اخر الروايات

رواية مولاي سمعا وطاعة الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم رؤي صباح مهدي

رواية مولاي سمعا وطاعة الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم رؤي صباح مهدي


الفصل 21
فورة الغضب
قبل عدة سنوات
بعينيها المدورتين الصغيرتين حملقت جوزفين باختها التي تكبرها بعامين من العمر. قالت بغيرة متبوعة بالغضب:
"انت تلعبين كثيرا معه. انه لايلعب جيدا"
ردت ميري متهكمة:
"يلعب افضل منك يا جوزفين"
صرخت فيها جوزفين والغيرة تقفز من بين حروف كلماتها:
"جونثان لا يلعب افضل مني. انا العب افضل منه.. انت فقط تفضلينه على الجميع"
هزت ميري رأسها فتحركت غرتها بطريقة عفوية ودخل بعض من الشعر في عينها. ردت على جوزفين بثبات:
"انه الوحيد في القصر الذي اكون معه على سجيتي. انا فقط اريد اللعب يا جوزفين وامي تريد مني ان اتبع بروتوكولات القصر. الست صغيرة على اعمال الكبار.. وانت ايضا الا تشعرين بالملل من كل الكبار الذين يحيطون بنا"
تنهدت جوزفين وردت بطفولية:
"انا ايضا اريد صديقا اكون معه على سجيتي"
ضحكت ميري وامسكت بيد اختها باصابعها المكتنزة البيضاء وقالت لها:
"عندما اكبر ساتزوج جونثان لنوحد عائلتينا. لقد سمعت ابي يقول هذا لامي"
تأملتها جوزفين التي لا تفهم بعد ما يعني هذا الكلام ولا التبعات السياسية المترتبه عليه اذا ما حصل. رددت:
"انت محظوظة يا ميري. انا ليس لدي صديق كجونثان"
تبسمت ميري ابتسامة لطيفة واحتضنت جوزفين وقالت:
"لا تقلقي.. ابي سيجد لك صديقا مناسبا"
عندها قالت جوزفين:
"وكيف اعرف انه مناسب يا ميري"
ردت الصغيرة بحكمة تسبق عمرها بسنوات:
"سيحميك دائما"
اجابت جوزفين بحالمية طفلة بريئة:
"هل سيكون لدي يوم ما فتى يحميني كما يحميك جونثان"
ضحكت ميري ولم ترد بل اخذتها من يدها لتلعبان سويا تعويضا على تركها طيلة الصباح وحيدة.
--
الان
عادت مكفهرة الوجه . الشمس ساطعه تخرج بين الحين والاخر من خلف غيمة بيضاء لا تحمل بين طياتها اي بلل ليطفئ النيران المشتعلة في احشاء ايفيلين. سارت مباشرة وفور دخولها القصر الى مستودع دمائها نظرت الى الجثة القريبة من قدمها. نكزتها فتأوهت ولم تسمح لها عصبيتها بالانتظار بل سحبت الفتاة ووضعتها في حوض قريب ثم امسكت بسكين وقطعت رسغيها بوحشية ثم طعنتها في اماكن تعرف ان الدم سيتدفق منها كالنافورة. رفست الفتاة قليلا وبحسب ما سمحت لها الطاقة المتبقية في جسدها لتموت بعدها بينما دمائها تتدفق لتملأ الحوض خلعت الماركيزة ملابسها ودخلت هي الاخرى الحوض مع جثة الفتاة. جلست فيه وفور ان بدأ جسدها بالتلذذ بالدم الذي تعود عليه حتى شعرت انها تعود لنفسها من جديد. تفكيرها بات اصفى وقدرتها على الخيانة لم تعد تجد مقاومة. امسكت رسغ الفتاة ثم بدأت تمتص منه ما بقي من دم في عروقها وهي تقول:
"قريبا سيكون هنالك الكثير من الظلام وانا ساكون ملكته.. ملكة الظلام, ملكة.. ملكة!"
وصرخت الكلمة الاخيرة بانتشاء فمفعول الدماء على جسدها كمفعول الخمر الاحمر بالجسد. اغلقت عينيها وهي تستمتع بحمام الدم الذي تغتسل فيه بينما تخطط لما هو ات بحذر شديد.
--
كان قلبه يدق بعنف. لويس الذي هرب بشق الانفس من مطارديه وجد نفسه وحيدا مع حارس اخير وهو خوان بعد ان قاده غروره الى موت وشيك لولا ان القدر احتفظ به هذه المرة. همهم لويس وعينه تتراقص برعب حاول ان يخفيه ولكنه كان مفتضحا:
"ماذا سافعل الان؟ اين ساذهب. انهم اقوى من ذي قبل لقد انتظرت طويلا حتى استطاع هؤلاء الاوباش السيطرة على كل شئ. لا شك الان بعد محاولتهم قتلي . لاشك لدي اني على راس قائمة الموت خاصتهم"
اعطاه الحارس قربة ماء بينما يجذبه قرب نبع وشجرة ليربط الفرس عليها. اجاب خوان وهو يستمع الى صوت قر الماء كلما اراد لويس اخذ نفس ليعود ويشرب من جديد:
"لقد كان علينا انتظار سير ريتشارد كما طلب منا. انه يعرف حجم الخطر المحدق بك يا مولاي"
وبعد ان ربط الحصان اكمل:
"لننتظر هنا الليلة وبعدها نعود الى مخبأنا. ولكن لنكن حذرين فالمخبأ لم يكن بعيدا عن مكان المطاردة وهم بالتأكيد سيبحثون بشكل مكثف في تلك الانحاء. لننتظر الليلة هنا وسنرى في الصباح كيف نتصرف"
لم ينبس لويس ببنت شفة. كان خائفا الى درجة انه لا يريد حتى ابداء الرأي ولا المعارضة.
بدأ الظلام يتسلل سريعا ورغم البرد لم يشعل خوان اي نار للويس خوفا من ان يرى احد اللهب فيكشف موقعهم لاعدائهم. ورضي لويس بالامر الواقع بلا اي مجادلة.
---
على مائدة العشاء جلست جوزفين وماتيلدا قبالتها بينما ابراهام كان متوترا. منذ سأله البدين رامون عن الحلق وهو متوتر. اعاد شريط الحديث معه مرارا في رأسه. لم يذق اي لقمة من صحنه وماتيلدا كذلك. همست جوزفين لابراهام:
"الست جائع؟"
رد عليها بابتسامة هادئة:
"ليس كثيرا"
اجابت ابتسامته بابتسامة اعذب وقالت:
"لقد قررت ان اتعلم الطبخ. لا ادري ان كان للامر علاقة بفقداني الذاكرة ولكني لا اعرف كيف اقوم بالاعمال. احاول التذكر ولكن الامر صعب"
اجابها مشجعا:
"ستتعلمين تدريجيا لا تقلقي, والنزهة التي وعدتك بها سنقوم بها فور ان انهي بعض الاعمال العالقة. ارجو ان الامر لا يزعجك"
هزت رأسها بوداعة بالنفي وماتيلدا تتابع حديثهما ونظراتهما بقلق كبير. بعد انتهاء الوجبة قررت جوزفين تنظيف الصحون بينما انفردت ماتيلدا بابنها والقلق واضح عليها:
"ابراهام.. قلبي يخبرني ان مصيبة ستحل علينا. لماذا لا تريد اخباري من تكون هذه الفتاة وكيف عثرت عليها؟"
نظر لها بعناد ورد:
"لقد تحدثنا مرارا بهذا الامر يا امي ارجوك لا تساليني اكثر"
رضخت ثم قالت بقلق اكبر:
"اريد ان ارى فرانسوا. هو لم يأتي الى هنا منذ اشهر. اشتاق قلبي اليه"
جفل ابراهام من طلبها. رد عليها مرتبكا:
"فرانسوا مع جونثان من يدر ماذا يفعلان؟ لا تقلقي فهو يغيب اشهر ثم يأتي يومين يثير فيهما المشكلات ويعود لغيبته, وللامانة يا امي غيابه افضل بكثير من حضوره"
لم ترض عن كلامه رغم صمتها ولكن الامر كان جليا على تعابير وجهها. رآه ابراهام ولم يعقب عليه فلم يرد جدالا اكثر معها. سمعا صراخا قادما من خارج المنزل حيث اخذت جوزفين الاطباق لتنظفها. ركض ابراهام بلا وعي اليها ولكنه لم يجدها. كل ماوجده الاطباق واحدها كان محطما. كان متأكدا مما لا يدعو للشك ان رامون وراء الامر. فبعدما وجد الحلق لديه، بالتاكيد هو يطمع بالمزيد ظنا منه ان ابراهام قد عثر على كنز وربط بين وجود جوزفين والحلق بالذات وان هيئتها لا تدل الا على انها من النبلاء. لقد خطفها اذا ليحصل على المزيد.
ابراهام المعروف بهدوءه وعدم رغبته بالمشاكل شعر بان طاقة من الغضب تشحن جسده بالكامل. ركض بكل قوته الى حيث المكان الذي يقضي فيه رامون اغلب وقته. بيت الدعارة المعروف بالحانة التي يدير منها كل اعماله. كان يشتعل غضبا.. نار تخرج من عينيه واراد ان يقتل رامون وكل من شارك بخطف اميرته الجميلة. دفع باب الحانة المكتظة بغضب وسار متوجها الى البدين الذي كان يلعب الورق. امسك بتلابيبه وصرخ وعينيه تتحركان بجنون ثائر:
"اين هي؟ لا تكذب لاني اقسم لك انني مستعد لفعل اي شئ الان. قد اقتلك يا رامون واقتل كل من في الحانة"
تبسم رامون بمكر واجاب:
"اريد بقية المجوهرات. اعطيني اياها وساعطيك الفتاة. لا تقلق لم يلمسها احد، حتى الان، ولكن.. انظر الى هؤلاء الرجال. فتاة مثلها هنا ليس بالامر الذي اقدر على السيطرة عليه يا ابراهام. اعني، انظر اليهم بربك انهم جياع الى جسد ناعم كجسدها"
صرخ ابراهام كوحش مفترس:
" ايها اللعين.. لقد حذرتك"
ثم سحب رامون بقوة حتى التصق بالحائط وجيش الرجال الذين لديه يحاولون افلاته من يد ابراهام ولكن ابراهام كان بكمية غضب تمنعه من التصرف الا بقوة فظل يضرب راس البدين بالحائط مرارا وتكرارا غير عابئ بالضربات التي يحصل عليها من الرجال المحيطين به حتى تطاير دمه فتركه ليسقط على الارض واستدار لبقية الرجال المحيطين به وكانوا 5 وابتدأت معركة بينهم لم تستمر طويلا فقد قرروا الانسحاب بعد ان ضربهم ابراهام بقسوة. قال ابراهام موجها كلامه للجميع:
"لقد انتهى وقت التحذير والطلب بلطف.. لن ادخر فيكم احدا ان حاولتم المساس بعائلتي.. ساقتلكم جميعا"
اندفع بعدها الى غرف اللهو في الحانة وكانت هنالك فتاة واقفة في طريقه فسالها عن جوزفين ودلته بسرعه الى الغرفة التي وضعها فيها خاطفيها. دفع الباب وكانت جوزفين نائمة على السرير تبكي وفور ان رأت ابراهام ركضت ناحيته واحتضنته. سمعت دقات قلبه الملهوفة عليها ورأت الدماء المتناثرة على وجهه ويده فسألته:
"هل تأذيت؟"
رد عليها:
"اغلب هذا الدم ليس دمي.. تعالي لتشاهدي ماذا فعلت بهم لاجلك يا اميرتي"
ثم سحبها من يدها ليخرجا من الحانة وفي الطريق شاهدت الفوضى التي خلفها اعصار ابراهام الغاضب.. تبسمت فهي الان تشعر ان قبضته القوية ستكون دائما حامية لها مهما كلفه الامر. انه هادئ ولكن هو أيضا العاصفة. بل انه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
--
شعشع ضياء الصباح فلا شي سيمنع الشمس من اشراقتها حتى لو كانت السماء ملبدة بغيوم تعيسة فالشمس ستجد طريقها دائما للظهور. تأملت ليزا وجه ميري النائم بينما هي تمسك بصينية طعام بيدها وتسائلت:
"هل اذا اخطأ فرد من العائلة على العائلة باكملها ان تدفع الثمن؟"
لم يخرج سؤالها على شكل كلمات بل بقي على شكل افكار فقط. تنفست بعمق وهي تضع الطعام على طاولة قريبة وتقترب من الاميرة لايقاظها بلطف. لا احد يعلم لماذا بروتوكول ويليام في الاستيقاظ في وقت مبكر لازال يعمل رغم ان ميري ليس لديها اي شئ لتفعله اذا ما استيقظت مبكرة جدا. اليس النوم لها افضل من اليقظة الممتلئة بالالم والافكار السوداء. نهضت الاميرة بلا اي رغبة للاستيقاظ وساعدتها ليزا على غسل وجهها بتقريب ابريق الماء مع الوعاء الفضي الخاص بالامر وبعدها قربت منها الطعام فقالت ميري:
"لا شهية لدي.. "
قاطعتها ليزا ناصحة:
"مولاتي لن يستفيد احد من بقاءك جائعه. الافضل ان تاكلي "
هزت ميري راسها وردت عليها:
"لا اريد اعيديه الى المطبخ ولا تحضري لي اي طعام الا اذا طلبت انا ذلك"
اذعنت ليزا وابعدت الطعام عنها ثم ساعدتها لتبدل ملابسها وتمشط لها شعرها وبينما كانت تمشط خصلاتها الذهبية سمعت صوت خطواته الثقيلة بالقرب من غرفتها كانه, حيثما يسير, يدق وتدا في الأرض. انتظمت دقات قلبها المرتعبه منه تلقائيا عند سماع خطواته تقترب وتزيد حدتها فهو الاخر يزداد ارتباكه بالقرب منها وولعه باخفاء مشاعره بقربها يجعله يموهها بتصرفات مرعبه وقاسية جدا. كعادته لم يبال بالاستئذان واضعا يده خلف ظهره مقدما صدره للامام لم يضطر الى الانتظار بل فتح له الحارسان اللذان يحرسان جناحها الباب ودلف كالاعصار وبسرعه اجال بصره في الغرفة المشبعه بالاثمن من كل شيء. كانت تجلس امام طاولة زينتها، بكامل اناقتها وليزا تمشط لها شعرها الذهبي اللامع. قال بصوت واضح وهو يرى عدم اكتراثها لدخوله والذي مثلته بمهارة شديدة بالذات بعد المشهد الأخير الذي رأته:
"سنذهب انا وانت للصيد جهزي نفسك "
هتفت فور ان سمعت كلمة صيد :
"انا لم اذهب في حياتي للصيد"
اجابها وهو يطالع وجهها الملائكي في المرآة التي امامها:
"بعد هذه المرة لن تقولي هذه الجملة"
وهم بالرحيل فقد بدأت كهربائيتها التي تجذبه .. هو القطب السالب في كل شيء.. حتى في حبه المجنون المشبع بالكراهية العاشقة الملتهبة التي لا يفهمها لا هو ولا أي احد من الذين حولهم وهي .. بقطبها الموجب الذي يرى خلال كراهيته لها وتعذيبه لها وقتل عائلتها رجل .. فقط رجل مفعم بالاحساس ويطغى عليه ذلك الإحساس كثيرا ويؤلمه جدا. ذلك الرجل يقف في وسط مقياس للحب والكراهية والجيد والسئ وعلى اقصى اليمين يوجد الملاك وعلى اقصى اليسار يوجد الشيطان وهو يتأرجح بينهما مع كل العبء الذي يحمله من حياته لازالت تأمل ان ترى بعضا من الملاك فيه.. يبدو ان نظرتها للوحش أصبحت متحيزة بعد ان عرفت حقيقته!
ادارت رقبتها لتراه يغادر وقبل ان يخرج تماما من الغرفة هتفت:
"الا يكفيك الغزال الذي اصطدته ووضعته في هذه الغرفة حبيسا؟"
فهم انها تقصد نفسها. توقف عن المسير واستدار بكامل جذعه لتتلاقى عينيه بعينيها ولوهلة شعر انها بين يديه يلمس جسدها الناعم ويغوص في حبه لها حتى الغرق. شعر بمذاق قبلتها التي لا يقدر على اخذها وشقاءه وهو لا يقدرعلى ان يحتضنها ويعطيها كل الحب الذي اختزنه في قلبه لسنوات يعطيها حتى تنسى وتغفر له ما كان منه من حماقة.. ابتلع ريقه وظهر على ملامحه الصارمة بعضا من الرقة ولم تخفى عليها ابدا. نهضت من مكانها واقتربت منه وقالت له بصوت هادئ:
"مولاي هل من الممكن ان نذهب الى الصيد في وقت اخر انا اشعر بالتعب "
ظل متمعنا بدقائق صفاتها ينظر لها بنهم لا يشبع. تلك الجميلة التي لا يقدر على ابراز حبه لها بسبب الانتقام الذي يحول دونهما . اجابها تقوده الغطرسة والعناد بعد ان سيطرا على كيانه وقمعا حبه كالعادة:
"دائما تتحججين بالضعف, لا بأس ابقي انت هنا ولكن"
وقرب وجهه منها فتصادمت نظراته المتحدية بنظرتها المتخاذلة ثم قال:
"في المرة القادمة لن اكون رحيما "
همت بالاعتراض ولكنه لم يفسح لها المجال. خرج كما دخل بصوت حذاءه الذي ينقر الأرض كنقار الخشب.. استدارت ناحية ليزا لتعلق الأخيرة:
"سيتلف خشب القصر بسبب مشيته"
طالعتها ميري ولم تجب بل ظلت تفكر بماقاله لها عن الضعف وايجادها الحجج لتبرير افعالها. اليس هو الاخر يفعل ذلك. يعاقبها على امر لم تقترفه متحججا بحجج مقتنع بها تماما. ياله من متكبر ومتحاذق.
عندما لم ترض ميري بالذهاب معه لرحلة صيد سريعه كان يطمح لاستغلالها من اجل التقرب منها بعد سوء التفاهم الذي حصل امامها بحضور ايفيلين, حزم جونثان متاعه للذهاب الى البلاط على ضوء مواجهة لويس من قبل فرانسوا . ستكون فرصته ليكسب اولئك النبلاء الملاعين المقربين من ويليام بشدة. بعضهم كسبه بالفعل ولكن المعاندين اولئك هم الاشد خطرا بالذات مع بقاء لويس وبنات الملك على قيد الحياة. انهم يعبدون المال والرفاهية لذا هذا ما سيحصلون عليه لقاء الولاء لجونثان. اعترض فرانسوا قائلا:
"اذا انت ستعرض عليهم اموالا اكثر مما كان يعطيهم ويليام؟؟ حسبت اننا هنا لننصر الناس الضعفاء يا جونثان"
نظر له جونثان من طرف عينه ورد بتثاقل:
"كل بداية صعبة يا صديقي. عندما انتهي من تأمين العرش ساحطم البلاط على رؤؤسهم. سيعود كل منهم الى قصره وساخذ منهم الاراضي واقلل من رفاهيتهم. اما الان فعلي ان اعطيهم ما يريدون وبعدها .. بعد ان تتوجني روما ملكا ستنقلب كل الموازين"
سأله:
"لماذا لا ننتظر حتى الغد لنقوم بهذه الرحلة . الليل خطر وقد اخبرتك ان لويس لايزال على قيد الحياة ولديه اعوان.. يعلم الرب فقط عددهم"
رد جونثان بتحدي:
"لقد انتظرت طويلا. العمر يمضي وانا لا اريد الانتظار اكثر. انه سباق والخاسر فيه هو من ينتظر"
قبل خروجه اراد ان يودع ميري. شعر برغبة عارمة ليراها قبل ان يذهب ولكن رؤيتها ستعني جلوسه والحديث معها وبالتأكيد سيتأخر اكثر وسيحل الظلام قريبا. خرج ورفع راسه في نظرة خاطفة الى شباك غرفتها ولمح ظل واقف بثبات ينظر الى العربات التي تتحرك بسرعه..
تسائل بينه وبين نفسه هل يا ترى كانت تراقبه من شباك غرفتها؟ اغلق عينيه لينام قليلا ...بعض الدقائق ستكفيه ليقضي على تعب ايام من السهر المتواصل. يستجمع فيها رباطة جأشه ويكسب الحشد الذي ينتظره. ولكن رغم محاولاته المستقتله لينام لم يقدر. وجهها كان يراقبه بعينين لم يكفا عن البكاء. همس لااراديا:
"تبا"
انتبه فرانسوا لكلمته ونظر اليه. كان نائما يتكلم في نومه. ولكن انه ذلك النوم الذي نشعر اننا كنا فيه واعين بينما نحن في الحقيقة نيام. في منتصف الطريق.
وصل الى البلاط متاخرا دخل بعدما ارسل احد جنوده ليعلن عن وصوله فسمح له النبلاء بالدخول .. لايزال هذا المكان تحت سيطرتهم ولايزال جونثان ليس ملكا بنظرهم حتى يتوج ملكا. البرود الذي لاقاه جونثان في استقباله جعله يكفهر غضبا وبدون أي اتفاق مثمر كما ذهب عاد راجعا خائب الامل اكثر عصبيه من ذي قبل.
--
مر الوقت بسرعه. زفرت ميري بعصبية وليزا تنظر لها ولتقلب وجهها المخيف.
قالت ليزا لها بجرأة :
"اللورد لن يكون متواجدا. لقد سمعت حراسه يقولون ذلك لم يذهب لرحلة الصيد بل توجه الى البلاط. القصر في حالة من اللامبالاة لغيابه وغياب صاحبه. هذه فرصتك يا مولاتي للهروب من هنا"
تعجبت ميري من حديث ليزا. قالت:
"الى اين اهرب؟ ساموت في العراء ان حاولت فلا مكان لدي لاذهب اليه"
اجابت ليزا بصوت خفيض:
"اعرف مكان . استطيع ان اصفه لك فاذهبي اليه وهناك بامكانك التخطيط لاعادة الامور الى نصابها. انت وريثة الملك واتباعه بالتأكيد سيتبعوك اذا ما علموا انك على قيد الحياة وليس كما اشيع من كونك ميته"
ظلت ميري تنظر لليزا بدون ان تجيب. يبدو الهروب وسيلة جيدة للخروج من جحيم جونثان الذي يتصاعد المه تدريجيا ولكن... انه ايضا مصير مجهول.
امسكت ليزا بيدها وقالت لها:
"اذا هربت ستتخلصين من هذا العذاب. ساساعدك بكل ما استطيع"
اقناع ميري بالهروب ليس سهلا ولكن ليزا ظلت تحاول معها لمدة من الزمن ثم تركتها لوحدها تناقش كل الكلام الذي قالته ليزا لها. ثم عقدت العزم. نهضت وفتحت باب غرفتها ليقابلها الحارس بعينيه المعقودتي الحاجب مانعا اياها من الخروج فقالت له:
"اريد خادمتي ليزا"
اجابها:
"سارسل احدهم في اثرها"
دلفت الغرفة مرة اخرة وظلت تفكر بوسيلة لتخطي الحارس. عندما جاءت ليزا باغتتها ميري بالحديث:
"ساهرب. ولكن اولا كيف ساخرج من القصر والى اين ساذهب؟"
ردت ليزا واصفة مكانا ورسمت لها خريطة له وقالت اخيرا:
"لا تقلقي. ستحصلين على المساعدة ولن يعرف احدا بوجودك هناك"
ثم اكملت:
"لنبدل ملابسنا. خذي ملابسي وتظاهري بانك انا. افتحي شعرك وانزليه على وجهك. هذا الحارس غبي لن يفرق بين اثنتين من الشقراوات وهو لاينظر الى وجهي ابدا"
سالتها ميري:
"ولكن.. هكذا سيعاقبك جونثان.. سيقطع راسك لقاء مساعدتي"
ردت ليزا بثقة:
"لا .. لا تخافي انا ساتدبر امري. انت اذهبي"
ثم بدلتا ملابسهما وتظاهرت ميري انها ليزا. طأطأت راسها وانزلت خصلات شعرها على وجهها ولم تنظر الى الحارس بل ذهبت محاولة تفادي النظر اليه. وهو لم يعرها اي اهتمام. سارت بسرعه ووجهتها خارج القصر. كلما ابتعدت عن محيط غرفتها شعرت ببرودة الجو خارجا وفي غرفتها مدفأة تشتعل خصيصا لها اذا ما بردت الاجواء. لم تهتم لان كل ما ارادته الهروب. كان كل من في القصر مشغولا عنها لم ينظر اي احد لمن ظنوها خادمة في القصر. استغلت هي هذا الامر لتسرع الخطى ... وفور ان اصبحت قريبة من باب القصر ارادت الخروج منه سمعت صوت صهيل الجياد.. وحارس يعلن عودة الملك جونثان من رحلته السريعه للبلاط. شعرت بان قلبها خرج من بين اضلعها. حاولت ان لا تدعه يراها . اختبأت متظاهرة بالتنظيف ودخل هو مهتاجا بينما رمقته بنظرة سريعه وهو يدلف القصر بمشية عسكرية وانفه. سمعته يقول لفرانسوا:
"تبا لهم... لو كنت ويليام لذبحتهم على ذلك الاستقبال المهين"
اجابه فرانسوا هو الاخر بلكنه غاضبة:
"مطالبهم جشعه يا جونثان. يجب ان تتم معاقبتهم"
رد جونثان بينما كانت هذه اخر جملة من المحادثة التي سمعتها ميري:
"ساجد حلا لا تقلق"
ثم نظر الى الاعلى بينما تمكنت ميري من الخروج بدون ان يعترض سبيلها احد واطلقت ساقيها للريح. قال جونثان لفرانسوا:
"ساعود فورا.. "
نظر له فرانسوا وهو يصعد سلالم كثيرة متجها الى مكان واحد لم يكن من الصعب عليه تخمينه.. غرفة ميري


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close