمل شمعه
وطمن بيه ليالينا
لاحظ كامل أن توأمه يراقب ما ترسمه ونس وهو يكتم الضحك فارتاب وقفز واقفا يقول "كيف رسمتني؟"
استقام شامل يمنعه من الاقتراب قائلا "من فضلك الفنانة تحت تأثير الإلهام هذه اللحظة"
سأله كامل بتشكك" لماذا كنت تضحك؟"
لملم شامل شفتيه يمنع المزيد من الضحك وقال بإنكار" أنا!! .. أنا لم أضحك "
ألقى كامل بجسده على أخيه يقول" دعني أرى يا شامل "
كانت ونس قد انتهت من رسمها فرفعته في وجهه ليخطف كامل منها الدفتر ووقف يتطلع فيما رسمت بعبوس بينما انفجر شامل في الضحك .
تملك الفضول من الباقين فهتف غنيم" أرونا ماذا رسمت"
خطف شامل الدفتر من أخيه وأعطاه لوالده الذي تشارك في الاطلاع فيه مع سوسو ضاحكين بينما وقف كامل متخصرا يقضم شفته السفلى متحكما في غضبه .
أعطى غنيم الدفتر لشامل حتى يريه لبسمة التي بمجرد أن رأته اتسعت عيناها ثم أصابتها عدوى الضحك .
كانت ونس قد رسمت كامل وشامل متطابقان في الشكل لكنها أضافت على وجه كامل بعض الرتوش التي جعلته عابس الوجه منكوش الحاجبين شعيراتهما تقف مستقيمة لأعلى بمبالغة بينما كان شامل ضاحك الوجه.
قال كامل بلهجة هادئة خطرة" لماذا لم ترسمينا متطابقين؟"
حركت مقلتيها يمينا ويسارا تكتم الضحك ثم أخرجت هاتفها وفتحت الواتساب تكتب له" رسمتكما متطابقين"
استدار كامل يبحث عن هاتفه ثم التقطه من فوق المنضدة وقرأ ما كتبته مع شامل الذي حشر رأسه ليقرأ معه ليقول كامل" هذان الشكلان ليسا متطابقين "
كتبت له بإصرار "بل متطابقان في كل شيء الفرق أن شامل أوسم منك كيف سأغير هذه الحقيقة"
انفجر شامل في الضحك وهو يخبر الجميع بما قالته بينما ضرب كامل كفيه ببعضهما قائلا لأخيه" يا عمي قلت لك لديها مشكلة كبيرة في النظر .. صدقني تحتاج لنظارة بشكل عاجل فحالتها مستعصية "
قال غنيم من بين ضحكاته "أجلس يا كامل أنت أكبر منها .. أجلس هداك الله"
قال كامل وهو يعود للأريكة "أنا سأترفع على تصرفات الأطفال هذه لأني أكبر من تلك الأمور .. (وقلدها بفم معووج متهكما ) لأن شامل أوسم منك (ثم استدار لبسمة يسألها بلهجة صبيانية مغتاظة ) وأنت جالسة دون أي رد فعل!! "
اتسعت ابتسامة بسمة فأنارت وجهها وهي تسأله" وما المطلوب مني أن أفعل ؟"
لملم شفتيه حتى لا يبتسم واستمر يقول بغيظ" دافعي عني افعلي أي شيء.. (ثم سألها بلهجة خطرة) من منا أوسم؟"
ردت ضاحكة وكأنها ترضي طفل صغير" أنت بالطبع الأوسم "
استدار كامل يقول لونس "أرأيتِ؟ .. لهذا أنا لن اتجاوب مع صبيانيتك"
عاد الجميع للضحك ثم سرقهم الحديث للذكريات من جديد.
بعد نصف ساعة تصلب جسد كامل حينما استشعر باطن قدم بسمة على جانب فخذه طريا دافئا جعله يدير وجهه ليجدها قد توسدت ذراعيها على يد الأريكة المبطن وذهبت في نوم عميق في نفس جلستها المتكورة .. فاتسعت ابتسامته ومد يده ليرفع خصلة بعيدا عن وجهها ثم عاد ليكمل مشاركته في الحديث الدائر لكنه لم يستطع منع يده من التسلل تحت الشرشف ليمسك بمشط قدمها الملتصق بفخذه ويتحسسه برفق ونعومة وكأنه يساعدها على الاستغراق في النوم !.
أقولك إيه عن الشوق يا حبيبي
أقولك إيه ومين غيرك داري بي
بعد قليل اعتذر كامل ليصعد لغرفته رغم أن الساعة لم تتجاوز التاسعة بعد .. وانحنى ليحمل بسمة فوق ذراعيه فأجفلت الأخيرة وفتحت عينيها فجأة تتطلع حولها لتجد نفسها فوق ذراعيه فهتفت بهمس" كامل"
أشار لها لينبهها بوجود الحاضرين في الوقت الذي وضع شامل اصبعيه في فمه وأطلق صفير اعجاب.. فتعلق ذراع بسمة حول عنق كامل وغطت عينيها بيدها محرجة قبل أن تضطر لأن تلف ذراعها الأخر حول عنقه مستشعره عضلات كتفيه تحت ذراعيها وشاعرة بالحرج الشديد .. فأغمضت عينيها حتى لا تتواجه معه بينما شامل لا يزال يصفر ثم لحقهما بصوته يقول متهكما "حبيبي يا حنون "
أخذ كامل يصعد الدرجات ببطء متمنيا ألا تنتهي لكنها ككل شيء حلو له نهاية فدخل الجناح الخاص بهما وركل الباب خلفه ليغلقه ثم مال برفق ليضعها فوق السرير .
غمغمت بضعف تحاول القيام "لا سأنام على الأريكة"
قال بهمس حاني "لا نامي على السرير"
سكنت وأغمضت عينيها بإرهاق تقول "اشعر بالنعاس الشديد "
جلس بجوارها وغمغم بهدوء وهو يتأملها "إذن نامي"
اعتدلت على جانبها ناحيته تتمرغ في الوسادة وهي تقول" المشكلة بأن جسدي مرهق لدرجة لا تجعلني استغرق في النوم "
قال بهمس أجش وهو يتأملها" حاولي النوم تبدين ناعسة جدا ..سأظل حتى تغفين"
قالت بلهجة ناعسة وهي مغمضة العينين "هل تحب الأطفال لهذه الدرجة ؟"
شعر ببعض الأسف لما يعتقده بأنها لا تستطيع الانجاب فقال بهدوء" أجل .. لكن إن لم يمنحني الله أطفالا فلا بأس"
همست وهي لا تزال مغمضة العينين "حقا!"
رد وهو يلمس أطراف شعرها بأنامله" ما دام هذا هو قدرنا فلا مفر منه "
صمتت قليلا حتى ظن أنها غفت فظل يتأملها بكليتها يقبض على مشاعره بقوة لتهمس دون أن تفتح عينيها "تفاجأت بأنك الصغير "
لاحت ابتسامة حانية على زاوية شفتيه وهو يتأملها كطفلة ناعسة ثم سألها" لماذا؟"
غاصت في الوسادة بنعومة وغمغمت "لا أعرف رغم أني كنت حائرة تارة أقول بأنك الأكبر وتارة أقول بأن شامل الأكبر "
صمت ولم يعقب فسألته ويدها ترتفع لأذنها تدلك صوانها بأناملها" هل تتضايق مما تفعله ونس؟"
تأمل حركتها وهو يرد" لا .. أنا اناكفها فقط (ثم سألها ) هل تفعلين ذلك عندما تعجزين عن النوم ؟"
أصدرت همهمة بما يعني نعم ثم أضافت ببطء ناعس "كانت أمي تفعل ذلك حينما يجافيني النوم وأنا صغيرة"
مد يده إلى أذنها يدلكها بأنامله برفق فتركته يفعل ذلك وغاصت في النوم .
بعد أن انتظمت أنفاسها أبعد خصلة سقطت على وجهها ومال يطبع قبلة رقيقة على خدها الطري .. ثم أخرى أرق على جانب شفتيها .. وقاوم نفسه بصعوبة من الاسترسال.. فدفن وجهه في رقبتها ..
أصدرت بسمة همهمة غير مفهومة ..فأستغل شيطانه الفرصة ليزين له بأنها نطقت اسم زوجها السابق.
انفجرت قنابل الغيرة في رأسه وقبض بقوة على الفراش بجوارها وهو يجز على أسنانه متألما من الخاطرة .. ورفع رأسه ينكر لنفسه بأنه قد سمعها تتلفظ باسمه .. لكن الوسواس ظل يطارده بقوة مفجرا في رأسه تساؤلات مؤذية لمشاعره .
هل كانت تطلب منه أن يداعب أذنها لتنام؟..
وهل كانت تنام بجانبه بهذه الأريحية أم ... تتدلل عليه وتحاول إغرائه ؟"
الاسترسال في تلك الأفكار كان الجحيم بعينه .. فانتفض واقفا وهو يمسك برأسه كمن يحاول وقف نزيف خيالاته المصرة على إفساد كل شيء ..
يشعر بالغيرة الشديدة ولا يجد إجابة على اسئلته.
لماذا لم يكن هو أول وأخر زوج لها ؟..
لماذا وقع في حبها هي بالذات؟ ..
لماذا تزوجت من غيره وهي له .. خلقت له؟..
لماذا تاه طريقاهما فلم يلتقيا إلا الآن ؟!..
لماذا لم يلتقيها قبله ؟..
لماذا وهل وكيف ..
علامات استفهام كثيرة ظلت تطارده ككل ليلة ..
فترك الغرفة هاربا من جحيمه إلى جحيمه .
فجر الجمعة
كان صوت الرياح لا يزال مخيفا بالخارج .. لكن الشعور الذي يسيطر عليها كان أكثر خوفا ..
اليوم قررت أن تتخذ موقفا قويا تجاه نفسها بعد أن فرغت من صلاة الاستخارة للمرة الثالثة خلال الأيام الماضية بشأن ارتباطها بمحسن ..
لا تشعر تجاهه سوى شعور عادي فاتر .. لكنها عاقلة وواقعية وتعلم أنه فرصتها الوحيدة للتخلص من الوحدة .. فأخذت خطوة حازمة مع قلبها العنيد وقررت ألا تقترب اليوم من نافذة المطبخ .. لن تبرح سجادة الصلاة .. ولن تراه اليوم .. رغم أن قلبها موجوع على ما يمر به جابر وليس لديها طاقة حتى للتفكير في أمر زواجها ..ولا تتخيل حياتها مع محسن .
اليوم لن تنتظره في النافذة وستحاول جاهدة ألا تدعو له .. ستحاول رغم أنه في أشد الحاجة للدعاء تشعر بذلك لكنها واثقة في أن الله لن يخذله وبأن دعواتها كل السنوات السابقة ستظل حية تحيط به حتى بعد أن تموت هي.. أو يموت قلبها حينما تكف عن حبه .
حان وقت خروجه من البيت .. فتقبضت بقوة فوق سجادتها وأغمضت عينيها فخيل لها بأنها تسمع خطواته الرزينة الوقورة على الأرض .. وكأنها سمعته يمر من أمام البيت .. لكنها تماسكت .. أقيمت الصلاة فحاولت أن تصلي دون أن تتخيل بأنها تصلي خلفه .. حاولت .
بمجرد أن فرغت من الصلاة لم تستطع التلفظ بأي شيء .. كان ما تشعر به أعظم وأكبر من صياغته في كلمات فهمست "يا الله .. اهد لي نفسي .. أنا راضية بما قسمته لي فاكتبلي السعادة في الدارين .. وساعدني على التوقف عن التفكير فيه .. أنت يا رب تعرف كل شيء ولا يعرف أحد سواك .. سأدعو له مرة أخيرة .. إن كانت بنت العسال خيرا له اهدها وإن لم تكن فارزقه بمن تجبر قلبه .."
تجمعت الدموع في عينيها وشعرت بأن الألم في قلبها لا يحتمل.. فأخذت تضرب بقبضتها على صدرها عدة مرات وكأنها تحاول السيطرة على الشعور بالألم .. أو لتنهر قلبها للكف عن الصراخ .. وهمست من جديد "ساعدني يا رب في أن أدفنه في قلبي إن لم أستطع إخراجه منه .. أخاف من أن ارتكب ذنبا بالارتباط برجل وأنا أفكر في الأخر .. ساعدني يا رب ساعدني "
ركنت ظهرها للحائط وأمسكت بالمصحف لتقرأ قليلا ثم تذكرت فجأة بأنها لم تتخلص من كل ما يخص جابر بعد .. كشفت الغطاء عن رأسها وتلمست فردة القرط الوحيدة التي ترتديها ..
قرط رخيص الثمن .. فردة وحيدة ترتديها .
حينما لامست القرط واعترفت بأن عليها أن تنزعه من أذنها تألمت .. كيف ستنزعه وهو في هذه الأذن منذ ثمانية عشرة سنة .. فمالت برأسها على الحائط خلفها وحاصرتها الذكريات .
قبل ثمانية عشر عاما
إنه يوم المولد*
وهذا اليوم كالعيد في البلدة .. ينتظره الصغار و الكبار .. يزورون الساحة الواسعة التي يقام فيها الاحتفال ليركب الصغار المراجيح ويلعبون بباقي الألعاب ..
الأنوار الكثيرة تزين الساحة والاناشيد والابتهالات الدينية تصدر من مكان ما من مكبرات الصوت يقطعها صوت طلقات الرصاص من البنادق المزيفة التي يستخدمها الشباب للنشان والمراهنة .. والباعة يملؤون المكان بكل شيء ..
حالة عامة من السعادة تملأ القلوب إلا هي ..
إلا هي لم تكن مثلهم ..
كانت متحمسة لحضور المولد بشدة لكنهم كالعادة يضايقونها فيفسدون عليها فرحتها ..
مصرون على التنمر عليها .. مصرون على نعتها بالسوداء القبيحة .. مصرون على نعتها بالعفريتة .. ويتهكمون على شعرها المجعد وبشرتها السمراء ..
لكنها لا تسمح لهم بذلك .. لا تترك لهم الفرصة لأن يجلدوها بألسنتهم ويشعرون بالسعادة .. حتى لو كانوا صبيانا وليسوا بنات ستلقنهم درسا .
دفعت أم هاشم ذات الثانية عشرة عاما أحد الصبيان بيديها بقوة فوقع أرضا وهي تصرخ فيه " لا شأن لك بي ابتعد"
تحدث الثاني ضاحكا "مهما فعلت ستظلين سوداء عفريتة (وتصنع الخوف يقول مرعوبا) يامّة!"
تحرك الثالث ليساعد الأول على القيام الذي يناظرها بغل شاعرا بجرح كرامة ذكوري خاصة حينما ناكفه الثالث قائلا "قم يا سبع .. أرعبتك العفريتة وأوقعتك أرضا!"
قال الثاني بنفس التهكم" من حقه طبعا أن يخاف إنها عفريتة يا بني "
هتفت أم هاشم صارخة في وجه الثاني المتهكم تقول بوعيد" سأشكوك لأخيك يا زين .. وسأشكوك لوالدتك أيضا"
وقف زين المراهق في الثالثة عشرة من عمره يتراقص أمامها ويقلدها متهكما "سأشكوك لأخيك يا زين "
هم المراهق الأول بالثأر لكرامته فهجم عليها ليتدخل زين ليقف أمامه قائلا بجدية" هل ستضرب فتاة يا غبي كنا نناكفها فقط"
مد الصبي يده ليقبض على وشاح أم هاشم من خلف زين فعضت ساعده ليضطر لترك يدها متألما ..في الوقت الذي هدر صوت من خلفهم" زين !"
شهق زين وابتعد عنهم قائلا "يا للمصيبة أخي جابر أجري يا ولد أجري "
أسرع الأولاد بالابتعاد بسرعة بينما جابر يقول مقتربا "حسابك معي عسير يا زين"
توقف زين عن العدو واستدار يتراقص أمام أخيه ويقول ضاحكا "عفريتاااااااة"
ثم استدار يكمل عدوه مع صاحبيه الهاربين .
وقفت أم هاشم دامعة العينين تزيح وشاحها عن رأسها لتفك عقدته وتعيده لرأسها فاقترب جابر منها ليقف أمامها بوجهه الذي كلما رأته تذكرت البدر في ليلة تمامه .. كان وجها يشع بالنور تزينه ابتسامة سمحة رائقة سارقة لدقات القلب وقد كان وقتها في الرابعة والعشرين من عمره .
"هل أنت بخير يا أم هاشم؟"
انفرط عقد دقات قلبها الأخضر الذي يمارس حقه في الشعور بالمشاعر الأنثوية الوليدة حتى لو لم تظهر عليها علامات الأنوثة كأصحابها بعد .. وحتى لو كانت ترتدي عباءة سوداء لتداري نحافتها وافتقادها لذلك البروز الأنثوي الذي تتفاخر به الفتيات في فصلها ..وحتى لو لم تكن هي نفسها تستطيع تفسير هذه المشاعر التي تمتلكها تجاه هذا الشخص المهيب أمامها.
كل هذه الاعتبارات لم تقف حائلا أبدا أمام قلبها ليشعر به ويفرح لعودته للبلدة .. فرحة ستدوم لشهر واحد هو مدة أجازته الصيفية ثم سيعود مرة أخرى للبلد التي يعمل بها .
أشاحت أم هاشم بنظراتها عنه تربط وشاحها للخلف وهزت رأسها إيجابا .. فسألها جابر" لماذا تشاجرت معهم ؟"
حدجته بنظرة شرسة وقالت " يتهكمون عليّ يصفونني بالعفريتة السوداء .. ويتهكمون على اسمي.. أخوك السخيف يسألني ..أين هاشم يا أم هاشم!! .. (ورفعت أصابعها تقول بوعيد ) والله لأضربنه في الفصل"
قال جابر باستياء" زين أنا سأتصرف معه وأعدك لن يفعلها مرة أخرى ( ومال أمامها يستند بكفيه على ركبتيه وأضاف ) أما عن باقي الأولاد فلا تلتفتي لكلامهم .. ليس لأنك تمتلكين لون بشرة مختلف عنهم فهذا يعني أنك قبيحة.. عليك ألا تتأثري بتفاهتهم "
قالت بمزاج عكر "أنت تقول هذا لأن وجهك أبيض ووسيم "
"أنا وسيم !"
قالها وقهقه ضاحكا ..فخجلت أم هاشم واشاحت بنظراتها عن وجهه الأبيض الحليق بينما رائحة المِسك التي تفوح منه تداعب أنفها .
عاد جابر يقول بجدية "يا أم هاشم ليس من الجيد أن تضربي الصبيان "
هتفت باستنكار "أتريدني أن اسكت لهم !"
رد بهدوء " تجاهليهم.. لا تشتبكي معهم فمهما كنت قوية وشديدة قد يؤذيك أحدهم يوما .. هذه المرة كانوا ثلاثة صبيان هل كنت تظنين أنك ستغلبينهم وأنت واحدة؟"
قالت باستهجان وهي تتخصر أمامه " هل تريدني جبانة ؟..هل تريدني أن اسمع حديثهم المتهكم وأسكت ؟؟"
ابتسم من وقفتها المضحكة والسخرية التي تعلو وجهها وقال " حاولي التجاهل يا أم هاشم ولا تنعتي نفسك بالعفريتة أما اسمك فأنت تعرفين لمن هذه الكنية الفريدة "
غمغمت باقتضاب" أعرف لكني لا أحبه لأنه يسبب لي تهكم الأولاد والبنات "
اعتدل واقفا وقال بعد تفكير " ما رأيك أن تختاري اسما مستعارا لينادوك به؟"
رفعت رأسها مضيقة عينيها تسأله "كيف؟"
عقد ذراعيه أمام صدره وأوضح " أليس هناك أناس لديهم اسمين .. اسم في شهادة الميلاد واسم ينادونهم به؟"
هزت أم هاشم رأسها فقال" أنت أيضا اختاري اسما على سبيل التدليل وأطلبي من الأخرين مناداتك به "
من خلفه قال هلال متململا" يا جابر سنتأخر "
هتف جابر بعبوس "انتظر يا بني أدم ألأنك قد حصلت على ساعتين سماح من أم اسراء ستتعبنا معك!"
سألته أم هاشم مفكرة" أي اسم سأختار لينادوني به؟"
رد بهدوء "اختاري اسم تحبينه"
قالت مناقضة لما تفوهت به منذ قليل "أنا لا أحب اسم سوى أم هاشم "
ابتسم جابر ثم قال مقترحا " إذن اختاري اسم تدليل لأم هاشم "
قالت بغيظ " هذا الاسم بالذات لا أعتقد أن له اسم تدليل.. (وهتفت بقرف ) ماذا سأقول؟.. ( أُم أُم) !!"
انفجر جابر ضاحكا ثم غمغم وهو يمسك بين عينيه " أنتِ مشكلة !.. "
حدجته بطارف عينيها بقلب سعيد لأنها استطاعت إضحاكه بينما قال جابر مقترحا "ماذا عن مِشمِش ؟.. أم هاشم تدليله يكون مِشمِش "
بوجنتين حمراوين غمغمت برقة أنثوية غير متعمدة وهي تطالعه بعينين تتراقص فيها القلوب الحمراء " أحببت مِشمِش "
رفع إليها إبهاميه يقول " إذن هل أنت ذاهبة للمولد يا مِشمِش "
احمرت وجنتاها السمراوان وردت " أجل"
سألها جابر " أين صاحباتك ؟"
ردت " بسمة ومليكة تنتظراني هناك أتمنى أن الحق بهما قبل أن تغادرا"
قالتها وهي تتمم على جيب عباءتها حيث الورقة المالية التي أخذتها من والدها فلم تشعر بها.
شحب وجهها وأدخلت يدها في جيب عباءتها الصغير فلم تجد شيئا فلطمت على وجهها تقول" النقود .. مصروفي"
تطلع جابر فيها بحيرة وهي تبحث حولها في الأرض ثم سألها وهي تعود بخطواتها عكس الاتجاه تبحث في الأرض "هل ضاعت النقود؟"
هتف هلال بتململ" يا جابر"
قال جابر بغيظ "اسبقني أنت للشباب وأنا سألحق بك"
زفر الأخير وتحرك مبتعدا بينما استمرت أم هاشم تبحث في الشارع وتحدث نفسها مولولة "ادخار شهر كامل ضاع .. اليوم اعطاني أبي فوق مدخراتي مبلغا وجمد لي كل مدخراتي بورقة واحدة حتى لا تضيع النقود الفضة مني .. ضاع كل شيء"
سألها جابر بتعاطف" هل أخرجتها من جيبك في الطريق؟"
هزت رأسها وقالت "أجل أخرجتها أكثر من مرة لأتمم عليها"
كان يلحق بخطواتها وكانت تلحق بحلم ضاع للتو قبل أن تتوقف فجأة وتجلس على عقبيها تدفن وجهها في كفيها وتبكي .
تعاطف جابر معها وأشفق عليها بشدة فقال" لم البكاء يا مشمش لم يكن لك نصيبا فيها "
استجمعت زمام أمرها حتى لا تبدو أمامه مثيرة للشفقة فمسحت وجهها وقالت" قدر الله وما شاء فعل"
ابتسم وقال" بارك الله فيك يا بنت الشيخ"
استقامت وتحركت عائدة إلى البيت فسألها جابر "إلى أين ألن تذهبي لساحة المولد ؟!"
ردت وهي تحضن نفسها مبتعدة "لم يعد للذهاب أهمية"
اسرع جابر خلفها يقول "أخبريني ماذا كنت ستشترين من المولد بالنقود ؟"
اشاحت بوجهها تقول بحرج" أي شيء .. قرط .. سلسلة خاتم أي شيء يخص البنات"
ابتسم لها تلك الابتسامة المليحة التي تربكها وقال "ما رأيك أن تكون هديتي لك؟"
سألته مضيقة عينيها "هديتك!"
قال ببساطة" أجل"
سألت "ما المناسبة؟"
هرش في رأسه ورد" لأنك بنت شيخي زكريا الذي أحبه في الله"
عبست وسألته باستهجان "هل تشفق عليّ؟!.. أنا لا أحب أن يشفق عليّ أحد "
لملم جابر شفتيه حتى لا يضحك وقال وهو يتصنع البؤس " هكذا إذن!.. تحرجيني!.. شكرا لك على صد هديتي.. أنا ذاهب "
أطرق برأسه بطريقة تمثيلية واستدار مغادرا .. فوقفت عابسة تتطلع فيه ثم ترددت قليلا قبل أن تنادي عليه" جابر"
كان يسير ببطء وابتسامة شقية تزين شفتيه لكنه لم يستدر نحوها ..فأسرعت لتلحق به قائلة" هل أنت غاضب مني ؟"
مثل الحزن وقال وهو يطرق برأسه ويديه في جيب بنطاله "أجل احرجتني بشدة يا مشمش"
سارت بجانبه وهي تقول" ما دمت مصرا سأقبل هديتك .. هذا فقط حتى لا تغضب مني"
بعد قليل كانت تقف مع جابر أمام بائع الحلى المقلدة الخاصة بالفتيات الذي يعرض بضاعته على لوح خشبي كبير وهلال ينادي على جابر بنزق ليقول الأخير للبائع وهو يخرج ورقة مالية" بكم الأقراط؟.. ألست ستختارين من الأقراط يا أم هاشم أراك تتفحصينها ؟"
أومأت الأخيرة برأسها بتركيز فمنح جابر للبائع المبلغ الذي حدده ثم قال لها وهو يبتعد ليلحق بصاحبه "أنا دفعت يا مشمش اختاري القرط الذي يعجبك هدية مني سلام"
راقبت ابتعاده بنظرة حزينة ثم عادت تتطلع في الأقراط رخيصة الثمن التي أمامها .. ليقول البائع بعد قليل بلهجة ممتعضة ليستعجلها "هيا اسرعي بالاختيار وابتعدي عن منصة البيع فالزبائن لن يقتربوا بسبب وجهك الأسود هذا وستقطعين علينا رزقنا "
رفعت أم هاشم إليه عينين ثابتتين وقالت وهي تداري تألمها من طريقته " هل تعلم يا عم لماذا أنا سوداء ؟.. لأني اتحول لعفريته في المساء !!"
اتسعت عيني الرجل البسيط وهرش في رأسه وهو يتطلع في السماء الداكنة ثم عاد ينظر لأم هاشم التي هزت رأسها ببطء تقول "أجل ..وأنا على وشك التحول أشعر بأني (وأمسكت برأسها تتمتم ) بسم الله الرحمن الرحيم !"
بلع الرجل ريقه يقول بمهادنة "اختاري ما تريدين .. خذي ما تريدين من المنصة ولا تؤذيني "
اندهشت أم هاشم لسرعة تصديق الرجل لها وتألم قلبها.. ألهذه الدرجة هي قبيحة الشكل ومخيفة؟!!
ساورتها نفسها للحظة لأن تستغل هذه القوة التي تمتلكها.. قوة إرهاب الناس .. فقالت للرجل بعينين تتقدان بالذكاء وهي تتلمس المصوغات الكثيرة" ماذا أختار وكل شيء عندك يغريني لأخذ منه (وعادت لتمسك برأسها بحركة تمثيلية أرعبت الرجل فقال بارتباك) خذي ما تريدين وانصرفي ..انصرفي"
(انصرفي !)
الكلمة كانت جارحة ورغبتها في الانتقام كانت قوية فقررت أن تنتقم من هذا الجاهل التافه.. وأمسكت بعدة أساور تلبسها في يديها ثم خاتمين براقين وهي تعلم بأن ثمنهم أكثر بكثير مما دفعه جابر.
كادت أن تفعلها .. وكاد شيطان الانتقام بداخلها أن يغلبها لكنها تذكرت تعاليم والدها .. وتذكرت ما تعرفه وتحفظه عن ظهر قلب عن تحريم السرقة وخداع الناس .. فخافت من الله .
تنازعت القوتان بداخلها البيضاء والسوداء لتكون الغلبة للبيضاء فخلعت أم هاشم ما في يدها لتضعه مكانه وقالت بهدوء" أنا سأسامحك هذه المرة وسآخذ فقط ما دفع جابر ثمنه .. لكن عدني بأنك لن تذم في جمال أي فتاة مرة أخرى"
هز الرجل رأسه وهو يتمتم بعبارات غير مفهومة بينما أمسكت أم هاشم لوحة عرض الأقراط واختارت قرطين غريبين .. قرطان على شكل قرنين حمراوين من الفلفل الحار وقالت للرجل بهدوء" سآخذ هذا.. قرن الفلفل الأحمر "
بعد قليل كانت تبحث عنه حتى وجدته واقفا مع بعض الشباب فظلت تحوم حول المكان تتظاهر بأنها تشاهد فعاليات المولد من حولها.. حتى انتبه الأخير لوجودها فترك الواقفين واقترب منها يسألها "طمئنيني يا مشمش ماذا اشتريت ؟"
بفخر كشفت عن أذنيها وأشارت له على القرطين الغريبين الذين ترتديهما فوق قرطيها الذهبيين الصغيرين ..فرفع حاجبيه متسائلا" لماذا اخترت الفلفل الأحمر؟"
اشارت له ليقترب فمال برأسه نحوها لتقول له هامسة" ألا يصفونني بالعفريتة السوداء؟.. أنا سأخيفهم من الآن فصاعدا .. وكل من سيزعجني سأخبره بأن لدي سلاح الفلفل الأحمر .. وبخخخ! (وفتحت أصابع كفها فجأة في وجه جابر الذي أجفل وابعد وجهه للخلف قليلا وهو يضحك لتضيف) سينفجر الفلفل في عينيه ليحرقهما "
هز جابر برأسه يجاريها وقال متصنعا الجدية " أعجبتني الخطة يا مشمش( ورفع ابهامه لها بإعجاب ) لا تسمحي لأحد بالتهكم عليك أبدا "
رفعت أصابعها تقول بلهجة متوعدة "وأولهم سيكون أخوك التافه إن شاء الله"
كتم جابر الضحك بينما أضافت أم هاشم وهي تهز كتفيها "أنا فقط أحببت أن أخبرك حتى تكون على بينة مسبقة ولا تتفاجأ "
قهقه جابر ثم قال "إن كان أخي بهذه التفاهة كي يصدق قصة العفريتة السوداء والفلفل الأحمر هذه فيستحق عقابك"
لمعت عينيها البنيتين وهي تتطلع في وجهه الوسيم وعقدت ذراعيها تحت صدرها مغمغمة بابتسامة أظهرت غمازتين غائرتين في خديها " إذن اتفقنا يا جابر"
عادت أم هاشم من ذكرياتها ووقفت أمام المرآة المشروخة المثبتة في باب الخزانة من الداخل .. ولمست قرن الفلفل الوحيد الذي بقي معها بعد أن ضاعت الفردة الأخرى .. وبأصابع مرتعشة بدأت في خلعه من أذنها ..
كان انتزاعه مؤلما وكأنه مغروس في قلبها .. لكنها أصرت حتى خرج أخيرا ..
خرج مع روحها ..
فتطلعت في قرن الفلفل في كفها وانهمرت دموعها تبكي كما لم تبكي من قبل .. ثم دفنت يديها في كفيها تغمغم بنشيج عال "هونها يا رب وارزقنا نعمة الرضا بقضائك"
* معني كلمة المولد / هو إحتفال ديني يقام فى المناطق الشعبية والريفية
××××
بعد صلاة الجمعة
دخل بوجه عابس إلى بيت العسال وبالتحديد إلى تلك الغرفة التي لها بابان باب من داخل البيت وباب على ساحة البيت وهذه المرة دخل من الباب الخارجي .. كما سيحدث من الآن فصاعدا .
تمنى ألا يرى ميس حتى يستجمع أعصابه ويرتب مشاعره ليعرف كيف سيشرح لها الأمر .. تمنى ألا يراها رغم أنه اشتاق لها .. لقد مر أسبوعا منذ أن رآها ..
فلينتهي من هذا الأمر الأخير العالق ببنت العسال أولا .. يتحدث معهم في نفقتها ونفقة ميس ثم يتفق معهم على كيفية لقاءه بميس .
ألقى السلام وتفاجأ بوجود بسطاويسي مع بدير وعماد.. بينما استقام الرجال يرحبون به فمنحه بدير يده يسلم على مضض كذلك عماد ثم قال بسطاويسي مرحبا "تفضل يا معلم جابر "
جلس جابر يتطلع في وجوههم يستند بظهره للمقعد وساد الصمت المترقب قبل أن يقول "طلباتكم"
اختلس بدير نظرة سريعة لبسطاويسي فطمأنه الأخير بما اتفقوا عليه ليقول بلهجة آسفة "والله يا جماعة أنا حزين أن يتطور الأمر إلى الطلاق .. فأنا مؤمن بأن لكل مشكلة حل .. ولا تؤاخذني يا معلم جابر أنا عاتب عليك"
ناظره جابر ورد بهدوء" لماذا يا حاج بسطاويسي ؟"
رد الأخير " إن كانت ابنتنا أخطأت في أي شيء كان عليك أن تخبرنا ونحن نتصرف .. المعلم بدير ابن عمي لا يقبل أبدا بأي اعوجاج وكان من الممكن أن..."
قاطعه بدير يقول بلهجة متمنعة مزيفة "انتهى الأمر يا أبا محمد ابنتنا يتمناها ألف رجل"
رد جابر متماسكا وتحذير مصطفى الزيني وهلال له بألا ينفعل يضعه نصب عينيه "أنا لست صغيرا يا حاج بسطاويسي وأعلم الأصول جيدا .. وقد حاولت على مدى سبع سنوات تقويم أم ميس لكنها للأسف بخلاف عدم توافقنا اكتشفت بأنها تتطاول على أمي وأهلي ولم يخبروني "
قال بسطاويسي بلهجة تمثيلية" لا لا هذا لا نرضى به أبدا ولو كان المعلم بدير يعلم لتدخل على الفور ولما وصل الموضوع للانفصال "
من خلف الباب المؤدي لداخل البيت وقفت كاميليا تتسمع لما يحدث وبجوارها هدى التي دعت هامسة" جعل الله في وجهك القبول يا حاج بسطاويسي لتقنعه بردها"
استدارت إليها كاميليا تقول باستنكار" بم تخرفين أنت؟!.. يرد من ؟"
قالت لها هدى بغيظ هامس "اسكتي يا كاميليا واشعري قليلا بمن حولك .. أخواك سيموتان من الخزي بسبب طلاقك .. وبدير اتفق مع بسطاويسي أن يحاول معه محاولة أخيرة "
شرست ملامح كاميليا ونظرت خلف هدى لتتأكد من المعلومة من وجدان التي تجلس على مقعد تتابع ما يحدث بصمت ونفس النظرة الخاوية من أي شعور كحالها منذ أسبوع بينما ابتسامة شامتة زينت وجهها جننت جنون كاميليا.
في الداخل قال جابر ببعض الغضب "لا أجد أن هناك داع لأحاديث اللوم والعتاب هذه يا حاج بسطاويسي .. اخبرني بطلباتكم لأني لدي أشغالي"
قال بدير "انتهى الأمر يا حاج بسطاويسي دعنا ندخل في المفيد "
قال بسطاويسي بإصرار" يا بدير أنت رجل لا تقبل بالاعوجاج فإن كانت أختك قد أخطأت في حق والدته عليك بدفعها لأن تعتذر وتقبل رأسها فهي في مقام والدتها والمعلم جابر رجل سمح وسيـ ..."
قطع جابر الحديث قائلا "الأمر لن ينتهي عندما تعتذر لأمي يا حاج بسطاويسي .. لقد فاض الكيل ولولا أني رجل أصون العشرة وأحترم أسرار البيوت لحكيت لكم ما يندى له الجبين من قلة الأدب .."
انفعل عماد هاتفا ينوي الهجوم عليه" ماذا تقصد بقلة الأدب؟.. هل تشتمنا في بيتنا!! "
هتف بدير بحزم "اهدأ يا عماد ... وأنت لا داعي لهذا الكلام يا جابر "
استمر الأخير يقول بلهجة جافة " والله كل بيت يعرف كيف ربى بناته وبكل صراحة ابنتكم لم تعد تلزمني فكف عن محاولاتك يا حاج بسطاويسي "
اندفعت كاميليا تدخل عليهم من الباب صائحة في جابر "ومن قال بأني أنتظر لأن تردني .. من قال بأني أرغب بأن أعود للجحيم مرة أخرى !"
ناظرها جابر باستهجان وهي تشيح بيديها فتصدر أساورها الذهبية صوتا مع صوتها بينما تدلى فك بسطاويسي وهو يتطلع فيها .. كانت ترتدي عباءة كثيرة النقوش تفصل تقاسيم جسدها المائل للامتلاء بينما ذراعي العباءة مشمران فلاح من تحتهما لحمها الأبيض ولأول مرة يراها مكشوفة الشعر بدون وشاح .. أخر مرة رآها بدونه كانت مراهقة .. كان شعرها مصبوغا بالأصفر ينسدل على ظهرها وحلق ذهبي كبير يتحرك مع عصبيتها داعب أعصابه .
هتف بدير فيها بحزم" ادخلي يا كاميليا"
استمرت الأخيرة تصيح في جابر "أنا الحمد لله الكل يشهد بتربيتي وأخلاقي"
ناظرها جابر بقرف فأضافت بلهجة تمثيلية لتثني أخويها عما يسعيان إليه" لولا ذلك ..(وشهقت بالبكاء ) لولا تربيتي وأخلاقي لكنت حكيت بالتفصيل ما الذي تحملته في ذلك البيت الذي لا تكف عن الحديث عنه وكأنه الشيء الوحيد الذي تملكه لتفتخر به.."
عقد جابر حاجبيه يشم رائحة معاني خبيثة في كلامها في الوقت الذي أكملت فيه كاميليا بتأتأة تمثيلية وهي تبكي بدموع التماسيح "لولا ذلك .. لولا تربيتي وأخلاقي لكنت أخبرت أخوتي عن السبب الذي ... السبب الذي ...لم يجعلني آتي بأخ أو أخت لميس حتى الآن ..لكني صمتت ورضيت بقدري وبأن أدفن جمالي في بيتك "
شحب وجه جابر بينما زينت شفاه الرجال الثلاثة ابتسامة خبيثة متسلية ورغم عدم تصديقه اعجب بدير بما فعلته أخته .. فناظر اخوه وابن عمه بنظرة خبيثة يعطيهما إشارة انتظار لانفلات أعصاب جابر ردا على ما قالته ليتطور الامر لمشاجرة كبيرة سيثبت فيها لأهل البلدة أن اخته ضحية وأن جابر ليس بالصورة الفاضلة التي يرونه فيها.. وانتظر جابر ليقع في الفخ .
لكن الأخير هب من مقعده قائلا بقرف والشرر يتطاير من عينيه وهو يلجم نفسه بقوة حتى لا يهشم رأسها في أقرب حائط "أتعلمين يا كاميليا .. أنا لن انزل لمستواك أبدا كرامة لابنتي التي ليس لها ذنبا أني أسأت الاختيار لكن ..(ورفع سبابته هادرا متوعدا فبدى مخيفا أمامهم جميعا) أقسم بعزة وجلال الله أن تعمر بيتي الذي تسخرين منه هذا من هي في مقام سيدتك وتاج رأسك .. أجمل فتاة في نظري في القرية كلها وارفعهن مقاما ستكون ملكة لبيتي قبل أن تنتهي عدتك "
قالها وتحرك مغادرا وسط ذهول المتابعين ..فأمسك عماد بشعرها يقول" أعجبك ما حدث يا هانم"
خلص بدير يد أخيه من شعرها وقال بضيق " كفى ..أرحموني (وهدر في كاميليا بتهديد ) انتهى أمرك يا كاميليا ظننتك لأول وهلة قد تخليت عن حماقتك.. لكن الرجل كان أذكى منك .. (ورفع سبابته محذرا ) ممنوع الخروج من البيت بدون إذن من الآن فصاعدا حتى تنتهي عدتك .. ولنرى من هي التي سيتزوجها ليحرق دمنا بها قبل أن تنتهي عدتك يا غبية"
ناظرته كاميليا بوجه مكفهر وعقلها يحاول استيعاب .. من هذه التي يقصد بأنها أجمل منها؟..
ولم تدر بمن يقف يناظرها من بعيد ويتأمل كل تفاصيلها مغمغما في سره "كيف لم تلحظ هذا الفتنة الساحرة من قبل يا بسطاويسي!"
×××××
وقفت أمام المرآة ..ليس لتواجه نفسها فتلك المواجهة صعبة .. أصعب حتى مما قررت أن تفعل .. رغم أنه أبشع شيء من الممكن أن تفكر فيه ..
ما قررته اشبه بالانتحار بل هو كذلك بالنسبة لها .. لكنه الحل الوحيد .. الحل الوحيد حتى لا تظلمه معها .
لذا عليها أن تنفذ ما قررته فرفعت مليكة الهاتف على أذنها وقالت " مفرح أريد أن اتحدث معك في أمر عاجل"
××××
هدر جابر في الهاتف وهو يدخل الشارع الذي يسكن فيه" لا يا مصطفى.. بل قل أن الأمر وصل لما هو أقذر من القذارة نفسها .. أنا لا أصدق .. والله الرد الوحيد كان خنقها وليكن ما يكون "
قال مصطفى مهدئا" أنا مدرك لخطورة وحساسية الافتراء الذي افترته عليك.. لكنك والحمد لله لم تعط لهم الفرصة لأن يظهروك كهمجي وابنتهم الضحية.. الحمد والشكر لك يا رب "
قال جابر بضيق " ما أخشاه أن يستغل أخويها وذلك السمج ابن عمهم ما افترت به عليّ لينشروا شائعات ستمس رجولتي يا مصطفى اشعر بأن دمي محروقا"
قال مصطفى قلقا عليه " اهدأ يا جابر ولا تتزلق لأي فخ قد ينصبوه لك "
رد جابر متوعدا" لا لن أهدأ ..وسأريهم من هو جابر دبور.. اذهب الآن يا مصطفى سأعاود الاتصال بك"
اندفع جابر متجاوزا بيته وهو يحدث نفسه "وأنت يا جابر اقسمت بمنتهى الثقة أنك ستأتي بمن هي أجمل وأرفع شأنا إلى بيتك وأنت لا تعرف هل من تقصدها ستوافق عليك أم لا ..( وشعر بالحزن والخاطرة ترسخ في عقله ) ماذا لو رفضتك يا جابر !"
بخطوات ترفل بالغضب وعينان تشعان بالنار اقترب جابر من يحيى الذي كان يقف أمام منزله قائلا" السلام عليكم يا حاج يحيى"
ابتسم له الأخير مرحبا وهو يسلم عليه ثم سأله" هل أنت بخير يا جابر تبدو مكفهر الوجه وكأن ضغطك عالي"
قال جابر بهدوء" لا شيء أنا فقط كنت أريد أن أزورك الليلة أنا والحاجة "
عقد يحيى حاجبيه وسأله" أهلا وسهلا ..لكن ما الامر طمئنني تبدو في حالة غريبة؟"
حاول جابر بذل مجهود ليبدو طبيعيا وقال "لا شيء حمدا لله على كل شيء.. المهم هل استطيع زيارتكم اليوم؟"
شعر يحيى بالقلق من طلبه الغريب ماذا يريد ولماذا سيحضر والدته معه فسأله" طمئني يا جابر ما هو الموضوع لن أنتظر للمساء لأعرف "
قال جابر موضحا " أنت تعرف بأني قد انفصلت عن زوجتي.. وكنت إن لم يكن لديك مانع ..أريد أن أطلب يد أم هاشم على سنة الله ورسوله"
اتسعت عينا يحيى وهتف متفاجئا "تريد أن تتزوج أم هاشم !! "
"وأنا أوافق"
قالتها أم هاشم بصلابة وهي تخرج من بوابة البيت .
قبل دقائق
كانت تستعد لأن تخبر عمها بموافقتها على محسن .. رغم أنها لم تكن تشعر بأي انجذاب نحوه ليس عيبا في شخصه ولكنه فتور من ناحيته .. ولهذا قررت أن تخبر عمها بالقرار الذي اهتدت إليه ألا وهو أن تشترط خطبة طويلة ليس أقل من عام حتى تتأكد من أنها لن تخونه بالتفكير في جابر..
كانت بذلك تريد أن تعطي لنفسها فرصة مع محسن حتى تصل لأدنى درجات التقبل له كزوج قبل أن ترتبط به .. وكانت خائفة بشدة لكنها توكلت على ربها وقررت أن تطلب هذا الشرط من عمها .. فإن رفض محسن فلن تستطيع تحمل ذنب الزواج من رجل وقلبها لا يزال أسيرا لرجل أخر .
لمحت عمها يخرج فقررت أن تلحق به لتحدثه أمام البيت بعيدا عن تلصص صباح وبناتها لكنها بمجرد أن وصلت للبوابة لمحت جابر آتيا وهالها منظره .. فتسمرت مكانها تراقب خطواته الغاضبة ووجهه المكفهر.. ورغما عنها لصقت أذنها بالبوابة لتسمع ماذا يقول لعلها تفهم ماذا يحدث معه .. فتفاجأت بطلبه .
الصدمة كانت شديدة .. شديدة لدرجة أن عقلها وقلبها لم يستوعباها ..فبحث عقلها عن تبرير .. ثم ربط بسرعة طلبه الغير متوقع هذا بحالته .. وبما قيل من أخبار بأنه كان عند أولاد العسال لينهي الأمور العالقة معهم .. ففهمت بأنه غاضب .. وفهمت من لهجته المندفعة التي ليست من شيمه بأن هناك ما يخطط له .. وفهمت بأنه يريد أن يذل كاميليا .. يريد أن يستخدمها هي أم هاشم ليحرق قلب كاميليا .. ربما يرغب في أن يوهمها بأنه سيرتبط بمن هي أقل منها جمالا حتى تعرف بأن جمالها هذا ليس له قيمة عنده..
هكذا استقبلت الخبر ..
وفهمت بأنه بحاجة إليها..
وهكذا لم تتردد لحظة واحدة.
الغالي يريد أن يؤدب بنت العسال بطريقة ما فيوهمها بأنه سيتزوج ويجرحها بمن هي أقل جمالا منها ..
وهي لا تمانع .. ولا تجد في الأمر أي غضاضة .. مادام الغالي يريدها أن تساعده لا تمانع.
وبدون تفكير .. اندفعت تخرج من بوابة البيت تقول بثقة وصلابة .
"وأنا أوافق"
قالتها أم هاشم..
قالتها بصوت واضح لكنها لم تكن موافقة من فتاة يتحقق لها حلمها المستحيل أخيرا ..بل موافقة من عاشقة صنديدة تعني (أنا معك أنا أؤازرك).
استدار إليها الرجلان متفاجئان فقال يحيى باستنكار" أم هاشم !!"
رغم وقفتها الجادة شعرت بالحرج من عمها وتنبهت لأنها فعلت ما لا يليق فقالت بلهجة معتذرة" هذا إن وافق عمي "
تلجم الأخير مصدوما مما يحدث بينما قال جابر بارتياح وقد استطاعت التخفيف عنه "حقا يا أم هاشم .. هل توافقين على الزواج مني ؟!"
هزت رأسها بجدية ثم قالت "إن وافق عمي .. أنا معك في أي شيء تخطط له لتكيد من تريد"
لم يستوعب جابر ما قالته بينما قال يحيى بحرج "لكن يا جابر"
اسرع جابر بالقول "يا حاج يحيى أعلم بأني انفصلت عن زوجتي منذ أسبوع فقط لكني تعجلت حتى لا أجد نفسي بعد ذلك قد تأخرت (ولام نفسه في سره على تعجله والزج بأم هاشم طرفا فأضاف ) دعني أحضر اليوم مع أمي وأعدك بأن الأمر سيكون مجرد قراءة فاتحة دون علم أحد حتى يتم الإعلان عنه في الوقت المناسب بعيدا عن الزج باسم أم هاشم في أي خلاف قد تخشاه"
تطلع يحيى في أم هاشم بحيرة ثم قال لجابر "الحقيقة يا جابر.."
ناظرته بترجي ألا يذكر أمر محسن فقال "حسنا يا جابر هذه الأمور لا يمكن البت فيها هنا في الشارع فبيتي هو بيتك والحاجة نجف نحملها فوق رؤوسنا ..فلنجلس في المساء وأسمع منك إن شاء الله "
اتسعت ابتسامة جابر .. ابتسامة أضاءت روح أم هاشم خاصة وأنه كان ينظر لها في عينيها وهو يقول "على بركة الله نلتقي في المساء السلام عليكم "
قالها وسلم على يحيى الذي لا يزال تحت تأثير الصدمة وتحرك مغادرا يشعر بالراحة الشديدة بينما قبض يحيى على ذراع أم هاشم وأدخلها البوابة ثم سألها" ما هذا الذي فعلتيه يا أم هاشم ؟!!"
قالت الأخيرة بحرج" لا تؤاخذني يا عمي .. لم أقصد تخطيك أو التقليل منك اندفعت من الفرحة بدون شعور"
قال يحيى هامسا بتوبيخ "ومحسن .. لا يصح لجابر أن يخطب على خطبة محسن"
قالت أم هاشم تحرك كتفيها" جابر لا يعرف بأمر محسن كما أنني لم أخبرك بموافقتي بعد .. إذن الأمر بمثابة اثنان تقدما لخطبتي في نفس الوقت وافقت على واحد ورفضت الأخر"
فهم يحيى بميلها لجابر وترددها في القرار في أمر الزواج من محسن أفهمه بأنها لم تكن تريده لهذا تغاضى عما فعلت وقال "إذن محسن مرفوض"
ردت بصدق" هو انسان محترم لكني لا أشعر به إلا كأخي"
هز يحيى رأسه قليلا ثم قال لها بمخاوف أب "لكن يا أم هاشم فكري جيدا .. جابر ترك زوجته منذ أسبوع فقط أي أن أمر عودتها له وارد جدا وفي أية لحظة فهي لا تزال في شهور العدة .. لو أردت رأيي يا ابنتي لا تزجي نفسك في هذا الأمر خاصة وأنه (وتردد قليلا لا يعرف كيف يصيغ الأمر دون أن يجرحها ثم قال) خاصة وأن بنت العسال لها مواصفات معينة .."
"أجمل مني بكثير أعلم ذلك .. (ردت ببساطة ثم أضافت ) لا بأس لا يهمني ما سيقولونه إن كان هذا هو الثمن لأرتبط بجابر ( ثم عدلت كلامها بارتباك) اقصد للارتباط برجل مثل جابر دبور لا أعتقد بأنك قد تعترض على شخصه "
قال يحيى " حاشا لله .. أكبر عائلات البلدة وأغناها ترحب به صهرا أنا فقط قلق من أمر طلاقه الحديث"
قالت بهدوء لتقنعه" هو بنفسه طلب أن يكون الأمر سرا لفترة أليس هذا يطمئنك يا عماه"
تأملها يحيى بعين متفحصة فهربت بنظراتها منه.. ليهز رأسه ويقول" أنا لست مقتنعا ليس لأني أريد لك محسن فأنا سأبلغه برفضك فورا.. حتى لو لم أوافق على جابر لظروفه مع طليقته.. لكن لنجلس مساء اليوم ونرى كيف سيكون الأمر (وتأملها مجددا فوجدها في حالة هدوء غريب .. حتى طريقتها الساخرة المعتادة كانت غائبة فقال وهو يفتح البوابة ليغادر ) لنجلس في المساء ونرى ماذا سيحدث .. أنا ذاهب السلام عليكم "
اغلقت أم هاشم البوابة خلفه ثم استندت بساعدها عليها ودفنت وجهها فيه وانفجرت في البكاء .
غير مصدقة أنها ستتمتع برؤية الغالي لبعض الوقت .. وبأنها ستساعده في أن يجد السعادة ..
صحيح لا تعرف إلى متى قد يطول الأمر وعند أي مرحلة سيقف .. لكنها لا تمانع في أي شيء من أجل الغالي ..لا تمانع بأن تضحي بأي شيء من أجله ..
تعلم بأنها قد جنت ..
لكنها لا تبالي ..
فمرحبا بالجنون حينما يتعلق بجابر دبور!
×××××
دخل مفرح إلى صالة البيت متعجبا من مكالمة مليكة قبل قليل واندهش أكثر حينما وجدها تنتظره في صالة البيت فسألها" أين الولدان"
ردت بهدوء "نزلا للطابق الأرضي"
غمغم بهدوء "لم أرهم (وتفحصها يسألها متوجسا " ما هو الأمر الهام الذي أصريت لأن أحضر فورا حتى تخبريني به؟"
ضغطت كفيها المطبقين بقوة واستجمعت شجاعتها تقول
"أنا .. أطلب منك أن تتزوج يا مفرح"
