اخر الروايات

رواية عديل الروح الفصل العشرين 20 بقلم الكاتبة ام حمدة

رواية عديل الروح الفصل العشرين 20 بقلم الكاتبة ام حمدة


الفصل العشرون - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
**********
تمضي الأيام ويمضي العمر، وتكبر الآمال وتعشعش بخافق نبض بحب أبدي.
لمسة حانية.....تمسح دمعات ماضية، وقبلة من حبيب....تبعث بروح حلمت بها كأحلامها الوردية، عيون نطقت بعشق، وهمس انسكب يملئ جوف كخمر أثمل صاحبته واعتنقت من كأس الثمالة على يديه ففاض وطفح يعلنه أمام الجمع.

عادت الأمور لطبيعتها من جديد....
لا... مهلا، من قال أنها عادت لما كانت عليه!!!
بل تغيرت وأصبحت ملونة بألوان زاهية وجميلة تنعش جمال الكون، ومزخرفة بعبق الحب، وكلمات رنانة صدحت كهمس النسيم في يوم ربيعي جميل تبهج الناظر والسامع، وتريح عقل أثقله الهم، وتعيد الحياة لمن مل رتابة نبضاته.
مر عليهم أسبوعان منذ إعلانهما للصلح واختفاء سلمى لمكان مجهول، هذا ما فهمته من همسات الجميع.
عادت مريم لتكمل ما فاتها من دروس بجامعتها، وكان أن عاد هو منذ عودتهما من شهر العسل مرغما لعمله، متأففا بأنه ما يزال عريس، وأنه يحق له أن يعيش أيام زواجه لفترة أطول، لتطالعه بعيون ضيقة ومتسائلة:
" ماذا... ألم تعش بعد أيام زواجك؟!! ".
ليرد اجابتها بنظرات مشاكسة وماكرة تنطق بما يريد بقوله بـ...
" لا... لم أشبع بعد ".
لتحمر خجلا وتشيح بوجهها هاربة من تلك المشاعر التي تأخذها للبعيد، تصحبها للأعالي، بين السحب البيضاء، والسماء الزرقاء، تشدوا لها عصافير الحب، وتغرد لها بأحلى الألحان.
لتعود وتغرق نفسها بتساؤلات لا قرار لها، وتشاؤم بدأ يأخذ محله من حياتها، فالأمور مستتبة، وكل شيء على ما يرام، لكن ما يقضي مضجعها ويفسد فرحتها، هو ما أن يسدل الليل ستارة، وتناجي القلوب أحبائها برقص اعتادوا وصاله، وغرق أدمنوا على تكراره، ليبث كل منهما بعشق سرمدي نادى به عبر التاريخ.
فأخذتها ذاكرتها لذلك اليوم الذي رضخ به زوجها لطلبها، لتأخذ منه حقها بما قاله لها، وليبرهن لها بأن تلك مجرد كلمات واهية.
وتتوالى تلك الأيام عندما يزورنا فارس الليل، ويخرج ما بداخل جيوبه كما الساحر، بنجومه البراقة تنير درب التائه في صحرائه، وقمر يتوسد كبد السماء ينتظر عشاق الليل ليتغنوا بجماله ويناغي الحبيب حبيبته.
هي تلك اللحظة عندما يقترب منها بقدم قدت من حديد، ويقف ليناظر عينيها دون أن يشيح، ويأمرها بفتح فمها ويضع ذلك القرص الأبيض الصغير على لسانها الوردي ثم يسكب ما يروي ظمأها ويأخذ ما بداخل فمها برحلة عبر الوريد ناشرا مسحوقها الشرير مانعة إياها من تحقيق حلم انتظرته طويلا بطفل صغير يناديها بكلمة
" ماما ".
تلك الثواني عندما تتشابك الأعين بحديث مؤلم لروحها، المطالبة بشيء يتوق رحمها لحمله، قطعة من مهجة قلبها...طفل صغير يكون والده من اختارته ليكون رفيق دربها.
لكن أين السبيل لهذا؟!!... كسرها بكلماته، لتخفوا ساحقة تلك الرغبة ونأتها بركن منزوي كما المعاقب لجرم أذنبه.
أرادته أن يفهم، أن ما قامت به يقتلها هي قبل أن يميته هو، عليه أن يعلم أن قيمتها كأنثى ليست لحمل بذراته....وليست لتطفئ شهواته....
هي أنثى خلقها الله لتكون مكملة له، نصفه الآخر تسانده بحياته، تكون ذراعه الأيمن بوقت شداته، تكون وسادته عندما يتكالب عليه الزمن،
وليس لشيء آخر دنيوي يجعلها تشبه الغانيات.
فما يفرق بينهم سوى بشرعية ما يقوم به.
لتخفض عينيها هاربة من رؤيته لتلك الدمعة الخائنة التي تهدد بخذلها فتهرب غير راغبة برؤية كم الألم والعتاب بعينيه متجه ناحية الحمام فتغلق الباب خلفها.
كل يوم، كل ليلة روتين أصبحت تمقته يضع ما بيده بفمها وتهرب للحمام لتتمالك نفسها ثم تخرج إليه وكأن روحها لم تمت للتو واللحظة.....
لكنه يعلم...نعم يعلم أن ما تعانيه أكثر بكثير مما يعانيه هو، قرارها كان نابع من حرقة أوجدها هو، يعلم بأنه قتلها بكلماته تلك حتى لو كان المعنى مختلف، لكن كان الأوان قد فات!!.
فقد فقدت الثقة به بما يريده منها، لهذا اتخذت قرارها بعد أن أصمت رغباتها بتوقها لطفل تحبه وتعطيه كل حنانها وأمومتها.
نعم سينتظر إلى أن تثق به، حتى لو طال الوقت، فهو يريدها هي.. هي ولا أحد سواها، فقد ذاق طعم الحياة على يديها، فكيف يكتب كفنه بيديه.
ليسحبها بعد خروجها من ملاذها ضاما لها، معانقا دمعاتها الخفية، مغيبا إياها بقبلة تنسيها مواجعها وآلامها، مخبرا إياها بأنه يعلم، وسَيَعُدُ الساعات والأيام بصبر، فقط من أجلها، ولو استطاع إعادة عقارب الساعة لكان قد محا تلك المحادثة التي أفسدت حياته.

*********************

سيذهب الجميع برحلة للمزرعة لعدة أيام، فقد أمرت الجدة قبل أيام برغبتها برؤية جميع أولادها و أحفادها حولها، فلب الكل مرحبا بفكرتها.
فعدت الولائم، وجهزت المزرعة لمبيت الجميع، وقامت نساء النعيمي بتجهيز كل ما لذ وطاب، من الحلويات، والمعجنات، والمطيبات، وقد عمل الكل بنشاط وسعادة، ومريم تساعد بفرح وسط عائلة تحبها وترعاها لا ينقصها شيء، فكل ما أرادته وحلمت به قد تحقق.
لم يقتصر العمل فقط للنساء، فللرجال نصيب من هذا الجهد، فقد أمرتهم الجدة بالتوجه لحظيرة الأغنام وإحضار أربع من الرؤوس وذبحها وترك اثنتين دون تقطيعهما، فمريم تريد حشيهما وتتبيلهم، ثم طهوهم لتصنع
( غوزي ) (هي أكله تقليدية مكونة من لحم غنم تتبل ببهارات خاصة ثم تحشى وتلف بقصدير وتترك لمدة ليلة كاملة ثم تطهى بالتنور ويقدم وبجانبه الأرز ).
والاثنتين الباقيتان تقطع لقطع صغيرة وتخلى من العضم لشيها.

دخل سلطان وهو ينادي بصوته الجهوري ينبه ساكني المنزل بوجوده، عدلت النسوة غطاء شعرهن وعدن ليتابعن عملهم، ليصدح صوت والدته تسمح له بالدخول.
اقترب من المطبخ مكان تجمعهم وبيده أكياس تظهر كم هي ثقيلة من حجم انتفاخه، أنزل ما بيده ووجه أنظاره ناحيتهم.
" السلام عليكم ".
ألقى سلامه وعيناه تبحث عمن هفا له قلبه، وتاقت لها جوارحه، فردوا عليه سلامه ولم يصله صوتها الرنان الذي مس شغاف قلبه ويتركه ينبض ويطرق كما حوافر الخيل.
دارت مقلتيه بينهن، باحثة عن سارقة قلبه، والذي إلى الآن لم يصرح به لأي كان، فقط جدته التي تعلم بحاله.
فباعتقاده أن بقوله لتلك الكلمات ستكون نهايته، فكل امرأة أيا كانت يكون بداخلها ذلك التوق الغريب بالسيطرة على الرجل، ليكون كالخاتم بأصبعها، وهو لم يخلق ليكون تابع لامرأة.
ومريم لن تكون استثناء عن باقي النساء، فهي بالآخر أنثى ناقصة.
فأبت كلماته الخروج ولكن أفعاله هي من دلت على وقوعه بذلك المرض الذي ما أن يزور صاحبه حتى يصعب استئصاله.
خرجت من مخبئها كالبدر المنير الذي أضاء ظلمة الليل بحياته، وتسللت كلص محترف لتجري بشريانه كمجرى الدم بالوريد.
وكأنها استشعرت وجوده وتحديقه لها، وتسارع دقات قلبها تخبرها بحضوره، ورائحة عطره القوية التي أدمنت استنشاقها على جسده في لياليهم الملتهبة أزكمت أنفها.
رفعت رأسها والتفتت للجهة التي يتواجد بها لتلتقي النظرات، وتتسع البسمات، تحاكي اشتياقها ولهفتها، بضمة تعيد الروح لجسد أشعل به بارود متفجر من المشاعر المشتعلة، ما إن انفجر حتى صَعُب لملمة تلك العواطف التي تبعثرت بكل خلاياهم.
حمحمة، وضحكات خفيضة ورقيقة، وسعال متعمد، أخرجهم من دائرة الأشواق التي أحاطت بهم، لتكون كالشرنقة تلفهم بحاجز خفي تنسيهم ما حولهم، كأنهم الخلق الوحيد بهذا العالم.
" هل ستظل واقفا هكذا وتمنعني من الدخول؟! ".
ابتعد سلطان عن الباب محرجا، ليدخل بمرحه المعتاد صائحا:
" مرحبا بجميلات النعيمي ".
قهقهت النساء على خفة دمه، واقتربت منه زوجة عمه قائله له وابتسامة توسدت شفتيها:
" أهلا وسهلا بشيخ الرجال، وروح العائلة ".
عدل محمد ياقة دشداشته بغرور ثم رفع شعره للخلف، وقال وهو يمسح على صدره بفخر:
" شكرا يا عمتي، لقد أخجلتني بكلماتك ".
" أرجوك!!... ما هذا التواضع ".
خرج الصوت من خلفه متهكما، ليطالعه من فوق كتفه وهو يرفع أحد حاجبيه، وقال شامتا:
" يا أخي.. الغيرة شيء فظيع جدا، فهي تقتل صاحبها ".
تحرك سلطان ناحيته يبغي عقابه، ليفر من أمامه ضاحكا متجها لشقيقته التي تناظر مشاكساتهم بفرح، لترفع ذراعيها ما أن اقترب منها لتأخذه بأحضانها كأم تاقت لضم طفلها الصغير.
اعتصرها بشوق كأنه لم يقابلها منذ زمن بعيد، وليس كأنه دائم التواجد بمنزلهم.
كان يراقب كل انفعالاتها من شوق ولهفة، وضمها لشقيقها بكل حب، حتى زارته تلك المشاعر المقيتة التي دوما يشعرها معها هي دون عن الأخريات.
يرغب بسحبها من أحضانه ويدفنها على صدره مخبرا إياها بأن مكانها هنا بين ثنايا أضلاعه وليس مع رجل آخر، هو فقط الأحق بتلك العناقات.
سعل يجلي حنجرته، ينبه ذلك الفتى الأحمق والذي ينوي أن يدق عنقه إن لم يبتعد بالتو واللحظة عن زوجته.
ابتعد محمد على مضض والتفت ناحية ابن عمه، وسأله ببراءة مزيفة:
" ما بك يا ابن العم؟؟.. للتو كنت بخير، هل أصابك المرض هكذا فجأة؟؟.. أممممم أم بعد أن...".
ترك الباقي من كلمته وهو يتلاعب بحاجبيه ويسحب شقيقته ليعيدها لأحضانه دون أن تفقه تلك الأخرى على ما يجري بينهما، فاستجابت بتلقائية لرغبة شقيقها بالعناق، لتلف ذراعها حول جذعه ممسكة به بإحكام.
" ألا تظن بأنك أطلت المكوث هناك؟؟ ".
جز على أسنانه يطحنها من شدة غيظه منه دون أن يقدر على الإتيان على أي حركة تفضح مشاعره الملتهبة بنار الغيرة، وممن؟!!... من شقيقها!!
" سلطان!!... دعه هنا فأنا اشتقت إليه كثيرا، فدعه يجلس معي ".
شدد يسحبها من كتفها ناحيته يكاد يدخلها بين أضلاعه دون أن تشعر مريم بالحرب الدائرة أو الغيرة العمياء التي غامت بها ملامحه، يكاد يفتك بشقيقها.
" كما سمعت يا صديقي هي ترغب ببقائي، وأنا لم أشبع بعد من حنانها، فأنت كما تعلم أنني يتيم فأحتاج للكثير من الحنان، وأود أن أطيل البقاء بالقرب منها ".
فزمجر راعدا بغضب:
" محمد فك مريم، وتعال لنترك النساء ليعودوا لعملهم، وإن أردت بعض الحنان لن أمانع بإعطائك بعض منه، فأنا بتوق كبير لإشباعك به ".
هز محمد رأسه مغيظا إياه، رافضا التزحزح من مكانه، كما أعجبه احمرار وجه سلطان وغيرته الواضحة على شقيقته.
ليرتفع صوت والدة سلطان منهية الجدال الذي كانت شاهدة عليه، وبغيرة ولدها على زوجته، أفرحها وأسعدها بأن ابنها قد بدأت مشاعره تتحرك، وأن هناك بخافقه ينبض قلب حي وينادي بالحب.
" محمد يا بني، اذهب للمجلس. فجدتك هناك تنتظر معرفة ما فعلتموه بالمزرعة، وإن كان كل شيء على ما يرام ".
ليضرب رأسه متذكرا جدته
" نعم، لقد نسيت، كانت تنتظر مني أن أخبرها بما فعلنا ".
ترك شقيقته مستعجلا وتحرك ناحية الباب ثم توقف وهو يرى سلطان أمامه ونية القتل تعتنق عيناه، فارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة وتراجع للخلف وعيناه تنطق بالتحدي والاستفزاز، وسلطان يحذره من مغبة أفعاله...
ولكن كيف السبيل لإيقاف من وجد نقطة ضعف لهذا المارد الجليدي.
اتجه ناحية شقيقته وطبع قبلة طويلة على جبهتها، وعيناه لا تحيد عن عينا خصمه التي اشتعلت بفتيل لن تخمد سوى بعد أخذ حقها.
وابتعد عنها مهرولا بسرعة وقال صائحا وهو يركض:
" إن كنت سأموت، يجب أن تكون آخر لحظاتي ذكرى جميلة، وليس وجه العملاق الغاضب ".
ثم اختفى وخلفه سلطان يناديه بالويل والعقاب.
قهقهة كل من كان شاهد على تلك الأحداث، وضربت الكفوف على هذا الجنون، ودعاء خالص بالهداية للجميع.

حل يوم الخميس المنتظر، ليستقل الكل سياراتهم متجهين للمزرعة، صف من السيارات ذات الدفع الرباعي تنطلق خلف بعضها كأنه كوكب لأحد كبار الشخصيات المهمة بطريقها لأحد المؤتمرات، ولكن تلك السيارات هي لعائلة النعيمي والتي لا تقل شأنا عن الشخصيات ذات الشأن.
غادروا ولم يعلموا بزائرهم الغريب الذي حل على دارهم يبحث عنهم، وبالذات عن شخص واحد، أراده وتمناه منذ أن سمع عنه، وطالت فترة قدومه لأسباب شخصية منعته، فطاقت له نفسه لمرآه ولكن كان للقدر تصاريف أخرى.
فغادر على أمل اللقاء قريبا...وقريبا جدا.

**********************

وصل الفوج لوجهتهم وفتحت البوابة ليمر جيش من السيارات الكبيرة ذات الدفع الرباعي لتصطف خلف بعضها كقطار.
ترجل الصغار أولا وبدئوا بالانتشار هنا وهناك والسعادة تشع من وجوههم البريئة، كم يعشق الأطفال الأماكن المفتوحة فهم كالطيور الحرة تكره القيود وكل ما يحتجز رغباتهم وأمنياتهم.
انطلقوا يستكشفون كل ما حولهم وآبائهم يصرخون بهم عدم الابتعاد عن أنظارهم خوفا عليهم من خبايا الأرض، فمهما كان العاملون حريصون على نظافة المزرعة إلا أن أخطارها موجودة.
ترجل الكبار وقد انتقلت عدوى الابتسام إليهم.
أغمض عينيه وتنفس هواءً نظيفا منعشا ملء به رئتيه المتعطشة للنقاء، وعقله الراغب بالراحة من هموم العمل وأعباء الحياة، و تفكيره باختفاء زوجته سلمى!!
لم يترك مكان إلى وفتش عنها، عائلتها تنكر معرفتها بأين تكون؟!.. وشقيق ناظره بحقد ولم يجبه بأي شيء يخصها.
تنهد بحرارة وهز رأسه ينفض الغضب بداخله من رحيلها المفاجئ الذي لم يتوقعه أبدا، نعم هي تعلم مقدار الأذى الذي سببته وتعلم ما سيفعله بها إن أمسكها!!... لهذا قررت الهرب كالجبانة وتأخير المحتوم.
عاد يخرجها من رأسه فهذا ليس بوقت التفكير بها بل وقت الراحة والاسترخاء، حرك رأسه يبحث عنها كما العادة، هذا ما أصبح عليه الحال، فهو يرفض بعدها عنه، ما أن يعودا من عمله وهي من جامعتها حتى يحتجزها تحت أنظاره مشتاقا يجرفه الحنين والحب ناحيتها، ليأخذها بدوامة العشق والغرام، وحب عشعش بثنايا أضلاعه خافقا كرعد عاصف بليلة هوجاء، حب استطاع إخراجه بأفعاله دون قوله، هو خائف بل مرعوب من أن تتحطم تلك الصورة المثالية لها، خوف من همس كلمات قد تقتله لتتكسر وتتحطم آماله وأحلامه فيكون هو الخاسر الوحيد.
هو أيضا لا يعرف ما تكن له من مشاعر، هل تحبه؟!!... هل تعشقه؟!!... لا يعلم ما يجيش به خافقها من عواطف ناحيته، لكن عندما يحدق بمقلتيها يرى عينان تفضح حبها له، ارتجافه جسدها بين يديه تخبره بأشواقها له، نعم هي تحبه. لكن لما لا تقول؟!!
تساءل بداخله ليباغته جوابه....كيف تريدها أن تبث عشقها لك وأنت تمنع نفسك من همسها له؟!!... كيف تريدها أن تقول تلك الأحرف وهي لم تأمن نفسها معك؟!!... نعم، هو يعرف ويشعر بما يجول بداخلها من مخاوف وأفكار تعبث بعقلها.
تنهد بحيرة وعاد يسأل نفسه بحزن كيف سيجعلها تثق بأن حياتهما معا ستكون للأبد؟!!
التقطتها عيناه تقف هناك مع شقيقاته وبنات أعمامه وزوجات أشقائه يتحدثون عن شيء ما ثم يتضاحكون لشيء أسرته إحداهن لهن .
تأملها بإعجاب، ووله طفق بعيني عاشق وجد حب حياته ونصفه الآخر، تنفس بعمق وصوت رنات ضحكاتها تصل لأذنيه لتعيث الفساد بخافقه، ليرن بجنون امرأة اجتاحته كإعصار هادر لم تتركه سوى بعد أن تملكته تماما.
ابتسم لسعادتها، وناظرها بعيني صقر وجد فريسته الضائعة، وكما الفرس البرية التي تستشعر الخطر من حولها رفعت عيناها والتفتت تبحث عن مصدر تلك الإشارات والذبذبات التي تصلها حارة حارقة، تخترقها كسهم ناري لتلتقيا عيون عسلية تلمع ببريق تعرفه وبندقيتان منصهرتان بحب وحنان يعرفه وغرقا ببحور الهوى وتناسيا مكانهما فقط هما الأوحدان.
قاطعت تواصلهما بعد أن هزتها يد تنتشلها من ضياعها ما أن تلمحه حتى يسرقها من واقعها، يختطف نبضاتها كلما التقت عيناهما، يسحبها دفئ جسده لعالم آخر لتتوسده ضامه نفسها إليه باحثة عن أمانها بين أحضانه.
تطلعت لمحدثتها بعيون غائمة من المشاعر العاصفة بروحها المشتاقة له لقد جنت تماما به.
أبعد عيناه مجبرا عدم النظر إليها لما يختلجه من مشاعر وعواطف مجنونة تجعله يرتكب أفعال طائشة كما المراهق الصغير.
دارت حدقتيه كما الصقر ينذر بخطر محدق لتتوقف عند سيارة بيضاء تدخل من بوابة المزرعة لتتوحش وتبرق وتدق ناقوس الخطر، فبالرغم من أنها أصبحت له ملكه إلا أن نظرات ذلك الرجل تقتله، والدفء والحب الذي يشع من مقلتيه تجعله راغبا باقتلاعهما من محجريها، وتحطيمه لأشلاء صغيرة لا يستطيع بعدها لملمتها.
تربيته على الكتف وهمس بأذنيه جعله يلتفت لصاحبه بقوة كادت أن تقتلع رقبته
" إياك وأن تتهور معه، دع الأمور تمشي بسلاسة ولا تعطيه ما يريد ".
ارتاحت أساريره لثوان فقط بعد أن تطلع لمحمد، لتعود وتستعر ما أن شاهده يترجل من سيارته وعلى وجهه ابتسامه ماكرة ما أن التقط نظرات سلطان الغاضبة من قدومه.
ازدادت ابتسامته اتساعا ورغبة ساحقة بداخله لرؤية سلطان ينكسر ويتحطم لأشلاء، نعم هو يريد رؤيته متألما مجروحا كما إحساسه هو عندما علم بزواج مريم لسلطان، لقد شعر بالخسارة والجنون والرغبة بالتخلص من غريمه للأبد، لتبقى مريم وحيدة حتى إن لم تكون له على الأقل لن تكون لغيره، فالرجال عميان عن روحها الطيبة والحنونة وما يهمهم سوى المظاهر الخادعة.
تجولت عيناه تبحث عنها فهو لم يرها منذ فترة طويلة جدا، أراد أن يكحل عيناه لمرآها، وأن يمد قلبه بالصبر لبعدها، وأن أوان جمعهما قد أزف ولن يفرقهما بعد ذلك سوى الموت.
شاهد مجموعة من النسوة يقفن بحلقة تعرف على كل واحدة منهن، لكن واحده فقط لم يتعرف عليها كانت رائعة الجمال بل مبهرة للغاية.
فقطب حاجبيه بتفكير بمن تكون؟!.. ولم ينتظر طويلا فالجواب قد وصله، لتتسع حدقتيه بصدمة من معرفته بمن تكون؟!... فالمرأة نادتها باسمها "مريم" ولا يوجد سوى اسم واحد مثل اسمها فهي لؤلؤة نادرة لا يوجد لها مثيل.
وهمس بإعجاب :
" لقد أصبحت رائعة الجمال يا محبوبتي!! ".
سكت قليلا يلتهم جمالها الساحر، وأكمل بداخله بتصميم غامض لمعت عيناه على أثره.
تحرك كالمنوم ناحيتها يبغي سماع صوتها الذي امتنع عنها، خطوات قليلة تفصله عن محبوبته، عيناه لم تحد عن ضحكتها الرنانة التي جلجلت دواخله، خطوة خطوتان ووقف ظل عملاق حجب رؤية ساحرته التي عشقها منذ الصغر.
رفع عيناه ليجد عينان غاضبتان تشتعلان بآتون سينفجر على أدنى دفعه، لم يهتم كثيرا، فاهتمامه كان لتلك الحورية لكن هذا العملاق هو الحاجز دون وصوله لها، فيجب إزاحته من الطريق وبعدها..........
ابتسم....فقط ابتسم ثم انحرف بطريقه فلم يزف الوقت بعد للمواجهة، ولكنه سيتلاعب بهذا المارد ريثما يحين الوقت المناسب لضربته القاضية.
اتجه ناحية الرجال وسلم عليهم ببشاشة وانخرط معهم بحديث دون أن يولي أي اهتمام لذلك البركان الذي يغلي بشدة ويتوق لحرق كل من يعترض سعادته.
لا يعرف ما أصابه، فكما العادة حاسته السادسة تخبره بأن شيء سيء قادم بالطريق، وأن عينا جاسم تتكلم بحديث غريب لم يفقه بل استشعر وجود خطب ما قادم بالمستقبل.
ناداه أحدهم وتحرك باتجاهه مبعدا تلك الفكرة من رأسه فجاسم أضعف من أن يقتل ذبابة، فما بالك بأن يؤذي إنسان.
انخرط الجميع بتجهيز عدة الشي....الرجال يوارون النار، والنساء يشكن اللحم بالعصي الخاصة بالشوي.
وفرش الأرض ببساطين...واحد للرجال والآخر للنساء ليستطعن أخذ راحتهن دون خجل بوجود آخرين.
سارت الأمور على خير ما يرام مع الجميع، ما عدى اثنان والثالث كان كالحاجز بينهما لكي لا تحدث مجزرة بينهما.
كانت نيران الغيرة تشتعل بسلطان من نظرات جاسم المشيعة والولهانة الموجه لزوجته، وجاسم لم يأبه لتحذيرات ابن خالته بعدم التطلع لشيء لا يخصه بل تابع بكل برود رمي سهامه عليها، من ملكت قلبه منذ زمن بعيد ولم يستطع إخراجها أبدا، والآن وبعد رؤيتها بهذا الجمال زاد إصراره بالقيام بالمستحيل لتكون له.
وقع محمد بينهما وحاول قدر استطاعته ردع الصدع القائم بين هذين الرجلين الراغبين بسفك الدماء، يعلم كل العلم بأن جاسم هو المخطئ بما يفعله ويحق لسلطان أن يجهز عليه لتعديه على حرمة منزله، لكن هذا الأمر سيزيد الأمر سوء!!.. فيكفي مصائب سلطان مع شقيقة جاسم ليزيدها مع شقيقها!!... ويبدوا أن هذا الأخير جاء ليسعا للمشاكل وليس لردء صدعها.
تنهد بضيق وبحيرة وهو ينظر للوجوه السعيدة والضاحكة بهذا اليوم الجميل، لم يرغب بأن يفسد هذان الاثنان جو العائلة، أشاح بوجهه يبحث عن منفذ لإخراج هذين من الجو الذي بدأ يشعره بالتوتر وعدم الراحة، فوقعت عيناه على حظيرة الخيول ليصرخ كمن وجد الحل لمعضلته:
" من يرغب بسباق للخيل؟؟ ".
وكأن بقوله تلك الكلمات فتح سد من السرور والابتهاج من هذا الاقتراح الموفق، فبدأ الرجال الذين يتقنون ارتقاء الخيل بتجهيز الخيل للسباق، فكان من ضمن من سيسابق سلطان، جاسم، واثنين من أشقاء سلطان، ومحمد واثنان من أبناء أعمامهم.
فذهب جاسم يتفقد خيله وكانت بالقرب من خيل سلطان الذي كان يقف بجانبها يمسح على ظهر فرسه الأسود، كانت كلباسه الأسود المكون من جينز وقميص من نفس اللون، وجاكيت جلدي زاد من حجم جسده أضعافا وكان جاسم بجانبه كالفأر الصغير.
فسأله سلطان مستفسرا وهو يربت على حصانه:
"ما الذي جاء بك يا جاسم ؟؟"
ناظره للحظات ثم قال ببرود:
"ما الأمر يا سلطان؟؟... فيبدوا أنك قد نسيت من أنني من العائلة أيضا، ويحق لي الحضور كما الباقيين!!"
سكت ليزيد من اشتعال بارود ابن خالته ثم أكمل مستهزئا:
"أم أن علاقتنا قد انتهت برغبتك بالانفصال عن شقيقتي، التي رميتها كما الخرقة البالية بعد أن حصلت على أخرى جميلة وغاية بالفتنة"
نار تلتهم جوفه ورغبة بقتله ودفنه يشعر بها تسري بقبضتيه ورؤية استمتاعه بقدرته على اغضابه جعل البرودة تعود وتطفئ جنونه وقال يجيبه :
"في الحقيقة يا ابن خالتي، وكما تعرف جيدا بأن شقيقتك هي من رحلت عن المنزل برضاها، وانفصالنا لا شأن به بزواجي من أخرى!!... فحياتي مع شقيقتك قد حكم عليها بالفشل منذ البداية"
امتلأت عينا جاسم بالحقد والكره وقال بهسيس مخيف حمل بطياته الكثير:
"ستندم على أفعالك يا سلطان!!... ستندم كثيرا!!... سأجعلك تركع على ركبتيك لتقبل قدمي!!"
انزوت ابتسامة استهزاء بجانب شفتي سلطان وقال رادا عليه:
"أرجوك!!... أنت تخيفني!!"
والتفت عنه منشغلا بخيله ثم امتطاه تاركا رجلا يحترق بنار الكره والرغبة بالانتقام.
وقبل أن يرحل انحنى ناحيته وقال بهمس كي لا يسمعه غيره:
"قل لشقيقتك أن تعود، فالهرب لن يفيدها، فأنا سأجدها أينما كانت"
صعد الجميع على خيلهم ولحظات فقط ليروا من بعيد فرس بيضاء تتهادى من بعيد لتتوسد ابتسامة على مبسمه لمعرفته بصاحبة تلك الخيل، فكيف لا يعرفها وهو كان على هذا المضمار من قبل معها، يسابق من أجل حياته، من أجل روحه التي تكاد تزهق تحت رحمة عالمه المتوشح بالصقيع.
فأخذته ذكرياته لذلك اليوم الذي كان بدايته قطرة ماء لينهل بعدها كالغيث الذي رحم حاله، وهي كانت كالماء العذب أنقذت حياته من جليد كاد أن يقضي البقية الباقية من نفسه.
سارت الهويدة إلى أن وصلت إليه والتقت النظرات لتعرف بأنه رحل لتلك الذكريات التي كانت السبب بتواجدهم مع بعض، ليتوسع ثغرها بابتسامه خلابة تشاطره تلك الأيام الخوالي.
بادلها الابتسام وهمس :
" سأفوز بهذا السباق أيضا!! ".
لتجيبه بهزة رأسها لليمين واليسار برفض وقالت :
" ليس كل مرة يا ابن العم أسمح لك بالفوز ".
ضحك بصوت مجلجل زلزل كيانها وروحها العاشقة، لينبض قلبها بقوة يكاد يحطم جدار سجنه وينطق للعالم بعشقها لهذا الرجل.
وارتقت بجانبه تبادله النظرة بحب وعشق طفق يحوم حولهما، دون أن يشعرا بتلك النار التي تستعر وتكبر لتأخذ حيزا كبيرا من عقله وقلبه لتحرق البقية من طيبة قلبه وتنآها لمكان مجهول، فالطيبة بهذا الدغل لا فائدة منها، فهنا الأقوى هو من ينتصر ويعيش بسعادة.
أشاح بنظره ينظر للأفق البعيد وبداخله سكون غريب يهدد بعاصفة هوجاء توشك على الاقتراب من عصفوري الحب اللذان كانا بعالم آخر لا يدخله سوى من اعتنق العشق محرابا له.
**********


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close