رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم صابرين
21- مرات أبوك حامل
ما هو شعور الفخر المختلط بالسعادة؟؟
أن تنتصر في شئ ظننت أنك ستخسر به؟ ربما
أن يفاجئك أحد بهدية قيمة لا يمتلكها أحد؟ أيضًا ربما
أن تكون الأول على دفعتك في اختبار فشل به الجميع لتصبح أنت المميز بينهم، أجل أيضًا هذا مرجح بل هذا ما كانت تشعر به عائشة في هذه اللحظة تستمع إلى المعيد يمدحها على نجاحها في اختبار لم يتوقع لأحد أن يفوز به خاصةً وأن هذه أول مرة يدلفوا بها إلى المعمل الكيميائي الموجود في كليتهم :
-انا بصراحة منبهر ومصدوم في نفس الوقت متوقعتش حد يجيب درجة زي دي في الدفعة كلها، انتي بتبهريني كل مرة يا عايشة ليكي مستقبل باهر في الصيدلة يمكن نسمع عن العالمة عائشة صفوان في يوم من الأيام
هذا المدح حقًا جعل ابتسامتها تتسع من هذه الأذن لهذه الأذن، وأول ما خطر ببالها أنها كانت تود أن تلتحق بكلية الطب، هل كانت لتأخذ هناك كل هذا الثناء أيضًا
اخفضت نظرها وأخذت تجمع مستلزماتها ما إن طلب منهم المعيد هذا لأن دفعة أخرى تنتظر في الخارج للدخول إلى المعمل خلفهم
وفي أثناء خروج زملائها ودلوف طلاب الصف الرابع استمعت إلى فتاة تقول وقد تعمدت أن تتحدث بصوت مرتفع حتى تستمع إليها :
-هو ليه دايمًا الناس اللي بيمدحوهم يا إما تخان زي البراميل يا إما نظرهم رايح
رفعت عائشة رأسها لها تقول بصوت ساخر :
-علشان أمثالك المتنمرين مستحيل يبقوا في مرتبة المتفوقين
رفعت الفتاة حاجبها المرسوم بشكل احترافي لتقترب منها محاولةً دفعها وهي تقول :
-على الأقل انا مش بتنادى في ضهري الدبة التخينة
امسكت عائشة بيدها في قوة شديدة تألمت لها الفتاة لتقول عائشة بصوت أكثر سخرية :
-بغض النظر عن كلامك السخيف بس ايدك يا ماما لأقطعها مش انا اللي تتنمروا عليها
دفعتها بقوة جعلتها تصطدم في الحائط أمام دفعتها ودفعة الصف الرابع، اقترب منهم المعيد محاولًا فهم ما يجري :
-فيه ايه يا بنات؟ فيه ايه يا عايشة!؟
أدارت عائشة ظهرها وقبل أن تتحدث سمعت فتاة أخرى تقول بصوت منخفض :
-ايوه تعالى يا دكتور انصفها وامدحها زي كل مرة، والله حاسة اني البنت دي بتعمل حاجة في الخباثة مش معقول كل المدح ده من فراغ
ألقت عائشة حقيبتها على أحد الطاولات واستدارت للصوت مشتعلة العينين لتقول بصوت غاضب مرتفع :
-لا الحاجة اللي بتتعمل في الخباثة دي يعملها امثالك انتي يا حقيرة
هجمت عليها عائشة ساحبة إياها من خصلات شعرها ولم تترك بها مكانًا إلا وقامت بضربه أو عضه وكما يقولون "مسحت بها أرضية المعمل" وكم حاول الفتيات حولها فك الشجار لكن بنية عائشة كانت قوية رغم أنها فتاة فلم يستطع أحد سحب الفتاة من بين يديها
لم يُفك الشجار إلا على أيدي أمن الكلية حينها فقط أدركت عائشة ما حدث، الفتاة رغم أنها تستحق إلىٰ أنها بهيئة مدمرة أمامها وعلى الأرجح ستحصل على فصل من الكلية بسبب ما حدث
هي ليست نادمة لكن ويلها من نور عندما تعلم...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جالسًا في أحد المقاهي القريبة من بنايته، يراجع آخر قصصه القصيرة التي ينشرها على صفحته على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن لا يشعر أن لديه أي شغف ليكمل فعقله لا يزال مع ما حدث لشقيقته والذي يصر الجميع على إخفائه عنه حتى نور نفسها تقنعه أنه مجرد تنمر لكن عقله يقول ان الأمر ليس هكذا
تنهد مغلقًا حاسوبه بعدما فقد شغفه تمامًا ليظل يحدق في الفراغ أمامه منتظرًا كريم والذي أخبره أنه سيأتي بعد قليل، وبالفعل انتظر دقائق أخرى ثم وجد كريم يقف بدراجته النارية أمام المقهى، سحب حاسوبه ثم خرج لها وقبل أن يهبط كريم من فوق الدراجة كان الآخر يصعد خلفه قائلًا :
-اطلع يلا
وتعجب الآخر ناظرًا له بعدما نزع خوذته إذ قال :
-اطلع فين مش قولت هنشرب حاجة هنا؟!
-لا تعالى نشربها عند غادة
-غادة؟!
نطق مندهشًا بينما أكد له الآخر قائلًا :
-آه مزاجي مقلوب عايز اروح انكد عليها واتخانق معاها علشان افك شوية اطلع بقى واوعى تقلبنا معرض الكتاب بعد عشرين يوم
ضحك كريم بشدة ثم وضع الخوذة على رأسه وانطلق بالدراجة، ولكنه كان سريع بشدة فصاح حمزة وهو يتمسك به حتى لا يسقط :
-يا جذمة بقولك اوعى تقلبنا هدي شوية حد قالك إني عايز اروح المستشفى
ولم يهدئ الآخر السرعة ولم يلقي له بالًا حتى إلىٰ أن توقف أمام البناية التي يقطن بها إسماعيل وهى قريبة من منزل عمهم محفوظ، هبط حمزة ساببًا أخيه بكل السبات النابية التي يعرفها فضحك كريم وهو يركن دراجته على جنب قائلًا :
-أخلاقك يا متر مش كده وانا اللي كنت فاكرك مؤدب وخلوق
تركه الآخر وصعد إلى شقة غادة وقد لحق بها كريم وفي أثناء هذا كانت غادة لا تزال تجرب في أحدث صيحات الحجاب الساتر واستقرت على وضعية اعجبتها حيث كان الحجاب ساترًا لها من الخلف والأمام وقد حرصت على عدم إظهار أي شعرة
ابتسمت وهى تدور حول نفسها متحمسة لرؤية رد فعل إسماعيل عليها سيسعد كثيرًا بالطبع
دق جرس الباب فعقدت حاجبيها بتعجب، لا يعقل أن يكون إسماعيل قد عاد فالساعة لا تزال العاشرة، خرجت إلى البهو ثم فتحت الباب لتجد أمامها كريم وحمزة اللذان تعجبا تغيرها الجزري هذا ليقول كريم ضاحكًا :
-لو مكنتش عارف إنك غادة كنت شكيت إننا خبطنا على شقة غلط، ايه التغيير ده يا غادة يا ترى مين اللي اقنعك به
ابتسمت غادة ابتسامة متسعة وهى تفتح الباب وتُظهر نفسها لهم إذ كانت لا تزال ترتدي ملابس الخروج :
-ايه رأيكم شكلي حلو؟!
ابتسم حمزة لها يعجبه تغييرها هذا وهو بالطبع للأفضل ليقول :
-حلو بس، خدعونا وقالوا الحلىٰ حلىٰ العسلِ والحلىٰ ها هو أمامي
ضحكت غادة بشدة بينما صاح كريم مصفقًا بقوة :
-الله ايه كلام الشعراء ده بس وربنا جوزها نفسه ما يعرف يقوله
استكملت غادة من بعده قائلة :
-تتحسد أول مرة تقولي كلام حلو من يوم ما كنت لابسة الفستان الأبيض من عشر سنين
دفعها حمزة من أمامه حتى يدلف ثم قال وهو يجوب الشقة :
-معلش اهو جبر خاطر اومال إسماعيل فين
اجابته الأخرى وهى تغلق باب الشقة بعدما دلف كريم هو الآخر :
-في الشغل، خير بقى ايه سر الزيارة دي
اجابها حمزة وهو يجلس على الاريكة واضعًا قدمًا فوق الأخرى :
-بصراحة زهقان وجاي اتخانق معاكي فشوفي ايه يعصبك هنا لو اتكسر علشان أقوم اكسره وندب بعدها خناقة، بس قبلها انجري اعمليلي كوباية نسكافية من غير لبن
حدقت به غادة بذهول لم يدوم إذ وقفت أمامه مشيحة بيدها بغضب :
-ايه قومي انجري دي هو انا الخدامة ثم تكسر مين يا متخلف ده انا اكسر دماغك
وكالعادة وقف كريم بينهما حتى لا يسوء الأمر قائلًا :
-بس يا جدعان صلو على النبي نفسي تقعدوا مع بعض مرة من غير خناق ولا تقوموا تمسكوا في بعض
تراجعت غادة الخلف وهي ترمق حمزة بحدة والآخر على وضعيته المستفزة بالنسبة إليها فقال كريم :
-اخاف أروح اعمل انا نسكافية ارجع الاقيكم ماسكين في شعر بعض
-لا عيب يا كريم انا أرقى من اني انزل بمستوايا الرفيع لأمثالها
نطق بها حمزة متفلسفًا عليهما بينما اجابته غادة لاوية شفتيها بتهكم :
-اهو بدأ في خطاباته وهنصدع دلوقتي
ووقف حمزة معترضًا على سخريتها هذه :
-ده اسمه أدب بس أقول ايه ما انتي صيدلية آخرك تبيعي البامبرز
كاد كريم ان يعترض على مشاجرتهم هذه لكن عندما سمع ما قاله حمزة افرغ فمه مصدومًا ثم قال :
-استني ده معاه حق، يعني انا بعد اربع سنين في صيدلية هقف في صيدلية وابيع بامبرز وزيت شعر؟!
وصاحت به غادة بغضب قائلة :
-انتي بتقول ايه انت كمان ده غيران مننا وحقودي علشان احنا دكاترة وهو حتة محامي طالع من أدبي
-بس علفكرة المحاميين بيكسبوا أكتر من دكاترة الصيدلية، انتي مشوفتيش في مسلسل نعمة الافوكادو كسبت عشرة مليون جنية في قضية
هتف بها كريم مؤيدًا حديث أخيه فقال حمزة وهو يدفع غادة في رأسها من الخلف :
-سمعتي يا دكتورة
ودفعت الأخرى يده بعيدًا صائحة :
-ده تمثيل يا حبيبي ثم المحاميين البريمو المشهورين بس هما اللي بيبقوا فوق أما انت كحيان لسه تحت
امسك حمزة برأسها ووضعها أسفل ذراعه طارقًا عليها بمزاح فهو يعشق الشجار معها ومشاغبتها رغم كونها الأكبر :
-مشهورين ايه ده انا أشهر منهم، ده انا متابعيني تسعة مليون جوا مصر وبرا مصر، انتي يعرفك ١٥ واحد حتى
صرخت الأخرى أسفل ذراعه صائحة :
-يا حيوان هتبوظ الطرحة بقالي ساعة ونص بلف فيها
ختمت حديثها ودفعته بقوة بعيدًا عنها فسقط حمزة على الاريكة وتوالت عليه الأخرى بالضربات بكل ما تطوله يديها بينما الآخر يقهقه بقوة وكريم يتابع ما يحدث يائس من أن يتوقفا ليقول جملة ابيه الشهيرة في مثل هذه المواقف :
-بابا معاه حق والله محدش فيكم اتربى
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تنهدت بهدوء وهى تنظر إلى المحلول المعلق في يدها تنتظر أن ينتهي حتى تعود إلى البيت وتخلد إلى النوم بعد هذا اليوم الطويل الذي انتهى بفقدانها للوعى في منتصف غرفة العمليات
دق الباب وقد اطل من خلفه إسماعيل ويوسف والذي ما إن رأته حتى عقدت حاجبيها وذمت شفتيها وكانت جملة "حسبي الله ونعم الوكيل" على طرف لسانها لكن لم تبح بها
ابتسم يوسف بحرج وعلم أن هذه النظرات الغاضبة موجهة إليه وفضل ألا يتحدث الآن خاصةً وأن إسماعيل قد تشاجر معه بعدما علم ما حدث لها، متهمًا إياه أنه أثقل عليها لدرجة أنها فقدت الوعي من التعب
تحدث إسماعيل وهو يسحب أحد المقاعد ويجلس أمام الفراش الذي تجلس عليه، هاتفًا بنبرة مهذبة :
-كده يا براءة تخضينا عليكي عامةً ألف سلامة وإن شاء الله مش هتكرر بس انتي خدي بالك من أكلك وعلاجك انا حللت دم ليكي وطلعت الانميا عندك عالية كتبتلك على محاليل حديد ومع ذلك برضو متهمليش أكلك، وابسطي يا ستي أجازة يومين
نظرت براءة بسرعة إلى يوسف فقال إسماعيل ما إن رأى نظراتها توجهت إلى الآخر :
-وصحيح نقلتك تحت تدريب دكتور تاني هو دكتور أمراض باطنة شاطر ومتأكد أنه مش هيضغط عليكي ولا يحملك فوق طاقتك لدرجة يغمى عليكي وسط العمليات
ختم حديثه رامقًا يوسف بإتهام وحِدة ولم يُجب عليه يوسف بل ظل صامتًا وقد أدرك بالفعل أنه كان يحمِّل براءة فوق طاقتها، وقد تحدث معه مجدي أكثر من مرة في الأمر ولكنه لم يكن يستمع، ظن أن الجميع يمتلك طاقة تحمل وشغف مثله وكم أراد أن يجعل براءة هكذا لكن يبدو أن لا أحد يتشابه
وقد تفاجأت براءة من أمر نقلها هذا إذ قالت :
-يعني انا مش هبقى تدريب في جراحة وادخل اوضة العمليات تاني؟
-ده على أساس اني الباطنة مش فيها عمليات وكمان انتي كلية مش معهد يعني رتبتك أعلى ضروري تتعلمي في العمليات
نطق بها إسماعيل موضحًا لها فقالت براءة مسترسلة :
-تمام ينفع تتصلي على حد من البنات مش هعرف أروح لوحدي
-انا اتصلت على ياسر علشان يجي علشان مع معايا بصراحة رقم حد من البنات وقالي أنه هيجيب واحدة من البنات ويجي
تحرك يوسف من سكونه هذا متقدمًا نحو المحلول الذي نفد لينزعه عنها وقد انتظرت منه براءة أي بادرة إعتذار لكن لم تتلقى منه سوى الصمت واكتفى بقول جملة اعتيادية وكأنها مريضة من مرضاه :
-ألف سلامة عليكي ويارب تقومي بالسلامة
خرج من الغرفة دون إضافة شئ آخر فقالت براءة بإنزعاج فور خروجه :
-ايه تقل الدم ده مكلفش نفسه وقال آسف حتى
تنهد إسماعيل مضيفًا :
-معلش هو مضايق بسبب اللي حصلك محمل نفسه الذنب، وهو لما يضايق بيفضل ساكت، حتى هو اللي قالي أدي تدريبك لحد تاني بعد ما اتخانقت معاه علشان تقل عليكي رغم إنك قولتيله إنك تعبانة ورفض تسيبي العملية وتطلعي
-احسن برضو كان مطلع عيني معاه
ابتسم إسماعيل ابتسامة هادئة وظل معها إلىٰ أن دق الباب ثم فُتح على مهل واطلت من خلفه عائشة تستكشف مَن بالداخل قلقًا من أن تكون أحدًا غير براءة وتصاب بحرج لكن عندما أبصرتها هى حتى دلفت بسرعة قائلة بمزاح :
-ايه براءة واحدة عشية وانتوا النهاردة؟! احنا اتحسدها علفكرة
حدقت براءة في وجهها بتعجب وكذلك إسماعيل إذ قال وهو يشير إلى علامات خربشة واضحة على خدها :
-مين عمل في وشك كده
وضعت الأخرى يدها على خدها تتحسسه ببطء ثم قالت :
-اتخانقت مع واحدة وخربشتني في وشي
رفعت براءة حاجبها بشك قائلة إذ أن عائشة من النوع الذي لا يترك حقه أبدًا ولو انطبقت السماء على الأرض :
-وانتي عملتي ايه بعدها؟؟
-لا انا عملت قبلها مسحت بيها بلاط المعمل
هز إسماعيل رأسه مذهولًا إذ قال :
-ايه الافتراء ده؟! عامةً حطيلها مرهم علشان متسبش أثر في وشك
نظر إلى براءة ثم أضاف تزامنًا مع استقامته من فوق المقعد :
-انا هطلب من واحدة من الممرضات تجيبلك هدومك علشان تغيري زِي التمريض ده وتمشي وألف سلامة عليكي يا براءة
هزت براءة رأسها مبتسمة بمجاملة وبعدما خرج بعدة دقائق طرق الباب فسمحت عائشة للطارق بالدخول وقد كان الطارق ياسر والذي قبل أن تأتي عينيه على براءة المسطحة على الفراش أتت على عائشة ذات الوجه المخدوش، فقال عاقدًا حاجبيه وقد اقترب منها هى محدقًا في وجهها بقلق وغضب في آنٍ واحد من أن يكون هناك من مد يده عليها :
-مين عمل في وشك كده يا عائشة؟؟
ورفعت براءة حاجبيها بإندهاش مغلف بالحنق فهى المريضة هنا وليس عائشة والآخر عينيه لا تزاح من عليها ولكنها اكتفت بهمسة خافتة إذ قالت :
-اهو بدأ محن ولد عبد الجواد
تنحنحت عائشة وهى تعتدل في جلستها ثم اردفت بالحقيقة فلم تعتد أن تخبئ عن أحد مشجاراتها، خاصةً عن ياسر والذي تعتبره في مثابة أخيها الكبير، وهذا لأنه كان يدافع عنهم هو وعمها الصغير حسن أثناء مصائبهن المدرسية وهذا بسبب أنهما كانوا الأكبر سنًا :
-واحدة طولت لسانها عليا مش كفاية إنها متنمرة حقيرة كمان قالوا عليا كلام زبالة زيهم
-قالت ايه
نطق بها ياسر بهدوء مخيف فترددت الأخرى في الإفصاح عن هذا لكن ما باليد حيلة لن يتركها وشأنها إلا عندما يعلم، اعتادت هذا الأسلوب منه والذي يستخدمه معها بالذات لسبب غير معلوم :
-انا شاطرة في الكلية والدكاترة كلهم بيحبوني علشان انا شاطرة مش علشان حاجة وحشة بس ازاي بتفكريهم الزبالة ده تقول أكيد بتعمل حاجة ليهم في الخباثة
اشتعلت عيني ياسر بغضب مخيف لم تراه عائشة بسبب استكمالها للحديث :
-مسحت بيها المعمل قدام الناس كلها ومحدش شالها من ايدي غير الأمن وللأسف أنكرت الهانم إنها قالت حاجة وانا لازم اجي ومعايا حد علشان سلوكي مشاغب وضربت زميلتي بدون سبب واستنى لما نور تعرف علشان هى تعبانة ومش بتحب المشاكل
-مش هتقوليلها حاجة وانا اللي هاروح معاكي بكرة
نطق بها ياسر بهدوء شديد وهو يعتدل في وقفته بعدما كان شبه منحني ناحية عائشة نظرًا لأنها جالسة وهو يقف، بينما عقدت الأخرى حاجبيها مرددة :
-وشغلك انت طالع ازاي دلوقتي أصلًا
-ملكيش دعوة بشغلي انا هاجي استنيني قدام الكلية
أشار إلى وجهها المجروح ثم أضاف بنبرة حانية آثارت ذهول براءة لتحوله السريع هذا :
-وحطي مرهم لده اوعي تنسى علشان تخف بسرعة
-يــاسـر
نطقت بها براءة منادية عليه فنظر إليها ياسر بانتباه بينما الأخرى استكملت بابتسامة مصطنعة :
-مرارتي يا بابا خف ماشي، ثم انا هنا التعبانة وحتى ما عبرتني بنظرة
قلب الآخر عينيه بضجر مجيبًا عليها :
-ما اديني جاي على ملا وشي علشانك ثم ايه حكايتكم واحدة عشية والتانية النهاردة انا جاي اشتغل ولا ألف عليكم في المستشفيات
واتسعت أعين براءة مذهولة لتشير إلى عائشة صائحة :
-يعني عندنا احنا لأ وعند دي عادي؟ طب احنا تعبانين والمرض بإيد الخالق طب واللي عملت مشكلة في الكلية وهى لسه مكملتش تلات شهور حتى، ده عادي؟!
أدارت عائشة رأسها لها محدقة بها في ضيق بينما قال ياسر ببرود مستفزًا إياها وهو يضع كفيه داخل جيوبه :
-وانتي مالك تعمل اللي هي عايزاه على قلبي زي العسل، هى تكسر وتخرب وانا أصلح من وراها اطلعي منها انتي بقى
ظنت عائشة انه قال هذا ليغيظها فقط لا غير بينما الأخرى كانت تعلم انه يقصد كل كلمة قالها لذا تحدثت غاضبة بعدما وقفت عائشة حتى تفتح الباب للطارق :
-ماشي يا ياسر افتكرها علشان لما تقولي ظبطي الجو من الست الحسن هقولك عندك امك
رن هاتفها فالتقطته من جانبها لتجد أن المتصل شروق، فتحت الخط ووضعت الهاتف على أذنها تستمع إلى الأخرى تقول بصوت متعب :
-ايه يا براءة انتي فين؟ اتصرفي وتعالي بدري النهاردة علشان تطبخي وتغسلي الغسيل اللي متغسلش من عشية دي
ابتسمت الأخرى بسخرية وكادت أن تخبرها أنها ستأتي بالفعل مبكرًا لكن لن تستطيع أن تحرك شيئًا في الشقة بسبب آلام قدميها الناتجة عن نقص الحديد، وكانت شروق أسرع منها إذ قالت معترضة وهى تعلم ردود شقيقتها الكسولة :
-وقبل ما تقولي هاجي مهدودة وهنام هقولك انا تعبانة وعندي دور برد تقيل والبنت نور متلقحة على السرير قدامي جسمها مولع ومعلقين ليها محلول فيلا انجزي وتعالي سلام
اغلقت في وجهها دون الاكتراث لإجابتها فنظرت براءة إلى الهاتف بغضب قائلة :
-ده على أساس اني انا اللي سليمة؟!
-فيه ايه؟؟
نطقت بها عائشة وهى تضع ملابس براءة على الفراش فأجابتها الأخرى بعد تفكير لثواني :
-احنا محتاجين عمتك اسماء تيجي تبيت عندنا ولا اقولك...
قطعت حديثها بإتجاه نظرها إلى ياسر ثم استكملت بابتسامة متسعة :
-ياسر طبعًا ابوك وابويا وعمي علي قالولك تخلي بالك مننا علشان انت الراجل اللي حيلتنا في الغربة فبص بقى نور تعبانة وشروق تعبانة وانا تعبانة والبنت الغلبانة دي بتسهر تذاكر، تعرف بقى تطبخ وتغسل ومتخافش دي غسالة اتوماتيك بتغسل وتنشف يعني مش هتعصر حتى
وما كان رد فعل الآخر غير أنه استقام مغلقًا سحاب سترته ثم قال بنبرة هادئة بشدة كانت أقرب للبرود، موجهًا حديثه لعائشة :
-ساعديها تلبس وخديها وروحوا انا ماشي وبكرة على معادنا قدام الكلية
ختم حديثه وخرج من الغرفة وكأنه لم يسمع أي شئ مما قالته براءة بينما الأخرى صاحت بغضب وذهول فور خروجه :
-أبو تقل دم امك يا ياسر
صمتت مليًا ثم قالت متراجعة :
-ولا بلاش امك علشان تبقى خالتي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جالسة في إحدى العيادات بصمت شديد فهى على هذا الوضع منذ البارحة، صامتة هادئة وعقلها فقط هو ما يسترجع جميع الذكريات المشابهة لما يحدث معها الآن
هى تحمل في احشائها طفل من حاتم، يبدو أنه أبى تركها وشأنها حتى بعد مماته فترك بذرته داخلها، لم تبتئس أو تحزن فقد بعث الله لها ونيس في وحدتها، ستربي طفلها وتجعله سندًا لها في الدنيا فلم يتبقى لها أحد
لكن تدعو الله أن يتم الأمر ولا يلحق بأخويه اللذان ماتا قبل أن يخرجا للدنيا، تتذكر أول مرة عندما علمت أنها حامل، كانت خائفة، مصدومة، مرتعبة، أجل مرتعبة من الأمر فقد خافت عليه من سعاد وأبنائها حتى من حاتم نفسه، إن لديه خمس أبناء فلما سيقبل بطفل آخر؟!
خرجت حينها من المرحاض تحمل في يدها اختبار الحمل لكن عندما ابصرت حاتم في غرفتها حتى خبأت الاختبار بسرعة داخل منامتها تحدق في ظهره بخوف إذ كان يقف أمام الخزانة يغير ملابسه إلى أخرى تناسب النوم
ازدرقت لعابها بتوتر وهى تتقدم للأمام فأستدار حاتم عندما شعر بخطواتها مبتسمًا لها كم يرتاح لهذه الصغيرة تنسيها كثيرًا همومه يكفيه النظر إلى وجهها حتى ينسى الدنيا وما فيها :
-تعالي يا هاجر
وقفت الأخرى أمامه تنظر إلى منامته الموجودة في يده :
-هو.... هو انت هتبات هنا؟؟
هز رأسه بأجل وهو يمسك بذقنها بلطف ثم قال :
-ايوه ولا عندك مانع
ونفت الأخرى برأسها فقال حاتم وهو يترك ذقنها ويحدق في عينيها البنية :
-تعرفي؟ برتاح في اوضتك ومعاكي أكتر علشان انتي هادية ومطيعة مش زي الغرابة اللي انا متجوزها
اخفضت هاجر رأسها تكتم ضحكتها على ما قال لترفع رأسها عندما وجدته يجلس على الفراش ويهم بالخلود للنوم لتمسك بالاختبار بكفها داخل جيبها وهى تفكر في بإخباره، حاتم لا يكرهها وهى لا تكرهه أيضًا
أنه رجل حنون معها ولا يُحزنها أبدًا أجل اتمم زواجه منها رغم عدم رغبتها بالأمر وقد تضايقت بشدة لهذا لكن ضيقها لن يقدم شيئًا لذا استسلمت للأمر وتقبلت كونها زوجته وتقبلته هو أيضًا
فقط ما كان ينغص عليها حياتها هى سعاد ومشاكلها فقد أقسمت بعد زواجها من حاتم أنها ستذيقها الويل وقد صدقت، كان يدافع عنها حاتم ويهدد سعاد بعدم الاقتراب منها أو أذيتها ولكنه كان كثير السفر والأخرى كانت تستغل هذا بل ولم تكن تهتم لتهديداته فهى امرأة ذات جبروت ولا تخاف
حتى أنه في مرة ضرب سعاد بشدة بعد أن قامت بحرقها بالنار وحبسها داخل إحدى الغرف دون طعام ولولا عادل اخرجها وبناتها أيضًا اللواتي اشفقن عليها بل وشعرن بالخوف من ابيهن عندما يعود من السفر ويعلم لكانت ماتت في تلك الغرفة، بل تقسم أنها في دقائقها الأخيرة شعرت بالموت يحوم حولها
لقد ضربها لدرجة انه كسر لها ذراعها والأخرى لم تتعظ بل زاد الكره في قلبها ناحيتها ولم تتوقف عن مضايقاتها
جلست على الفراش بجانبه وأخرجت الاختبار رفعته أمام عيناه هاتفة بتوجس :
-حاتم انا.... حـ حامل
حدق الآخر في الاختبار بعدم تصديق لما يراه هل هى بالفعل حامل منه؟! لم يصدق أن شيئًا كهذا قد يحدث ولم يكن ينتوي حتى، أما هاجر شعرت بالخوف من رد فعله وكانت تراقبه بتوجس لتشعر بالراحة قليلًا عندما رأت الابتسامة ترتسم على وجهه مصحوبة بقوله :
-حامل بجد؟! انا.... مش مصدق
-هو انت فرحان؟!
نطقت بها بتعجب فقال الآخر متعجبًا سؤالها هذا :
-ايوه فرحان وهزعل ليه!؟
-توقعت كده علشان انت عندك خمس أولاد
قلب حاتم عينيه وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة :
-انا يأست من العيال دول أصلًا يمكن مفيش حد عدل فيهم غير عادل والباقي ضاعوا خلاص، يمكن اللي جاي ده يكون أحسن منهم علشان انتي هتبقى أمه وهتربيه كويس وانا متأكد من ده
ابتسمت هاجر بسعادة وراحة لحديثه لكن لم تكن راحتها كاملة إذ كانت تخشى أن تعلم سعاد، حتى حاتم نفسه اخبرها أن تتكتم على الأمر ولا تخبر أحدًا به، لكن سعاد كان لها أعين وآذان في كل مكان إذ في خلال يومين عرفت بالأمر
ولا اخبركم ماذا فعلت إذ في ساعات قليلة من معرفتها كانت تقف بها على الدرج وقد أصبحت أسفله غارقة في دمائها وبالطبع أنكرت انها فعلت ذلك أمام حاتم، ولكن الجميع كان يعلم أنها هى ربما حتى الخدم في البيت كانوا على علم ببغضها وحقدها الذي تكنه لها
وما كان من رد فعل حاتم إلا أنه وقف أمام سعاد بجبروت يضاهي جبروتها مخبرًا إياها أنه سينجب غيره، طوال العشر سنوات التي عاشتها بين جدران منزلهم كانت ترى أن حاتم أحيانًا يعتبرها زوجة له ووصية تركها الرجل الذي خدمه لسنوات
وأحيانًا كانت ترى أنها أداة يستخدمها لإغضاب سعاد كما توعد لها قبل أن يتزوجها، يعاند سعاد بها وهذا كله كان يهبط فوق رأسها هى ولا أحد غيرها
وبعد فعلتها هذه اتخذت احتياطات وأصبحت تاخذ حبوب لمنع الحمل حتى لا يحدث شئ آخر لكن كلمة الله نافذة وحملت بعد خمس سنوات من حملها الأول وقد كانت مرعوبة من أن تفعل سعاد لها شيئًا كالمرة السابقة
لذا أخذها حاتم معه وسافر، لكن لم يمر أسبوعان على سفرهم إلا وأجهضت جنينها بعد أن اعتدت عليها امرأة مجهولة بالضرب المبرح، حتى أن روحها كادت تخرج يومها مع جنينها لكن يبدو أن في عمرها بقية حتى تتجرع عذاب سعاد
والآن ها هى للمرة الثالثة تحمل ومن حاتم لكن ستتكتم جيدًا على الأمر هذه المرة حتى لا يعلم أحد ويخرج طفلها حي لها
-هاجر حاكم
استمعت إلى اسمها من الممرضة فأستقامت من فوق مقاعد الإنتظار وتحركت معها لتدلف إلى الطبيبة التي كانت تجلس خلف مكتبها ذو اللون البني، كانت امرأة في منتصف العمر تظهر بعض الخصيلات البيضاء في منبت شعرها
جلست هاجر أمام المكتب فابتسمت لها الأخرى ابتسامة هادئة :
-أهلًا مدام هاجر
هزت الأخرى رأسها مُرحبة بها ثم قالت بهدوء شديد :
-انا جاية اتابع مع حضرتك الحمل
-إن شاء الله خير اتفضلي معايا علشان اكشف عليكي
ووقفت معها هاجر متجهة إلى السرير الطبي الموضوع في إحدى زوايا الغرفة لتبدأ الطبيبة في الكشف عليها وهى تسألها بعض الأسئلة :
-هو ده أول حمل ليكي
-لأ التالت بس ربنا مأرادش اني الحمل يكمل وكنت بجهض
آماءت الأخرى بتفهم لتنزع القفازات ثم عادت خلف المكتب مضيفة سؤال آخر :
-آخر مرة الدورة الشهرية جاتلك أمتى؟؟
اجابتها هاجر وهى تعدل من ملابسها ثم جلست في المقعد الأمامي للمكتب قائلة :
-مش عارفة يمكن من أكتر من شهر
-تمام هطلب منك بعض التحاليل علشان نعرف الحمل بقاله قد ايه، وطبعًا مش عايزة اقول لازم راحة وتاكلي أكل صحي وتاكلي برضو فاكهة وخضار كتير، وبما اننا في الشتاء مش اي دواء تاخديه حتى لو جالك نزلة برد، ترجعيلي الأول علشان متضريش البيبي تمام
وآماءت الأخرى برأسها بسرعة متسائلة :
-هو الحمل تمام؟ طيب البيبي تمام مفيش فيه ايه مشاكل؟!
ابتسمت لها الطبيبة بعملية قائلة :
-مدام هاجر إحنا لسه في البداية وحضرتك تقريبًا حامل في شهرين أو شهر ونص وحملك مستقر متخافيش
قطعت لها ورقة بالتحاليل التي طلبتها منها لتعطيها له ثم قالت :
-في العمارة اللي قدامنا فيه معمل تحاليل كويس اعملي التحاليل دي واشوفك الأسبوع الجاي في نفس المعاد إن شاء الله
أخذت منها هاجر الورقة وخرجت من العيادة تمسد على بطنها بحنان متشوقة لرؤية صغيرها، تدعو الله أن يكتمل الحمل على خير وألا يصيبه أي مكروه
خرجت من البناية متجهة إلى الأخرى لتقوم بالتحاليل التي طلبتها وقد كانت هناك أعين تراقبها عن كثب في إحدى السيارات ليخرج صاحب هذه الأعين ويتبعها حتى يعلم إلى ذاهبة، وعندما وجدها دلفت إلى معمل التحاليل حتى هبط من البناية بسرعة مخرجًا هاتفه، متصلًا على ربة عمله :
-الو يا سعاد هانم خرجت من عيادة النسا والتوليد ودخلت دلوقتي معمل تحاليل
وأتته الإجابة على الناحية الأخرى عالية بشدة لدرجة انه أبعد الهاتف قليلًا عن اذنيه يستمع إلى صراخها وكأن المرأة أصابها الجنون :
-تتصرف وتجيب نسخة من التحاليل دي النهاردة قبل بكرة
وما كان من الآخر غير أنه هز رأسه وكأنها تراه :
-تمام يا سعاد هانم اللي تؤمري به
اغلقت في وجهه دون إضافة شئ آخر لتلقي بهاتفها على الاريكة الفاخرة في منزلها بغضب، تسير في البهو ذهابًا وايابًا وكأنها جمرة مشتعلة لتمسك بإحدى المزهريات وتحطمها على الأرضية السيراميكية فتناثرت قطعها المكسورة في كل مكان
وعلى صوتها أتى سكان البيت، أتى ثلاثة من أبنائها لتقول إحدى بناتها وهى تحدق في الشظايا المكسورة :
-فيه ايه يا ماما
وصرخت بها الأخرى بصوت رن صداه في أرجاء البهو :
-فيه ايــه؟! طبعًا ما انتوا مش فاضيين من خروجاتكم وسهراتكم وانا اللي بعدل المصايب اللي بتحصل
اجابها ابنها كاظم بهدوء شديد وهو يدفع الشظايا بعيدًا حتى يصل إلى الاريكة ويجلس عليها :
-مصيبة ايه قولي!؟
ختم حديثه جالسًا على الاريكة، ثم قام بفرد ذراعيه بطولها بينما يستمع إلى والدته والتي قالت بكل غضب :
-بنت البواب شكلها حامل
اندهش جميع الموجدين لتقول ابنتها بذهول :
-حامل؟! حامل من مين؟؟ اكيد مش من بابا
استدارت لها والدتها رامقة اياها بسخرية بينما لم تنخفض نبرتها الحادة :
-أكيد من ابوكي، هى ملهاش في الحرام وحاتم مات من شهر بس يعني حتى العدة بتاعتها لسه مخلصتش كنت قولت اتجوزت وحامل من جوزها
-وانتي متعصبة كده ليه سقطيها زي المرتين اللي فاتوا حتى مفيش بابا ومش هتخافي وهى ملهاش حد أصلًا
نطقت بها الابنة الثانية بلامبالاة فقال كاظم بسخرية :
-ومين قال ملهاش حد ده عادل ناوي يديها ورثها بعد الأربعين واستنوا يعرف إنها حامل هيبقى ورثها وورث اللي في بطنها واستنوا لما نعرف جنس البيبي كده هيبقى ليها أكتر من الربع في كل حاجة الشركة والمطاعم والعمارات
صرخت به سعاد وكأن تلبسها الجنون من خلف حديثه هذا :
-على جثتي بنت حاكم البواب تورث ولا اللي في بطنها يورث مع عيالي كفاية كانت قرفاني عشر سنين مهما كنت أعمل فيها لا بتطفش ولا بتموت، وحاتم الله يحرقه في جهنم كان متمسك بيها كأنها سحراله
تحدث كاظم بهمس إلى شقيقته التي كانت تجلس بجانبه قائلًا :
-امك اتجننت برأيي ناخدها مستشفى الأمراض العقلية وعلى الأقل المجانين ملهومش ورث والتُمن اللي كانت هتاخده يرجع لينا احنا
رمقته الأخرى بغضب وإزدراء لحديثه هذا فلطالما كان معروف كاظم بينهم باللامبالاة ومزاحه السوداوي الذي لا يطاق، حولت انظارها إلى والدتها بغضب وشفقة على الفتاة من أفكار والدتها الشيطانية
أجل في البداية كانت لا تطيق هاجر لأنها سرقة منهم والدهم لكن مع مرور الوقت بدأت تشفق عليها مما كان يحدث لها، تقسم أن هاجر كادت تموت أكثر من مرة بسبب أفعال والدتها لولا عادل وأبيها وحتى هى كانت تساعدها في الخفاء معهم، ترسل إليها الطعام، تعالج جروحها، تحاول أن تخفف عنها
وكل هذا في الخفاء فهى حقًا تخاف من جبروت والدتها وليست كعادل الذي يقف في وجه الجميع ويقول لا دون أدنى اكتراث بأحد
والآن زاد الأمر عن حده فحتى بعد أن تركتهم ورحلت نابذة كل شئ لا تتركها والدتها وشأنها، وقفت من فوق الاريكة صائحة بوالدتها بغضب :
-حرام عليكم سيبوها في حالها ما سابت الجمل بما حمل وصدقت ما خلصت منكم عايزين منها ايه تاني؟! وعلفكرة انا هقول لعادل علشان يحميها منكم ومش هسكت لو سقطيها المرة دي كمان ولو كنت زمان خايفة منك فدلوقتي مش هسيبك تأذيها وتأذي اللي في بطنها واللي هيبقى اخويا
وكانت إجابة الأخرى صفعة دوى صداها في أرجاء المكان جعلتها تسقط على الفراش كما كانت ولم تلبث لثواني حتى تستوعب ما حدث إلا ووجدتها تسحب خصلات شعرها بقوة هادرة في وجهها بغضب ارعبها حقًا فقد اعمت الغيرة والحقد قلب وعيون سعاد :
-اسمع اخويا دي منك تتقال لحد غير عيالي اتبرى منك، ثم صعبانة عليكي وانا مش صعبانة عليكي لما كنت أبات كل ليلة دمي محروق منها هي وابوكي الله يحرقه مكان ما راح، حارق دمي وهو عايش وهو ميت
دفعت رأسها بعنف مبتعدة عنها فقال كاظم لشقيقته وهو لا يزال على وضعيته على الاريكة ولم يتحرك إنشًا :
-طلعتي يا اختي اللي في قلبك اديكي اخدتي قلم محترم منها استفدتي ايه بقى؟!
نظر إلى والدته يراها تكمل صراخها الحاد وهى تمسك بمزهرية أخرى وتحطمها فوق الأرضية :
-اتأكد بس هى حامل ولا لأ وانا وديني لاقتلها واقتله زي اخواته
-هتقتلي مين؟؟
وخرج هذا الصوت من عادل الذي دلف إلى البهو رافعًا سترته على كتفه بينما يحدق في الجميع بأعين زرقاء باردة، لتأتيه الإجابة من كاظم وهو يرفع يديه عاليًا وكأنه يحييه :
-عادل تعالى شوف آخر الأخبار، مرات أبوك حامل
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
امسك بهاتفه بعد تفكير طويل ليقوم بنشر رسالة على جروب دفعة للصف الثاني في قسم علم النفس يقول بها
"بكرة امتحان مفاجئ شامل على كل اللي اخدناه والحضور إجباري لأن الامتحان عليه درجات"
أغلق هاتفه وهو يفكر ان كانت ستحضر أم لا، بالتأكيد سوف تحضر ولن تفوت اختبار عليه درجات قد تضيع منها
مسح على دقنه يفكر جديًا في هذه العلاقة المعقدة، يريد أن يأخذ خطوة نحوها لكنه يخاف الرفض منها، هى لا تزال في التاسعة عشر من عمرها بينما هو يكاد يكمل الخامسة والثلاثون من عمره أي يكاد يكون ضعف عمرها
ومشكلة أخرى تقف أمامه، إن تقبلت فارق السن هى لا تزال عزباء بينما هو مطلق ولديه طفلة تبلغ من العمر أربع سنوات هل ستتقبل شروق كل هذا؟!
طرق باب غرفته فتوجه نحو الباب حتى يفتحه وقد كان أبيه يقف أمامه، تحولت ملامحه للجمود عندما مد الآخر كفه له مردفًا بكلمة واحدة :
-المفتاح
ورغم أنه فهم ما يعنيه إلىٰ أنه تصنع الغباء، عاقدًا ذراعيه أمام صدره ثم قال :
-مفتاح ايه؟؟
-متستهبلش يا عاصم هات مفتاح الأوضة اللي حابس فيها أخوك
نطق بها والده بغضب فقال عاصم معتدلًا في وقفته وقد حاول كتم غضبه فهو في النهاية يقف أمام والده ووجب عليه احترامه :
-وانت قبل ما تقول هات المفتاح مش تسأل انا حبسته ليه؟
-أيًا يكن السبب ملكش الحق تعمل في اخوك كده انا لسه على وش الدنيا لما ابقى اموت ابقى ربيه على الطريقة اللي انت عايزها، ودلوقتي هات المفتاح يا عاصم
-ابنك اتحرش ببنت في تانية إعدادي
نطق بها عاصم بجدية شديدة وخيبة أمل في أخيه الصغير وقد تفاجأ والده حقًا لما قال، لم يتوقع أن فِعلًا كهذا قد يخرج من ابنه، حمحم منظفًا حلقه ثم قال وقد عاد ومد يده له :
-هات المفتاح يا عاصم
-هتعمل ايه؟؟
نطق بها وهو يخرج المفتاح من جيبه يعطيه له ولم يجبه الآخر بل اتجه إلى الغرفة التي يحبسه عاصم بها وقد كانت تعود لبعض الأدوات، لحق به عاصم وعندما فتح سعيد الغرفة وجد ابنه مقيد بها فوق مقعد وعلى فمه شريط لاصق ويبدو أنه تلقى الكثير من الصفعات وهذا واضح من احمرار خديه
نظر إلى عاصم بغضب لما فعله به فهو صغيره في النهاية بل والمدلل لديه كونه أصغر أبنائه :
-ايه اللي انت عامله في الولد ده؟!
اتسعت أعين عاصم بذهول من رد فعله هذا يراه يتجه إلى سليم يفك وثاقه وهو يعتذر له فقال مصدومًا :
-ايه انت اللي بتعمله ده؟! بقولك اتحرش بواحدة واقسم بالله لولا إنها كانت عايزة تلم الموضوع كنت خليت أهلها عملوا محضر فيه
اجابه والده وهو يقف أمامه صائحًا :
-وانا مش هعدي الموضوع عادي بس بطريقة صح، اتكلم معاه مش تضربه وتربطه وتحبسه فوق اوضة زي الحيوانات
-والله انا شايف انه فعلًا زي الحيوانات شهوته اتغلبت على عقله ولو متاخدش بالقوة مش هيرجع وبدال ما يبقى دلوقتي تحرش هيبقى بعدين اغتصاب
ابعده والده من أمامه ساحبًا معه سليم ثم قال :
-انا هربيه انا بالعقل مش بالضرب هل سبق وضربتك انت ولا اخواتك البنات
زفر عاصم يقف على جنب، يحاول أن يهدئ نفسه قليلًا ثم قال :
-بس اللي عمله يا بابا مصيبة لا انا ولا اخواتي عملناها، والتحرش حاجة ميتسكتش عليها وانت حضرتك مش هتتعامل معاه بالعقل قد ما هتعدي الموضوع علشان هو دلوع العيلة
واجابه الآخر بعناد لما في رأسه :
-ده ابني واربيه على طريقتي يا عاصم روح انت ربي بنتك قبل ما تبقى مشتتة بين أبوها وأمها وشوف حل في الوضع ده
تركه ورحل بينما صفع عاصم الباب بعنف ثم هبط للأسفل حيث كانت تجلس عايدة مع ابنته تالين ومن المفترض أنها ستبيت معها هى، وعندما هبط وجدها تجلس بشرود ويبدو الحزن والانكسار على ملامحها ورغم هذا وقف أمامها هاتفًا بجدية :
-عايدة حضانة البنت هتـ
وقبل أن يكمل حديثه كانت الأخرى تقاطعه بنبرة ضائعة وكأن روحها شاردة لا تجد شاطئ ترسو عليه :
