اخر الروايات

رواية عملتان لوجه واحد الفصل العشرين 20 بقلم آية الطري

رواية عملتان لوجه واحد الفصل العشرين 20 بقلم آية الطري


٢٠- توأم متطابق

                                              
"اللهمَّ لك أسلَمتُ ، وبك آمَنتُ ، وعليك توكَّلتُ ، وإليك أنَبتُ ، وبك خاصَمتُ ، وإليك حاكَمتُ ، فاغفِرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ ، وما أسرَرتُ وما أعلَنتُ ، أنت المُقَدِّمُ ، وأنت المُؤَخِّرُ ، لا إلهَ إلا أنت ، أو : لا إلهَ غيرُك"

+


"اللهمَّ ! اغفرْ لي خطيئَتي وجَهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلمُ به مني، اللهمَّ ! اغفِرْ لي جَدِّي وهَزْلي، وخَطئي وعمْدي، وكلُّ ذلك عندي، اللهمَّ ! اغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلمُ به مني، أنت المُقَدِّمُ وأنت المُؤخِّرُ، وأنت على كلِّ شيءٍ قديرٌ".

+



صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

+


------------☆☆☆☆

+


ارتفعت الشمس معلنة عن ساعات من الحرارة العالية تنتقل بخفة عبر حبات الرمال الذهبية الممتدة في تلك الصحراء بلا نهاية، أرض جافة تتناثر بها خيام البدو كنجوم سماء صافية وسط بيئة فريدة من نوعها، راقية دون تكلف.... 

+


يظهر من بين هذا الفراغ ووسط النخيل الشامخ على مسافات متباعدة مبنى بسيط باللون الأبيض والذي لم يكن أكثر من نقطة بدوية صغيرة تشبه مركزًا صحيًّا أو هي بالفعل كذلك، من الداخل مجهزة بالمعدات والأدوات الطبية اللازمة للإنقاذ المبدئي في الحالات الطارئة...

+


على مقربة منه تقف سيارة دفع رباعي يستند عليها شابان أحدهما ينظر في ساعته والآخر يسأل بتوجث:
_" هو اللي سواناه ده صح يا ناصر ولا هتيجي فوق روسنا؟ "

+


نهره الآخر بنبرة تدل على أصالته:
_" كنت رايدنا نهمل الجدع سايح في دمه، يمكن ربنا وضعه في طريقنا واحنا راجعين بالذات عشان نساعده، دا روح يا سلطان مالك هايب ايه؟! "

+


تنهد الآخر واقتنع بعض الشيء بحديث أخيه لكنه عبر عن مخاوفه قائلًا:
_" متصاب بعيار، شكله من بلد قريب ووراه تار وهيعسوا عليه، ولو اتثبت اننا ساعدناه يمكن نتورط ويبقى خيرًا تعمل شرًا تلقى "

+


_" ياسيدي اعمل الخير وارميه في البحر وبعدين عشان خاطر حُرمته، حالها كان يقطع القلب، ادعي يعيش بس"

1


وسط اندماجهما في التحاور انتبهَا لسيارة تقترب من المبنى فاستبشر ناصر قائلًا:
_" أهو الشيخ زايد وصل، هو يحدد أن كان الغريب يقعد ولا ايه العمل معاه؟ "

+


هبط سريعًا شاب من موضع القيادة والتفت يفتح الباب لرجل وقور قد تخطى الستين، يرتدي عباءة نظيفة رغم الغبار، وعلى رأسه شماغ أبيض يثبته عقالٌ أسود، يزيد ملامحه وقارًا وهيبة، تقدما منه الأخَوان وحيَّاه فسأل هو بنبرة جادة:
_" بلغني أنكم نجدتوا غريب في طريق الرجعة "

+


                
أكد له أحدهما شارحًا بهدوء:
_" حصل يا شيخ، متصاب ودمه بيتصفى وكانت معاه حُرمة وقعت هي التانية من طولها لما الجدع قطع النفس بس الحكيمة نورة لحقته ومنتظرين الطبيب هالحين اتواصلنا معه "

+


هز الشيخ رأسه بتفهم واستكمل خطاه لداخل المستوصف الطبي والبقية يتبعونه حتى استقبلتهم سيدة تدعى رشيدة بإحترام قائلة:
_" سدد الله خطاك يا شيخنا "

+


_" الله يراضيكِ، دليني مكان المصاب "

+


بهدوء أخذته لإحدى الغرف الصغيرة وهي تشرح له الحالة بأسى:
_" عطينا اياه عقار يوقف النزيف، الرصاصة مستقرة في كتفه اليمين وبستر الله مش مكان خطر لكن نورة مانجحت تخرجها والظاهر محتاج دم "

+


استمع لها بتركيز وهو يطالع ذلك الغافي المُمدد أمامه فوق سرير خشبي منخفض مستلقي على جانبه الأيسر بينما هناك ضماضات بيضاء تحاوط ظهره العاري تنضح بالدماء المخلوط بالعرق البارد الذي يتصبب من كامل جسده، هيئته وشحوبه أثّر بالجميع فأردف الشيخ بشفقة :
_" لا حول ولا قوة الا بالله صغير الوِلد صغير، ماهننتظرش الطبيب جرحه لابد له من الكّي هالحين.... بس كلموه يدبرله دم في رجعته " 

+


أما على مقربة منهم تحديدًا في غرفة مجاورة وعلى سرير آخر، بدأت "مسك" تتحرك قليلًا تستفيق من دوامة الظلام التي ابتلعتها بمجرد أن رأت تدهوره، أنفاسها تسارعت، وكأنها تحاول الصعود من بئر عميق وللحظات داهمتها ذكريات الساعات السابقة، هروب، رصاص، دماء، وأخيرًا... راجح

+


انتفضت صارخة باسمه، أعينها اتسعت برعب وجسدها يهتز من سرعة أنفاسها فاقتربت منها نورة سريعًا قائلة بنبرة مطمئنة:
_" على مهلك ياخيتي، خدي أنفاسك انتم في أمان معنا "

+


ناظرتها مسك بأعين تائهة، شابة بدوية بشوشة، بثوب رمليّ اللون ومئزر أبيض، شعرها مغطّى بحجاب أنيق، تمرر قطعة قماش باردة على جبينها، وتهمس لها بكلمات لطيفة...

+


_" أنا فين؟! فين راجح؟! "

+


ابتسمت لها نورة تلك الابتسامة المترددة لا تعرف كيف تصارحها بخطورة وضعه لكنها استمرت تطمئنها:
_" موجود لا تخافي، أسعفناه على قد مقدرتنا ومنتظرين دكتور هاشم "

+


انهمرت دموع الأخرى بلا هوادة وهي تحرك رأسها برفض تشعر بإختناق قاتل، نهضت في حركة واحدة وهي تقول بنبرة سريعة:
_" عايزة أشوفه، هو مش كويس، نزف كتير، خديني عنده "

+


بالطبع لاحظت نورة عدم اتزانها فنبست تمنعها بلطف:
_" لا تكوني متشائمة الرجال معه، راح يصير بخير بس اجلسي حتى لا تتعبي مرة ثانية "

+


_" لا مش تعبانة أنا عايزة أروح لراجح أنتم أخدتوه فين... "

+


استمرت تجادل الفتاة مُصرة على الخروج للبحث عنه والأخرى تحاول تهدئتها حتى صمتت عن النحيب فجأة وتوقفت عن الحركة،

+



        
          

                
هنا زفرت نورة بيأس فبعد ذلك الصراخ المكتوم الذي وصلهما لن تستطيع السيطرة على تلك التي ارتجف قلبها ونظرت لها كأنها تسأل بجنون عما يجري!!! بل لم تنتظر الرد و هرولت للخارج بهيئتها المبعثرة يحيطها شال واسع قد دثرتها به نورة في نومها....

+


_" هدّي يا بنيتي هدّي، راجلك عم بيداووه " قالتها السيدة رشيدة بمجرد أن رأت انهيارها لكن لم تُعيرها مسك اهمامًا وتوجهت رغمًا عنهما حيث الصوت تنادي راجح ببكاء شديد يشوبه الندم وغصة الذنب حتى توقفت قدميها عند باب الغرفة وسقطت عيناها على مشهد لن يفارقها ...

+


رأته مستلقي على الفراش، جسده ساكن كأنه جثة لم تُقبض روحها بعد، والدماء تغطي ما كُشِفَ منه بينما اثنان من الرجال يثبتانه بكل قوتهما والشيخ زايد يقف عند رأسه ممسكًا بكية الحديد بعدما قاموا بإخراج الرصاصة وسط ألم صارخ...

+


لمعت عيناها المتحجرة مع ذلك اللهب المُتّقد في أداة الكيّ فلم تشعر بذاتها حينما صرخت فيهم بنبرة مبحوحة مملوءة برجاء يكاد يذوب الألم فيه: 
_" لاااااااا، حرام عليكم، ده هيموت! سيبوه! بتعملوا فيه ايه؟!!! راجح! "

+


سحبتها رشيدة للخارج بقوة تمنعها من الاندفاع أكثر:
_" لا تقربي، الكيّة لازم، ده إنقاذ مش تعذيب "

+


حاولت دفع السيدة عنها لكن الأخرى أحكمت قبضتها عليها فسكنت بإستسلام إجباري وعيناها راحت مرة أخرى علي راجح، رأت جسد ينتفض بعنف فجائي مع صرير الحديد الساخن عندما لامس الجرح، رأته يصرخ في نومه يُخرج صوتًا متقطعًا من أعماقه إذ انفتحت عيناه من مرارة الألم واشتدت أعصابه بعنف للحظات قبل أن تتراخى مرة أخرى ويعود فاقدًا الوعي... 

+


سقطت على ركبتيها وهي تشهق بكلمات لم تخرج وعتاب ذاتي ينهش صدرها.....

+


انتهى الشيخ زايد من مهمته الثقيلة وهو يمسح جبينه بكمه: 
_" ما شاء الله والله جبل هذا الشاب، ربنا لا يقَدِّر نخسره، وين وصل الطبيب؟ "

+


ردت عليه نورة بهدوء:
_" دقايق يا شيخ دقايق، خبرته فصيلة الغريب وإن شاء الله نقدمله اللازم "

+


أنهت كلماتها وانحنت تربّت على كتف مسك، التي ما زالت عاجزة عن الكلام، ثم همست لها: 
_" ربنا موجود لسة ليه عُمر قومي ريحي في الغرفة "

+


أيّدتها السيدة رشيدة وهي تمسح حبان العرق عن وجه مسك قائلة:
_" نورة معها حق يكفي اللي شوفتيه اليوم لابد ترتاحي " 

+


نظرت لهما "مسك" بعينان استحوذ عليهما الانكسار، ثم هزّت رأسها بالرفض وقالت بصوت خافت بالكاد يُسمع:
_ " هفضل جانبه، هو دايمًا كان جانبي، بليز مش هعمل حاجة والله بس خلوني معاه " 

3


------------------

+


_" يوووه بقى من دلع البنات ده، ما تخلصي يا سلمى رجليا وجعاني من الواقفة هتيجي ولا أمشي " كان صوت مجدة الواقفة عند الباب تستعد للخروج...

+



        
          

                
خرجت سلمى من غرفتها بعدما ارتدت فستان بسيط ولفت حجاب متناسق معه قائلة بإحراج :
_" ماقولتلك روحي انت يا ماما أنا ايه لازمتي بس!، طب ما تاخدي بتول؟! "

+


قالتها مشيرة نحو الأخرى التي خرجت خلفها لكن نهرتها مجدة بغيظ:
_" تصدقي انك ماعندكيش ريحة الدم، يعني الراجل تعبان والصبح داخ وايده اتشقت ومانزلش شغله من وقتها ومش عايزة تيجي تطمني عليه؟!، مكسوفة ياختي؟! هو بعد ما طلبك اتبدل ما هو هو شادي اللي متربية على ايده، وبعدين بتول أخوكِ مأكد انها ماتشوفش الشارع وهي اسم الله عليها ما بتوقعش ليه كلمه زي ما يكون ساحرلها "

+


أخفضت بتول رأسها بخجل طفيف فردت عنها سلمى بحنق قائلة:
_" يعني هيبقى كويس لو جرالها حاجة وهو مش موجود ما لازم تسمع الكلام عشان مصلحتها "

+


هنا جذبتها مجدة من يدها تردد بتهكم ساخرة:
_" طب امشي يا واعية بقينا المغرب، خدي بالك من الدار يا بطة "

+


أومأت لها بتول بإبتسامة لطيفة وأغلقت خلفهما الباب متنهدة بهدوء... 

+


استكانت على أريكة أسفل الشرفة تراقب المارة تارة وتارة أخرى تعبث في هاتف قد أبقاه سيف معها، 

+


تفقدت صورهما معًا خلال خروجتهما الرائعة بغض النظر عما حدث في نهايتها،
أخذت تضحك بين الحين والآخر تتذكر مرحه وكلماته المازحة، شخصيته الفريدة من نوعها، صعبة التوقع، متى يكون حازمًا صارمًا ومتى يُغرق الجو بلطفه وحنانه، وأحيانًا يكون عنيد وأحيانًا أخرى بسيط الشخصية سهل الإقناع، تعمقت أفكارها فيه حتى لم تشعر بذاته وهي تنطق اسمه بصوتها النادر.... 

+


لحظة!!!
قفزت من مكانها بأعين متسعة ووضعت يدها على فمها بذهول، تستوعب أنها فعلتها، 

+


صحيح أنها تنطق اسم "عز" مرارًا، لكن ذلك يكون في لحظات خاصة حينما يراودها الخوف، لم تكن واعية كليًا، لم تكن تملك زمام الأمر أبدًا....

+


أما الآن... هي من أرادت النطق، هي من تحكمت في صوتها، نطقت بكل هدوء وسلاسة، ابتسمت بإتساع ثم انفجرت بالضحك، خليط من الدهشة والانتصار، حاولت تكرار الاسم... ونجحت! كانت هذه المرة مختلفة... هذه المرة إرادية....ولأول مرة منذ ثلاثة عشر عامًا، شعرت أنها تمتلك صوتها... لأجله...

+


دون تفكير وقد تحكم بها حماسها أمسكت الهاتف سريعًا تفتح الدردشة بينهما وضغطت على الميكرفون، توقفت للحظة واستنشقت نفسًا عميقًا ثم حررته ببطء هامسة:
_" سيف " 

1


أنهت الكلمة وعادت تضحك لا تصدق أنها فعلتها، ضغطت زر الإرسال وبصدرها شعلة من الحماس تنتظر رد فعله، لكنها شعرت بالحنق حينما لم تصله الرسالة، من الواضح أن هاتفه مغلق، لكن لا بأس، يبدو أنه فقط مشغول الآن.....

+



        
          

                
أعادها إلى أرض الواقع طرق قوي على الباب أثار استغرابها فأغلقت هاتفها وتوجهت نحوه بتردد، عاجرة عن السؤال عن هوية مَن بالخارج، فزفرت بضيق من حالها، وفتحت بإرتباك وهي تتوارى خلف الباب الذي دُفِع بعنف أفزعها وتضاعف فزعها برؤية الطارق... 

1


---------------

+


تحاول تمالك ذاتها أو بالأحرى السيطرة على خجلها منه، تشعر أنها تراه لأول مرة بينما ابتسامته التي يوجهها نحوها منذ أتت لا تساعدها أبدًا على الهدوء....

+


_" بطل تسبيل يا أبيه شادي " قالها سكر بسخرية بعدما لاحظ نظراته 

+


فضحكت مجدة بوِدّ بينما ذابت سلمى في جلدها، أما شادي فنظر لسكر بحنق وأردف بكلمات عبثية قليلًا:
_" اعتبرها قاعدة شرعية يا ابن عمي، ولا ماليش حق؟! "

+


ترك سكر كأس العصير واعتدل سريعًا يرد بتحفز:
_" لا ياخويا مالاكش حق، هتشوف فيها ايه جديد يعني؟! وبعدين مش وقت كلام في الجزئية دي خالص وانت فاهم قصدي، فاكرينك مريض وبتموت جايين يزوروك تبقى تقعد باحترامك وماتدخلش السكك في بعضها "

1


فعليًّا أحرج شادي بل وأوجعه بعض الشيء فتظاهر بالضحك ممررًا الأمر ووقف قائلًا بهدوء:
_" هعمل دور شاي باليمون عشان يروق دم سكر "

+


حاولت مجدة منعه لكنه أصر ورحل فنظرت لأخيها بضجر مُعاتبة:
_" مالك يا أبو جلال فيه ايه!، عمل ايه الجدع عشان تطلع فيه الطَلعة دي، وأنا اللي فاكراك مبسوط ان البت مش رايحة بعيد"

+


أشاح لها سكر برأسه وقال بلامبالاة:
_" اسكتي انتِ مش فاهمة حاجة "

+


ثم وجه حديثه لسلمى وقال بحزم:
_ " أنا عارف ان سيف كلمك على طلب شادي بس أنا مش عايزك تفكري في الموضوع ده خالص دلوقتي، لسة قدامك دراسة ومستقبل وماتتكسفيش تقولي لا ... "

+


جن جنون مجدة وكادت تقاطعه لكن سبقتها سلمى نابسة بصوت يحمل إحراجًا لكن يقر بما في داخلها وقرارها الشخصي:
_" بس أنا موافقة يا خالي "

+


رمت بها ووقفت سريعًا تريد الهروب من أي أسئلة إضافية، فاستخدمت حيلة الآخر مستأذنة:
_" هشوف الشاي "

+


انصرفت من أمامهما تحت صدمة سكر وابتسامة سعيدة من مجدة التي أضافت بإنتصار:
_" عايز ايه تاني بقى؟، طلعلي حجة! "

+


رد عليها بضجر واضح لا يخلو من التعجب:
_" حجة ايه ونيلة ايه!، والله العظيم ماهتخلوا فيا عقل، بت يا سلمى "

+


أوقفته مجدة عن النداء واستمرت في الجدال معه تحاول فهم سبب رفضه القاطع هذا...

+


أما على الجهة الأخرى دلفت سلمى للمطبخ بتردد وجدته يعطي ظهره للباب يميل مستندًا بيديه على الرخام ورأسه منحني لأسفل مغمض العينين كأنه يحارب أفكار مقيتة...

+



        
          

                
_" أبيه " قالتها بخفوت لكن نجحت في جذب انتباهه، فتح عينيه سريعًا واستدار لها يرد بتلقائية:
_" تعالي يا لومة "

+


احتارت الكلمات على لسانه لكن اقتربت من المُوقد وقالت ببعض الثبات:
_" سيب الشاي هحليه وأجيبه "

+


اتجه نحوها بهدوء ووقف محافظًا على مسافة بينهما وأجلى بصوتٍ رخيم:
_" عايزة تسألي في ايه؟! "

+


نظرت له بدهشة فارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة وأضاف:
_" ماتبدلتش يا سلمى، شادي هو شادي ، ماتسغربيش إني لسة بحس باللي جواكِ لمجرد أني فقدت الاحساس بيكِ فترة وكنتِ هتضيعي مني "

+


أخفضت عينيها تواري تجمع الدمع بهما ونبست بخفوت ساخرة:
_" كنت هضيع!! ما ده حصل فعلًا "

+


هز رأسه سريعًا بالنفي وأردف بقوة:
_" ششش، ممنوع تفكري كدة، مش كل مرة هعيد الكلام من الأول، انسي يا سلمى عشان خاطري أنا "

+


تنفست بقوة و أومأت تمسح دموعها، فتنهد يجيبها على ما لم تسأل عليه بعد في إجابة تحافظ على الغموض داخلها حيث قال:
_" سكر مش مرحب بجوازنا، خايف أني أظلمك معايا، احنا برضو بينا فروقات من كذا جهة، إن كان السن ولا التفكير بس ماتقلقيش هقدر أقنعه "

+


لم يأتي برأسها أي استفسار آخر فقط أومأت بهدوء كأنما اقتنعت،...

+


بدأ يجهز بعض المخبوزات مع الجبن وانشغلت سلمى بإعداد الشاي حتى مد يده أمامها قائلًا بمرح فجائي:
_" نقنقي "

+


تفاجأت ضاحكة وأخذته منه شاكرة بلطف:
_ " تسلم ايدك يا أبيه " 

+


تنهد بهم، حاملًا الطعام والشراب للخارج بعد أن طلب بقلة حيلة:
_" بطليها بقى يا سلمى ماعدتش تنفع "

+


عقدت حاجبيها باستغراب وكادت تسأل لكنه انصرف في نفس اللحظة أدركت فيها مقصده فضربت جبهتها بخفة هامسة:
_" غبية "

+


همت للخروج خلفه لكن.... منعها ذلك الشعور الغريب الذي داهم معدتها فجأة، فوضعت يدها على فمها سريعًا واتجهت فورًا للمرحاض وبدأت تتقيء...

+


عاد يأخذ هاتفه بعدما قدّم ما بيده فصُدم بما يحدث معها، فورًا اقترب منها بقلق واضعًا يديه حول رأسها يسأل بخوف:
_" انتِ كويسة؟! "

+


انتهت وهدأت قليلًا وقد تخضب وجهها بالخجل ووقفت سريعًا متجهة للحوض تغسل وجهها وهي تقول بإرتباك:
_" آه آه كويسة شوية تعب في معدتي بس "

3


مرة أخرى اقترب منها يناولها بعض المناديل الورقية وهو يسأل بإهتمام:
_" دي أول مرة ترجعي ولا حصل قريب؟! "

+


تذكرت قائلة بإقرار:
_" مرة من يومين بس ماتقلقش كويسة والله "

+


أومأ بشيء من الراحة، لكنه اخبرها بحنان:
_" ألف سلامة تعالي، وأنا هنزل أسأل في الصيدلية على حاجة تريحك "

+



        
          

                
----------------

+


انقضت ساعات النهار سريعًا ليأتِ حدث تاريخي في حياة ذلك الجالس في مقعد القيادة بسيارته يرتدي بدلة كحلية أنيقة وقميصًا أبيض ناصعًا، جواره والده يحمل سعادة العالم في قلبه الآن وعينيه لا تفارق وحيده، بينما في الخلف جلست بثينة بين مؤمن وليلى التائهة في مراقبة الشوارع تحت ضوء القمر ونسمات الهواء الباردة......

+


قاطع سكون اللحظة تأفف قوي من بثينة ثم صوتها الحانق:
_" ما تشد حيلك يا هندسة هنوصل على بكرا كدة، وحرك صوابعك دي شغلنا أي حاجة تدي منظر لكتب الكتاب اللي ريحينه دا ايه البؤس ده! "

+


ضحك صلاح بقلة حيلة وكذلك بكر رسم ضحكة خفية لم تخفي همه وقال:
_" حاضر يا بوسي هشغلك أمينة وهي بتقول أيوة أنا اتجوزت، فرفشي بس"

+


ابتسمت بإتساع ونبست بتفاؤل:
_" أيوة كدة دا حتى فال حلو وأنا داخلة على منعطف تاريخي، بس يارب ماينعطفش في حتة تانية ويشرف الليلة دي "

+


رمقها مؤمن بغيظ ثم لكزها في كتبها قائلًا:
_" والله احلف ماتحضري، اتلمي " 

+


_" خلاص يا ميمو بهزر، شايف بيغير عليا ازاي يا عم صلاح "

+


قالتها بمرح فرد صلاح يبادلها مرحها:
_" ربنا يخليكم لبعض يا بوسي، اسمعي كلامه بقى واتلمي "

+


أشاحت برأسها بعدم اكتراث وتمتمت:
_" عايزين تضيعوا طموحي "

1


ثم لفت نظرها سكون ليلى فهزتها بخفة هامسة:
_" اللي واخد عقلك يا ليلو "

+


انتبهت لها ليلى وقالت:
_" مفيش حاجة يا بوسي سرحانة في الطريق بس "

+


لم تقتنع الأخرى وقالت غير مدركة لخطورة كلماتها:
_" لا فيكِ حاجة من ساعة ما جاتلك المكالمة الأخيرة واحنا بنجهز، شغلك ماشي كويس؟! "

+


داهم الارتباك ليلى بشكل ملحوظ وسرعان ما راحت عيناها على بكر وكما توقعت رأته ينظر لها من خلال المرآه بأعين ضاقت بتساؤل، فأبعدت أنظارها عنه وقالت متظاهرة بالمزاح:
_" على أساس انك مش ماسكة الشغل كله هو أنا بخبي عنك حاجة " 

+


_" لا قصدي شغل الترجمة ال... "

+


قاطعتها ليلى سريعًا وقد احتدت نبرتها بعض الشيء:
_" مفيش حاجة يا بثينة نبقى نتكلم بعدين "

+


استغرب الجميع مما يحدث لكن لم يتدخل أحد بينهما بينما رفعت بثينة حاجبها بضيق وقالت:
_" تصدقي أنا غلطانة اولعي بجاز أنا مالي أصلًا "

+


شعرت ليلى بخطأها فحاولت مراضاتها ببعض الكلمات الجانبية حيث لا تصل لأحد وعيناها تروح على بكر بين الحين والآخر تحمد الله أنه انشغل في هاتفه مرة أخرى....

+



        
          

                
وصلت السيارة أسفل منزل العروس، ساعد بكر والده في النزول وأجلسه على كرسيه المتحرك ثم قال بهدوء لا يخلو من الهم:
_" هقف أعمل كام مكلمة كدة وأجيب الحاجات من الشنطة، اسبقوني أنتم "

+


لاحظ والده حزن ملامحه لذا تركه على راحته وتقدم جوار مؤمن وبثينة وليلى،
صعد بكر للسيارة مرة أخرى يعيد الاتصال براجح وسيف كما يفعل منذ الصباح لكن لا يصله رد أحدهما، أسند رأسه على عجلة القيادة يتنفس بعمق يشعر بقدر كبير من الخذلان، زفر بأسى وفتح أحد الملفات المخفية على الهاتف لتظهرت أمامه صورة تجمع أربعتهم من بينهم شريف الذي ركزت أصابع بكر عليه، بينما دمعت عيناه تتفحص ملامحه وخرج صوته المختنق يشتكي بألم:
_" شايف عمايل صحابك!.... طب قولي دول يتعرفوا ازاي بعد كدة؟! سايبين أخوك في أهم يوم في حياته وهما عارفين ان مالهوش غيرهم من بعدك، بكر جهز نفسه لواحده وجاي لعروسته لواحده وده ماكانش اتفاقنا.... غيابك فارق قوي.... وصلهم إن مش هسامحهم... ومش هنسى الكسرة دي عمري كله... "

+


لم يطل في شكواه رغم كثرة ما عنده، قام يجلب باقة ورد كبيرة مع بعض العلب الكرتونية يحملها على يديه واتجه للمنزل...

+


كانت عائلة ناهد ترحب بهم بحفاوة، ازدادت سعادة صلاح، يستقبل التهاني ويقدمها أيضًا يراقب ابنه الذي أقبل على عروسه يهاديها الورود راسمًا ابتسامة ودودة فقالت برقة:
_" ميرسي "

+


مازحها ببعض الكلمات اللطيفة بينما هي تضحك بصورة محيرة كونها حقيقية أم لا لكن عيناها تراقب صديقاتها من بعيد كأنها تبث فيهم الغيظ، جذبته للداخل يسلم على باقي عائلتها وكذلك صديقاتها....

+


مالت إحدى النساء على والدة ناهد قائلة:
_" مش ملاحظة أن بنتك فيها حاجة غريبة "

+


نظرت لها والدتها من بعيد وقالت بسعادة:
_" ما هي زي الفراشة أهي، متوترة بس مش أكتر "

+


_" أومال سهام ماجتش ليه؟! "

+


_" ليها عذرها أكيد خايفة على مشاعر ابنها، انت عارفة آسر كان خطيب ناهد وفركشوا "

+


أما عن بثينة فظلت تراقب الباب بتركيز، تتأفف بضيق حتى اقترب منها أحد الشبان قائلًا بلطف:
_" عفوًا احنا اتقابلنا قبل كدة؟! "

+


رفعت حاجبها بتهكم وردت ساخرة:
_" أكيد في أحلامك، حلمت بيا قبل ما تشوفني بعد ما أرواحنا تلاقت في عالم غير مرئي.... مابتْعَرَفش ومخطوبة وجوزي على وصول "

2


فقط وتركته وذهبت تحت صدمته واحراجه....

+


بينما هي أخذت تتمتت بحنق:
_" داخل دخلة اتوأدت من سنة سبعين، تك نيلة وانت دقة قديمة، ماشي يا مُختل سايبني أتشقط من اللي يسوى واللي.... "

+


توقفت فجأة عن الحديث عندما ارتطمت في شيء ما فصاحت:
_" ايه جاب الباب هنا الله؟! "

+


_" باب!! " نطقها أليكسي بصدمة فرفعت عينيها نحوه بتفاجؤ تحول لإبتسامة بلهاء قائلة:
_" يقطعني، بس هوليود سايبة نجومها كدة يلمعوا في أي حتة؟! "

+



        
          

                
_" انتِ مش هتكلم معاكِ خالص" قالها بإشمئزاز وهَمَّ يبتعد عنها قبل أن تصيح ضاربة صدرها بِحِيرة:
_" ليه بس يا خواجة أنا عملت لك ايه؟! "

+


ضاقت عيناه وهو ينظر لها بضجر:
_" أخدتي فلوس، ومش أكلتيني، نصابة "

3


هُنا ضحكت بقوة من طريقته ثم قالت تسترضيه كانما طفل صغير أمامها:
_" يعني ده كل اللي مزعلك، ما انت اللي مشيت وماستنتش الأكل اعملك ايه؟! "

+


تذكر ما حدث فبعدما اشتبك مع رجال صبري وصدهم عن التعرض لنعمان ( ليلى ) جاءه اتصال سريع ورحل

+


_" سنايبر قاطع اللحظات اللذيذة " هكذا تمتم بحنق متذكرًا صاحب الاتصال الذي أمره بالعودة فورًا بعدما علم بإختفائه من مصطفى... 

+


_" قولت ايه؟! "

+


_" مالكيش دعوة، فين مستر بكر؟ "

+


_" تعالى أوديك له وبالمرة أشوفلك حاجة تاكلها لو إنهم ناس وش بخل وشكلهم مش عاملين أكل" 

+


منذ ذكرت الطعام وقد ابتلع ريقه بحماس وسأل بتوجث:
_" وعد هتأكليني؟! "

+


_" يا عم خلاص قولت هطفحك "

+


انتبه له بكر فاقترب يستقبله بود قائلًا:
_" طب والله انت أجدع من ناس كتير، نورتني يا أبو الجدعنة"

+


_" شكرًا بكر، مبروك... اتفضل "

+


أهداه علبه صغيرة فأخذها بكر شاكرًا:
_" تسلم، ليه تاعب نفسك؟! "

+


_" حاجة بسيطة بكر "

+


جذبتها منه بثينة بفضول قائلة بلطافة مصطنعة:
_" دقيقة أفحصها وارجعلك يا هندسة، هحاول بس أخمن ثروته من خلالها "

+


انصرفت من أمامهما تحت احراج بكر من أفعالها بينما همس أليكسي بإبتسامة خاصة:
_" سوماشيدشايا "

1


بعدها انتبه على سؤال بكر ذا المغزى: 
_" طب مصطفى ماجاش معاك ليه؟! "

+


تعجب أليكسي مستفسرًا:
_" مين مص..طفى ؟!"

+


وضّح له بكر رغم استغرابه من عدم معرفته لمصطفى:
_" مصطفى اللي كان معاك يوم المطعم، قالي انك قريبه "

+


هنا أدرك أليكسي مقصده فصاح بتفهم:
_" قصدك دفش!... دفش للأسف مش فاضي... مش بيفرح... مش بيطيقني "

1


قال صفاته معددًا على أصابعه مما أضحك بكرا بشدة من لهجته المميزة وواساه مُصلحًا:
_" ماتقولش كدة هو بس جد شوية.... صحيح تقربوا لبعض منين؟ " 

+


فتح أليكسي فمه يبحث عن كذبة مقنعه حتى قال:
_" قريبي من جهة الأم، اتواصلت معاه لما حبيت آجي مصر، رحلة استكشاف وسفاري "

+


استطرد الحديث معه ومر بعض الوقت وسط أجواء احتفالية لكن الجدير بالذكر تركيز أليكسي مع تلك الجالسة جوار صلاح بهدوء منذ دخلت، كانت بشكلها الطبيعي دون تنكر في هيئة رجالية، بعدما أقنعتها بثينة أنه لم يتعرف عليها أحد...

+



        
          

                
_" بِس بِس انتِ ! " كانت محاولة من أليكسي في جذب انتباه بثينة التي اقتربت منه تنهره بغيظ:
_" انت بتبسبسلي؟! عشان اسمي بثينة يعني؟! خابت منك قولي يا بُسبُس، سهلة "

+


_" آسف آسف بس عندي سؤال "

+


_" هممم "

+


أشار نحو ليلى وسأل بفضول واضح:
_" مين دي؟! "

+


رفعت بثينة حاجبيها ثم نظرت له بشر ناطقة من أسفل أسنانها:
_" يعني بتبسبس وتوقفني وتاخدني من وسط مٌعجبيني عشان تسألني عن ست غيري، اخص!!"

+


_" بليز مش وقت غباء، هي لفتت نظري لأنها شبه نعوم خالص "

+


عقدت بثينة وجهها ببلاهة حتى فهمت مقصده فهتفت بإستنكار:
_" نعوم ايه؟! اسمه نعمان هفضل أعلم فيكِ لامتى؟..... قصة طويلة أحكيهالك بعدين، تعالى دلوقتي كتب الكتاب هيبدأ "

+


كانت ناهد تجلس جوار خالها ويده في يد بكر بينما عقلها في هول الرعب بعدما رأت رسالة آسر التهديدية....

+


بدأ المأذون خطبة قصيرة عن قداسة ما هم مقبلون عليه يستمع لها بكر بتيقن وعروسه تتظاهر بالإنصات حتى وجّه المأذون حديثه لخالها قائلًا:
_" قول ورايا..... زوجتك موكلتي...."

+


ردد الوكيل الكلمات وسط صمت الجميع، وبكر يحاول لجم ذلك الشعور المخيف الذي داهمه، شيء يصرخ فيه بالتوقف، بدأ يهز ساقه بتوتر حتى شعر بيد والده على كتفه تدعمه فابتسم له بمجاملة وكانت ابتسامته آخر ما رآه صلاح منه، قبل أن يسود ظلام مفاجئ غطى المكان بأكمله في لمح البصر...

+


توقف الشيخ عن التلقين وعلت همهمات كثيرة ومن ثم بدأت أصوات تطلب تشغيل الفلاشات الخاصة بالهواتف، ولكن.... لحظات وعادت الإضاءات مرة أخرى تبعها صوت المأذون يتساءل بدهشة:
_" فين العريس؟! "

1


-------------

+


قادته قدماه لمكان لا يدري أي حبيبٍ يسكنه ليتراقص فؤاده اشتياقًا هكذا، وصل بسيارته أمام منزلها منتويًّا الإطمئنان على " نوح " قبل مغادرة البلاد في مهمته القادمة، نفس الشعور العجيب نبض داخله مع اقترابه من ذلك المكان، للمرة الثانية تُحبس أنفاسه ويتزايد خفقان قلبه دون تفسير منطقي....

+


أهمل ما يحدث داخله وترجل بثبات نحو باب المنزل البسيط ذاك و مد يده يطرقه غير مدرك لصدى ذلك القرع الذي يعلن عن انفراج بوابة ماضٍ طوته السنوات،

+


انتظر " عز " لحظات قليلة حتى سمع وقع خطوات بطيئة تأتي من الداخل ومِن ثم بدأ يُفتح الباب أمامه، 

+


ماذا يجري داخل صدره لا يعلم، كاد يسب ذاته ويلعن اضطراب أنفاسه... كلها مشاعر لا تراوده سوى بلقاء صغيرِه " سيف" ، فما بالها تداهمه الآن؟!!!.... 

+


_" رجعت يا نو.. " لم تكمل السيدة نهال جملتها المتلهفة، صمتت.... ليس لأنها وجدته آخر غير نوح لكن.... أسكتها طيفه!! طيفٌ لاح في آفاق الذاكرة، كأنه أعادها بالزمن عقود؟؟ 

+



        
          

                
وقعت أنظار " عز " عليها، تبين وجهها وسط الإضاءات الخافتة في ظلمة الليل،
سيدة في نهاية خمسينات عمرها، جسد نحيل بعض الشيء، وجه طغى عليه آثار الزمان بخطوط واضحة لم تنجح في طمس جمالها، عينان خضراوان هادئة مقر لحزن لا نهاية له، وحجاب أبيض بسيط يُظهر نور وجهها الحسن،

+


كل هذا انطبع في عيناه من النظرة الأولى، فخصّها بابتسامة لا إرادية اتخذت مكانها على وجهه دائم العبوس...

+


أما عنها! تلك الأم التي حُرمت أبسط حقوقها في الأمومة، كانت لها نظرة مختلفة تمامًا، 
لم ترى وجهه البادي أمامها، بل رأت داخله، ناظرت حقيقته التي يحجبها عن الجميع خلف تنكر مزيف، رأت به ذلك الشاب الذي التقته منذ خمسة وثلاثون سنة... حبيبها الأول والأخير... والد طفلها... مر أمامها طيفه... نعم رأت به والده...

+


تقطعت أنفاسها وسكنها شيء من الخوف والريبة، سرت داخلها رجفة تحمل عشرات المعاني، لمعت عيناها بدمعات بسيطة لكنها واضحة، 

+


ابتلع عز ريقه ببعض الحيرة وحاول أن يُخرج صوته ثابتًا وهو يسألها بإحترام:
_" مساء الخير! أقدر أقابل نوح؟ "

+


تحركت شفتاها دون صوت ولاتزال تحدق فيه بعمق، شعر بخطب ما، فأضاف بإهتمام:
_" حضرتك كويسة؟! "

+


أيضًا لم يخرج للمسكينة صوتٌ، فقط أنفاس متقطعة، تدريجيًا بدأت تتقلص تدريجيَّا حد الإختناق وراح يعلو صوت شهيقها، امتدت يدها لصدرها تجاهد لالتقاط الهواء، دخلت في أزمة تنفسية فسرها هو في لمح البصر..

+


اندفع يحتضنها بذراعيه نحو الداخل يسندها لأقرب مقعد وهو يسأل بلهفة وفراسة:
_" فين البخاخ؟! " 

+


أشارت بضعف نحو غرفة مجاورة ومازالت تجاهد لالتقاط أنفاسها فأومأ لها مرارًا يطمئنها بصوته المألوف:
_" تمام تمام... استني هجيبه "

+


كأنما يعرف المكان أو تقوده قوى سحرية وجهته نحو أحد الأدارج جوار فراشها يُخرج منه ذلك الجهاز الصغير الخاص بمرضى الربو....

+


عاد لها راكضًا يجثو على ركبتيه تحت قدميها يضعه بفمها يحفزها بنفس اللهفة والتلقائية كأنما تتحكم به فطرته، قالها.... ولم يدرِ كيف خرجت منه لكنها انطلقت من أعماقه قبل لسانه: 
_" اتنفسي يا أمي "

+


كان للكلمة واقع خاص على مساعها حتى في أصعب حالتها، لحظات مرت حيث يركع أسفل قدميها كل ما يشغله هي! وهي عيناها متعلقة به كأنه آخر ما سترى في حياتها، بدأت تعود لطبيعتها وتختفي الأزمة ببطء، فتنهد هو براحة وقال معاتبًا بأسلوب جديد تمامًا عليه:
_" البخاخ المفروض دايما في جيبك مايفارقكيش، هتتصرفي ازاي لو كنتي لواحدك وجاتلك أزمة شديدة، و فين نوح ليه سايبك لواحدك ؟! "

+


جرت دمعتان على خديها أزالتهما سريعًا ثم طالعته بإبتسامة حنونة بعدما تعرفت عليه وطرت مخاوفها وما يدور بقلبها، إنه الرجل النبيل الذي وقف بجانب نوح في محنته، أردفت بصوت خافت:
_" كتر خيرك يابني، كلامك بيقول أصلك طيب " 

+



        
          

                
هنا أدرك وضعه، تصرفه، حديثه، فشعر بإحراج كبير، نهض فورًا ينفض الغبار عن بنطاله، ثم حمحم وقال بإعتذار:
_" آسف انفعلت، بقيتي أحسن؟! "

+


أومأت برضا وقالت:
_" ماتشيلش هم بتحصل وربك بيسترها، انت أستاذ عز مش كدة؟! "

+


لمعت عيناه بوميض خاص كأنه يستمع لاسمه للمرة الأولى وأكد قائلًا:
_" آه، الظاهر نوح كلمك عني "

+


أجابته ضاحكة:
_" ياااه ده مش وراه سيرة غيرك، أستاذ عز عمل أستاذ عز قال أستاذ عز خلى، بيحبك أوي والله "

+


ابتسم بدفئ وضح في رده:
_" أنا ماعملتش حاجة، انتِ بس اللي ربيتي نوح زيادة، بيحفظ المعروف ولو كان بسيط ، أنا.... كلمته قبل ما آجي وقال انه عند حضرتك مش في السكن اللي أجره"

+


_" آه يابني هو هنا من بعد المغرب زي ما انت شايف روق البيت كله لواحده وبعدين راح يصلي العشا بس مش عارفة اتأخر ليه "

+


استشعر القلق في كلماتها الأخيرة فسأل بتوجث:
_" لسة الناس بتضايقه؟! "

+


هزت رأسها بيأس تقول بقلة حيلة:
_" وهي الناس وراها ايه غير الكلام اللي يوجع والنظرات القاسية، وهو ياحبيبي حساس من الهوا بس مابيقدرش يفوت الصلاة في جماعة، دا كان الأول هو اللي بيأذن وبيخطب كمان لكن اللي حصل بقى منهم لله اللي كانوا السبب "

+


أقلقه حديثها أكثر بشأن نوح مما جعله يريد الاطمئنان عليه فسألها سريعًا:
_" أوصل للمسجد ازاي؟! " 

+


-------------------

+


نحن هنا في حضرة مراهقٍ، وكأن الله اصطفاه ليمرّ على الدنيا خفيفًا، لا يملك منها شيئًا، ومع ذلك بدا وكأنه يملكها بأسرها، يتيم لم يعرف للسكينة بابًا، إلا حين طرقه بين يدي خالقه، خاض معاركه في صمت، واستوصل بحبلٍ يتخلى الكثيرون عنه دون سبب... بينما هو لم يمنح لعذره فرصة، كأن صلته بالله كانت آخر ما تبقى له، فكان يتمسّك بها كالغريق بلوح نجاته...... لا، لا أتحدث عن "نوح"... بل عن ذاك...

+


ذاك الذي كانت الصلاة عنده فريضة الروح قبل الجسد، وترْكها أشد عليه من عقوبة السوط،
ذاك الذي طالما هرب من جدران الميتم ليحتمي بجدران المسجد، يسرق لحظات من النور بين آيات تُتلى وقلوب تتجاور في السجود....

+


والآن... ها هو واقف يستند إلى سيارته، يراقب "نوح" وهو يغلق باب المسجد خلفه، كأنما يُغلق على ذاكرته هو، فأغمض عينيه يبحث في الهواء عن نفسٍ يسد باب ماضيه...

+


نعم، لم يرَ في "نوح" مجرد طفل... بل رأى فيه نفسه، الطفل الذي دُفن حيًّا في قسوة الحياة، والروح التي بقيت تتنفس من تحت الركام في انتظار فرصة للتحرر...

+


رأى فيه البراءة التي قاومت، والإيمان الذي صمد، والألم الذي صمت بين يدي الله، حارب "عز" ذكرياته بتحريك رأسه كأنه يطردها ثم تقدم نحو نوح فتبيّن معه طفلان يجاورانه متطابقان الشكل، سرِقا منه نظرات دهشة مع ابتسامة فريدة من نوعها تزامنًا مع قوله:
_" توأم؟! "

+



        
          

                
فورًا التفت له نوح يدرك وجوده بينما أجاب عليه أحد الطفلين بلباقة:
_" آه توأم بس أنا الكبير، أكبر منه بأربع دقايق كاملين "

+


رد الآخر ينفي بضيق:
_" جدي قال بتلاتة ونص يا كذاب وأصلًا أصلًا أنا أطول منك سنتي "

+


فتح الآخر فمه بصدمة كأنه سبّه للتو فالتصق بأخيه يقيس فارق الطول وهو ينفي بكل ما أوتي من قوة:
_" السنتي ده شعرك الكنيش اللي مش بتحب تحلقه هخليك نايم وأشيله زيرو وهنشوف مين الاطول وقتها " 

+


فجأة توقفا عن الجدال الخطير هذا ونظرا بذهول نحو عز الذي ركع على قدميه جوارهما يضحك بصخب خيالي، بدَّل هيئته الصارمة وأضاع هيبته المعتادة خاصة في أنظار نوح الذي ضحك بتلقائية هو الآخر حتى دون أن يفهم ما أصاب عز...

+


حاول التوقف عن تلك النوبة التي أصابته ووقف يمسح دموعه الذي تسيل بمجرد أن يضحك هكذا ثم خاطب الولدان بطفولة غريبة وحماس به أثار الضحك:
_" لسة عاملها فيه من أسبوعين، بسلامته كان سايب دقنه وشنبه ولا كأنه في آخر مراحل الاكتئاب وشكله يسد النفس، خليته نام وقصقصتهم "

+


لم يفهم نوح أي شيء بينما سأل الطفل الأصغر ببراءة:
_" بس أنا ماعنديش شنب ولا دقن، وبحب شعري كدة ومش عايز أشيله بس هو بيفضل يقولي أوامر كتير، أعمل ده وده لأ، ومش بيسبني أروح مكان لواحدي خالص، خانقني خانقني أوف "

+


كان عز يستمع له ويبتسم بحنان عجيب وعندما كاد الاخ الأكبر يدافع عن نفسه أوقفه عز ونظر للصغير و هز رأسه بالرفض وبدأ يشرح له بهدوء:
_" ماتفكرش كدة أبدًا، حطي في دماغك دايمًا انه خايف عليك، صدقني انت أهم شخص عنده، ويبيع الدنيا كلها عشانك، نعمل ايه بقى لو حاسس بالمسئولية وعايز يحميك ده مش بإيده مش ذنبه" 

+


_" بس أنا كمان كبير زيه "

+


ضحك عز وانفعل معه يتحدث بنفس أسلوبه:
_" آه بس ده احساس جواه مش بيعرف يتحكم فيه، دايما حاجة بتخليه مرعوب عليك نموته يعني؟! "

+


نفى الطفل فورًا بخوف على توأمه:
_" لا بعد الشر لا مش قصدي كدة "

+


قبل عز رأسيهما بهدوء وأضاف:
_" وأنا فاهم قصدك، و بكرا انت كمان تفهم قصدي "

+


أومأ له الطفل رغم عدم فهمه لأغلب حديثه، وقد انتبه عز أخيرًا لنوح بعدما غاص مع الطفلين في رحلة قصيرة لكنها خاصة... جدًا

+


حمحم نوح وبدأ الحديث معتذرًا:
_ " لسة شايف المكالمات الفائتة كنت عامله سايلنت، متآخذنيش بالله عليك "

+


أومأ له عز وعقله ليس معه كليًّا فعيناه مع حركات الطفلين ومدى التطابق بينهما في الشكل حتى قاده فضوله متسائلًا:
_" قرايبك دول يا نوح؟! " 

+



        
          

                
_" لا مش قرايبي بس من عندنا من هنا بيحفظوا معايا قرآن كل يوم بعد الصلاة، قطعنا فترة ورجعنا النهاردا تاني" 

+


تفهم عز وسأل مرة أخرى:
_" هما بس؟! " 

+


شعر نوح بالأسى من حاله حتى ثوابه من تحفيظ القرآن الكريم لوجه الله انقطع بعد ما حدث، رغم ذلك أجاب سؤال عز بنفسٍ راضية:
_" هما كانوا مجموعة بس بعد اللي حصل مافضلش غير محمد ومحمود "

+


_" اشمعنا؟! "

+


_" يعني الأهالي بقى شافوا محفظين غيري في فترة الانقطاع، ده لازم عشان الأولاد ماينسوش اللي حفظوه" 

+


وضح له عز مقصد سؤاله نابسًا:
_" مش بسأل عن اللي انقطعوا قصدي اشمعنا دول بس اللي بقيوا؟ "

+


بنفس الابتسامة الهادئة أجابه عليه برد مختصر لكن مفهوم جيدًا:
_" عشان الحال من بعضه "

+


بعد وقت كانت سيارة عز تقف أمام منزل بسيط جدًا خاص بالطفلين، كانا في الخلف يهمسان لبعضهما بفرحة من تواجدهما لأول مرة داخل سيارة فاخرة كتلك وعينا عز تتبعانهما عن كثب حتى وعدهما قائلًا:
_" مش هتبقى آخر مرة أوصلكم كل ما آجي لنوح مش همشي من غير ما نتقابل "

+


صاح أحدهم بحماس:
_" بجد؟! "

+


_" بجد، يلا عرفوني بقى مين "محمد" ومين "محمود"؟! " 

+


قدما انفسهما فاخذ عز يعيد على شخصياتهما ويحفظ الفرق في عقله حتى استوقفه سؤال محمد قائلًا:
_" طب انت وأخوك اسمكم ايه؟! " 

+


صمت عز للحظة دون إجابة كأنه تفاجأ، تفاجأ من ضم أحدهم له مع توأمه في جمله أو سؤال، عندما لاحظ تركيزهم معه تنهد بقوة وأجاب قائلًا بهدوء:
_" أنا عز وهو سيف "

+


_" ليه أسماؤكم مش زي بعضها؟! " 

+


صحح له عز قائلًا بتأكيد:
_" أنا اسمي عز الدين وهو اسمه سيف الدين، يبقى زي بعضها ولا مش زي بعضها؟! "

+


_" اممممم، قولتلي، طب هو فين ليه مش معاك؟! " كان سؤال محمود

+


_" هو وراه شغل " هكذا سايرهما

+


_" عايزين نشوفه شبهك ولا لا؟! "

+


للحظة تحولت نبرة عز الهادئة البائسة لأخرى حماسية هاتفًا:
_" شبهي جداااا ماحدش يقدر يفرق بينا زيكم كدة، وأوعدك لو ربنا أذن أخليكم تشوفونا مع بعض "

+


_" هو زعلان منك عشان حلقت ليه وهو نايم؟! "

+


مرة أخرى فاجأه أحد الولدين بمثل ذلك السؤال لتعود المأساة لعيناه التي انخفضت وهو يجيب:
_" لا مش زعلان مني..... عشان مستحيل ييجي في باله أني أنا اللي عملت كدة "

+


أتم الجملة وأدار رأسه للنافذة وصمت من الخارج وداخله يصرخ برجاء طويل....

+


ارتبك نوح وشعر أنهم سببوا له ازعاجًا فهبط من السيارة يأخذ الطفلين للمنزل حيث يعيشان مع جدهم كبير السن بعد رحيل والديهما، وقد اعتاد العجوز ائتمان نوح عليهما...

+


---------------

+


_" راجح؟! يعني ايه؟! يعني مآمن جاسوس على بنتي؟! " صرخ بها سلمان منصور في رجالها وهو يكاد يُجن بعدما اكتشفوا خيانة راجح لكن لم يكتشفوا لأي جهة ينتمي...

+


رد عليه أحد رجاله بارتباك:
_" هنجيبه ياباشا هو مايعرفش اننا كشفناه.... و... "

+


صمت بتردد مما جعل الآخر يستشيط أكثر وهو يصيح:
_" وايه انطق فيه ايه تاني؟!!! "

+


_" نور الديب سافرت لأبوها بقى مستحيل نوصلها " 

+


لم يلفت الأمر نظره كل ما يشعل نيرانه ذلك الخائن خاصة بعدما فقدوا التواصل معه، هتف فيه بنبرة حاسمة:
_" بنت الديب حسابها مع الزعيم أنا ليا بنتي أنا دلوقتي، لازم توصلوا للحيوان ده قبل ما يأذيها "

3


_" ماتقلقش يا باشا الهانم الصغيرة هتكون هنا خلال ٢٤ ساعة "

+


----------------

+


بعد ما حدث في الحفلة ووسط القلق الذي سيطر على الجميع بإختفاء بكر تسللت هي للخارج ترد على اتصال خاص بلغة غريبة أنهته قائلة:
_" لا أحد يعلم سر اختفائه لكن لا تقلق سأتتبع الأمر "

+


_" بتكلمي مين يا ليلى" صاحت بها بثينة بنبرة لا تخلو من الاختناق 

+


فاقتربت منها ليلى بسرعة وهي ترد بهدوء:
_" كانوا بيأكدوا عليا ميعاد الميتنج الجاي، باشمهندس بكر لسة مش بيرد؟! "

+


هنا انفجرت بثينة في البكاء وهي تردد:
_" لأ، هو ممكن يكون حصله ايه؟ حاسة إني فيلم، ازاي اختفى كدة في كام ثانية!! "

+


ضمتها ليلى وبدأت تواسيها وهي تطلعت للفراغ بتفكير غامض قائلة:
_" مش عارفة، بس هيرجع بكر مايتخافش عليه صدقيني "

+


----------------☆☆☆☆☆

+


عيدكم مبارك وحشتوني وللمرة الألف منها لله الامتحانات😎💗💗

+


رأيكم في البارت؟!

5


هانت فترة بسيطة وآخد الأجازة وهرجع ألتزم بمواعيد ثابتة عشان الجاي محتاج ربط الأحزمة👿

+


ماتنسوش الفوت ☆

+


ولا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا في كل بقاع الأرض، دمتم ودامت أعيادكم💗💗 

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close