رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل العشرين 20 بقلم ملك علي
= البارت العشرون أنت ؟
بعد أن تعرف الجميع على بعضهم أمر الضابط باستدعاء ملك
هذه الأخيرة كانت متعبة حد الانهاك , وجهها شاحب مع هالات سوداء تحت عينيها المحتقنتين , لم تذق لقمة واحدة و لم تغمض لثانية واحدة ,
و لكنها كانت تتماسك كعادتها , و لا تحاول الظهور مظهر الضعيفة أمام الآخرين
بعدما دخلت ملك الى المكتب حيت الموجودين بكل أدب , بعدها طلب منها الضابط أن تجلس الى الأريكة مقابل مكتبه
جلست ملك بكل هدوء منتظرة الفرج , و هي تحدق ناحية الرجل الغريب , الذي انظم الى فريق الإنقاذ اليوم
و سرعان ما بادر المحامي مع ابتسامة خفيفة
" صباح الخير سيدتي , أنا متر عطية علوان
المحامي الذي أوكلني زوجك للاهتمام بقضيتك "
عبست ملك لسماع ما قاله و ردت محاولة تمالك أعصابها
" أنا آسفة سيدي , لكنني لست زوجة لأحد أنا لا زلت عزباء "
ابتسم المحامي أكثر و قال بلهجة مراعية , أدهشت جوزيف الذي يعرف طبيعته الشرسة
" لا داعي لأن تكوني غاضبة سيدتي , سنسوي كل الأمور هنا ,
أنا وعدت زوجك بأن أبذل كل ما بوسعي للمساعدة , لذلك لا داعي للقلق "
وقفت ملك من مكانها و تكلمت بانزعاج من اصراره , فهي لم تعد تحتمل أن تعامل كطفلة , لا تعرف ما يجري حولها
" أنا قلت أنني لست متزوجة ألا تفهم ؟ "
كانت لهجتها أكثر حدة و أقل تهذيبا
تدخل عبد الحفيظ برصانته المعهودة محاولا تهدئة الأمور
" اهدئي ابنتي من فضلك , إذا أردنا أن نفهم الموضوع , علينا أن نعرف كل التفاصيل "
و أشار لها بالجلوس مجددا
هدأت ملك قليلا فقط لأنها تحترم هذا الرجل و تثق به , و عادت للجلوس مكانها
سأل الضابط هذه المرة موجها كلامه الى عطية بعدما لاحظ ردة فعلها العدوانية
" هل تعرف السيدة ؟ "
أجاب المحامي بصدق
" شخصيا لا , لكن السيد أرسل لي صورها مساءا و قد بدا قلقا ,
في الحقيقة أنا لم أعرف أنها زوجته إلا البارحة "
شعرت ملك ببعض الارتياح رغم غرابة ما قاله ,
ساد بعدها الصمت داخل المكتب , و بدأ المحامي عطية بالحديث مجددا
" أنا موكلي هو رجل أعمال معروف , إلتقى السيدة ملك في المغرب منذ سنة تقريبا , بالتحديد في أبريل الماضي و تزوجا هناك بعقد رسمي حرر عند موثق معتمد ,
ثم تم توثيقه على مستوى الخارجية المغربية , و تسجيله على مستوى سفارة الإمارات العربية المتحدة في الرباط كما ينص عليه القانون "
و قدم وثيقة زواج رسمية تثبت كلامه , تحمل إسم ملك و إسم الرجل المدون في قرار حظر السفر
أخذ الضابط العقد نظر اليه قليلا ثم مرره للرجلين , و منهما إلى ملك التي أمسكته و بقيت تحدق فيه دون فهم شيء ,
ثم قطبت جبينها فجأة و انتابها شعور سيء , و قد لاحظت تطابق امضائها الشخصي مع الامضاء على الورقة , و كأنه نسخة منه لكنها لم تقل شيئا
استرسل الرجل في كلامه و هو يحدق إلى وجوه الحاضرين بجدية , طالبا انتباههم و كأن ما سيقوله شديد الأهمية
" في الحقيقة الزواج تم دون علم أهل السيدة , و قد أراد موكلي توثيق العقد على مستوى السلطات الجزائرية أيضا ,
لكن السيدة طلبت ارجاء الأمر لحين اخبارهم و السيد وافق ,
بعدها التقيا عدة مرات في الجزائر دون علم أحد , و قبل أيام قدمت السيدة في أول زيارة لها إلى دبي , و قد أقامت في أول ليلة في فندقه و في جناحه الخاص "
و قدم صورا لحجز الطائرة و حجز الفندق في أول يوم لها هنا ,
كانت ملك تتفحص الأوراق أمامها بتمعن مقطبة جبينها و مشوشة التفكير , دون أن تعلق بكلمة واحدة ,
محاولة استيعاب ما الذي يريد المحامي الوصول إليه بإظهار هاته المستندات التي تراها لأول مرة
أضاف المحامي بكل تركيز
" طبعا كان السبب المعلن لزيارتها , هو المشاركة في الحفل الخيري الذي أقامه السيد قبل أيام ,
حيث كانت السيدة ضيفته الشرفية , دائما دون الافصاح عن هويتها , و ذلك نزولا عند رغبتها "
تنهد بعدها المحامي و أضاف
" لكن للأسف نشب خلاف بينهما , و غادرت السيدة غاضبة لأنها أخبرته أنها حامل ,
و أن والديها لن يقبلا الأمر أبدا و سيثيران مشكلة , لذلك قررت التخلص من الجنين , و هي قدمت إلى هنا خصيصا لاعلامه ,
و لكن اعتراض السيد الشديد على فقدان إبنه الذي لم يولد بعد , أدخل السيدة في حالة هستيريا حادة ,
تم تشخيصها على أنها انهيار عصبي بسبب تغيرات الحمل "
و قدم شهادة طبية لطبيبها النفسي , و أخرى للطبيبة النسائية التي عاينتها و تقول بأنها حامل في شهرين ,
و أضاف سريعا و هو يحدق في وجوه الجميع
" أعتقد أنكم شهدتم الفضيحة التي نجمت عن تسريب الفيديو , الذي يصور نقاش موكلي و زوجته في الفندق ,
و الذي اختفى سريعا بسبب تورط الفاعل في قضية التشهير بهما "
لم يقل أحدهم شيئا إلا جوزيف الذي هز رأسه , وقد بدا الوحيد الذي شاهد الفيديو على الإنترنت
كانت ملك ترغب بالنفي بشدة و بدأ توترها يتصاعد , و لكن عبد الحفيظ الذي قام و جلس إلى جانبها ,
أشار لها بالهدوء و التروي , ما دامت كل المعلومات التي يقولها هذا الرجل لا تخصها , فلا داعي للاستعجال ,
استمر المحامي بالسرد
" و نظرا لاصرار السيدة على إجهاض الجنين و السفر إلى بلدها , تقدم موكلي بطلب حظر سفر استعجالي للضرر إلى المحكمة , لحفظ حقه في حماية طفله ,
كما ينص عليه القانون طبقا للمادة 149 من قانون الأحوال الشخصية , و القاضي وافق عليه "
قاطعه الضابط هاته المرة
" متر أنا لا يهمني معرفة تفاصيل الحياة الشخصية لموكلك أو سبب استصدار القرار ,
ما يهمني هو معلومات تفيد التحقيق في القضية ,
فموكلتك متهمة بمحاولة تهريب ماسة بقيمة 3 مليون دولار , و ألقي عليها القبض في المطار بسبب ذلك "
ابتسم المحامي بكل ثقة و أجاب
" أعرف سيدي و لكن معرفة هذه المعلومات مهمة لما سأقوله لاحقا ,
البارحة و بسبب اضطرابها النفسي و غضبها , قررت السيدة العودة فجأة متجاهلة قرار الحظر ,
و بما أنها كانت مستعجلة , فقد حملت معها قطعة الماس تلك دون انتباه منها ,
و كان موكلي قد أهداها إياها في وقت سابق , بمناسبة أول زيارة لها إلى هنا , و هذه شهادة ملكية القطعة ,
تعود إلى عامين ماضيين اشتراها موكلي من مزاد في الهند , و حملها معه إلى هنا بطريقة قانونية "
و ناوله الوثيقة ثم أضاف
" و بما أنهما متزوجين رسميا فالملكية مشتركة , يعني القطعة أيضا ملك لموكلتي "
قاطعه الضابط مجددا
" حتى و ان كانت السيدة مالكة للقطعة , فالقانون لا يسمح لها بنقلها هكذا بكل بساطة , هذه محاولة تهريب متر "
ابتسم المحامي مجددا
" أعلم سيدي و لكن أنت قلتها بنفسك ' محاولة '
فالسيدة تم اقتيادها من أمام مكتب التسجيل , لم تصعد إلى الطائرة و لم تدخل حتى صالة الركوب ,
يعني يحتمل أنها كانت تنتظر زوجها لاستعادة القطعة مثلا , أو نسيت أمرها كما أشرت مسبقا ,
و الا ما كانت سمحت لأفراد الشرطة بتفتيشها دون مقاومة "
عبس الضابط و قد بدأ يفقد صبره هو الآخر
" لكننا حررنا محضرا بالواقعة و فتحنا تحقيقا بالفعل , لا تتوقع مني حفظه هكذا بكل سهولة متر عطية "
أشار المحامي بيده نافيا نيته في طلب ذلك
" لا طبعا لا سيدي أنا أحفظ القانون , أنا فقط أحاول أن أفسر ما حصل , و أطلب من حضرتك تقييد هذه المستندات في المحضر ,
و أنا واثق أن أي قاض سيكون مراعيا , للظروف التي قبض فيها على موكلتي "
بسماع مناقشة المحامي و الضابط و الأخذ و الرد بينهما , لم يعد هناك مجال للشك بأن الشخص الذي يثرثران حوله منذ الصباح هو ملك نفسها
لا يعقل أن تكون كل هذه النقاط المشتركة , و كل هذه الوثائق التي تحمل اسمها و معلوماتها مجرد مصادفة
و المشكلة الآن أن الضابط مقتنع , و على وشك إطلاق سراحها مع هذه الهوية المختلقة ,
إذا كان الأمر هكذا فهي تفضل الذهاب إلى السجن , على أن تعيش بشخصية مزورة ,
تشوش ذهن ملك أكثر , و هي تحاول أن تفهم ما الذي يستفيده هؤلاء من تزوير هويتها ,
وقفت فجأة من مكانها , و ارتفع صوتها موجهة كلامها للمحامي عطية
" أنت تكذب هذه ليست الحقيقة , أنا لا أعرفك و لا أعرف موكلك هذا , أنا لست متزوجة لست حامل و لست مريضة نفسيا "
صرخت و ألقت كل الأوراق التي مرروها لها في وجهه و استرسلت
" و قطعة الماس تلك أنتم من أوصلها الى حقيبتي لاتهامي , أنا لم أطلب منك أن تدافع عني ,
ثم أين موكلك هذا ليواجهني , و سأرى إن كان يجرؤ على الكذب في وجهي "
كانت ملك غاضبة متوترة و متعبة , كانت تحاول التقاط أنفاسها , و هي تصرخ بصوت عال محاولة اقناعهم أنها ليست الشخص الذي تكلم عنه المحامي قبل قليل ,
و أن هناك التباسا كبيرا هي لن تقبل السكوت عنه ,
و كان الحضور يحاولون تهدئتها بكل صبر , مراعين أنها حامل و أعصابها متوترة , فمن غير المستحب معاملتها بعنف , فقد تحدث مضاعفات غير متوقعة
فجأة فتح الباب و دخل شرطي و اتجه ناحية الضابط
" سيدي السيد علي الشراد هنا يريد مقابلتك "
بمجرد ذكر الإسم صمت الجميع داخل المكتب , و اتجهت أنظارهم صوب الباب ,
كان علي يقف هناك يرتدي بدلة زرقاء , مع قميص أبيض دون ربطة عنق , و يفتح الزرين العلويين بأناقته المعتادة
يقف بكل شموخ و يضع إحدى يديه في جيب سرواله , و تعلو وجهه تعابير جدية , و خلفه مباشرة يقف كريم بوجهه متجمد الملامح ,
ألقى علي بعينيه الحادتين نظرة على كل من بالمكتب , قبل أن تستقر على وجه ملك ,
كان وجهها شاحبا جدا و هالاتها سيئة , كانت تظفر شعرها الذي تمردت منه بعض الخصل لتغطي جبينها و خديها ,
و كانت ترتدي ملابس الأمس التي تجعدت بشكل سيء ,
لكن ما أشعره بالرضا فعلا , هو النظرة المصدومة في عينيها العسليتين المتعبتين
" صباح الخير "
قال بصوته الأجش و بهدوء بالغ , قبل أن يتقدم بخطى متأنية ناحية ملك , التي كانت و كأنها وقعت تحت تأثير التنويم المغناطيسي
شلت كل حواسها محاولة استيعاب علاقة هذا الرجل بما يحدث هنا , و كأن مصائبها لا تكفي حتى يظهر هذا المتسلط البغيض الآن ليزيد حياتها بؤسا ,
لكنها لم تفعل غير التحديق في وجهه غير مصدقة , و كأنها تعيش كابوسا تنتظر أن تفيق منه ,
بمجرد أن أصبح أمامها مباشرة , ظهرت ابتسامة ساخرة على وجهه و هو يراقبها من فوق ,
مد يده و حرك خصلة من شعرها خلف أذنها , ثم همس بصوت هادئ
" صباح الخير حبيبتي , آسف لأنني تأخرت "
كان صوته دافئا و حنونا , لكن عينيه السوداوين تحملان الجحيم للمرأة التي تقابله
انعقد لسان ملك صفرت أذنيها بعد سماع العبارة و ارتجفت أوصالها , شخصت عينيها في الرجل الذي يقف قبالتها ,
و قد قام عقلها بألف عملية استنتاج في الثانية , و كأن مصباحا أنار داخل رأسها فجأة ,
و هي تحدق بين عينيه بحثا عن إجابات
" الفندق , الحفل الخيري , الجناح , الفيديو , عملية الملاحقة ، قضية التهريب ، زوج موكلتي ، حبيبتي !!!!...."
و لكنها لم تقل غير كلمة واحدة بهمس بين شفتيها
" أنت ؟ "
في إشارة منها الى تعرفها عليه ,
بعدها أظلمت الدنيا أمام عينيها , لم تعد رجلاها تحملانها ,
و فقدت وعيها خلال ثوان , حيث سقطت مباشرة في حضن علي الذي فاجأه الأمر ,
هذا الأخير كان يشعر بالاشمئزاز للوقوف على مقربة منها , كان يريد أن يتراجع خطوة الى الوراء و يدعها تقع على الأرض , مكانها الطبيعي عند حذائه
لكنه خشي أن يترك انطباعا سيئا لدى الحضور , و هو الذي يحاول منذ دخوله , أن يبدو بمظهر الزوج المحب المراعي ,
الذي سارع لمساندة زوجته الحامل في محنتها , رغم الخلاف بينهما و المشاكل التي تسببها بتهورها
لكن لا أحد يعلم أنه أرجأ أمر وصوله الى الآن متعمدا , لأنه أراد منها أن تعاني نفسيا ما عاناه هو طوال الأيام الماضية , و قد وصل إلى مبتغاه أخيرا
و هو الآن لا يريد أن يضيع جهده سدى , بسبب فقدانه السيطرة على نفسه ,
لذلك مد يده سريعا لالتقاطها قبل أن تسقط على الأرض , و قد كانت خفيفة مثل ريشة لم يجد عناءا لحملها بين يديه
وقف بعدها بهدوء و عادت ملامحه الى برودتها المعتادة
" اعذروني زوجتي حامل تحتاج رعاية "
قال موجها كلامه للضابط , ثم غادر القسم مصطحبا ملك الغائبة عن الوعي بين أحضانه ,
و ترك هناك كريم و المحامي لإتمام إجراءات إطلاق السراح .
.
بعد أن تعرف الجميع على بعضهم أمر الضابط باستدعاء ملك
هذه الأخيرة كانت متعبة حد الانهاك , وجهها شاحب مع هالات سوداء تحت عينيها المحتقنتين , لم تذق لقمة واحدة و لم تغمض لثانية واحدة ,
و لكنها كانت تتماسك كعادتها , و لا تحاول الظهور مظهر الضعيفة أمام الآخرين
بعدما دخلت ملك الى المكتب حيت الموجودين بكل أدب , بعدها طلب منها الضابط أن تجلس الى الأريكة مقابل مكتبه
جلست ملك بكل هدوء منتظرة الفرج , و هي تحدق ناحية الرجل الغريب , الذي انظم الى فريق الإنقاذ اليوم
و سرعان ما بادر المحامي مع ابتسامة خفيفة
" صباح الخير سيدتي , أنا متر عطية علوان
المحامي الذي أوكلني زوجك للاهتمام بقضيتك "
عبست ملك لسماع ما قاله و ردت محاولة تمالك أعصابها
" أنا آسفة سيدي , لكنني لست زوجة لأحد أنا لا زلت عزباء "
ابتسم المحامي أكثر و قال بلهجة مراعية , أدهشت جوزيف الذي يعرف طبيعته الشرسة
" لا داعي لأن تكوني غاضبة سيدتي , سنسوي كل الأمور هنا ,
أنا وعدت زوجك بأن أبذل كل ما بوسعي للمساعدة , لذلك لا داعي للقلق "
وقفت ملك من مكانها و تكلمت بانزعاج من اصراره , فهي لم تعد تحتمل أن تعامل كطفلة , لا تعرف ما يجري حولها
" أنا قلت أنني لست متزوجة ألا تفهم ؟ "
كانت لهجتها أكثر حدة و أقل تهذيبا
تدخل عبد الحفيظ برصانته المعهودة محاولا تهدئة الأمور
" اهدئي ابنتي من فضلك , إذا أردنا أن نفهم الموضوع , علينا أن نعرف كل التفاصيل "
و أشار لها بالجلوس مجددا
هدأت ملك قليلا فقط لأنها تحترم هذا الرجل و تثق به , و عادت للجلوس مكانها
سأل الضابط هذه المرة موجها كلامه الى عطية بعدما لاحظ ردة فعلها العدوانية
" هل تعرف السيدة ؟ "
أجاب المحامي بصدق
" شخصيا لا , لكن السيد أرسل لي صورها مساءا و قد بدا قلقا ,
في الحقيقة أنا لم أعرف أنها زوجته إلا البارحة "
شعرت ملك ببعض الارتياح رغم غرابة ما قاله ,
ساد بعدها الصمت داخل المكتب , و بدأ المحامي عطية بالحديث مجددا
" أنا موكلي هو رجل أعمال معروف , إلتقى السيدة ملك في المغرب منذ سنة تقريبا , بالتحديد في أبريل الماضي و تزوجا هناك بعقد رسمي حرر عند موثق معتمد ,
ثم تم توثيقه على مستوى الخارجية المغربية , و تسجيله على مستوى سفارة الإمارات العربية المتحدة في الرباط كما ينص عليه القانون "
و قدم وثيقة زواج رسمية تثبت كلامه , تحمل إسم ملك و إسم الرجل المدون في قرار حظر السفر
أخذ الضابط العقد نظر اليه قليلا ثم مرره للرجلين , و منهما إلى ملك التي أمسكته و بقيت تحدق فيه دون فهم شيء ,
ثم قطبت جبينها فجأة و انتابها شعور سيء , و قد لاحظت تطابق امضائها الشخصي مع الامضاء على الورقة , و كأنه نسخة منه لكنها لم تقل شيئا
استرسل الرجل في كلامه و هو يحدق إلى وجوه الحاضرين بجدية , طالبا انتباههم و كأن ما سيقوله شديد الأهمية
" في الحقيقة الزواج تم دون علم أهل السيدة , و قد أراد موكلي توثيق العقد على مستوى السلطات الجزائرية أيضا ,
لكن السيدة طلبت ارجاء الأمر لحين اخبارهم و السيد وافق ,
بعدها التقيا عدة مرات في الجزائر دون علم أحد , و قبل أيام قدمت السيدة في أول زيارة لها إلى دبي , و قد أقامت في أول ليلة في فندقه و في جناحه الخاص "
و قدم صورا لحجز الطائرة و حجز الفندق في أول يوم لها هنا ,
كانت ملك تتفحص الأوراق أمامها بتمعن مقطبة جبينها و مشوشة التفكير , دون أن تعلق بكلمة واحدة ,
محاولة استيعاب ما الذي يريد المحامي الوصول إليه بإظهار هاته المستندات التي تراها لأول مرة
أضاف المحامي بكل تركيز
" طبعا كان السبب المعلن لزيارتها , هو المشاركة في الحفل الخيري الذي أقامه السيد قبل أيام ,
حيث كانت السيدة ضيفته الشرفية , دائما دون الافصاح عن هويتها , و ذلك نزولا عند رغبتها "
تنهد بعدها المحامي و أضاف
" لكن للأسف نشب خلاف بينهما , و غادرت السيدة غاضبة لأنها أخبرته أنها حامل ,
و أن والديها لن يقبلا الأمر أبدا و سيثيران مشكلة , لذلك قررت التخلص من الجنين , و هي قدمت إلى هنا خصيصا لاعلامه ,
و لكن اعتراض السيد الشديد على فقدان إبنه الذي لم يولد بعد , أدخل السيدة في حالة هستيريا حادة ,
تم تشخيصها على أنها انهيار عصبي بسبب تغيرات الحمل "
و قدم شهادة طبية لطبيبها النفسي , و أخرى للطبيبة النسائية التي عاينتها و تقول بأنها حامل في شهرين ,
و أضاف سريعا و هو يحدق في وجوه الجميع
" أعتقد أنكم شهدتم الفضيحة التي نجمت عن تسريب الفيديو , الذي يصور نقاش موكلي و زوجته في الفندق ,
و الذي اختفى سريعا بسبب تورط الفاعل في قضية التشهير بهما "
لم يقل أحدهم شيئا إلا جوزيف الذي هز رأسه , وقد بدا الوحيد الذي شاهد الفيديو على الإنترنت
كانت ملك ترغب بالنفي بشدة و بدأ توترها يتصاعد , و لكن عبد الحفيظ الذي قام و جلس إلى جانبها ,
أشار لها بالهدوء و التروي , ما دامت كل المعلومات التي يقولها هذا الرجل لا تخصها , فلا داعي للاستعجال ,
استمر المحامي بالسرد
" و نظرا لاصرار السيدة على إجهاض الجنين و السفر إلى بلدها , تقدم موكلي بطلب حظر سفر استعجالي للضرر إلى المحكمة , لحفظ حقه في حماية طفله ,
كما ينص عليه القانون طبقا للمادة 149 من قانون الأحوال الشخصية , و القاضي وافق عليه "
قاطعه الضابط هاته المرة
" متر أنا لا يهمني معرفة تفاصيل الحياة الشخصية لموكلك أو سبب استصدار القرار ,
ما يهمني هو معلومات تفيد التحقيق في القضية ,
فموكلتك متهمة بمحاولة تهريب ماسة بقيمة 3 مليون دولار , و ألقي عليها القبض في المطار بسبب ذلك "
ابتسم المحامي بكل ثقة و أجاب
" أعرف سيدي و لكن معرفة هذه المعلومات مهمة لما سأقوله لاحقا ,
البارحة و بسبب اضطرابها النفسي و غضبها , قررت السيدة العودة فجأة متجاهلة قرار الحظر ,
و بما أنها كانت مستعجلة , فقد حملت معها قطعة الماس تلك دون انتباه منها ,
و كان موكلي قد أهداها إياها في وقت سابق , بمناسبة أول زيارة لها إلى هنا , و هذه شهادة ملكية القطعة ,
تعود إلى عامين ماضيين اشتراها موكلي من مزاد في الهند , و حملها معه إلى هنا بطريقة قانونية "
و ناوله الوثيقة ثم أضاف
" و بما أنهما متزوجين رسميا فالملكية مشتركة , يعني القطعة أيضا ملك لموكلتي "
قاطعه الضابط مجددا
" حتى و ان كانت السيدة مالكة للقطعة , فالقانون لا يسمح لها بنقلها هكذا بكل بساطة , هذه محاولة تهريب متر "
ابتسم المحامي مجددا
" أعلم سيدي و لكن أنت قلتها بنفسك ' محاولة '
فالسيدة تم اقتيادها من أمام مكتب التسجيل , لم تصعد إلى الطائرة و لم تدخل حتى صالة الركوب ,
يعني يحتمل أنها كانت تنتظر زوجها لاستعادة القطعة مثلا , أو نسيت أمرها كما أشرت مسبقا ,
و الا ما كانت سمحت لأفراد الشرطة بتفتيشها دون مقاومة "
عبس الضابط و قد بدأ يفقد صبره هو الآخر
" لكننا حررنا محضرا بالواقعة و فتحنا تحقيقا بالفعل , لا تتوقع مني حفظه هكذا بكل سهولة متر عطية "
أشار المحامي بيده نافيا نيته في طلب ذلك
" لا طبعا لا سيدي أنا أحفظ القانون , أنا فقط أحاول أن أفسر ما حصل , و أطلب من حضرتك تقييد هذه المستندات في المحضر ,
و أنا واثق أن أي قاض سيكون مراعيا , للظروف التي قبض فيها على موكلتي "
بسماع مناقشة المحامي و الضابط و الأخذ و الرد بينهما , لم يعد هناك مجال للشك بأن الشخص الذي يثرثران حوله منذ الصباح هو ملك نفسها
لا يعقل أن تكون كل هذه النقاط المشتركة , و كل هذه الوثائق التي تحمل اسمها و معلوماتها مجرد مصادفة
و المشكلة الآن أن الضابط مقتنع , و على وشك إطلاق سراحها مع هذه الهوية المختلقة ,
إذا كان الأمر هكذا فهي تفضل الذهاب إلى السجن , على أن تعيش بشخصية مزورة ,
تشوش ذهن ملك أكثر , و هي تحاول أن تفهم ما الذي يستفيده هؤلاء من تزوير هويتها ,
وقفت فجأة من مكانها , و ارتفع صوتها موجهة كلامها للمحامي عطية
" أنت تكذب هذه ليست الحقيقة , أنا لا أعرفك و لا أعرف موكلك هذا , أنا لست متزوجة لست حامل و لست مريضة نفسيا "
صرخت و ألقت كل الأوراق التي مرروها لها في وجهه و استرسلت
" و قطعة الماس تلك أنتم من أوصلها الى حقيبتي لاتهامي , أنا لم أطلب منك أن تدافع عني ,
ثم أين موكلك هذا ليواجهني , و سأرى إن كان يجرؤ على الكذب في وجهي "
كانت ملك غاضبة متوترة و متعبة , كانت تحاول التقاط أنفاسها , و هي تصرخ بصوت عال محاولة اقناعهم أنها ليست الشخص الذي تكلم عنه المحامي قبل قليل ,
و أن هناك التباسا كبيرا هي لن تقبل السكوت عنه ,
و كان الحضور يحاولون تهدئتها بكل صبر , مراعين أنها حامل و أعصابها متوترة , فمن غير المستحب معاملتها بعنف , فقد تحدث مضاعفات غير متوقعة
فجأة فتح الباب و دخل شرطي و اتجه ناحية الضابط
" سيدي السيد علي الشراد هنا يريد مقابلتك "
بمجرد ذكر الإسم صمت الجميع داخل المكتب , و اتجهت أنظارهم صوب الباب ,
كان علي يقف هناك يرتدي بدلة زرقاء , مع قميص أبيض دون ربطة عنق , و يفتح الزرين العلويين بأناقته المعتادة
يقف بكل شموخ و يضع إحدى يديه في جيب سرواله , و تعلو وجهه تعابير جدية , و خلفه مباشرة يقف كريم بوجهه متجمد الملامح ,
ألقى علي بعينيه الحادتين نظرة على كل من بالمكتب , قبل أن تستقر على وجه ملك ,
كان وجهها شاحبا جدا و هالاتها سيئة , كانت تظفر شعرها الذي تمردت منه بعض الخصل لتغطي جبينها و خديها ,
و كانت ترتدي ملابس الأمس التي تجعدت بشكل سيء ,
لكن ما أشعره بالرضا فعلا , هو النظرة المصدومة في عينيها العسليتين المتعبتين
" صباح الخير "
قال بصوته الأجش و بهدوء بالغ , قبل أن يتقدم بخطى متأنية ناحية ملك , التي كانت و كأنها وقعت تحت تأثير التنويم المغناطيسي
شلت كل حواسها محاولة استيعاب علاقة هذا الرجل بما يحدث هنا , و كأن مصائبها لا تكفي حتى يظهر هذا المتسلط البغيض الآن ليزيد حياتها بؤسا ,
لكنها لم تفعل غير التحديق في وجهه غير مصدقة , و كأنها تعيش كابوسا تنتظر أن تفيق منه ,
بمجرد أن أصبح أمامها مباشرة , ظهرت ابتسامة ساخرة على وجهه و هو يراقبها من فوق ,
مد يده و حرك خصلة من شعرها خلف أذنها , ثم همس بصوت هادئ
" صباح الخير حبيبتي , آسف لأنني تأخرت "
كان صوته دافئا و حنونا , لكن عينيه السوداوين تحملان الجحيم للمرأة التي تقابله
انعقد لسان ملك صفرت أذنيها بعد سماع العبارة و ارتجفت أوصالها , شخصت عينيها في الرجل الذي يقف قبالتها ,
و قد قام عقلها بألف عملية استنتاج في الثانية , و كأن مصباحا أنار داخل رأسها فجأة ,
و هي تحدق بين عينيه بحثا عن إجابات
" الفندق , الحفل الخيري , الجناح , الفيديو , عملية الملاحقة ، قضية التهريب ، زوج موكلتي ، حبيبتي !!!!...."
و لكنها لم تقل غير كلمة واحدة بهمس بين شفتيها
" أنت ؟ "
في إشارة منها الى تعرفها عليه ,
بعدها أظلمت الدنيا أمام عينيها , لم تعد رجلاها تحملانها ,
و فقدت وعيها خلال ثوان , حيث سقطت مباشرة في حضن علي الذي فاجأه الأمر ,
هذا الأخير كان يشعر بالاشمئزاز للوقوف على مقربة منها , كان يريد أن يتراجع خطوة الى الوراء و يدعها تقع على الأرض , مكانها الطبيعي عند حذائه
لكنه خشي أن يترك انطباعا سيئا لدى الحضور , و هو الذي يحاول منذ دخوله , أن يبدو بمظهر الزوج المحب المراعي ,
الذي سارع لمساندة زوجته الحامل في محنتها , رغم الخلاف بينهما و المشاكل التي تسببها بتهورها
لكن لا أحد يعلم أنه أرجأ أمر وصوله الى الآن متعمدا , لأنه أراد منها أن تعاني نفسيا ما عاناه هو طوال الأيام الماضية , و قد وصل إلى مبتغاه أخيرا
و هو الآن لا يريد أن يضيع جهده سدى , بسبب فقدانه السيطرة على نفسه ,
لذلك مد يده سريعا لالتقاطها قبل أن تسقط على الأرض , و قد كانت خفيفة مثل ريشة لم يجد عناءا لحملها بين يديه
وقف بعدها بهدوء و عادت ملامحه الى برودتها المعتادة
" اعذروني زوجتي حامل تحتاج رعاية "
قال موجها كلامه للضابط , ثم غادر القسم مصطحبا ملك الغائبة عن الوعي بين أحضانه ,
و ترك هناك كريم و المحامي لإتمام إجراءات إطلاق السراح .
.
