رواية مولاي سمعا وطاعة الفصل التاسع عشر 19 بقلم رؤي صباح مهدي
الفصل 19
انا اللهب , وانت الحطب
قبل اكثر من 15 سنة
اخر نظرة لايفيلين اليافعه على البلاط قبل ان يتم شحنها الى ارض لا تعرفها والى رجل من المفترض انها ستكون زوجته. عضت شفتيها كمدا وهي تنظر الى آن التي وقفت تعصف بمعطفها ريح الشتاء الباردة لا يصدر منها حسيسا ولا حركة. ابتلعت ريقها وتمنت لو ان ابنة عمها او كما متعارف عليه في البلاط اختها تعيد النظر في عقوبتها. ملامح الترجي بانت اخيرا على وجه ايفيلين كوسيلة اخيرة منها كي تمنع نفيها من البلاط. دمعة ترقرقت في عينيها وجهتها الى آن الواقفة كالصخر تشهد على النفي. لم تحرك نظرة الرجاء ساكنا لدى آن بل زادت من سعادتها واكدت لها ان هذا العقاب لهو افضل بملايين المرات من اعدام ايفيلين. وكعلامة على انتصارها امسكت آن بيد ويليام وهو الاخر واقف ينظر الى رحيل ايفيلين ولم يستمر المشهد الا لدقائق ولكن بدا للجميع انه اطول من ذلك. فقدت الامل اخيرا بالتراجع عن القرار ثم ركبت العربة الملكية التي حمّلها البلاط بالهدايا للماركيز فوق الهدية الاصلية الا وهي الزوجة الشابة الجميلة كل هذا من اجل ان يلين جانبه.
في لحظات كانت العربة خارج اسوار القصر وكانت ايفيلين وحيدة داخلها تهتز كريشة ولم يقبل الماركيز ان يأتي مع عروسه اي احد لا خدم ولا حراس وكل من ذهب مع العروس سائق العربة ورجل واحد مبعوث من الملك وحارسه هو يقف عند باب العربة من الخلف.
لم يتوقع اي احد ان يبرد الجو في تلك الليلة بهذه السرعه ولكنه حصل. ولم يتحمل اي منهم البرد القارص لذا بدؤا يبحثون عن مأوى لهم لتلك الليلة. على اطراف الغابة شاهد الجميع بيتا فاخرا وقرر مبعوث الملك ان يطلب منهم قضاء الليلة عندهم.
فتحت الباب سيدة نظرت بدون انتظار الى العربة وعرفتها على الفور فهي بالتأكيد تابعه للملك. تبسمت وافسحت المجال للضيوف ليدخلوا وعندها شاهدت ايفيلين. وايفيلين ايضا فور ان شاهدتها عرفتها. انها عرافة الملك التي تزوره بين الحين والاخر بطلب منه. ضيفتهم العرافة بافضل مايكون وفي ذلك الوقت لم يكن لديها حراس ولا خدم كثر بل خادمة واحدة . ثم اختلت العرافة بايفيلين لتقول لها فور ان فسح لها المجال:
"هل الليدي مسافرة الى عريسها؟"
بحلقت فيها ايفيلين وردت:
"هل هذه احدى قواك السحرية ان تعرفي الى اين انا ذاهبة"
ضحكت العرافة وردت بلطف:
"بل هو اقرب الى التخمين من كل ما اراه امامي ابتداء من العربة التي تحمل الصناديق الفاخرة الى وجهك المقطب"
ظهرت بسمة الاسى على شفتي ايفيلين المكتنزتين لتكمل العرافة:
"لقد كنت في القصر عدة مرات وسمعت بعض الاقاويل حولك يا ليدي ايفيلين. الليدي آن هي سبب نفيك من القصر اراه كله مكتوب على وجهك ولكن ماذا فعلت لتستحقي هذا العقاب القاسي؟"
ردت ايفيلين:
"كنت احسب انك تعرفين كل شي والا لما استعان ويليام بخدماتك"
ضحكت العرافة بصوت عال وردت:
"هذا اعتقاد غير دقيق يا ليدي ايفيلين. انا اقرأ مستقبلك فقط ان سمحت انت لي. الدخول عنوة يخلط القراءات ويتعبني جدا. هل ترغبين بقراءة الورق ومعرفة ما يخبئه لك هذا الزواج؟"
ترددت ايفيلين بالموافقة ولكنها وافقت اخيرا وبحذر انتظرت من العرافة لتفرد اوراقها الفاخرة الغريبة وبعيون ملؤها الحماس والترقب سمعت العرافة تقول لها:
"انت لن تصبحي ملكة"
سقط قلبها بين قدميها. بهتت وردت عليها:
"كيف عرفت؟"
اجابت العرافة بابتسامة على شفتيها وثقة بين جنحيها:
"اراه كله مكتوبا يا ليدي ايفيلين. تريدينها بشدة ولكن قدرك يخبرني غير هذا"
ظهر الانكسار على الصغيرة ايفيلين وهي تستمع الى كلام العرافة بالم. اكملت العرافة بخبث:
"بامكانك تغيير قدرك.. انا استطيع ان اضمن لك ذلك"
وضعت ايفيلين ابتسامة مجبرة على محياها وردت متسائلة:
"ربما انا ما زلت يافعه ولكن اول ما تعلمته في حياة النبلاء هو ان كل شي له ثمن. حتى ابسط الاشياء يكون ثمنها باهظا. فما ثمنك ايتها العرافة"
ردت العرافة عليها وتحول صوتها الى الهمس وعيونها الى الحدة:
"انه عقد يا ليدي ايفيلين. بيع وشراء. تبيعين روحك مقابل الحصول على ماتطمحين اليه"
رفعت ايفيلين حاجبيها في صمت مطبق. ثم بعد هنيهة صمت قالت كانها اكتشفت اكتشافا رهيبا:
"هل هذا مافعله ويليام؟ هكذا بالتاكيد اصبح ملكا ثم اصبحت انت مستشارته الخاصة جدا جدا. هل آن تعرف بالامر؟"
ظلت العرافة تنظر لها بابتسامة حادة بدون ان تجيب اي من اسئلتها ولم تحتج ايفيلين الى جواب على اية حال فان عرفت الاجابة بماذا سيفيدها الامر. رغم انها تشجعت عندما رن في رأسها اسم ويليام وما حصل عليه. هذا الاستنتاج وحده كان كفيلا ليدفعها للموافقة على عرض العرافة.
--
الان..
اخيرا ظهرت ميري. كان الوحش بانتظارها. هذا اصبح اسم جونثان بما انها لا تعرف اسمه بعد. قبلت دعوته على العشاء ولبست ثوبا لائقا للسهرة. ساعدتها ليزا بتحضير نفسها ثم رافقتها الى حيث المأدبة التي اعدت لشخصين. نهض جونثان ليستقبلها فلم تعره اهتمام بل انها حادت عن طريقه وعندما مد يده لياخذ يدها ويقبلها كما يفعل النبلاء اشاحت بوجهها عنه. شعر بالضيق من تصرفها واخفى الامر في نفسه. جلسا على المائدة الفخمة وظل يراقب حركاتها وهي لا تضع شيئا في فمها فقال متهكما:
"لو اردت قتلك لن اضع السم لك في طعام فاخر كهذا الطعام"
لم ترفع راسها المبحلق في صحنها ومع هذا حركت عينها لتنظر اليه باستغراب. شهيتها للطعام محدودة ولا تريد الاكل. اكمل وهو ياكل بنهم بلا اي اعتبار لبروتوكولات المائدة الملكية:
"لم اذق طعاما لائقا منذ ..."
وحور عينه للاعلى كانه يحتسب عدد السنوات ثم اكمل جملته:
"ربما 13 او 14 سنة. كنت صغيرا جدا عندما تيتمت وجلت في شوارع المدن خائف جائع هارب . الفضل في ذلك لويليام الذي اخذ مني كل شئ جميل"
توترت عندما سمعت اسم والدها ثم سالته:
"ماذا حصل لوالدتي؟ اريد ان اعرف. ولبقية افراد اسرتي. جوزفين ولويس؟"
كأنها لا تريد تصديق انه قتلهم حتى ترى أجسادهم. رد وهو يشرب بعض الحساء مصدرا صوتا تقصد جعله عاليا عله يغيظها:
"جوزفين ولويس ماتا ووالدتك كذلك. كنت هناك عندما اوصل الحارس الرساله. لا تقلقي لقد ارسلت شخصا ليهتم بالجثمان. لن احرقه سادفنه هذه المرة ليس لاني احب تلك الافعى لا انه فقط جزء من الخطة"
عضت على شفتيها بقسوة وهي تراه يتهكم وياكل ويذكر عائلتها وموتهم ولا يعنيه الامر. سالته :
"لماذا اذا انا على قيد الحياة اقتلني لاتخلص من رؤية وجهك كل يوم"
خزرها بعينيه الخضراوين تحت ضوء الشمعدانات المتلألئة المتراقصة فتراجعت بعينيها عن التحديق به واشاحت ببصرها لتنظر الى نقطة اخرى. تبسم! رد عليها:
"كلي اذا يا عزيزتي الاميرة السابقة. الا تريدين الموت؟ انا حائر حقا. تخافين الاكل خشية السم ثم تساليني لماذا انت على قيد الحياة وصوتك يعتصر الما. اخبريني ماذا تريدين وسانفذه لك فورا"
"الاميرة السابقة؟"
تمتمت بجفاء واكملت:
"هل انت مجنون؟ لماذا تتلاعب بي بهذا الشكل؟"
رد عليها ردا طفوليا:
"وباي شكل تريدين مني التلاعب بك يا ميري؟"
ابتلعت ريقها بينما ترك الطعام تماما وظل يحدق فيها. شعرت انه متأهب للنهوض لينقض عليها كل حركات جسدة اوحت لها انه سينهض ويهجم عليها لذا قررت الانسحاب:
"انا اعتذر منك ولكني لا اشعر بخير. يجب ان اعود الى غرفتي اسمح لي"
ضرب الطاولة بقوة بكفه وصرخ فيها:
"اجلسي!"
اصابتها الرهبة من الموقف. تجمدت في مكانها مرتعبة بينما نهض هو بالفعل من مقعده كما تنبأت ووقف خلف كرسيها ثم دس راسه بين خصلاتها الشقراء وامتلأ انفه براحتها الزكية التي يذوب فيها. همهم كانه يلقي اليها سرا في اذنها:
"كلي طعامك فورا ثم ساخذك الى مكان ما. عندها فقط ساجيب على سؤال لم تسأليه قط الا وهو ... هويتي ومن اكون انا"
حركت بؤبؤها الى حيث كان يقف خلفها لتراه بطرف عينها مرتعبة. سألته بصوت هامس:
"ارجوك ابتعد عني. انت تخيفني كثيرا"
اصابته الحسرة. لطالما قال لها عندما كانا صغيرين انه سيحميها, وهاهو الان الشخص الذي يخيفها. وكيف له ان يحميها من نفسه التي تعلمت على كرهها كل السنوات المنصرمة. ابتعد عنها ببطئ فبدأت تاكل طعامها بخوف وبلا شهية وعاد هو الى مقعده. ظل يراقبها وهي لا تنظر اليه. اكملت الطعام ومسحت فمها بقطعه القماش الحريرية التي كانت بجانبها فقال لها:
"انهضي بسرعه"
نهضت مذعنه وفي نفس الوقت خائفة ولاحظ خوفها من ارتجافها ليقول لها:
"لا تخافي لن اؤذيك"
سار وسارت خلفه وكانت مشيته عسكرية سريعه بخطوات واسعه لذا اضطرت كي تواكب سرعته للركض. كان يتجه ناحية الحديقة رغم الظلام سارا ورغم البرد في الخارج هو لم يضع عليه سوى قميص ابيض بسيط وهي كانت تلبس ثوبا مكشوف الصدر وبلا اكمام. شعرت بالقشعريرة مع اول نسمات الليل التي واجهتها ولم تفهم الى اين يأخذها حتى وصلا الى نافورة كبيرة تشابه نافورة البلاط حيث كانا يلعبان..توقف عندها ثم استدار واضعا يده في جيبه. فتحت عينها على وسعها شاعرة انها تسقط في بئر عميق عندما قال لها وهو يظهرعملة نقدية ويقول:
"تمني امنية يا ميري"
ظل ينظر لها ويراقب اختلاجاتها. عينها مفتوحة على وسعها ودموع ترقرقت فيها لم تصدق ما سمعت. سؤال ظهر على وجهها ولكنها لم تنطقه ابدا. فقال لها:
"هلا نتمنى سويا يا ميري؟"
انهارت على الارض بينما رمى العملة النقدية في النافورة تاركا اياها تبكي وسط الحشائش وهي غير مصدقة ما تراه امامها. جونثان على قيد الحياة!
فور ان دلف الى القصر قال للحارس:
"دع خادمتها تأخذها الى غرفتها فالجو في الخارج بارد ولا تسمح لها بالخروج الا بأوامري المباشرة فهمت؟"
ثم ذهب مسرعا الى مكان لا يمكن لاحد ان يرى فيه دموعه التي ظل يكبتها كل تلك السنوات الفائتة.
--
"مولاتي هنالك طارق على الباب"
رفعت ايفيلين راسها ناحية خادمتها وسالتها بعيون فرحة معتقدة ان الطارق من طرف جونثان:
"من يكون؟ هل اعلن عن اسمه؟"
ردت الخادمة:
"يقول انه هنا لاجل الماركيز. لا يعلم ان الماركيز مات"
ضيقت ايفيلين عينيها متسائلة ثم نهضت لترى من يكون زائر الليل هذا. عندما شاهدته عرفته انه بالتأكيد حارس لويس ابن ويليام. بعد ان حياها سألها:
"ليدي ايفيلين. انا هنا لرؤية الماركيز مكواير. انه امر مهم جدا"
تفرست في العجوز الذي لم يسمع بالاخبار بالتاكيد فهو يحاول ان يتخفى عن الاخرين بقدر الامكان. ردت عليه بانفه:
"الماركيز مات. انا الان مكانه ماذا تريد اخبرني"
تردد قليلا في اخبارها ثم بعدها قال:
"انا من طرف الامير لويس. كنت هناك عندما تم الاستيلاء على القصر الصيفي للملك ويليام. لا ادري ما حصل بعدها ولكن الامير لويس لايزال على قيد الحياة وهو يرسل ختمه الى مناصري والده من اجل اعادة الامور الى نصابها"
قهقهت ايفيلين ثم جلست واضعه ساق على ساق. ردت عليه:
"هنالك ملك جديد في الاجواء. لم تتوجه الكنيسة بعد ولكن اغلب النبلاء يعلنون الولاء له. حتى مكواير قبل موته وعده بكل شئ. لماذا اذا اجازف واساعد الامير لويس؟"
اجابها الرجل المتعب من طول السفر وكثرة الرفض:
"ليدي ايفيلين. الامير لويس هو الوريث الشرعي للملك ويليام وهذا الذي اغتصب العرش ليس سوى مجرم ومحتال. الامير بحاجة الى مساعدة وهو بالتاكيد لن ينسى من وقف الى جانبه"
نظرت له مليا ولم تجبه باي رد بخصوص طلبه. بل قالت:
"لما لا تبقى هنا الليلة وبامكانك المغادرة في الصباح. خذ معك بعض المال ومايحتاجه الامير لويس في الوقت الحالي عندما تذهب. ساحرص على ان يزودك مساعدي الشخصي بكل شي تحتاجه. سافكر بالامر الذي عرضته فقط اعطني وسيلة لاتواصل معك "
هز رأسه معارضا:
"لا اقدر على اخبار اي احد بمكان الامير لويس لانه في خطر محدق. جاري البحث عنه من قبل المرتزقة واذا ثقفوه سيقتلونه لا محالة. انا بنفسي ساتي مرة اخرى لقصرك وساستلم ردك على طلب الامير"
وافقت ايفيلين وفي راسها امر تريد فعله. ستزور جونثان في الغد لتخبره بامر لويس عسى انه يكون هذا كافيا كي تتقرب منه اكثر.
--
مع اول نسمات الصباح الباكر استيقظ ابراهام على صوت همهمات لا تبشر بالخير. نهض من على سرير اخيه الذي اصبح الان سريره بعد ان اخذت جوزفين غرفته واتجه الى حيث مصدر الصوت ليجد جوزفين تتقلب في سريرها تصدر اصواتها كثيرة كانها في حلم ما. جلس على حافة السرير وحاول بلطف ايقاظها:
"استيقظي.. جوزفينا جوزفينا"
كررر اسمها مرات كثيرة حتى اخيرا فتحت عينها فزعه ودفعته بعيدا عنها لا تعلم ان كان ما تراه حقيقة ام حلم. علم انها لا تزال لا تعي الواقع فقال لها:
"لا بأس انت بامان لا تخافي.. لا بأس"
هدأت بعد لحظات بينما استسلمت لذراعه التي احاطت بها وطوقت خصرها الضعيف فسالها:
"هل كنت تحلمين؟ ماذا كان؟"
ردت عليه بصوت مرتجف:
" كل ما اعرفه انه كان كابوسا مخيفا جدا. اتمنى ان لا اراه مرة اخرى ابدا"
استغل فرصة الكابوس واحتضنها بين ذراعيه. كم يعشق دفئها وهي تضع راسها على كتفه وتستسلم لاحتوائها بين يديه. بعدها قالت له:
"اشعر بالاختناق يا ابراهام. انا لم اخرج من البيت منذ دخلت فيه"
قال لها وهو لا يقدر ان يرد لها طلبا:
"سنخرج. اعدك يا جوزفينا ولكن اولا لدي بعض الاعمال العالقة مع رجل بدين. سانهيها ثم اخذك في نزهة سريعه مارأيك؟"
تبسمت بينما انحنى ليقبلها ولكنها اشاحت بوجهها خجلة. شعر انها غير مستعدة لقبلته بعد. وتسائل بينما كان يخرج من غرفتها ليصنع بعض الحليب الدافئ لهما . هل عساه يتحرك بسرعه فائقة في علاقتهما؟ ثم تسائل هل كان الكابوس له علاقة بما حصل لها عندما هربت من القصر؟ قد يكون عقلها الباطن يحاول ان يعيد لها ذاكرتها المفقودة. شعر بالرعب بمجرد ان جاءت هذه الفكرة في راسه. اذا استعادت ذاكرتها فكل شئ سيتبدل بالذات عندما تعرف انه كذب بشان هويتها. اخرجته ماتيلدا من غرقه بالافكار عندما قالت له:
"دعني اسخن الحليب بدلا عنك ياابراهام"
اليا ابتعد عن الموقد بينما سالته وهي تمسك بالحليب:
"ماذا بك؟"
رد عليها:
"ساذهب الى البدين لارد له دينه واتخلص منه"
تكهنت هامسة:
"ستبيع الحلق الذي وجدته مع الفتاة؟"
رد بثقة:
"هذا هو الحل الوحيد والا سيظل يلاحقني كظلي. ادفع له واتخلص منه"
اكملت الحليب فاخذه بنفسه الى جوزفين التي كانت تستلقي على السرير فنهضت واعتدلت في جلستها فاعطاها الكوب وقال لها:
"ساخرج ولن اتاخر. والدتي ستكون هنا وان احتجت لاي شئ فقط اطلبيه منها"
ثم خرج لتنهض من السرير واتجهت الى ماتيلدا التي قالت لها:
"يبدو انك تشعرين بتحسن ملحوظ اليوم يا ابنتي"
ردت جوزفين بابتسامة هادئة:
"بعض الالم في راسي . الرضوض اقل ايلاما ولكني بصورة عامة مللت من البقاء في السرير. دعيني اساعدك قليلا"
تبسمت ماتيلدا وتوقعت انها لا تعرف اي شي من الاعمال التي تقوم بها. مع هذا قالت لها:
"لا تتعبي نفسك يا ابنتي انت لم تستعيدي صحتك بعد"
ولكن جوزفين اصرت وامام اصرارها اعطتها ماتيلدا بعض المهام لتقوم بها.
مع اول شروق للشمس دبت الحياة في السوق واحضر التجار بضاعتهم لبيعها فيه. ولكن ابراهام كان يتجه الى مكان معين وهو الصائغ. رجل يضع عربة كباقي الباعه وينتظر مع يأتي اليه بحلية يريد بيعها كما يعمل مرابي يستدين منه الناس النقود مقابل فوائد جمة. توقف ابراهام عنده واخرج الحلق وقال له:
"اريد بيع هذا"
تلألأت عينا الرجل عند رؤيته للحلق الذهبي المرصع بماسة كبيرة ي الوسط. سأل بطمع:
"من اين لك هذا الحلق؟"
رد ابراهام:
"هل ترغب بشرائه ام لا؟"
اجاب الرجل :
"هل لديك الاخر؟"
باقتضاب قال ابراهام:
"كلا هذا فقط. بكم تشتريه"
لعق الرجل شفتيه وبقي ينظر الى الحلق كأنه يقيمه ولكن ابراهام كان يعرف جيدا ان هذا الرجل سيحاول اخذ الحلق منه باقل قيمة ممكنة لذا قال له:
"لا تحاول خداعي. انا اعرف جيدا انه يساوي ثروة"
ظهرت اسنان الرجل الصفراء المكسورة ثم وضع الحلق في فمه محاولا التأكد من كونه اصليا ثم اتفق مع ابراهام على مبلغ لم يعجب ابراهام ولكنه وافق عليه لانه يكفي لدفع دينه للبدين مع بقاء بعض المال لشراء حاجيات للبيت.
من بعيد لم يعي ابراهام ان البدين نفسه لمحه يبيع الحلق ومن ذلك البعد شاهد نوعية الحلق الماسي وتسائل:
"من اين لك هذا يا ابراهام؟"
انا اللهب , وانت الحطب
قبل اكثر من 15 سنة
اخر نظرة لايفيلين اليافعه على البلاط قبل ان يتم شحنها الى ارض لا تعرفها والى رجل من المفترض انها ستكون زوجته. عضت شفتيها كمدا وهي تنظر الى آن التي وقفت تعصف بمعطفها ريح الشتاء الباردة لا يصدر منها حسيسا ولا حركة. ابتلعت ريقها وتمنت لو ان ابنة عمها او كما متعارف عليه في البلاط اختها تعيد النظر في عقوبتها. ملامح الترجي بانت اخيرا على وجه ايفيلين كوسيلة اخيرة منها كي تمنع نفيها من البلاط. دمعة ترقرقت في عينيها وجهتها الى آن الواقفة كالصخر تشهد على النفي. لم تحرك نظرة الرجاء ساكنا لدى آن بل زادت من سعادتها واكدت لها ان هذا العقاب لهو افضل بملايين المرات من اعدام ايفيلين. وكعلامة على انتصارها امسكت آن بيد ويليام وهو الاخر واقف ينظر الى رحيل ايفيلين ولم يستمر المشهد الا لدقائق ولكن بدا للجميع انه اطول من ذلك. فقدت الامل اخيرا بالتراجع عن القرار ثم ركبت العربة الملكية التي حمّلها البلاط بالهدايا للماركيز فوق الهدية الاصلية الا وهي الزوجة الشابة الجميلة كل هذا من اجل ان يلين جانبه.
في لحظات كانت العربة خارج اسوار القصر وكانت ايفيلين وحيدة داخلها تهتز كريشة ولم يقبل الماركيز ان يأتي مع عروسه اي احد لا خدم ولا حراس وكل من ذهب مع العروس سائق العربة ورجل واحد مبعوث من الملك وحارسه هو يقف عند باب العربة من الخلف.
لم يتوقع اي احد ان يبرد الجو في تلك الليلة بهذه السرعه ولكنه حصل. ولم يتحمل اي منهم البرد القارص لذا بدؤا يبحثون عن مأوى لهم لتلك الليلة. على اطراف الغابة شاهد الجميع بيتا فاخرا وقرر مبعوث الملك ان يطلب منهم قضاء الليلة عندهم.
فتحت الباب سيدة نظرت بدون انتظار الى العربة وعرفتها على الفور فهي بالتأكيد تابعه للملك. تبسمت وافسحت المجال للضيوف ليدخلوا وعندها شاهدت ايفيلين. وايفيلين ايضا فور ان شاهدتها عرفتها. انها عرافة الملك التي تزوره بين الحين والاخر بطلب منه. ضيفتهم العرافة بافضل مايكون وفي ذلك الوقت لم يكن لديها حراس ولا خدم كثر بل خادمة واحدة . ثم اختلت العرافة بايفيلين لتقول لها فور ان فسح لها المجال:
"هل الليدي مسافرة الى عريسها؟"
بحلقت فيها ايفيلين وردت:
"هل هذه احدى قواك السحرية ان تعرفي الى اين انا ذاهبة"
ضحكت العرافة وردت بلطف:
"بل هو اقرب الى التخمين من كل ما اراه امامي ابتداء من العربة التي تحمل الصناديق الفاخرة الى وجهك المقطب"
ظهرت بسمة الاسى على شفتي ايفيلين المكتنزتين لتكمل العرافة:
"لقد كنت في القصر عدة مرات وسمعت بعض الاقاويل حولك يا ليدي ايفيلين. الليدي آن هي سبب نفيك من القصر اراه كله مكتوب على وجهك ولكن ماذا فعلت لتستحقي هذا العقاب القاسي؟"
ردت ايفيلين:
"كنت احسب انك تعرفين كل شي والا لما استعان ويليام بخدماتك"
ضحكت العرافة بصوت عال وردت:
"هذا اعتقاد غير دقيق يا ليدي ايفيلين. انا اقرأ مستقبلك فقط ان سمحت انت لي. الدخول عنوة يخلط القراءات ويتعبني جدا. هل ترغبين بقراءة الورق ومعرفة ما يخبئه لك هذا الزواج؟"
ترددت ايفيلين بالموافقة ولكنها وافقت اخيرا وبحذر انتظرت من العرافة لتفرد اوراقها الفاخرة الغريبة وبعيون ملؤها الحماس والترقب سمعت العرافة تقول لها:
"انت لن تصبحي ملكة"
سقط قلبها بين قدميها. بهتت وردت عليها:
"كيف عرفت؟"
اجابت العرافة بابتسامة على شفتيها وثقة بين جنحيها:
"اراه كله مكتوبا يا ليدي ايفيلين. تريدينها بشدة ولكن قدرك يخبرني غير هذا"
ظهر الانكسار على الصغيرة ايفيلين وهي تستمع الى كلام العرافة بالم. اكملت العرافة بخبث:
"بامكانك تغيير قدرك.. انا استطيع ان اضمن لك ذلك"
وضعت ايفيلين ابتسامة مجبرة على محياها وردت متسائلة:
"ربما انا ما زلت يافعه ولكن اول ما تعلمته في حياة النبلاء هو ان كل شي له ثمن. حتى ابسط الاشياء يكون ثمنها باهظا. فما ثمنك ايتها العرافة"
ردت العرافة عليها وتحول صوتها الى الهمس وعيونها الى الحدة:
"انه عقد يا ليدي ايفيلين. بيع وشراء. تبيعين روحك مقابل الحصول على ماتطمحين اليه"
رفعت ايفيلين حاجبيها في صمت مطبق. ثم بعد هنيهة صمت قالت كانها اكتشفت اكتشافا رهيبا:
"هل هذا مافعله ويليام؟ هكذا بالتاكيد اصبح ملكا ثم اصبحت انت مستشارته الخاصة جدا جدا. هل آن تعرف بالامر؟"
ظلت العرافة تنظر لها بابتسامة حادة بدون ان تجيب اي من اسئلتها ولم تحتج ايفيلين الى جواب على اية حال فان عرفت الاجابة بماذا سيفيدها الامر. رغم انها تشجعت عندما رن في رأسها اسم ويليام وما حصل عليه. هذا الاستنتاج وحده كان كفيلا ليدفعها للموافقة على عرض العرافة.
--
الان..
اخيرا ظهرت ميري. كان الوحش بانتظارها. هذا اصبح اسم جونثان بما انها لا تعرف اسمه بعد. قبلت دعوته على العشاء ولبست ثوبا لائقا للسهرة. ساعدتها ليزا بتحضير نفسها ثم رافقتها الى حيث المأدبة التي اعدت لشخصين. نهض جونثان ليستقبلها فلم تعره اهتمام بل انها حادت عن طريقه وعندما مد يده لياخذ يدها ويقبلها كما يفعل النبلاء اشاحت بوجهها عنه. شعر بالضيق من تصرفها واخفى الامر في نفسه. جلسا على المائدة الفخمة وظل يراقب حركاتها وهي لا تضع شيئا في فمها فقال متهكما:
"لو اردت قتلك لن اضع السم لك في طعام فاخر كهذا الطعام"
لم ترفع راسها المبحلق في صحنها ومع هذا حركت عينها لتنظر اليه باستغراب. شهيتها للطعام محدودة ولا تريد الاكل. اكمل وهو ياكل بنهم بلا اي اعتبار لبروتوكولات المائدة الملكية:
"لم اذق طعاما لائقا منذ ..."
وحور عينه للاعلى كانه يحتسب عدد السنوات ثم اكمل جملته:
"ربما 13 او 14 سنة. كنت صغيرا جدا عندما تيتمت وجلت في شوارع المدن خائف جائع هارب . الفضل في ذلك لويليام الذي اخذ مني كل شئ جميل"
توترت عندما سمعت اسم والدها ثم سالته:
"ماذا حصل لوالدتي؟ اريد ان اعرف. ولبقية افراد اسرتي. جوزفين ولويس؟"
كأنها لا تريد تصديق انه قتلهم حتى ترى أجسادهم. رد وهو يشرب بعض الحساء مصدرا صوتا تقصد جعله عاليا عله يغيظها:
"جوزفين ولويس ماتا ووالدتك كذلك. كنت هناك عندما اوصل الحارس الرساله. لا تقلقي لقد ارسلت شخصا ليهتم بالجثمان. لن احرقه سادفنه هذه المرة ليس لاني احب تلك الافعى لا انه فقط جزء من الخطة"
عضت على شفتيها بقسوة وهي تراه يتهكم وياكل ويذكر عائلتها وموتهم ولا يعنيه الامر. سالته :
"لماذا اذا انا على قيد الحياة اقتلني لاتخلص من رؤية وجهك كل يوم"
خزرها بعينيه الخضراوين تحت ضوء الشمعدانات المتلألئة المتراقصة فتراجعت بعينيها عن التحديق به واشاحت ببصرها لتنظر الى نقطة اخرى. تبسم! رد عليها:
"كلي اذا يا عزيزتي الاميرة السابقة. الا تريدين الموت؟ انا حائر حقا. تخافين الاكل خشية السم ثم تساليني لماذا انت على قيد الحياة وصوتك يعتصر الما. اخبريني ماذا تريدين وسانفذه لك فورا"
"الاميرة السابقة؟"
تمتمت بجفاء واكملت:
"هل انت مجنون؟ لماذا تتلاعب بي بهذا الشكل؟"
رد عليها ردا طفوليا:
"وباي شكل تريدين مني التلاعب بك يا ميري؟"
ابتلعت ريقها بينما ترك الطعام تماما وظل يحدق فيها. شعرت انه متأهب للنهوض لينقض عليها كل حركات جسدة اوحت لها انه سينهض ويهجم عليها لذا قررت الانسحاب:
"انا اعتذر منك ولكني لا اشعر بخير. يجب ان اعود الى غرفتي اسمح لي"
ضرب الطاولة بقوة بكفه وصرخ فيها:
"اجلسي!"
اصابتها الرهبة من الموقف. تجمدت في مكانها مرتعبة بينما نهض هو بالفعل من مقعده كما تنبأت ووقف خلف كرسيها ثم دس راسه بين خصلاتها الشقراء وامتلأ انفه براحتها الزكية التي يذوب فيها. همهم كانه يلقي اليها سرا في اذنها:
"كلي طعامك فورا ثم ساخذك الى مكان ما. عندها فقط ساجيب على سؤال لم تسأليه قط الا وهو ... هويتي ومن اكون انا"
حركت بؤبؤها الى حيث كان يقف خلفها لتراه بطرف عينها مرتعبة. سألته بصوت هامس:
"ارجوك ابتعد عني. انت تخيفني كثيرا"
اصابته الحسرة. لطالما قال لها عندما كانا صغيرين انه سيحميها, وهاهو الان الشخص الذي يخيفها. وكيف له ان يحميها من نفسه التي تعلمت على كرهها كل السنوات المنصرمة. ابتعد عنها ببطئ فبدأت تاكل طعامها بخوف وبلا شهية وعاد هو الى مقعده. ظل يراقبها وهي لا تنظر اليه. اكملت الطعام ومسحت فمها بقطعه القماش الحريرية التي كانت بجانبها فقال لها:
"انهضي بسرعه"
نهضت مذعنه وفي نفس الوقت خائفة ولاحظ خوفها من ارتجافها ليقول لها:
"لا تخافي لن اؤذيك"
سار وسارت خلفه وكانت مشيته عسكرية سريعه بخطوات واسعه لذا اضطرت كي تواكب سرعته للركض. كان يتجه ناحية الحديقة رغم الظلام سارا ورغم البرد في الخارج هو لم يضع عليه سوى قميص ابيض بسيط وهي كانت تلبس ثوبا مكشوف الصدر وبلا اكمام. شعرت بالقشعريرة مع اول نسمات الليل التي واجهتها ولم تفهم الى اين يأخذها حتى وصلا الى نافورة كبيرة تشابه نافورة البلاط حيث كانا يلعبان..توقف عندها ثم استدار واضعا يده في جيبه. فتحت عينها على وسعها شاعرة انها تسقط في بئر عميق عندما قال لها وهو يظهرعملة نقدية ويقول:
"تمني امنية يا ميري"
ظل ينظر لها ويراقب اختلاجاتها. عينها مفتوحة على وسعها ودموع ترقرقت فيها لم تصدق ما سمعت. سؤال ظهر على وجهها ولكنها لم تنطقه ابدا. فقال لها:
"هلا نتمنى سويا يا ميري؟"
انهارت على الارض بينما رمى العملة النقدية في النافورة تاركا اياها تبكي وسط الحشائش وهي غير مصدقة ما تراه امامها. جونثان على قيد الحياة!
فور ان دلف الى القصر قال للحارس:
"دع خادمتها تأخذها الى غرفتها فالجو في الخارج بارد ولا تسمح لها بالخروج الا بأوامري المباشرة فهمت؟"
ثم ذهب مسرعا الى مكان لا يمكن لاحد ان يرى فيه دموعه التي ظل يكبتها كل تلك السنوات الفائتة.
--
"مولاتي هنالك طارق على الباب"
رفعت ايفيلين راسها ناحية خادمتها وسالتها بعيون فرحة معتقدة ان الطارق من طرف جونثان:
"من يكون؟ هل اعلن عن اسمه؟"
ردت الخادمة:
"يقول انه هنا لاجل الماركيز. لا يعلم ان الماركيز مات"
ضيقت ايفيلين عينيها متسائلة ثم نهضت لترى من يكون زائر الليل هذا. عندما شاهدته عرفته انه بالتأكيد حارس لويس ابن ويليام. بعد ان حياها سألها:
"ليدي ايفيلين. انا هنا لرؤية الماركيز مكواير. انه امر مهم جدا"
تفرست في العجوز الذي لم يسمع بالاخبار بالتاكيد فهو يحاول ان يتخفى عن الاخرين بقدر الامكان. ردت عليه بانفه:
"الماركيز مات. انا الان مكانه ماذا تريد اخبرني"
تردد قليلا في اخبارها ثم بعدها قال:
"انا من طرف الامير لويس. كنت هناك عندما تم الاستيلاء على القصر الصيفي للملك ويليام. لا ادري ما حصل بعدها ولكن الامير لويس لايزال على قيد الحياة وهو يرسل ختمه الى مناصري والده من اجل اعادة الامور الى نصابها"
قهقهت ايفيلين ثم جلست واضعه ساق على ساق. ردت عليه:
"هنالك ملك جديد في الاجواء. لم تتوجه الكنيسة بعد ولكن اغلب النبلاء يعلنون الولاء له. حتى مكواير قبل موته وعده بكل شئ. لماذا اذا اجازف واساعد الامير لويس؟"
اجابها الرجل المتعب من طول السفر وكثرة الرفض:
"ليدي ايفيلين. الامير لويس هو الوريث الشرعي للملك ويليام وهذا الذي اغتصب العرش ليس سوى مجرم ومحتال. الامير بحاجة الى مساعدة وهو بالتاكيد لن ينسى من وقف الى جانبه"
نظرت له مليا ولم تجبه باي رد بخصوص طلبه. بل قالت:
"لما لا تبقى هنا الليلة وبامكانك المغادرة في الصباح. خذ معك بعض المال ومايحتاجه الامير لويس في الوقت الحالي عندما تذهب. ساحرص على ان يزودك مساعدي الشخصي بكل شي تحتاجه. سافكر بالامر الذي عرضته فقط اعطني وسيلة لاتواصل معك "
هز رأسه معارضا:
"لا اقدر على اخبار اي احد بمكان الامير لويس لانه في خطر محدق. جاري البحث عنه من قبل المرتزقة واذا ثقفوه سيقتلونه لا محالة. انا بنفسي ساتي مرة اخرى لقصرك وساستلم ردك على طلب الامير"
وافقت ايفيلين وفي راسها امر تريد فعله. ستزور جونثان في الغد لتخبره بامر لويس عسى انه يكون هذا كافيا كي تتقرب منه اكثر.
--
مع اول نسمات الصباح الباكر استيقظ ابراهام على صوت همهمات لا تبشر بالخير. نهض من على سرير اخيه الذي اصبح الان سريره بعد ان اخذت جوزفين غرفته واتجه الى حيث مصدر الصوت ليجد جوزفين تتقلب في سريرها تصدر اصواتها كثيرة كانها في حلم ما. جلس على حافة السرير وحاول بلطف ايقاظها:
"استيقظي.. جوزفينا جوزفينا"
كررر اسمها مرات كثيرة حتى اخيرا فتحت عينها فزعه ودفعته بعيدا عنها لا تعلم ان كان ما تراه حقيقة ام حلم. علم انها لا تزال لا تعي الواقع فقال لها:
"لا بأس انت بامان لا تخافي.. لا بأس"
هدأت بعد لحظات بينما استسلمت لذراعه التي احاطت بها وطوقت خصرها الضعيف فسالها:
"هل كنت تحلمين؟ ماذا كان؟"
ردت عليه بصوت مرتجف:
" كل ما اعرفه انه كان كابوسا مخيفا جدا. اتمنى ان لا اراه مرة اخرى ابدا"
استغل فرصة الكابوس واحتضنها بين ذراعيه. كم يعشق دفئها وهي تضع راسها على كتفه وتستسلم لاحتوائها بين يديه. بعدها قالت له:
"اشعر بالاختناق يا ابراهام. انا لم اخرج من البيت منذ دخلت فيه"
قال لها وهو لا يقدر ان يرد لها طلبا:
"سنخرج. اعدك يا جوزفينا ولكن اولا لدي بعض الاعمال العالقة مع رجل بدين. سانهيها ثم اخذك في نزهة سريعه مارأيك؟"
تبسمت بينما انحنى ليقبلها ولكنها اشاحت بوجهها خجلة. شعر انها غير مستعدة لقبلته بعد. وتسائل بينما كان يخرج من غرفتها ليصنع بعض الحليب الدافئ لهما . هل عساه يتحرك بسرعه فائقة في علاقتهما؟ ثم تسائل هل كان الكابوس له علاقة بما حصل لها عندما هربت من القصر؟ قد يكون عقلها الباطن يحاول ان يعيد لها ذاكرتها المفقودة. شعر بالرعب بمجرد ان جاءت هذه الفكرة في راسه. اذا استعادت ذاكرتها فكل شئ سيتبدل بالذات عندما تعرف انه كذب بشان هويتها. اخرجته ماتيلدا من غرقه بالافكار عندما قالت له:
"دعني اسخن الحليب بدلا عنك ياابراهام"
اليا ابتعد عن الموقد بينما سالته وهي تمسك بالحليب:
"ماذا بك؟"
رد عليها:
"ساذهب الى البدين لارد له دينه واتخلص منه"
تكهنت هامسة:
"ستبيع الحلق الذي وجدته مع الفتاة؟"
رد بثقة:
"هذا هو الحل الوحيد والا سيظل يلاحقني كظلي. ادفع له واتخلص منه"
اكملت الحليب فاخذه بنفسه الى جوزفين التي كانت تستلقي على السرير فنهضت واعتدلت في جلستها فاعطاها الكوب وقال لها:
"ساخرج ولن اتاخر. والدتي ستكون هنا وان احتجت لاي شئ فقط اطلبيه منها"
ثم خرج لتنهض من السرير واتجهت الى ماتيلدا التي قالت لها:
"يبدو انك تشعرين بتحسن ملحوظ اليوم يا ابنتي"
ردت جوزفين بابتسامة هادئة:
"بعض الالم في راسي . الرضوض اقل ايلاما ولكني بصورة عامة مللت من البقاء في السرير. دعيني اساعدك قليلا"
تبسمت ماتيلدا وتوقعت انها لا تعرف اي شي من الاعمال التي تقوم بها. مع هذا قالت لها:
"لا تتعبي نفسك يا ابنتي انت لم تستعيدي صحتك بعد"
ولكن جوزفين اصرت وامام اصرارها اعطتها ماتيلدا بعض المهام لتقوم بها.
مع اول شروق للشمس دبت الحياة في السوق واحضر التجار بضاعتهم لبيعها فيه. ولكن ابراهام كان يتجه الى مكان معين وهو الصائغ. رجل يضع عربة كباقي الباعه وينتظر مع يأتي اليه بحلية يريد بيعها كما يعمل مرابي يستدين منه الناس النقود مقابل فوائد جمة. توقف ابراهام عنده واخرج الحلق وقال له:
"اريد بيع هذا"
تلألأت عينا الرجل عند رؤيته للحلق الذهبي المرصع بماسة كبيرة ي الوسط. سأل بطمع:
"من اين لك هذا الحلق؟"
رد ابراهام:
"هل ترغب بشرائه ام لا؟"
اجاب الرجل :
"هل لديك الاخر؟"
باقتضاب قال ابراهام:
"كلا هذا فقط. بكم تشتريه"
لعق الرجل شفتيه وبقي ينظر الى الحلق كأنه يقيمه ولكن ابراهام كان يعرف جيدا ان هذا الرجل سيحاول اخذ الحلق منه باقل قيمة ممكنة لذا قال له:
"لا تحاول خداعي. انا اعرف جيدا انه يساوي ثروة"
ظهرت اسنان الرجل الصفراء المكسورة ثم وضع الحلق في فمه محاولا التأكد من كونه اصليا ثم اتفق مع ابراهام على مبلغ لم يعجب ابراهام ولكنه وافق عليه لانه يكفي لدفع دينه للبدين مع بقاء بعض المال لشراء حاجيات للبيت.
من بعيد لم يعي ابراهام ان البدين نفسه لمحه يبيع الحلق ومن ذلك البعد شاهد نوعية الحلق الماسي وتسائل:
"من اين لك هذا يا ابراهام؟"
