رواية في مدينة الاسكندرية الفصل العشرين 20 بقلم صابرين
20- ضحية مزيفة وسفاح مزيف
صلي على من قال أمتي أمتي 
كانت تسير في ممرات المشفى متجهة إلى الكافتيريا، تصفر بضجر شديد وهي تضع كلتا يديها في جيوبها تشعر أن هذه المستشفى ستأخذ زهرة شبابها، ربي متى تنتهي فترة التدريب هذه وتعود إلى بلدها
اتجهت يسارًا ماررة بغرفة العمليات لتقف أمامها محدقة بها بإشمئزاز قائلة :
-بقى انا هقضي بقية حياتي في أوضة العمليات؟! طب والله ده ما يرضي ربنا
كادت أن تتحرك لولا أنها استمعت إلى نداء باسم يوسف ومجدي حتى يتجهان إلى غرفة العمليات لإجراء عملية متعجلة، برمت شفتيها وكأنها على وشك البكاء وهي تتلفت يمينًا ويسارًا :
-طب اروح فين طيب يا ربي من الشغلانة اللي هتجيب أجلي دي، انا مفطرتش ومخدتش الدواء بقالي أربع أيام ومقدرش أقف بالساعات على رجليا
ختمت حديثها وهي تتجه ناحية غرفة الممرضات لربما تجد مع احداهن شطيرة أو ما شابه تتناولها قبل الدخول إلى غرفة العمليات، ربي لو لم تتكاسل في الصباح وأعدت شيئًا لتتناوله أو هبطت إلى الصيدلية واشترت حبوب الدواء
لكن كيف وهذا الكسل يجري في دمائها اعتمدت على أنها ستشتري شيئًا من الكافتيريا والآن لن تستطيع أن تذهب وستضطر للدلوف إلى العملية على معدة خاوية منذ عصر أمس، فبسبب اختفاء نور لم تتناول لا الغداء ولا حتى العشاء والآن الإفطار
وكل هذا سيؤدي إلى زيادة فقر الدم في جسدها بالإضافة إلى الوقوف ساعات في غرفة العمليات وسينتهي بها الأمر مغشيًا عليها على الأرجح
وصلت بصعوبة إلى غرفة الممرضات لتنظر بها ولم تجد غير إحدى زميلاتها تدعى وفاء فقالت بسرعة وهي تدلف حتى تغير زيها هذا إلى الآخر الذي يتناسب مع غرفة العمليات :
-وفاء معلش مش معاكي حاجة تتاكل على السريع
وأجابتها الأخرى نافية هذا :
-لا والله يا حبيبتي مش معايا لسه مخلصة فطاري دلوقتي
-طب ولا باكو بسكويت حتى
نطقت بها بإستفسار وهى ترتدي البنطال على السريع فقالت الأخرى وهي تستقيم :
-لأ والله مش معايا استني هاروح الكافتيريا اجيبلك
استوقفتها براءة وهي تعدل حجابها دون أن تنظر إلى المرآة :
-مش هلحق أخده منك انا داخلة العمليات دلوقتي
فتحت الباب لتجد في وجهها إحدى الممرضات والتي قالت بجدية :
-براءة دكتور يوسف عايزك في العمليات دلوقتي حالًا
أشارت براءة إليها تنظر لوفاء بمعنى أرأيتي فقالت الأخرى تصبرها :
-معلش يا حبيبتي العملية ساعتين وتخلص وبعدها اقعدي وكلي اللي انتي عايزاه
-يا وفاء المشكلة اني مأكلتش حاجة من عصر عشية وعندي انيميا ونقص حديد مقدرش اقف أكتر من ساعة رجليا مش هيستحملوا
وقفت الأخرى على الباب تمنعها من الذهاب مقترحة بطيب خاطر منها :
-طب بقولك ايه خليكي انتي واروح انا مكانك
ولوت براءة شفتيها ساخرة من هذا الاقتراح إذ قالت :
-وفكرك الدكتور يوسف هيوافق يدخل عمليات وانا مش موجودة ده كان جابني من قفايا ده بيندهلي بالاسم يا وفاء
ضحكت وفاء على شكوتها المستمرة من الطبيب يوسف لتقول :
-هو لو عرف إنك تعبانة مش هيقول لأ ده طيب والله
اشاحت الأخرى بيدها وهي تهم بالذهاب إلى غرفة العمليات فيبدو أن لا مفر :
-طيب ايه بس، كل المستشفى تقول طيب وانا شايفاه أبو لهب انا اللي ظالمة يعني
أسرعت بخطاها إلى غرفة العمليات لكنها توقفت في منتصف الطريق تستند على الحائط وهي تتحسس قدميها بألم فـفقر الدم معها وقلة فيتامين الحديد يؤثر بالسلب ويأتي بدوار مزمن فلا تستطيع الوقوف أو السير وهي لا تتناول منذ أيام دواء الفيتامينات
وصلت أخيرًا إلى الغرفة لتجد أن الممرضين ادخلوا المريض ودلف معه مجدي وإحدى الممرضات تدعى سُمية وبالمناسبة هذه الممرضة لا تستلطفها
تحدث يوسف من خلفها وهي يتجه إلى الداخل قائلًا :
-واقفة كده ليه يلا ادخلي؟!
استوقفته براءة سريعًا قبل أن يدلف قائلة بينما عينيها على سمية التي أخذت تجهز الأدوات بمهارة :
-دكتور هي سمية هتبقى معانا في العمليات ليه!؟ هى مش شغلها كله في المشرحة
وأجابها الآخر وهو يرتدي قفازات بلاستيكية من أجل العملية :
-عندنا نقص في الممرضات وبعدين سمية شاطرة أوي في العمليات دي اشطر منك
برمت الأخرى شفتيها بضيق شديد ثم هتفت بحنق فلا يعجبها ابدًا أن يقلل أحدهم منها :
-خلاص يا دكتور طالما هي شاطرة خليها هى معاك واعتقني انا على الأكل أروح أفطر
كادت بالفعل أن تتحرك بعدما جعل دمائها تفور بحديثه فحتى إن كانت تفعل كل ما بوسعها لا يُسمعها كلمة تشجيع واحدة بل طوال الوقت ينعتها بالكسولة، وقبل أن تذهب وجدته يسحبها من طرف كمها فسحبت الأخرى ذراعها منه بعنف، تحدجه بتحذير من لمسها فضحك يوسف قائلًا :
-خلاص يا ستي متتقمصيش ويلا ندخل بدال ما الست تموت جوا
دلفت براءة وهى تدعي ربها ان تكتمل العملية دون أن تسقط هى في منتصفها، وبعد دقائق كان الجميع منغمس بتركيز في الجراحة فقد كانت صعبة بالفعل ويبدو أنها ستحتاج لوقت، ولاحظت براءة أن كلما طلب منها شيئًا سارعت سمية واعطته له
هي لا تبالي حقًا لكن ما سيضايقها أن يوسف سوف يخبرها بعد إنتهاء العملية أنها لم تحرك ساكنًا منذ دلفت، لن يصدقها أن سمية لم تعطي لها مجال خاصةً وأنه يرمقها بنظرات غريبة كلما ناداها ولم يجدها
لذا سحبت نفسها ووقفت بجانب مجدي حتى تساعده هو طالما أن سمية مهتمة بمطالب يوسف، تحدثت بجدية وهي مستعدة لإحضار ما سيطلب :
-دكتور مجدي اساعدك في حاجة؟؟
نظر إليها مجدي من أسفل كمامته ثم نظر إلى يوسف الذي تابعهما بتركيز بينما لم يفقد تركيزه بما في يديه، عاد مجدي بنظره لها ثم قال :
-لأ حاليًا لأ بس خليكي مركزة ماشي
آماءت براءة بينما أبعد يوسف نظره عنهما زافرًا بهدوء، فما الفرق إن كانت بجانب مجدي أو بجانبه هى في غرفة العمليات تتدرب وهذا المطلوب، لكن ما بال لسانه كلما طلب شيء يقول براءة رغم علمه أن التي بجانبه سمية وآخر مرة ذكر اسمها قال بسرعة وصوت مرتفع بسبب انفجار الجرح بالدماء :
-بـــراءة فوطة وقطن بسرعة يا براءة
والأخرى انتفضت واحضرت بما طلبه وقبل أن تعطيه له كانت تسحبهما سمية بقبضة عنيفة مرسلة إليها نظرات رأتها واضحة وكأنه تحذرها من الاقتراب، ما بال هذه المجنونة هل تحذرها بالفعل من الاقتراب من يوسف؟!
هى لا تهتم ولا تبالي لكن لما تفعل هذا، هل تغار عليه أو ما شابه؟! لا تريد أن تتهمها بشئ فهى لا تعلم عنها الكثير سوى أنها تساعد الطبيب المسؤول عن المشرحة وهذا بالنسبة إليها شئ مخيف بشدة، بل سمية نفسها مخيفة فلطالما كانت تحاول أن تتجنبها بسبب نظراتها الحادة هذه وهدوءها المخيف وكأنها جثة تتحرك بينهم
استدارت بسرعة على صوت مجدي إذ قال وهو يبتعد يحاول مسح عينيه من الدماء التي تناثرت عليه لكن القفازات كانت غارقة في الدماء ولم تساعد، سارعت إليه وهي تسحب إحدى المنشفات التي يستخدموها في كتم الدماء تعطيه له فشكرها الآخر قائلًا بسرعة :
-شكرًا يا براءة خيطي بسرعة الجرح اللي في جنبها الشمال علشان ميتفتحش أكتر
-انا
نطقت بها الأخرى فارغة الفاه فهي لم تفعلها من قبل رغم أنها رأت يوسف عشرات المرات يفعلها، تحدث يوسف بسرعة وهو منشغل في الجرح الذي بيديها يدرك حيرتها الآن لأنه لم يجعلها تخيط جرحًا من قبل :
-تعالي يا براءة خياطة الجرح زي خياطة الهدوم تقلي قلبك بس
وآماءت براءة بحسنًا ثم اقتربت من جسد المرأة الغائبة عن الوعي ممسكة بالأدوات، وقد شعرت برهبة لأنها أول مرة تَخِيط جسدًا حقيقيًا يشعر مثلها حتى إن كان غائبًا عن الوعي
ازدرقت لعابها ووضعت الإبرة بداخل جسدها وأخذت تخيط الجرح بأيدي مرتعشة حاولت تثبيتها ويوسف عينه معها ومع ما يفعل أيضًا وعندما أخطأت قال بسرعة :
-استني رايحة بعيد كده ليه الجرح اهو قدامك خيطي حواليه مش بعيد عنه
حاولت براءة أكثر من مرة لكن جسد الإنسان ليس كالقماش كما قال، وكانت تشعر بالذعر كلما وضعت الإبرة في جسدها ليزيد الأمر سوءًا معها خاصةً عندما صاحت بها سمية قائلة :
-انتي يا بني آدمة انتي بوظت جنب الست الغرز دي هتسيب أثر حرام عليكي
وكانت جملتها هذه كالزر الأخضر للإنسحاب فتركت الأدوات قائلة :
-مش هكملها، دكتور مجدي تعالى انت كملها
وما كان من الآخر غير أنه سحب ذراعها بشكل عفوي منه قائلًا :
-تعالي هعلمك انا متخافيش
سحبت براءة ذراعه منه ناظرة بتركيز لما يفعل، إذ خاط غرزتين ثم أعطاها تكمل وكان بجانبها فيما تفعل وكلما شارفت على الخطأ امسك بيدها وقام بعدلها وكل هذا أمام أنظار يوسف المتابعة
وكم حاول التغاطي عن الأمر لكن ماضي وحاضر مجدي المشرف مع النساء أرسل إشارات لعقله أنه يحاول التقرب منها مستغلًا كونه في عملية جراحة، خاصةً وأنه يقترب منها بشدة ويكاد جسده يلامس جسدها، وهذا ما آثار شيئًا بداخله يجعل دمائه تفور
ترك ما يفعل واتجه نحوهما جاذبًا مجدي بشئ من الهدوء، محاولًا كبت هذا الشئ بداخله إذ قال :
-مجدي كمل انت الناحية التانية يلا
والآخر لم يعترض إذ ذهب على الناحية الأخرى واكمل مكان يوسف بينما يوسف أخذ منها الأدوات وأخذ يخيط الجرح أمام عينيها ويعلمها كيف مع مراعاته للحدود وكم شعر براحة لكونه الآن بجانبها وليس مجدي
استمرت العملية وكم شعرت براءة بتعب وانخفاض شديد في ضغط الدم وبدأت قدامها تؤلمانها بشدة لتقول :
-دكتور يوسف مش قادرة أكمل انا
ويوسف ظنها حجة منها كالعادة بسبب كسلها فقال :
-معلش يا براءة نص ساعة ونخلص
-دكتور والله ما هقدر أقف خمس دقايق كمان انا تعبانة
تنهد يوسف مستكملًا ما يفعل ولم ينظر إليها حتى ويرى ملامح وجهها المتعبة بالفعل ثم قال :
-وانا كمان تعبت والله بس لازم نتعب احنا علشان الناس دي تعيش
ابتلعت الأخرى لعابها وهي تستند بيديها على الفراش حتى لا تسقط فقال مجدي ولاحظ هو تعبها الواضح :
-خلاص يا براءة كفاية انتي اطلعي
رمقه يوسف بتحذير لتدخله هذا، ولا يعلم لما لكنه لا يطيق مجدي الآن :
-مجدي خليك في اللي ايديك انا مش عايزها تطلع موظفة كسولة، وانتي انسي تعبانة دلوقتي
نطق بجملته الثانية مديرًا رأسه إليها ولتوه لاحظ إصفرار وجهها وتعرقه رغم أنهم في فصل الشتاء واستنادها بكل ثقلها على الفراش الموضوعة عليه الحالة
شعر بالفعل أنها متعبة ولا تتكاسل وقبل أن يتحدث كانت هي تجيبه على ما قال بصوت بالكاد سمعه :
-مش قادرة تعبانة
وما إن ختمت حديثها حتى سقطت أرضًا على ركبتيها بعدما فشلا ساقيها في التحمل أكثر من هذا وأعلن جسدها أنه لم يعد أي طاقة للصمود...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من سيارته بعد أن ركنها أمام مدرسة شقيقه ثم دلف وعلى عينيه تقبع نظارته السوداء تخفي عينيه البنية ورغم ملامحه الوسيمة إلىٰ أنها كانت ضائقة، ليس لأنه الآن متواجدًا في هذا المكان لأن أخيه افتعل مشكلة بل لأن اليوم هو الثاني الذي لم تحضر محاضراتها ولم تدلف إلى الكلية ويخشى أن يكون أصابها مكروه وهو لا يعلم
ووالله لم يكن يعلم أنه يُكن لها كل هذا الحب إلا عندما غابت عن ناظريه
استدار عندما استمع إلى صوت شقيقه ينادي عليه من الخلف مسارعًا بخطواته نحوه لكنه توقف عندما أبصر فتاة تدلف إلى المدرسة ترتدي فستانًا شتويًا من اللون الأخضر الغامق يعلوه خمار أزهري بلونٍ يليق عليه
إنها هى؟! لا يصدق أنها خرجت من خياله وتجسدت بواقعية أمامه
تنفس بعدما انقطعت أنفاسه لوهلة وانقشع وجهه بابتسامة خلابة وهو ينزع عن عينيه نظارته وقد كانت عينيه معلقة بها حتى أنه لم ينتبه إلى أخيه الذي سأله عما ينظر، لم يبالي بأي شئ إلا بها هى لينطق باسمها بصوت شبه مرتفع واتجهت خطواته نحوها :
-شـــروق
رفعت الأخرى نظرها بحثًا عن المنادي لتخفض الهاتف الذي كانت تحدث به ابنة عمها مزدرقة لعابها لرؤيتها للمعيد الذي كان السبب في تغيبها عن الجامعة ليومين بسبب ما قيل في جروب الدفعة عنهما
ووالله لولا أن عائشة اوقفتها يومها وهدأتها من نوبة الغضب التي كانت بها لكانت اختلقت شجار مع أولئك الفتيات اللواتي كتبن عنها هذا دون أن تبالي بالنتائج
أجل تتعجبون أن عائشة هدأتها ولم تذهب معها وتختلق الشجار لكن صدق أو لا تصدق عائشة أعقل واحدة بهن هن الأربعة ورأت أن الأمر لا يستحق لأن في الرسائل لم يمسوا كرامتها بسوء وإنما كان حديث فتيات لذا منعتها من افتعال أي شجار حتى لا تصبح هي في موقف سئ
ورغم أنها بالفعل هدأت إلىٰ أنها رفضت أن تحضر محاضرته بل اكتفت بحضور المحاضرة الأولى فقط وعادت بعدها إلى البيت، حتى لم تذهب اليوم أيضًا لأن محاضرته ستكون الأولى، وايضًا لأنها تشعر بالتعب الشديد أثر نزلة الانفلونزا التي أصابتها وهي مبتلة أسفل المطر
حمحمت وأغلقت الهاتف عندما أصبح أمامها فعادت للخلف خطوة ضاممة يديها داخل جيوب فستانها :
-صباح الخير يا دكتور عامل ايه؟؟
وزادت ابتسامة الآخر حتى كادت تشق وجهه، يمئ برأسه بلهفة رغم أنه من المفترض أن يتحلى بالرزانة نظرًا إلى سنه لكن أي رزانة هذه وهو يفقد تركيزه عندما ينظر إليها، يبدو أن حالته تسوء للأسف :
-كويس بس انتي مش بتيجي ليه المحاضرات؟؟
-عندي برد يا دكتور ومقدرتش آجي
-بس انتي إمبارح حضرتي أول محاضرة وبعدها مشيتي
وهزت الأخرى رأسها هاتفة بنبرة شديدة الجدية :
-لأنها كانت محاضرة مهمة وانا بعدها تعبت جدًا ومقدرتش أكمل
آماء عاصم ببطء متعجبًا نبرته الجدية الباردة، لم تستخدم معه قبلًا هذه النبرة :
-ألف سلامة عليكي انا هبقى اجهزلك محاضراتك اللي فاتت، حتى محاضرات باقي الدكاترة ولو عايزني اشرحهم ليكي تمام
-شكرًا لحضرتك يا دكتور
كادت أن تتحرك منهية هذا الحوار لكن وجدت أبنة عمها تقف على رأسها قائلة :
-شروق جيتي يعني؟ ومين دِه!؟
تساءلت بالسؤال الثاني بنبرة منخفضة فقالت شروق بنفس النبرة :
-ده دكتور عندي في الكلية
همهمت الأخرى بتفهم ثم نظرت إلى عاصم وإلى سليم الذي كان يقف خلفه خائفًا منها على الأرجح :
-حضرتك تبقى ولي أمر سليم
آماء عاصم بإيجاب فقالت نور بجدية وهي لا تنظر إلى عينيه مباشرة بل كانت توجه نظراتها إلى سليم ولا تعلم من أين أتت بجرأتها هذه في الحديث ربما لأنها على حق :
-تمام انا ابقى معلمة هنا واللي ضربت أخوك
اتسعت عيني عاصم مما قالت مرددًا وهو ينظر إلى أخيه :
-ضربتيه؟!
وآماءت نور مؤكدة الأمر ثم قالت :
-ايوه ضربته علشان لفظ خارج مينفعش يقوله واتمنى يكون حكالك عمل ايه مع طالبة زميلته في المدرسة وكمان أصغر منه بما إن حضرته عاد الإعدادية أكتر من مرة
نفى الآخر وهو يشعر أن ما سيسمعه لن يروق لها أبدًا :
-طالبة ايه سليم قالي انه اتخانق خناقة عادية مع واحد زميله
-لا والله؟! واضح كده إني الباشا مش بس قليل الأدب وإنما برضو كداب
تنفس عاصم يحاول أن يهدأ حتى يفهم منها ماذا حدث :
-لو سمحتي اخويا عمل ايه بالظبط قولي بشكل مباشر بلاش تلفي وتدوري
نظرت نور حولها وعندما تأكدت أن لا أحد حولهم غير شروق نطقت بثقة وغضب ظهر في صوتها بينما رفعت عينيها لعاصم بحدة :
-أنا مش بلف وادور، أخوك يا دكتور اتحرش بزميلته
ووقعت هذا الجملة عليه هزته، ماذا الذي تقوله هذه الفتاة!؟ أخيه الصغير تحرش بفتاة صغيرة في الإعدادية؟ أخيه سليم الصغير تجرأ وفعل هذا؟ هل كانوا غافلين عنه لدرجة أن يفعل مثل هذه التصرفات؟ ومَن يعلم ربما ليست الأولى
هل فشلوا في تربيته حتى تطول يده وتستبيح ما لا يجوز النظر إليه حتى
تنفس بقوة وهذه المرة حاول كتم غضبه إذ قال وهو ينظر إلى أخيه الذي طأطأ رأسه أرضًا يشعر بالخوف من عاصم أكبر من أي شئ :
-لأ سليم ميعملش كده
-لا هو عمل كده فعلًا وبصراحة اتصدمت دلوقتي إني ده أخوك
نطقت بها شروق فنظر إليها عاصم بشئ من الضياع بينما استكملت هى :
-كان ممكن أقول ده محصلش بس انا شوفت رحمة وكانت خايفة ومرعوبة لدرجة إنها خايفة تقول لابوها وأمها عمل ايه وضحكت عليهم وقالت أتنمر عليا
زاد غضب عاصم ليضم كفه ضاغطًا عليه ثم قال بهدوء عاصف :
-فين البنت دي؟؟
اجابته نور وهي تفكر في أمر ما :
-في مكتب المدير هي واخوها وأمها، ورجاءً يعني بلاش تتكلم عن الموضوع بشكل مباشر علشان هو حساس والبنت مش عايزة حد يعرف وزي ما قالت شروق هى قالت لأهلها أنه تنمر
-بس حقها لازم يرجع
نطق بها بصوت حاد وود لو يأخذ سليم الآن ويعود للمنزل حتى يعيد تربيته على طريقته هو وليس على طريقة والديه المدللة
وتحدثت نور بحيرة لا تعلم ما العمل فحق رحمة يجب أن يعود لكن رحمة خائفة من أن يعلم أحد، هى صغيرة وفي عقلها تظن أن التكتم أفضل :
-رجعه مقولتش حاجة بس شوف هتعمل كده ازاى من غير ما تفضح البنت قدام أهلها، والأهم من كده ربي أخوك وعلموه غلط وحرام اللي بيعملوا في بنات الناس وهيتردله في يوم من الأيام
نظر عاصم إلى سليم بنظرة مخيفة ارعبت الآخر ثم همس بصوت مرعب ظهرت خيبة الأمل في طياته :
-لأ من الناحية دي هخليه يفكر ألف مرة قبل ما يبص على بنت أصلًا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقفت أمام إحدى محلات المثلجات حتى تشتري منها رغم أن الأجواء شديدة البرودة فهم في منتصف ديسمبر لكنها تعشق تناول المثلجات في مثل هذه الأجواء، تشعر حينها بسعادة وإنتشاء، وزيادةً على هذا احتفالًا بالقبض على السفاح
أخذت من الرجل علبة المثلجات ثم شكرته لتجلس على الكورنيش في مواجهة البحر الهائج مستمتعة بهذه البرودة لإطمئنانها أنها لن تصاب بنزلة انفلونزا نظرًا لثقل ملابسها
فتحت العلبة وأخذت تأكل منها وهي شاردة في البحر الهائج الذي يشبه حياتها هذه الفترة، حياة كمركب صغير في وسط بحرٍ كهذا لا يعلم إلى أين سيأخذه وإلى أي شاطئٍ سوف يرسو
أطلقت تنهيدة وهي تخفض المعلقة البلاستيكية تحدق في هاتفها حيث علىٰ صوت رنينه باسم عمر الذي ابدلته البارحة لقمر، بعد أن شعرت أن شقيقها يوسف رأى الاسم وشك بها
تشعر حقًا بالندم لأفعالها ولمقابلتها لعمر دون علم عائلتها، لكنها لا تستطيع أخبارهم بعد أن علمت أنهم كذبوا عليها، اخبروها أن عمر بعد الحادث أصيب لإكتئاب تركها وسافر خارج البلاد ولا يريد أن يكمل معها، بينما كانت الحقيقة أنه فقد ذاكرته ومُحيت منها
لما لم يخبروها الحقيقي واظهروا عمر بهذه الطريقة في نظرها، هل حتى تكرهه وتخرجه من حياتها؟؟
ألم يشعروا بالشفقة حتى نحوها عندما ظلت ليالي تبكي على كسر فؤادها وفرحتها يوم كتب كتابها، لم تعلم يومها على من تلوم وما الذي يحدث حولها، انقلبت حياتها رأسًا على عقب في يومين
يوم كتب الكتاب حيث وصلهم خبر انقلاب سيارة فياض ابو المجد "والد عمر" على الطريق
واليوم الثاني حين عادت مرة أخرى للمشفى ولم تجد عمر أو أحد ليخبرها والدها وشقيقيها أن عمر سافر خارج البلاد ولا يريد أن يكمل هذه الزيجة
كذبوا عليها واخبروها هذا وفي المقابل هي تكذب الآن ولا تخبرهم انها عادت لعمر وتحاول جاهدةً أن تجعله يتذكرها، لكنها حقًا تشعر بالسوء لكذبها هذا فهى لم تعتد الكذب أبدًا
تنهدت وقد لاحت على وجهها بسمة لتذكرها البارحة حين قبضوا على السفاح، يا إلهي لا تصدق أنها كانت في الحدث بل وقامت بتصويره، للصدق عمر هو من قام بالتصوير وليس هى، لكن على الأقل كانت موجودة في الحدث
ضحكت بشدة لتذكرها كيف لعب القدر معها البارحة فحين وصلت مع يونس إلى مسرح الجريمة حيث كان السفاح على وشك إلقاء ضحية أخرى من فوق المبنى، وجدت حينها عمر هناك والسئ أن يونس كان معها والأسوء من هذا ان سفيان أيضًا كان هناك
هبطت حينها من سيارة الأجرة التي كانت تستقلها مع أخيها نظرًا لأن سيارته تحت الصيانة، كانت تمسك بهاتفها تفتحه على البث المباشر الذي ينزله ذلك السفاح من هاتف الضحية بالطبع
نظر يونس إلى المبنى بتركيز يتأكد بيده أن سلاحه معه ليهرول بسرعة إلى المبنى ولم يكن يعلم الكثير بالأمر رغم أن البث يعمل لكن لكون السفاح فوق سطح البناية لم يعلموا بعد على أي بناية هو، لذا كان يونس أول الشرطة وصولًا
لحقت به رقية بسرعة تجهز كاميرتها لأجل التقاط أهم حدث سيهز إسكندرية بل مصر بأكملها، ولكن حال يونس بينها وبين يونس إذ سحب منها الكاميرا قائلًا :
-لأ يا حبيبتي متحلميش باللي في دماغك ده
وسارعت الأخرى في استعطافه قائلة :
-لا بالله عليك يا يونس ده انا اللي قولتلك انه هو في المبنى ده محدش لسه عرف غيرك يعني هتاخد ترقية لو مسكته
ركن يونس تعجبه من أنها بالفعل علمت قبل أن تعلم الشرطة نفسها وسوف يسألها عن هذا لاحقًا، أما الآن فهناك من أهم، دلف إلى المبنى دون إلقاء بالًا لها محتفظًا بكاميرتها معه بينما رقية لحقت به بسرعة مقررة التصوير بكاميرا هاتفها
وكل هذا ذهب هباءً وتوقفت في مكانها عندما ابصرت عمر يخرج من المصعد فقامت بسحب يونس من ذراعه بعنف جاررةً إياه ناحية الدرج، قائلة بسرعة :
-انت هتستخدم الاسانسير ولا ايه اطلع السلم
وسحب الآخر ذراعه منها هاتفًا بذهول :
-سلم ايه عايزني أطلع عشرين دور؟! ده انا نفسي يتقطع
-ويتقطع ليه ده انت ظابط ثم انت مش بتحضر أفلام ولا ايه؟ انت تركب الاسانسير من هنا والسفاح يعطله من هنا علشان انت تتحبس جوا وهو يهرب اطلع يا يونس بسرعة اطلع
ختمت حديثها وهي تدفعه بعنف للأعلى فاستجاب الآخر لدفعاتها هذه، وعندما رأته رقية اختفى عن ناظريها سارعت للخارج بحثًا عن عمر لتجده يقف خارج البناية أمام إحدى السيارات يواليها ظهره
سارعت له بخطوات سريعة وفي نيتها أنها ستحاول جعله يذهب من هنا رغم أنه بنسبة كبيرة سيرفض لكن ستحاول حتى لا يراه يونس :
-عــمــر انت جيت ليه؟؟
ترك الآخر ما بيديه ناظرًا إليها بحاجبين مرفوعين بدهشة :
-ايه جيت ليه دي؟! مش إحنا شغالين مع بعض علشان نمسك السفاح، أومال انا قولتلك ليه على مكانه علشان تروحي وحدك؟!
نظرت رقية حولها عاضضة اناملها بتفكير لتلاحظ أن الجميع يسير بشكل طبيعي ليس وكأنه هناك ضحية على وشك السقوط الآن من الطابق العشرين
استدارت إلى عمر مردفة بتعجب :
-هو ليه الناس طبيعية كده ولا كأني فيه حاجة بتحصل؟ ثم إزاي انت عرفت بالمكان والبوليس لسه؟!
وأجابها الآخر وهو يعبث في حاسوبه المحمول وهو يضعه فوق مقدمة إحدى السيارات المرتكنة أمام البناية :
-علشان تتبعت موقع البث ثم متخافيش البوليس وأمن الدولة كمان هتلاقيهم ناطين دلوقتي وهيبقى فرح هنا، سيبيني بقى أركز قبل ما الناس ما تتجمع
ولم تركز الأخرى إلا في جملته الأولى حين ذكر أمر أمن الدولة فقالت متسائلة :
-وأمن الدولة هيجي ليه؟؟
-اخويا ظابط أمن دولة وانا قولتله وهتلاقيه على وصول
-الله يــخـربــيتك
صاحت بها رقية مصدومة فصاح بها الآخر غاضبًا من سبها له :
-الله يخربيتك انتي
ضربت الأخرى الأرض بقدميها صائحة به بعدم إدراك فإن أتى سيفان سوف يراه يونس بالطبع :
-انت قولت لأخوك ليه دلوقتي؟؟
-ايه اللي قولت لأخوك ليه؟! وانتي قولتي لاخوكي ليه؟ هو عند أخوكي الموضوع حلو علشان يمسك هو السفاح ويترقى وانا اخويا كخة!؟
نطق بها عمر ساخرًا فسحبت رقية خصلات شعرها وهى تدور حول نفسها تفكر في حل لكن على الأرجح فات الأوان فها هى سيارة سفيان تتوقف أمام البناية ثم ترجل منها متجهًا إليهما فهمست رقية بصدمة وهى تبعد اناملها عن شعرها الذي فسد مظهره :
-يا ليلتك اللي مش معدية يا رقية
اقترب سفيان منهما متعجبًا وجود رقية لكن لم يعطي لها بالًا، فمن المفترض الآن أمام عمر أنه لا يعلمها :
-عمر كويس إنك جيت حاول تتحكم في الكاميرات اللي محاوطة المكان ولو متهكرة حاول توقف التهكير ده بس بسرعة يا عمر
آماء الآخر بجدية وهو يمسك حاسوبه لكن ظهرت لمحة قلق في عينيه وهو ينظر حوله :
-مش متهكرة بس السفاح وقت دخوله مش ظاهر للأسف، متخافش انا هتصرف بس هو انت محدش جه معاك ليه؟؟
ربت الآخر على كتفه يدرك خوفه عليه إذ قال :
-متخافش عليا أخوك أسد يلاه خلي بالك انت من نفسك
ختم حديثه واتجه إلى البناية بخطوات سريعة بينما رقية نظرت إلى طيفه متوترة من تصادمه مع يونس بالأعلى، استدارت إلى عمر لكنها لم تجده مكانه بل وجدته يتجه إلى الجانب الآخر من الطريق
هرولت إليه بسرعة وقد ابصرته يخرج من حقيبته كاميرا طائرة كالتي تُستخدم في تصوير الأفلام، فشهقت منبهرة أن واحدة كهذه معه :
-انت جبت دي منين؟!
اجابها الآخر وهو يتأكد من تشغيلها إذ قال :
-من لندن بستخدمها في شغلي التاني اللي محدش يعرفه غيرك دلوقتي
أعطى لها جاهزه الحاسوب المتصلة به الكاميرا، ثم امسك هو بعصا التحكم الخاصة بها، من ثم قام بتشغيلها لترتفع الكاميرا من الأرض ناحية السماء، بينما تعرض ما تصوره على حاسوبه الممسكة به رقية والتي قالت بإنبهار أشد :
-انت كل مرة بتبهرني عن المرة اللي قبلها، انت تعلمت ده كله أمتى؟!
ابتسم عمر ولم يعلم أن لسؤالها مغزى آخر غير الذي وصل إليه :
-عيب عليكي انا مش سهل وإلا مكنتش حيرت مباحث الإنترنت ورايا ولحد دلوقتي ميعرفوش عني حاجة
أما في الأعلى وخاصةً في الطابق الأخير حيث كان كان السفاح يمسك بهاتف ضحيته الجديدة ويقوم بتقيدها في مقعد مائل للخلف قليلًا، متصل بحبل طويل مربوط طرفه في إحدى أجهزة إشارة التلفاز، بحيث إن انقطع الحبل سقطت الفتاة بالمقعد للخلف
أما الفتاة كانت تبكي بقوة خائفة حتى من أن تحاول الاهتزاز فتسقط من فوق بناية يبلغ طولها عشرون طابق، حاولت استعطافه بنظراتها التي كانت تشرح معنى الرعب بشكل واضح، لكن الآخر كان من الجمود الذي جعله أشبه بصنم لا يشعر حتى بأي ذرة شفقة نحوها
بل امسك بزجاجة خمر وسكبها أمام الكاميرا لتسقط أرضًا أسفل الحبل، ثم ألقى بالزجاجة أرضًا فتهشمت لعشرات القطع، من ثم اخرج علبة كبريت من جيبه مشعلًا عود الثقاب، ناظرًا إلى عينيها بأعين خاوية من ثم قال :
-بلغي سلامي لأبويا لما تروحي جهنم
هم بإلقاء العود فوق الخمر حتى يشتعل لكن وجد صوت من خلفه يهدر بغضب تزامنًا مع صوت لسحب أجزاء لسلاح بارودي :
-عندك إياك تعملها وإلا هضربك بالنار
تجمد الآخر في مكانه برعب ثم استدار ليبصر شاب في أواخر العشرينات يشهر سلاحًا في وجهه ولا يظهر الخوف أبدًا في عينيه، تحدث بسرعة في أول ما ظهر في عقله إذ قال وهو يحاول أن يغير صوته الحقيقي :
-تمسكها ولا تمسكني؟؟
فهم يونس لعبته القذرة التي ينتويها وقبل أن يتأخذ أي قرار كان الآخر يلقي بعود الثقاب المشتعل فوق الخمر فاشتعلت النيران، صاح يونس بقوة وهو يهرول إلى الفتاة لعله يمسك الحبل قبل أن تأكله النيران
وبالفعل أمسك بالحبل لكن اهتزاز الأخرى بعنف عندما رأت الحبل سينقطع جعلتها تسقط للخلف، فأصبح يونس يمسك بالحبل وهي معلقة به، حاول سحبها بكل قوته دون أن ينفلت الحبل منه
وأثناء هذا استغل السفاح هذه الفرصة وهرب بإتجاه مخرج السطح وقبل أن يخرج وجد لكمة قوية تصطدم في صدره جعلته يسقط أرضًا، بينما كان صاحب اللكمة هذه سفيان الذي أغلق المخرج الوحيد ثم نظر إليه بشر قائلًا :
-وأخيرًا اتقابلنا دوختنا عليك يا راجل
حدق به الآخر بقلق لينظر حوله بسرعة بحثًا عن مخرج بينما علىٰ صوت يونس بقوة قائلًا :
-اوعى يهرب منك يا ســفــيـان
رفع الآخر أكمام سترته قائلًا :
-يهرب ده ايه، على جثتي
وقف الآخر بسرعة وركض في إتجاه يونس أي في إتجاه حافة السطح ففزع سفيان وهرول خلفه لظنه أنه يود الإنتحار أفضل من القبض عليه، وبالفعل قفز من فوق البناية فوقف سفيان مصدومًا وقد كان يونس أكثر صدمة منه إذ صاح وهو لا يزال يمسك بالحبل :
-ده موقعش؟!
واقترب الآخر من الحافة بسرعة فرأى أنه تعلق في شبكة كبيرة كانت موضوعة في الطابق الثامن عشر تمنع أي شئ من السقوط للأسفل، نظر سفيان ويونس لبعضهما لقد قفز لعلمه أن هناك شبكة إذًا كيف كان سيلقي بالفتاة وهو يعلم أن هناك شبكة ستحول بين الأمر أم أنه لم يكن يعلم؟؟
عاد سفيان بسرعة للخلف تزامنًا مع قوله :
-شد البنت يا يونس انا هجيبه بسرعة قبل ما يهرب
أما يونس هز رأسه بنفى وهو يرى الآخر يحاول الاعتدال حتى يهرب من الشرفة المقابلة فنظر إلى الفتاة المعلقة في المقعد تصرخ بصوت مكتوم ثم قال :
-معلش يا اسمك ايه بس زي ما قال الشاعر فداكِ فداكِ يا مصر
ترك الحبل فتهاوى جسد الفتاة مصطدمًا بالآخر فوق الشبكة فأصبح السفاح في الأسفل والفتاة بمقعدها فوقه، وهكذا تم القبض عليه وذهب يونس مع سفيان بعدما أخذوا السفاح مباشرةً إلى أمن الدولة
وحمدًا لله لم يراها مع عمر
لكن ما أفسد سعادتها أن سفيان رفض أن يقوموا بنشر مقطع الفيديو الذي صورته الكاميرا الطائرة متحججًا أنه يجب التكتم على الأمر لوقتٍ لاحق، حسنًا هذا الفيديو معها هى وعمر إذًا لا خوف
شهقت رقية بقوة حين استمعت إلى صرخة قوية من خلفها من عمر إذ قال :
-انا مش بتصل من صباح ربنا مش بتردي على التليفون ليه
وضعت الأخرى يدها على قلبها الذي ينتفض داخل ضلوعها من شدة الفزع وسرعان ما تداركت الأمر لتقف أمامه صائحة :
-ايه كنت سرحانة ثم متزعقش فيا يا بني آدم خليك جنتل مان مرة واحدة ده انت مكنتش كده خالص
لم يفهم عمر معنى جملتها الأخيرة لكنه لم يبالي فالخبر الذي معه كفيل بجعل الأخرى تصرخ بجنون :
-عرفتي يا اختي اللي حصل!؟
-حصل ايه؟ ثم عرفت مكاني ازاي؟؟
-تتبعت تليفونك مش محتاجة ذكاء
وقلبت الأخرى عينيها زافرة بهدوء تحاول تمرير طريقته الساخرة هذه :
-مش هرد عليك علشان مبوظش سعادتي واحتفالي بالقبض على السفاح
ضحك عمر بسخرية لاذعة ليقول صادمًا إياها :
-اسكتي مش اللي قبضوا عليه مطلعش السفاح
وكانت رقية في حالة من الذهول التام لما سمعت إذ قالت وهي تحاول تجميع كلماتها :
-مطـ مطلعش السفاح يعني ايه؟! اومال طلع مين؟؟
-طلع تيكتوكر كان بيعمل كده علشان يلم مشاهدات من اللايف اللي فتحه وقال ايه مكنش يعرف اني ده كله هيتقلب عليه
افرغت الأخرى فمها بذهول لا تصدق لما يُقال إذ قالت :
-ايه الهبد اللي بتقوله ده؟! انا مش مصدقة طبعًا ده كان هيرمي واحدة من الدور العشرين هيلبس نفسه قضية قتل علشان يعلي عنده المشاهدات!؟
-ما هي الواحدة اللي انتي بتقولي عليه دي طلعت اخته وعملت الدور معاه علشان برضو المشاهدات
هزت رقية رأسها مصدومة فقال عمر ضاحكًا بقلة حيلة :
-انا برضو كنت مصدوم كده لما اتصلت على سفيان علشان أقوله اني هنزل الفيديو فراح قالي لا فيديو ولا هباب ده تطلع من بتوع التيك توك عايز يعمل مشاهدات بأي طريقة فاستغل شهرة السفاح وأنه نزل لايف قبل كده عمل ملايين المشاهدات، فحب يقلده بس من غير ما حد يموت
تهاوى جسد رقية فوق الكورنيش متسعة العينين لتضحك بعدم تصديق قائلة :
-يعني بعد اللي اتعمل كله وكاميرا وتنطيط وأحداث مش بنشوفها غير في الأفلام ميطلعش هو السفاح؟!
ضربت فخذيها بقوة صائحة بحسرة :
-آه يا تعبك يا روكا اللي راح، ويونس؟! ده يونس هيتجلط لما يعرف
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ابتسم متكئًا على المقعد خلف مكتبه بينما أمامه كانت تجلس نور وشروق التي تضم حقيبتها كحبيب فقدته لسنوات، يحاول جاهدًا ألا يضحك عليها فمظهرها الآن مضحك خاصةً وهى تتأكد مما بداخلها إذ كانت تقول :
-وادي الكارنية ومش هتذل لحد علشان ادخل الكلية، وادي الألفين جنيه مش ناقصين حاجة مش عارفة ازاي بس الحمد لله، والبوك الصغير، حتى علبة المناديل زي ما هى
رفعت نظره إلى يونس متسائلة :
-هو الحرامي أمين قوي ولا ايه ازاي الشنطة مش ناقص منها حاجة وبقالها معاه فوق التلات اسابيع؟!
حمحم يونس مختلقًا كذبة فبالطبع لن يخبرها أنها كانت معه :
-انتي ليكي الشنطة ولا الأسئلة؟ يا ستي أهي رجعتلك
آماءت شروق متعجبة طريقته الهادئة في الحديث ولولا هذا الشاش الأبيض الذي يحيط رأسه لقالت أن من أمامها يوسف الهادئ الرزين وليس يونس ذو اللسان السليط والطبع الاستفزازي
مد يونس يده لها ولازال على هدوءه والذي زاد من تعجبها :
-التليفون والمفاتيح بقى
انتبهت الأخرى لما قال ففتحت بسرعة حقيبتها التي معها مخرجة مفاتيحه وهاتفه اللذان بقيا معها في الحقيبة منذ البارحة :
-اتفضل أهم انا نسيتهم خالص والله بسبب اللي حصل عشية لنور، بس انت عرفت منين إنهم معايا هو أنت فاكر اللي حصل؟!
أخذهم يونس منها ووضعهم على المكتب ثم اجابها قائلًا :
-لأ شوفتك في كاميرات المحل علشان كنت عايز اعرف مين البنت اللي طلبتلي الإسعاف
وهمست الأخرى كعادتها التي لن تنسلخ عنها قائلة :
-وهو انا طلبت الإسعاف بس ده انا اتمرمطت معاك وخدت دور برد ما يعلم بيه إلا ربنا
ابتسم يونس وقد سمعها لكنه لم يعلق بل نظر إلى نور التي كانت تجلس وملامح وجهها متعبة بشدة ثم قال وهو يخرج ورقة من درج المكتب :
-آنسة نور إمبارح قبضنا على سواق التاكسي اللي حاول يخطفك وبعد طبعًا ما استجوبناه أو حمزة هو اللي استجوبه بطريقته
نطق بها ساخرًا وهو يتذكر جنون حمزة على السائق وطريقته الهمجية الغير معتادة منه، حتى ابن عمها ياسر تعجب طريقته، وقد زاد غضب كلاهما عندما اعترف السائق أنه كان يود أن يأخذها في مكان بعيد ويشرع في الاعتداء عليها
حمحم مكملًا حديثه إذ قال :
-حمزة عملك محضر بأنه حاول يخطفك وانتي دافعتي عن نفسك امضي على المحضر وانا هبعت اجيب الواد علشان تتعرفي عليه ولو هو، هيترحل على النيابة علشان ياخد جزاته
نظرت إليه نور بعدم انتباه فهي تشعر بدوار شديد وأن جسدها بات يغلي من شدة السخونة التي تشعر بها :
-امضي على ايه انا معملتش محضر؟!
تعجب الآخر حالتها هذه فنظر إلى شروق التي بدورها نظرت إلى نور بقلق متسائلة :
-نورهان انتي كويسة مالك؟!
اجابتها الأخرى وهي تمسك رأسها بكفيها الإثنين تشعر أنها تطرق بقوة شديدة كجرس كنيسة :
-تعبانة قوي حاسة إني جسمي كله بيصل عليا ومش قادرة افتح عينيا
وقفت شروق بسرعة ورفعت رأسها من بين يديها متحسسة جبينها لتصيح مصدومة وهي تبعده بسرعة :
-يا لهوي يا نور جسمك مولع مكنش ينفع تطلعي النهاردة خالص وانتي كنتي هتموتي عشية من السخونة
تحدث يونس متسائلًا إذ قال :
-طب تقدر تتعرف على السواق وتقول إذ كان هو ولا لأ وبعدها تقدر تمشي
نظرت شروق إليها تسألها إذا كانت تستطيع فهزت الأخرى رأسها بحسنًا :
-ماشي بس بعدها نمشي علطول مش قادرة انا والله
نادى يونس على العسكري الذي يقف بجانب الباب وبدلًا من أن يدخل عليه وجد شقيقته هى من تدلف صائحة بطريقة افزعته :
-يـــونـــس عرفت اللي حصل؟؟
انتفض الآخر من مكانه خوفًا من أن يكون هناك مكروه أصاب عائلته خاصةً وأن والده في عمل خرج الإسكندرية :
-فيه ايه حد حصله حاجة؟! يوسف وماما وبابا كويسين؟؟
ورمقته رقية بشفتين مذمومتين ثم قالت بآسى شديد وكأنها على وشك البكاء :
-السفاح اللي قبضت عليه مطلعش هو السفاح يا يونس
ظل الآخر يحدق بها ولم يبدو أنه استوعب من قالت، هو كاد قلبه يتوقف منذ قليل بسبب خوفه من دلوفها المفاجئ هذا، وقد توقع كارثة قد حدثت وهي تقول له.... مهلًا ما الذي قالته هذا؟؟ كيف السفاح الذي قبضوا عليه البارحة ليس هو السفاح هل تمزح معه الآن!؟
وقبل أن يبادر بقول كلمة كانت صرخة شروق من خلفه ترج المكتب باسم نور، استدار كلاهما بسرعة ليجدا نور تفترش الأرض ولا تتحرك بينما تهيمن عليها شروق وهى تحاول أن تجعلها تفيق ولكن لا حياة لمن تنادي...
