اخر الروايات

رواية عديل الروح الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم الكاتبة ام حمدة

رواية عديل الروح الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم الكاتبة ام حمدة


  الفصل الحادي والعشرون - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة

************
تدور رحى الحياة فتخطف سعادتك بلمح البصر أو تدفعك لقمة النشوة والفرح، وكفرقعة إصبع تطيح بك إلى وادي سحيق ومظلم فتهوي وتهوي دون أن تصل لقاعها، فتنتظر لتسمع صوت تهشم حياتك، وهذه المرة لن تعرف إن كنت تستطيع استرجاعها أم لا!!

تجلس على كرسيها المفضل بركنها الخاص وبمكانها الأوحد، وتحدق ببخار شايها دون أن تمسه... فقط تنظر من خلاله كيف يتصاعد بكثافة وقوة للأعلى ومن بعدها يتلاشى ويختفي كأنه لم يكن متواجدا من قبل.
عيونها شاخصة، وجسدها جامد ومتخشب، لكن هناك بداخلها وبأعماقها، توجد نار لاهبة تحرقها وتشويها، نار تستعر بأعضائها فتكويها تاركه فيها ندوب غائرة ومؤلمة لن يستطيع أي طبيب مداواتها.
تجلس منذ دقائق.... ساعات... شاردة تائهة إلى أن تحول شايها الساخن لجليد كما قلبها الذي بدأ يتحول وتتشكل حوله طبقة من البرودة والجمود.
رمشت أهدابها الطويلة لتحط على وجنتيها بخفة بعد فترة من الوقت ثم عاودت الكرة مرارا وتكرارا كأنها تنفض شيء ما، كأنها تمسح صورة ظلت متركزة بذاكرتها، كأنها تمسح دموعا خائنة تهدد بهطولها، فتلك الحركة ليست فقط دلالة لمعنى واحد وهي فقط تسبيل أهدابها بل لها عدة معاني أخرى تدل عليها.
أغمضت عيناها بقوة ثم فتحتهما بغتة وقد لمعت ببريق مخيف وجامد، ونهضت من مكانها تنفض غبار اليأس الذي حل عليها، فليست مريم من تتخاذل أمام الصعوبات، فقد صادفها الكثير ولن يكون هذا حاجز أمام سعادتها.
حملت فنجانها الذي لم يمس واتجهت به ناحية المغسلة وسكبته وظلت تنظر لذلك السائل الأحمر وهو يدور بدوامة كبيرة ثم يتركز بنقطة واحدة فتبتلعه تلك النقطة الصغيرة مخفية إياه نهائيا.
انزوت ابتسامة متهكمة بجانب شفتيها وهمست:
" نعم.. لما لا، فالواقع خير برهان لصحة هذه الحقيقة!! ".
غسلت فنجانها ووضعته بمكانه ثم تحركت ناحية غرفة نومها ووقفت عند إطار الباب تتطلع لمكانه الخالي منه، فقد فرغ جانبها من جسده، وأصبح خاويا باردا، وصارت تتلحف البرودة بالرغم من غطائها الثقيل.
ولياليها غطتها الوحدة والهجران، نعم تلك أيامها... خاوية... ساكنة... لا حركة... لا همسة حب... ولا قبلة تشعل نارها... ولا لمسة حانية عاشقة تدخل لقلبها السرور والنشوة.
تحركت مشيحة بوجهها عن شبحه المختفي واتجهت لدولابها، سحبت عباءتها وارتدتها على عجل ثم أتبعتها بشيلتها وخرجت ناحية طاولة الزينة حملت حقيبتها ومفتاح سيارتها وانطلقت للخارج تبحث عن قوتها ومصدر طاقتها، باحثة عن أمانها الذي لم تعد تشعره بهذا المنزل.
تسارعت خطواتها، وتسارعت أنفاسها، وهدر قلبها حزينا يبكي ألما لهجره لها، فوجوده بالقرب منها مثل عدمه.
نداء باسمها أوقفها من التقدم أكثر:
" مريم... بنيتي، إلى أين أنت ذاهبة؟؟ ".
اقتربت العمة منها وهي ترثي لحالها أو للحال الذي وصلوا إليها.
أمسكتها من ذراعها وأدارتها ناحيتها لتطالعها هيأتها القوية والشامخة دوما، فهي أبدا لن تنكسر... ولن تخضعها الرياح!!... ولن تري العالم بأنها مجروحة ومتألمة، فتلك الفتاة أقوى بكثير من أن يدركه أحد ما.
ابتسمت مريم لعمتها بامتنان، تعرف بخوفها عليها، ورغبتها بتعويضها عما يفعله ولدها بها، كم هي حنونة وطيبة القلب.
انحنت ممسكة بكفها وطبعت قبلة شكر وقالت:
" مرحبا عمتي، كنت ذاهبة لزيارة أمي وشقيقي ".
شددت العمة على كفها وقلبها يعتصر خوفا من رغبتها بالذهاب لجدتها فهمست بوجل:
" وسوف تعودين يا مريم....صحيح؟!.. أنت فقط ذاهبة للزيارة؟؟ ".
ناظرتها العمة بقوة تحاول سبر أغوارها، فأشاحت مريم عيناها بعيدا خوفا من انفضاح رغباتها الدفينة.
لن تنكر بأن في أعماق قلبها شيء صغير يخبرها بالرغبة بالخروج وعدم العودة لكنها تعود وتزيح تلك الأمنية فليست مريم من تتهرب من مشاكلها، فهي قد تعلمت أن تواجه المصائب مهما كانت مؤلمة وجارحة لروحها.
كما أنها كانت تتوقع ما كان سيحدث بزواجها من ابن عمها لكن أن.......
هزة على يدها جذبتها من الانجراف خلف دوامة الذكريات وعادت تنظر لعمتها وابتسمت بانكسار.
" لا يا عمتي، فلست جبانة لأهرب وأدفن رأسي بالأرض، وأرثي على حالي، فهذا ما كان متوقعا بزواجي من سلطان ".
تنفست أم سلطان براحة ومن ثم حادثتها تحثها على المقاومة وعدم الخنوع:
" أجل يا بنتي، كوني قوية من أجل نفسك ومن أجل سلطان، فهو يحتاجك كثيرا، أعرفه جيدا فهو ليس من النوع الذي يطلب المساعدة ولن يقول بأنه يحتاج إليك ".
اقتربت مريم من عمتها واحتضنتها تهدئ من روعها وقبلت قمة رأسها وأهدتها ابتسامة خرجت من أعماق قلبها وقالت:
" شكرا لك يا عمتي لوقوفك بجانبي، لن أنسى هذا أبدا ".
" مرحبا...صباح الخير ".
ارتجف قلبها لسماع صوته الرخيم، وهمست لقلبها تعاتبه....

" أيا قلب... لم تضني علي بالفرح!!..
لما تكتب علي الشقاء بحب لن يكون لي وحدي؟؟..
أنا أرجوك!!...
لما لا تعيد ترتيب دقاتك، وتعيدها لرتابتها.
فلربما استطعت العيش بهناء
دون أن أشعر بقطار سريع يخترق جنبات صدري ".

ناظرته من طرف مقلتيها لتراه يحدق بها بقوة فاحتجزت عيناه عينيها، وتحدثت معه دون أن تقدر على الجمود تخبره بأشواقها، فيبادلها بأشواق لا حدود لها، فتعود وتعاتبه لكذبه وتخفض عيناها هاربة كي لا ترى المزيد من أكاذيبه.
فهمست بصوت خفيض راغبة بالخلاص من وقوفها بجانبه:
" أنا ذاهبة عمتي... وداعا ".
وتحركت مبتعدة، مسرعة، راغبة بالخروج قبل أن تنفجر تلك التي تحتجزها خلف جفنيها، لكن هيهات أن تحصل على خلوتها فصوته الصارم أوقفها من التقدم خطوة أخرى، فتوقفت تدير له ظهرها، فلن تستطيع أن تواجهه وهي ترى صورته وقد تشوهت بنظرها.
" إلى أين أنت ذاهبة؟! ".
فتحدثت بصوت أرادت به أن يكون جامدا وهذا ما كان لها:
" ذاهبة لأمي ".
" انتظريني سأذهب معك ".
فسارعت للرفض:
" لا...لا داع......".
قاطعها دون جدال:
" انتظريني بالسيارة!! ".
فأمرت قدميها بالتحرك، ووجهت رجاءها لعينيها بأن تصبر فأوان فتحهما لم يحن بعد.
فتحت حقيبتها وأخرجت نظارتها السوداء تخفي احمرار عينيها ودموعها المتحجرة بداخلهما.
فتحت سيارتها وجلست تنتظر قدومه ولم يتأخر كثيرا، صعد بمقعد السائق لتحبس أنفاسها من رائحة عطره النفاذة التي اخترقت أنفها لتصل لرئتيها فتجيش بقلبها الفساد ويصبح مثل قرع الطبول.
ودون إرادة اتجه جسدها يلتصق بباب السيارة فانتبه لفعلتها وسارع يمسك بأصابعها يعتصرهما بقوة، حاولت سحبها دون فائدة لتتركها له يفعل بها ما يريد، فهي لن تهتم، لكنها كانت مخطئة باعتقادها بأنها لن تتأثر فما أن طبع قبلة رطبة حانية شغوفة على بشرة كفها حتى أرسلت تيارات عنيفة من المشاعر المتعطشة للمسة منه، فسرت بأوردتها كالتيار الكهربائي وتصعقها حرارة أنفاسه ولهيب قبلته، فشهقت بخفوت وعادت تقاتله لسحب يدها فتشبث بها كأنها الحياة.
فتحت فمها تريد الصراخ فأبت حروفها إلا الخروج مهزوزة وحزينة.
" أترك يدي!! ".
ليصلها رده قويا صارما:
" أبدا يا مريم لن أترك يدك، هل سمعتي ما أقوله؟!.. أبدا!! ".
أبعدت عيناها عنه بعد كلماته تلك لتنظر للخارج وتركت يدها بيده كما أراد تشعلها وتحرقها، فأبت إلا أن تتحكم بمشاعرها الهائجة والرغبة بالأنانية، والصراخ بعلو صوتها بأنها تريده لها وحدها لكنها لا تستطيع... هي فقط لا تقدر على قولها، فليس لديها الحق بالاعتراض.
وصلا لمنزل جدتها وفتحت الباب دون أن تترك له الفرصة للحديث معها أو قول كلمات الاعتذار، فقد ملت من سماعها طوال هذا الأسبوع المنصرم...
تركها عاجزا ومتفهما غضبها منه لكنه بالفعل هو آسف لما فعله بها كان هذا دون إرادته.
ترجل من سيارته متنهدا ومتعبا، ولاعنا نفسه بوقوعه بهذه الورطة التي لم يتوقعها أبدا، كيف استطاعت استغفاله؟!.. ومتى حدث هذا؟!...
هز رأسه غير عالم بما سيفعله!!.. فما حدث قد حدث، ولا مجال لتغيير ما كتبه القدر.
تبعها للداخل ليراها تحتضن جدتها بقوة بل كانت تتشبث بها، تبحث عن أمان لم يستطع توفيره لها، تبحث عن استقرار اعتقد أنه قادر على توفيره لها.
نفض نفسه وتساءل... متى صرت بهذا الانهزام يا سلطان؟!.. ألست ندا لكلمات العهود التي ألقيتها عليها؟!... وعدتها بعدم تركها وخذلانها وأنها بعينيك!!.. ولكنك لم تفي بوعودك!!.. فعاد يزيح المشاعر السلبية بداخله، لا...هو ليس بهذا الضعف!!.. هي فقط مرحلة وستنتهي على خير ما يرام، وستعود الأمور على طبيعتها الأولى، فقط سيكون هناك اختلاف بسيط.
وعلى هذا ابتسم وشع وجهه بسعادة، فقد حل المشكلة العويصة التي كانت تهز بيته السعيد، ولكن يا سلطان ليس كل ما يتمناه المرء يدركه!!.
اقترب منهم وهتف:
" مريوم!!.. اتركي لي بعض الأحضان، فأنا أيضا أريد بعض من حنان جدتي ".
ابتعدت مريم مجبرة وعلى وجهها ابتسامة متكسرة وتحركت للداخل تاركة جدتها وزوجها لوحدهم، ودخلت غرفتها وناظرتها بشوق فقد تركتها الجدة مثلما هي لم تحرك منها انشا واحدا، لتخبرها وتعلمها بأنه يوجد لها مكان بينهما مهما ابتعدت.
خلعت عباءتها وشيلتها وعلقتهما وناظرت نفسها بالمرآة والتفتت يمنة ويسرى تتأمل شكلها ثم حادثت نفسها:
" لما أنت خائفة؟؟ ".
ليجيبها انعكاس صورتها:
" خائفة من المجهول، ومما سيحدث بالمستقبل ".
" لما الخوف وأنت قد تغيرت وأصبحت جميلة ولم تعودي كما السابق؟! ".
" أجل، ولكن السبب الذي أراد الزواج مني لأجله لم يحصل عليه!! ".
بسطت كفها على معدتها المسطحة وابتسمت بحنان ثم أغمضت عيناها تحلم وتتخيل ماذا سيحدث لو......
قاطع أحلامها دخول شقيقها المرح واحتضانه لها وطفق يتحدث معها دون أن ينتبه لملامحها الحزينة وسحبها للخارج ليجلس مع جدته وزوجها، ظلت تستمع إليهم إلى أن قالت:
" ألم تهنئي سلطان بعد يا أمي؟!.. فولي العهد قادم بالطريق ".
صرخ الجميع بسعادة وأخذوا يهنئونه بالخبر السعيد ثم تقدموا يهنئونها لتفجر قنبلتها:
" ليس أنا من يجب تهنئتها!! ".
ناظرها سلطان بلوم ولكنها لم تهتم بل تابعت دون أن تنتظر قول استنكارهم:
" سلمى من يجب عليكم تهنئتها ولست أنا ".
سكون حل بالمكان بعد أن كان يضج بالسرور ثم نهضت متعللة برغبتها بطهو طعام الغداء واتجهت للمطبخ رامية بأوامرها للخادمة كي تعد لها ما تحتاجه، خرجت العاملة لتنفذ أوامر سيدتها وبعدها لم يعد لها مقدرة على التمثيل، فخرت منهارة على الأرض متكئة بركبتيها، تجترح هواء مؤلما يصلها مثقلا بحجارة كبيرة ومسننة فتخترق رئتيها وحنجرتها مخلفة خلفها جروح عميقة غير قادرة على التئامها.
قلبها يئن ببكاء حار يدمي روحها المتألمة لحياة اعتقدت بأنها فتحت أمامها أبواب السعادة لتناديها وتقطف ثمار صبرها وانتظارها لفارس أحلامها، لكنها تعلم وتقر بأنه كما توجد الأحلام السعيدة توجد الكوابيس التي تزورك بغفلة من صاحبها فتوجه لك طعنة غادرة بعد أن أوهمتك بالسعادة الأبدية، فتخترق خناجرها ظهرك لتدميه بعمق دون أن تقدر على الإتيان بأي هروب سريع فهي تلتف حولك مثل الأفعى فتعتصرك إلى أن تلفظ أنفاسك.
**********
وفي الجهة الأخرى.....
" مبارك يا بني، الله يتمم عليكم بكل الخير ".
" شكرا جدتي ".
" مبارك يا ابن العم ".
قالها محمد بحزن ولم يستطع أن يزيد حرفا واحد، صحيح أنه حقه الطبيعي وأن سلمى زوجته ومن المفترض أنهم سينجبون الأطفال لكنه لم يفكر قط أن سلطان سينجب من أخرى غير شقيقته.
آلمه قلبه لشعور شقيقته بالحزن، لم تكن تريد هذا الزواج لمعرفتها عدم قدرتها على الاحتمال، فمريم بالرغم من قوتها التي يتغنى بها الجميع إلا أن بداخلها فتاة صغيرة مرهفة الأحاسيس.
نهض من مكانه راغبا بالذهاب إليها فأبدا لن يتركها لوحدها بعز حاجتها لمن يأخذ بيدها.
" إلى أين يا محمد؟! ".
" أشعر بالعطش أمي ".
ناظر سلطان قارورة الماء بجانبه ثم تطلع لمحمد الذي بادله النظرات بتحدي أن يعلق على قوله وغادرهم متجها ناحية شقيقته، فهو يعلم بأنها تكابر أمام الجميع ولكن بداخلها هي تذوي وتنصهر، وهذا ما كان عندما دخل وشاهدها تنتحب على الأرض الباردة ببكاء صامت مرير ليفز قلبه بفزع لرؤيتها بهذا الشكل.
تقدم ناحيتها وركع بجانبها وأخذها بأحضانه ليترك لها المجال لتفضي ما بداخلها من حزن على كتفه فهو سندها بهذه الحياة، هو جدارها بوقت تتكالب عليها الآلام.
تمسكت به بقوة تنشده الأمان الذي بدأت تشعر به يتزعزع منذ ظهور سلمى عند عتبة باب منزلهم، فكتمت أنين قلبها الغارق بدموع وجعها من حب لم ولن يكون لها وحدها.
فأخذتها أحداث الأسبوع الماضي لذلك اليوم الذي اعتقدت بأنه أجمل الأيام ولم تكن تعلم بأن الأيام تخبئ لها بعض الخبايا والآلام.........
كان هذا بعد أن انتهت رحلتهم بالمزرعة التي استطاب لهم الجلوس فيها، كانت أجمل ثلاث أيام قضوها باللعب والشواء، وقيادة الدراجات الهوائية وركوب الخيل، كان هذا نهارهم أما لياليهم فقد كانت تشتعل بنار حارة ساخنة ملتهبة بأجسادهم، وشفاههم التي اعتركت حروبها وتعلمت مواقع إثارة عدوها لتستغل كل نقطة وكل عضو لتصل المعركة لأوجهها، كانت أجسادهم تحترق كأنهم ينامون على جمرات قدت من حمم بركانية ولا تنطفئ سوى قبيل شروق الشمس.
شخص واحد فقط رحل مباشرة بعد سباق الخيل الذي انتهى بفوزها بالمركز الأول، يتبعها زوجها سلطان وخلفه شقيقها وبعدها جاسم والباقين....
تتذكر تلك النظرات الحارقة التي رماها بها بعد أن كانت تقهقه بصوت عالي على غضب شقيقها منها لسخريتها لعدم فوزه، فهربت منه تحتمي بزوجها، وسلطان يدفع محمد عنها فهي قد احتمت به، كان الموقف مضحك للكل ماعدا جاسم الذي وقف يتطلع إليهم بجمود ثم ما لبث أن أقبل عليهم وعيناه لم تحد عنها أبدا، لا تعرف ما أصابها عندما ناظرت عيناه، شعور بغيض تسلل إليها، وهاجس خفي يخبرها بوجود خطب ما!!!
وقف أمامهم وعيونه ما زالت عليها مما جعلها تنكمش خلف سلطان من تحديقه الغريب بها، أبدا لم يكن هكذا من قبل، ولم يتجرأ على النظر إليها مباشرة، وكاد زوجها أن يقتله لجرأته تلك فشكرت الله أن محمد وقف بينهم ومنع سفك الدماء وأمره بالمغادرة، وبالفعل تحرك راحلا لكن قبل أن يتركهم همس بجملة أرعبتها جدا.
" سنلتقي قريبا...أعدك بهذا!! "
لم يدم تفكيرها بما قاله طويلا، ولم تعطه أدنى اهتمام، وعادوا يخوضوا غمار لهوهم واستمتاعهم بالرحلة الجميلة.
عاد الجميع لمنازلهم وكل واحد منهم تنطق ملامحه بالراحة والسلام النفسي بعد أن ابتعدوا عن ضغوط المدينة وما تحملها من مشاق وأعمال لا تنتهي، وتكنولوجيا تطاردهم بكل مكان، فكانت المزرعة خير اختيار لإزاحة هموم وأعباء الحياة، وشكروا الجدة على اقتراحها لهذه الجمعة المحببة لقلوبهم.
ترجلوا من سياراتهم وضحكاتهم وصلت لعنان السماء سلطان يشاكس مريم وهي ترد له الصاع صاعين فيمثل الغضب لخسارته ويأمرها بأن تجعله يكسب فهو زوجها فترفع رأسها بكل شموخ وتسير الهوينة عاطية أوامره عرض الحائط فتلتفت له من فوق كتفها وعلى ثغرها أجمل ابتسامة ماكرة شاهدها كثيرا بحياته لتقول له كلماتها الأخيرة بأنها لن تخضع أبدا.
ليشمر عن ساعديه ويخبرها بأنه سيريها من سيخضع لتتسع عيناها بخوف مفتعل وترفع عباءتها وتجري ناحية المنزل قبل أن يمسك بها، كانا يشبهان الصغار بلعبهما وما أن دخلت حتى اختفت ابتسامتها وشحب وجهها وهي ترى غريمتها تقف بكل جمالها وغرورها مجتاحة جدران استقرارها لتشعر بنغزة بقلبها، فهي تعرف هذا الإحساس، لطالما شعرت به دائما بعد زواج حبيبها من أخرى.
كانت الغيرة تنهش قلبها الفتي، مشاعر كريهة تقتات منها ببطء فيتحول لفيروس قاتل ومميت.
ناظرتها الأخرى بحقد امتلأت بها عيناها ولم تخفيها بل أعلنتها صريحة بأنها تكرهها وبشدة.
شاهدت عيناها تتحول وتتغير لتلتبس الحزن والشوق والبكاء، نعم فتلك هي حيلة الأنثى بحالة الدفاع عن نفسها ضد الشر المحدق بها، وكان هذا الشر يقف خلفها ما أن التفتت مريم تتطلع خلفها وقد علمت لمن تنظر سلمى حتى اعتصرتها حرقة قوية كادت أن تزهق روحها وهي تراه يحدق بها يكاد يلتهمها، لم تستشفي هل نظراته شوق وحنين أم غضب!!!!
تحركت المرأة الأخرى بدلال ناحيته وتعدت مريم متجهة لذلك الرجل الواقف دون أي حراك إلى أن وصلت إليه لترتمي بين أحضانه باكية شاكية فراقهما، واعتذارات هطلت عليه كالمطر، وقبلات توزعت على وجهه دون حياء أمام الجميع.
أغمضت مريم عيناها عن تلك الصورة القاتلة لقلبها العاشق وكم تمنت أن تصاب بالعمى قبل أن ترى تلك الرؤية.
أرادت أن تتحرك وتبتعد لتلعق جراحها النازفة، لكن هيهات أن تتزحزح قدماها كأنها نبتت لها جذور وتعمقت لباطن الأرض.
استمعت أذناها لصراخه الغاضب والشرس ثم استمعت لنحيبها واعتذاراتها دون أن تفهم أو تستفهم لحديثهم كأنها خرجت من واقعها غير راغبة بالبقاء هنا ومشاهدة غرامياتهما، لكن تلك الكلمة اليتيمة جعلتها تفتح عيناها، وأذنيها تلتقط تلك الكلمة التي أحستها كالخنجر المسموم الذي طعنها بالصميم.
" أنا حامل... ".
وبعدها حل السكون وتغيرت الأحوال فالوحش المفترس تحول لآخر أليف وغير مصدق، ليقترب من سلمى ويسألها إن ما قالته حقيقة وليس بكذب دون أن ينتبه للتي أرداها قتيلة.
وهنا لم تقدر سوى أن تجتث قدماها وتأمرها بالتحرك وتوجهت ناحية منزلها ودخلت بكل ملابسها تحت رذاذ الماء البارد تاركة العنان لدموعها بالهطول.
تغير كل شيء منذ ذلك الوقت فزوجته الجميلة حامل وتنتظر ولي العهد، كما أن حملها غير ثابت وتحتاج للراحة النفسية قبل الراحة الجسدية وهذا ما حدث، فالسيد سلطان لازمها فسعادته كبيرة ولا توصف بأنه سيصبح أب بعد طول انتظار!!.. وقد نسيها بخضم فرحته فغايته منها قد انتهت بحمل الأولى فما هي فائدتها الآن؟!!
أسبوع مر دون أن تراه، كان يتصل بها ليعتذر لعدم قدومه لمشاغل العمل أو أن سلمى متعبة وتحتاج لمن يتواجد بجانبها، تلك كانت المكالمة الوحيدة التي تلقتها وبعدها لم ترد على أي مكالمة منه، فهي ليست لديها الرغبة بسماع تبريراته لعدم القدوم، هذا ما كانت تخشاه بزواجها من رجل متزوج من أخرى فأبدا لن يستطيع أن يعدل بين اثنتين.
ودائما تساءلت...هل هي أنانية لعدم رغبتها برؤية سلطان سعيدا لقدوم طفله الذي تاق لانتظاره؟!!.. هو أراد هذا الطفل وبيدها منعته من أن يحقق هذا الحلم، وجاءت زوجته الأخرى تحمل له البشرى، إذا لما البكاء؟!!.. ولما تشعر بأن روحها تقتلع من جسدها وكأن أحدهم سلبها أغلى ما تملك؟؟.

عادت لواقعها على هدهدة شقيقها الحنون، ابتعدت عنه تشهق ببكائها فأخفضت عيناها لكنه أبى أن يرى شقيقته منكسرة فرفع رأسها للأعلى وهمس بإيباء:
" إياك وأن تنكسري!!.. فأنت أقوى من هذا كله ".
عادت دموعها للنزول وكأنها تعلن عن ضعفها وأنها غير قادرة على مواجهة هذا الأمر القاسي لها.
" حبيبتي...البكاء ليس بضعف، نحن بشر ومن حقنا الشعور بالعجز في أوقاتنا العصيبة، لكن هذا لا يدل على أننا يجب أن نجلس ونذرف دموعنا ونتوقف عن العيش، بل علينا أن نستمر وأن نواجه الأمر بكل قوتنا فنقاط ضعفنا هي نقاط قوتنا ".
ضحكت بخفوت وتحدثت بصوت متحشرج من بكائها:
" متى أصبحت فيلسوفا يا شقيقي؟! ".
ارتد للخلف صاعقا من قولها وأمسك قلبه بتمثيل متقن ووقع على جانبه كأنها أردته برصاصة قاتلة، لتقهقه بصوت عالي على ما أصابه فاقتربت منه وأمسكت وجهه وقبلت جبهته بكل حب وقالت:
" شكرا لك، فأنت نعم الأخ ".
ضرب على صدره بكل فخر ونفخه.
" نعم أعرف هذا!!.. فاخبريني بشيء لا أعرفه!! ".
ضربته على كتفه
" مغرور... ".
نهضت من قعدتها فساعدها بالوقوف ثم مال عليه ليلثم رأسها بقبلة أخوية تخبرها بأنه متواجد متى ما احتاجته، ابتسمت بحبور ثم شمرت عن ساعديها وأمرته بالخروج لتطهوا لهم طعام الغداء.
مرت ساعة ونصف الساعة انتهت فيها مريم من إعداد الوجبة الرئيسية وبعض المقبلات وبعض الحلويات التي يحبها شقيقها وجدتها ثم خرجت ومرت بجانبهم دون أن تنظر باتجاهه فمازالت متألمة بسبب هجرانه ودخلت لغرفتها القديمة لتستحم وتبدل ملابسها لشيء مريح ورفعت شعرها على هيئة ذيل حصان ليتأرجح خلف ظهرها خصلات طويلة فاحمة تصل لحدود وركها، وتركت قذلتها تتساقط فوق جبهتها، وكحلت عيناها لتضاهي عيون الغزلان بجمالها، وخطت شفتيها بلمعة وردية شفافة أظهرت براءة شفتيها كأنها لم تمسها شفتي رجل.
تأملت انعكاس شكلها ليعجبها ما رأت، نعم فهي أقوى من هذا وستتخطاه، هي كانت تعلم مسبقا ما ينتظرها وقد خطرت ببالها كل الأفكار وكل ما سيحصل بزواجها من رجل لديه أخرى تشاركها فيه، هزت رأسها توافق نفسها بأنها ستقاتل وتحارب لتحافظ على زواجها وخرجت وقد عزمت على دخول الحرب.
" ولم تعلم بأنها طاهرة نقية غير ملوثة بكيد النساء الخبيرات بفنون المكر والخداع، فأمامها امرأة تتقد شرا ولن تبخل ببذل كل غالي ونفيس بسبيل إزاحتها عن الطريق ".
تناولوا الطعام وسط هرج محمد الذي حاول إضفاء بعض الجو المرح ليبدد السكون من حولهم.
أما عن سلطان فكان يسترق النظرات لمحبوبته بشوق وحنين، آه لقد اشتاق إليها كثيرا، وكم رغب بالغرق بمحراب عشقه الأوحد، يعترف بأنه اخطأ ببعده عنها لكن الأمر لم يكن بيده أبدا، ظهور سلمى كان كالصاعقة التي وقعت عليه مباشرة فوق قمة رأسه، كان قد نسي بأن لديه زوجة أخرى غير مريم، فابنة عمه أنسته العالم من حوله وأدخلته بشرنقة الحياة، فأصبحت هي محور أساسه بالسعي من أجلها، وأصبحت هي جل اهتمامه، و ظهور سلمى أعاده للواقع، بأن هناك أخرى تحمل اسمه، وأنه مسئول عنها، وتذكر فعلتها الرعناء به، أراد الفتك بها وإنزال العقاب الشديد عليها قبل أن يقول كلمته الأخيرة التي طالت كثيرا بخروجها وينتهي الأمر، لكن للأسف كانت لها هي الكلمة التي أوقفته عن فعل ما أراده بها، فانقلبت الأدوار وأعادها تحت سقف منزله مرة أخرى فطفله يحتاج إليه.
كم تاق لهذا الطفل كثيرا، هو رجل ويحق له أن يفرح ويسعد لهذا الخبر، لكن أن تكون سلمى هي من تزف له هذه البشرى فقد سرقت بهجته بأن يكون والدا، كم تمنى أن تكون مريم هي من تحمل هذا الطفل بداخلها.
أخذ يتذكر ما حدث بعد أن أخذ سلمى وعادا لمنزلهما...هناك عاد الشرر يتطاير من عينيه بعد أن شاهد الدمار الذي ألحقه بغرفة الجلوس عندما أفرغ به كل طاقته بالرغبة بقتلها، وتلك البقايا ذكرته بالطعنات الغادرة التي ألحقتها به.
أمسكها من عضدها وهزها بقوة دون أن يأخذ بها أي رحمة وزعق بها:
" أين كنت مختبئة؟!.. هيا تحدثي وأخبريني بسرعة؟! ".
خوف شل لسانها وتركها عاجزة عن إخراج حرف واحد، أبدا لم تتوقع هجومه المباغت هذا!!... وعلى صرخته الأخيرة بدأت بالحديث:
" أنا كنت أقيم مع شقيقي جاسم ".
دفعها عنه بتقزز وعاد يطحن أسنانه:
" وهذا الطفل، متى حدث هذا؟!.. ألم أشترط لزواجنا عدم حملك؟!!.. تحدثي.. ".
" سلطان.. أنا...أنا من حقي أن أصبح أم ".
قهقه بألم وغضب استعر بأحشائه وصاح باستهزاء:
" أرجوك!!.. منذ متى وأنت تحلمين بالأمومة؟!.. فجسدك شيء مقدس لك، ويستحيل أن تخسريه لشيء تافه مثل الحمل والولادة!! ".
فركت مكان الألم وقالت تداري خوفها:
" الأمور تتغير ".
وبخطوة كبيرة ناحيتها وبأعصاب مفلوتة قال:
" أجل الأمور تتغير عندما تشعرين بنهاية حياتك المترفة، فستفعلين كل شيء من أجل المحافظة على أسلوب حياتك الرائعة صحيح؟!! ".
سكت قليلا وبأعصاب ثلجية استطاع أن يستحضرها قال يكمل حديثه:
" سآخذك للمشفى لأتأكد من صدق حملك، وبعدها سأرى ما سأفعله ".
وبالفعل أخذها للمستشفى وسط اعتراض سلمى لعدم ثقته بها وهناك تأكد من صدق الخبر.
وبعدها تسارعت الأمور فقد انهالت عليه المشاكل بالعمل وسلمى من جهة أخرى تطالبه بالوقوف بجانبها فحملها في شهوره الأولى وغير مستقر بسبب بعض التعقيدات في رحمها فوجب عليها الراحة بالفراش، واستقدم لها عاملتين لتقوما بخدمتها لكنها انتحبت وبكت بأنها تريده أن يكون بجانبها خوفا من حدوث مشكلة ما وهو غير متواجد، وأن هذا طفله أيضا وينبغي أن يعينها على حملها فرضخ مجبرا للأمر.
فما أن ينتهي عمله المتأخر حتى يذهب لسلمى ليبقى بجانبها كي تمر تلك المرحلة الحرجة وبعدها سيعود لمهرته الغاضبة، فمنذ اتصاله الوحيد ذاك لم تجب بعدها على أي اتصال آخر، فقد بخلت عليه بصوتها العذب الذي يريحه من همومه ومشاكله التي انهالت عليه من كل صوب وحدب.
لقد حاول عدة مرات أن يبرر لها ما يحدث لسلمى بحملها فلم تقل شيء سوى
" هل انتهيت من حديثك "
فأجابها
" بنعم "
لتغلق الهاتف وبعدها لا شيء.
اليوم فقط استطاع مشاهدتها فقد استطاع الخروج من عمله بعد جهد جهيد...وَكَلَ شخص آخر ليحل محله لعدة ساعات وبعدها سيعود ليتخذ مكانه، لقد اشتاق لمهرته كثيرا، ويتوق لرؤيتها وها هي الآن بجمالها وروعتها تجلس دون أن تنظر إليه.

لما يا مهجة القلب تمنعين بندقيتيك عني؟!!
عقابك قاسي على قلبي المشتاق....
مخطئ أنا وأعترف، لكني أطمع بطيبة قلبك....
لا تحرميني من عالم شهدته على يديك.....
روحي الشريدة تتوق للقيا روحك النقية....
فامسكي بيدي ولا تتركيها.....
فلا طاقة لي بالعودة لجحيم حياة لم أجد فيها شعاع النور....

دخل سلطان غرفة مريم باحثا عنها بعد أن اختفت بانتهاء غداءهم، ليشاهدها تجلس بكرسيها الهزاز تطالع الخارج دون أن تراه، فعيناها كانت حزينتان وشاردتان بتفكير عميق، قبضة قوية اعتصرت قلبه كمدا لمعاناة محبوبته لكنه يمني نفسه بتعويضها.
اقترب منها ليحط بكفه على كتفها فانتفضت من جلستها والتفتت لقاطع خلوتها، تعرف بأنه هو...فكيف لقلب عاشق أن لا يشعر بوجود روحه وعديله؟!!
طرب قلبه شجنا، وتولهت روحه عشقا، وناد كيانه باتحاد نصفه الآخر، تعلقت نظراته بها، ليهفو راغبا بحضنها الدافئ، وحنانها المتدفق دون أن ينضب.
تقدمت ساقيه طالبة قربها لتتوقف بغتة لكلامها رافضة لما تحدثت به عينيه وهمس به جسده:
" سأنام هنا اليوم مع والدتي وغدا سأعود ".
تخاذل لردها الصارم ولطلبها الذي جاء بغير وقته.
" مريم!!.. دعي المبيت ليوم آخر ".
" لا...لا داعي ليوم آخر، فلا تفرق الأيام عندك، فكلها متشابهة ".
تقدم ناحيتها لتتراجع للخلف وحادثها بحنين:
" أنا هنا اليوم ".
ابتسمت بتهكم وقالت برفعة حاجب:
" حقا؟؟ ".
اقترب منها وأمسك كفها فسحبتها وابتعدت عنه لمسافة آمنة فتنهد بضيق وقال بعد أن شعر بالعجز من إقناعها:
" اسمعي يا مريم....لقد سبق وأخبرتك بما أواجه من مشاكل فلا تعقدي الأمور بغيرتك التي لا داعي لها!! ".
رفعت حاجبيها لتصل لمنابت شعرها وقالت تلوي شفتيها باستغراب متقن، فقد مس وترا حساسا وهو يتلاعب بها، لكنها لن تعطيه المجال ليكتشف عمق حبها له فقد أرجت تصريحها بوقوعها بهواه لأجل غير مسمى.
كتفت ذراعيها على صدرها ليظهر مدى امتلائهما:
" واااااااااو!!.. غيرة دفعة واحدة يا ابن العم!! ".
توجهت أنظاره ناحية صدرها وعض على شفتيه، وارتجف جسده راغبا بها بين أحضانه، فشاهدت ما اعتملت به عيناه برغبة فأنزلت ذراعيها وهمست حانقة منه:
" وقح !! ".
وأشاحت بوجهها عنه ليقترب منها دون أن تشعر به وعندما التفتت تبغي الحديث حتى ارتطم وجهها بصدره فشهقت وتراجعت للخلف لكن ذراعيه منعتاها من الابتعاد.
فتحت فمها تصرخ تطالب ببعده فكتم احتجاجها بفمه مقبلا إياها بشوق، ولهفة بالسفر ببحور شهد عسلها، ومتذوقا طعم شفتيها على لسانه.
اعتصرها بقبضة من حديد، وشفتيه تعيث فسادا بمشاعرها الضائعة والمحتاجة إليه، قاومته بشدة فتمسك بها أكثر، تجلدت بالبرودة فأشعل نيرانه الحارقة بجسده مرسلا لها عبر قبلته الجانحة وجسده المتعطش للشعور بها لتستسلم بعد أن خانها جسدها لتعطيه دفة قيادة قاربها، فبدون ربانها الماهر لا فائدة من سفينة تبحر بعمق البحر الهائج ساحبة إياها بدوامة لا قرار لها.
مر بعض الوقت والسكون قد عاد يحتل المكان لا يسمع سوى صوت أنفاسهما اللاهثة التي يتردد صداها بأرجاء الغرفة.
جسده الضخم يلتف على جسدها، وذراعيه تحيط بها كأنه يتمسك بها كي لا تغادره وهي بادلته بالمثل باحتضان بأقوى منه خوفا من ضياعه وتركها وحيدة بعد أن وجدت حبها، ألم تعاهد نفسها على القتال من أجله؟!!
همس بالقرب من أذنيها بصوت أجش مفعم بالمشاعر التي عاصرها للتو، كانت رحلة مجنونة حملت العتاب والأسف والاعتذار، كانت معركة للفوز والرغبة بإظهار كم الحاجة بقرب الآخر.
" لن أتركك ولن أتخلى عنك فأنا أ.....".
خفق قلبها بقوة، وارتجف جسدها بانتفاضة الرهبة من قول كلماته التي انتظرتها دوما والآن حان وقت خروجها.
" أريدك ".
تهدلت كتفيها، وأسدلت رموشها بحسرة، وسحبت نفسها من على صدره الدافئ وابتعدت تجر أذيال الخيبة، لن ينطقها أبدا!!.. فزواجه منها كان لهدف واحد، ولم يحصل عليه.
عادت دوامة الألم بداخلها وسحبت الغطاء تخفي عريها الكامن بوجهها وأدارت ظهرها إليه.
جر جسده ناحيتها وألصق صدره العاري بظهرها لتصلها حرارته المتوهجة أرسلت القشعريرة لمكامن إحساسها بوجوده بهذا القرب الشديد.
" سلطان.. دعني أبقى هنا اليوم، وغدا سأعود ".
لن تهين كبرياءها بقول كلمات العتاب لعدم وجوده معها وبقائه مع الأخرى أبدا لن تطلب!!.
وصلتها حرارة أنفاسه الزافرة وقال:
" مريم أرجوك!!.. تحملي معي لفترة من الوقت فقط، وبعدها سأعدل بينكما ".
انتفضت من رقدتها ونهضت من الفراش دون أن تبالي بعريها ووقفت يلتحفها شعرها الطويل يغطي مفاتنها ونظرت إليه بتحدي وغضب كامن بمقلتيها أظهر جمالها الخلاب، وبعيونها التي تلتمع ببريق متحدي جعلها كالمهرة البرية التي تنظر لصيادها الذي يرغب بأسرها واقتيادها لترويضها ولف اللجام حولها...
" أبدا....أبدا لن تستطيع أن تلجمني يا سلطان أبدا!! ".
" لست أنا من تطالب يا ابن العم، فالعطاء يعطى بطيب خاطر ولا يطالب به، إن أردت القدوم فبابي مفتوح، وإن لم ترد فلك الحرية باختيارك، فأنت تعرف طريقي ولا تحتاج من يدلك عليه ".
تحركت مبتعدة ناحية الحمام وما كادت تخطوا للأمام حتى شعرت بقبضة قوية على رسغها، التفتت ناحيته ولم يعطها المجال للاعتراض فسحبها لتصطدم بصدره واحتجزها بالقرب من قلبه الهادر بإعصار يكاد يفتك بصدره، وناظرها بعيون غائمة بمشاعر عنيفة ولاهبة، فمال ناحيتها يغيبها بعناق آخر ويحلق بها للسماء العالية آخذا بها بجنون عواطفه المنصهرة بأنثى لا تعرف مقدار سيطرتها عليه، فلو علمت لكان انتهى منذ زمن طويل.

****************************
وقف بوسط صالة الجلوس يتطلع لجميع أفراد عائلته وعلى ملامحه الغموض ثم رمى قنبلته التي دوت بين الحضور معلنين الرفض لما قاله.
"سلمى ستعيش معنا لتكون تحت ناظري".

***********************
احم.... احم....
شو رايكم بالقنبلة يلي فجرها سلطان؟؟


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close