اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل التاسع عشر 19 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل التاسع عشر 19 بقلم صابرين

19- معلمة في جسد طالبة
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
ارتشف البعض من الشاي وعينيه تحدق في صورة معلقة على الحائط، هذه الصورة التي تعود إلى عشر سنوات حيث كان يوم زفافه، كان يومًا جميلًا لا ينكر وهو بالطبع يوم جميل بالنسبة للجميع وإلا ما كانوا أطلقوا عليه ليلة العمر
لكن أتعلمون ما هو الغير الجميل هي المشاكل التي تلحق الزواج وانت وحظك مع شريكك في الحياة إما يكون متفهم لا يهوى المشاكل وإما يكون على النقيض يحب المشاكل ليل نهار
أو يكونا كلاهما يحاولان الإستقرار وهناك مشاكل خارجية تنغص عليهما حياتهما
وهو حياته بعد الزواج تجمع خيارين هو لا يحب المشاكل بينما زوجته تجري خلفها المشاكل، يعلم أنها لا تقصد ان تفعل مشاكل لكن حيثما تحركت أو تكلمت تجد مشكلة، وهو دائمًا ما يحاول معها وحتى بعد مرور عشر سنوات لا يزال يحاول
أبعد كوب الشاي عن شفتيه عندما ابصرها تخرج من غرفة النوم وهي تتفقد حقيبتها بينما تحدثه بنبرة مستعجلة وهي تقول :
-إسماعيل انا هاروح اشتري حاجة من السوق وبعدها هاروح اكشف للؤي عايز حاجة
تنهد الآخر على مهل ثم قال :
-تكشفي ايه يا غادة هو انا سباك يا حبيبتي ما انا دكتور اهو
-لا يا حبيبي انت دكتور نسا وتوليد انا عايزة دكتور أطفال
قلب إسماعيل عينيه وهو يرفع كوب الشاي مرة أخرى حتى يرتشف منه ما تبقى :
-هى هى، الدكاترة كلهم بيدرسوا كل حاجة في الاربع سنين، التخصص بيبقى بعدين
-معلش انا عايزة دكتور أطفال
-طب يلا علشان اخدكم معايا المستشفى
نطق بها وهو يستقيم من فوق الاريكة فهتفت الأخرى معترضة بشدة :
-مستشفى؟! لأ طبعًا مش هاروح هناك انت ناسي لما لؤي كان تعبان وركب الكانولا هناك علشان المحلول والدكتورة المتخلفة ضربت الكانولا في العصب مش الوريد، حبيبي ابني معرفش يحرك ايده لأسبوعين لقدام، انت مش فاكر ولا ايه؟؟
وأجابها الآخر بنبرة هادئة عكسها إذ قال :
-فاكر والموضوع حصل من كذا سنة والدكتورة دي كانت تحت التدريب وكانت خايفة علشان كده ايدها اترعشت، انتي هتكشفي بس، أي حاجة هعملها انا حتى الدواء هجيبه انا
وعقدت الأخرى ذراعيها غير موافقة على هذا :
-لأ من بعد اللي حصله ده وانا مش بثق في المستشفيات انا هاروح اكشفله برا احسن وعند دكتور شاطر
تنهد إسماعيل يعلم أنها لن تقتنع بسهولة بل لن تقتنع أبدًا بشخصيتها العنيدة هذه لذا قال :
-ماشي يا غادة براحتك بس متتأخريش علشان الولد جوا تعبان وانا همشي علشان المستشفى
ارتدت الأخرى حقيبتها نافية برأسها ثم قالت :
-لأ ربع ساعة وارجع مش هشتري حاجات كتير ومتخافش مش هتخطف زي بنت خالك
كادت أن تتحرك لكن قام إسماعيل بسحب ذراعها وإعادتها أمامه مرة أخرى ثم قال وهو يسحب حجابها للأمام :
-شعرك باين يا غادة
سحبت الأخرى نفسها منه بسرعة قبل أن يفسد حجابها قائلة :
-طب استنى هعدله انا
أخرجت هاتفها ووعدلته عليه أسفل نظرات إسماعيل الغير راضية البتة فقالت غادة عاقدة حاجبيها :
-ايه مش عاجبك؟!
-لأ طبعًا الطرحة أصلًا قصيرة لا ساترة وراء ولا قدام لفاها ليه كده؟؟
زفرت غادة بضيق وقد هداها تفكيرها لشئ آخر إذ قالت وهي تضع كلتا يديها في خصرها بحركة آثارت غضب إسماعيل لكنه لم يظهر :
-قصدك ألبس خمار زي الستات الكبيرة صح؟ لأ يا إسماعيل انا لسه صغيرة من حقي ألبس على الموضة وألف طرحتي على الموضة
جلس إسماعيل بعدما أطلق تنهيدة يهدئ بها نفسه حتى يدخل معها في حوار حاد هدفه اقناعها بشئ :
-حبيبتي البسي على الموضة مقولتش لأ بس تختاري الموضة اللي تستر، من كام سنة واعتقد أنه لسه ساري الموضوع ده خرجت حاجة اسمها خمار ماليزي، انا بشوف بنات كتير لابساه وبيبقي ساتر وموضة زي ما بتقولي
-زي بنات اخوالك صح؟!
زفر إسماعيل بقوة ليقف من مكانه ممسكًا بمتعلقاته متجهًا نحو الباب تزامنًا مع قوله :
-خروج بالطرحة القصيرة دي مفيش يا غادة ومش هتلبسي طرح قصيرة تاني
امسك بمقبض الباب ثم استدار إليها مكملًا حديثه وعلى شفتيه ابتسامة هادئة :
-انا بغير عليكي يا غادة ومش عايز أي حد غريب يشوف من مراتي اللي مسموح ليا انا بس أشوفه
أغلق الباب ورحل بعدما ترك ما يقنعها وهو يعلم أنها ستفكر في الموضوع، النساء عقولهن صغيرة، يستطيع الرجل أن يمتلك قلوبهن وتفكيرهن بكلمة
وهكذا فعلت غادة فما إن رحل حتى اعتلت ابتسامة شديدة الإتساع على وجهها لتلقي حقيبتها على الاريكة مهرولة إلى غرفتها وبالتحديد إلى الخزانة الخاصة بحجاباتها واخذت تبحث عن المطلوب وأخيرًا وجدته
فردت الحجاب أمام عينيها وقد كان شالًا واسعًا من اللون الأسود المزركش، لم يكن خمارًا وإنما حجابًا كبيرًا فهي لا تفضل النوع الثاني، خلعت عنها شالها القصير ثم فتحت هاتفها وكتبت في محرك البحث
"لفات على الموضة وساترة للطرح الكبيرة"
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
استندت بكفيها على الفراش حتى تستطيع أن تستيقم لتبعد هذا الغطاء الثقيل من فوقها وهي تأن بألم من الصداع الذي يلفح رأسها وكأن هناك طاحونة تدور به، هذا بالإضافة إلى الجفاف والمرارة بحلقها التي جعلتها تنظر حولها بحثًا عن كوب ماء
هبطت من فوق الفراش حتى تذهب إلى المطبخ تسير بخطى بطيئة غير متزنة تشعر وكأنها على متن سفينة في وسط البحر وليس أرض ثابتة
ارتشفت القليل من زجاجة وجدتها موجودة فوق رخام المطبخ لتفتح الثلاجة وهي تبحث عن طعام تأكله فهي حقًا تشعر بالجوع، وتزامنًا مع بحثها كانت تتدفق الذكريات إلى عقلها لتجحظ عينيها فجأةً ثم أغلقت الثلاجة وأخذت تبحث عن أحد في الشقة تسأله كيف وصلت إلى هنا
هي آخر ما تتذكره أنها غفت بشكل لا إرادي في منزل هاجر لكنها لا تتذكر أي شئ آخر بعدها، توقفت أمام إحدى الغرف وقد وجدت ابنة عمها نائمة أسفل الغطاء وكأنها قنفذ في بيات شتوي
هزتها بشئ من العنف صائحة :
-شروق يا شروق حصل ايه عشية
حاولت أن توقظها لكن لم تتلقى من الأخرى غير همهمات معترضة فزفرت بضيق وهي تجلس على الفراش تنظر حولها بحيرة لتقفز في عقلها المدرسة وأنها على الأرجح تأخرت، وبالفعل قد وجدت أن الساعة تجاوزت معاد الطابور
قفزت بسرعة تبحث عن شئ ترتديه حتى تذهب، لكن القدر كان معاندًا لها حيث لم تجد أي شئ ترتديه لا عندها ولا عند بنات عمها وهذا لأنه كان من المفترض أن تغسل الملابس بالأمس وعلى الأرجح لم يغسلهم أحد نيابةً عنها في غيابها
لم تجد أي ملابس مناسبة إلا عند براءة لكنها لن ليق عليها أبدًا وهذا لأن براءة أطول منها، وجميع ما عندها يصل إلى الأرض وكأنها فتاة صغيرة ترتدي ملابس شقيقتها الكبيرة
نظرت إلى نفسها بالمرآة لتشعر بتكاسل يصيبها على عدم الذهاب، هي لم تغب من قبل وهي الآن لا تريد الذهاب لسببين، الأول هي تشعر بالمرض والثاني لا يوجد ملابس إلا بناطيل وهي توقفت عن ارتدائها منذ سنوات
إذًا لن تذهب، لكن مهلًا ماذا عن رحمة وحضور ولي أمر سليم؟!
أما في المدرسة كان يجلس محفوظ وناهد بصفتهما أولياء أمور لؤي ورحمة بينما كان يقف سليم بمفرده يحدق في المدير الذي كان يتحدث مع أخيه في الهاتف قائلًا :
-تمام يا دكتور عاصم هننتظرك كمان ساعة بس اتمنى متتأخرش
أغلق الهاتف ونظر إلى محفوظ وناهد ثم قال :
-معلش تقدروا تستنوا ساعة لحد ما ولي أمر سليم يوصل؟؟
نظر محفوظ إلى ساعة يده عاقدًا حاجبيه ثم قال :
-تمام لو ساعة تمام
مال عليه لؤي مبتسمًا بإتساع :
-طب ما تمشي انت وانا هقدر أسِد عادي
-آه علشان تعمل مشكلة أكبر من الأولى مش عارف انت طالع بتحب مشاكل لمين؟! رحاب وإسماعيل عكس كده تمامًا
رفع الآخر منكبيه هاتفًا بعدم إهتمام :
-نور بتقول اني جيناتي لخوالي طبعهم شديد وانا شكلي طالع ليهم
آماء محفوظ مبتسمًا بيأس ثم قال تزامنًا مع استقامته :
-انا قولت برضو من يوم ما اتولدت إنك هتطلع لأمك ولعيلتها
اتجه ناحية الباب لكنه توقف على صوت ابنه وهو يسأله إلى أين يذهب فأجابه الآخر قائلًا :
-هخلص شغل نص ساعة وجاي متعملش مشاكل يا لؤي
نظر إلى ناهد ثم أضاف :
-ناهد ابقي اتصلي عليا لما يجي الطرف التالت ده وخلي بالك من العيال
تركهم وذهب بينما نظر المدير إلى رحمة ولؤي وسليم قائلًا :
-اتفضلوا على فصولكم وانا ساعة كده وهبعت حد يجيبكم، وانتي يا مس ناهد شوفي عندك ايه حصص لإني فيه حد من الإدارة جاي النهاردة مرور مفاجئ والله أعلم مين وهيجي امتى
آماءت الأخرى بإيجاب لتسحب ابنتها معها للخارج بينما نظر لؤي إلى سليم بنظرات حادة رغم الابتسامة التي على شفتيه، لم يبالي سليم فكان هناك شئ آخر يقلقه وهو حضور عاصم اليوم، هو يخافه كثيرًا ربما أكثر من والديه، وعندما يعلم أنه تحرش بالفتاة فلا يضمن رد فعله
توقف بسرعة عندما اصطدم بشاب ذو جسد طويل لينظر إليه بتعجب فهو يذكر أنه رآه من قبل، بينما الآخر كان يرمقه بجمود قبل أن يرفع يده وينفض بعض التراب الوهمي من على كتف الآخر مرددًا بهدوء عاصف :
-انت سليم بقى
وهز الآخر رأسه ولا يزال يحاول تذكر أين رأى هذه الملامح وهذا الشعر الطويل :
-ايوه انا مين انت؟؟
ابتسم حمزة له ابتسامة مربية ليسحبه بشكل مفاجئ من تلابيب زيه المدرسة هامسًا بشر ظهر بين طيات نبرته الباردة :
-انا حمزة عثمان هواري اخُ رحمة الكبير واللي هيعلقك في نص المدرسة دي لو لمحتك جنبها، عارف لو شوفتها معدية في مكان تلف وتعدي من مكان تاني خالص
حاول الآخر التماسك والثبات رغم انه أجبن من هذا لكنه قال :
-أنا معملتش حاجة
وشدد الآخر على تلابيب ثيابه مهددًا إياه بنبرة آثارت فيه الخوف رغم أن ملامح حمزة وملابسه توحي إلى شخص راقي إلىٰ أن حديثه ونبرته كانا معاكسين لهذا :
-هنشوف عملت ولا معملتش وادعي ربك تيجي على تنمر زي ما سمعت، ده مش معناه اني هسكتلك على انك اتنمرت على اختي لكن لو طلعت عملت اللي في بالي هكسر إيدك اللي لمستها بيها
دفعه بعنف من أمامه ثم قال :
-اختفي يلا من قدامي لحد ما أشوف حد كبير اتكلم معاه واعرف مين نسي يربيك
وكان الآخر أسرع من أن ينهي الآخر كلامه فقال حمزة وهو يرفع خصلات شعره إلى الأعلى ويهندم من وضعية سترته :
-بيخرجوا مني دايمًا شخصية انا بحاول مخرجهاش يستحملوا بقى
توجه إلى والدته حيث كانت تقف مع رحمة تحاول على الأرجح أن تجعلها تتكلم وكادت بالفعل أن تقول لها عما حدث فيبدو أن نور لن تأتي اليوم لأنها مريضة :
-ماما انا كنت في الحمام ومكنش فيه حد هناك، غسلت ايدي وكنت هطلع بس سليم كان واقف قريب من الحمامات وكان بيـ
صمتت بسرعة عندما لاحظت ان أخيها كان يقف بالقرب منهم ويستمع بتركيز لما تقول وعندما صمتت صاح بقنوط قائلًا :
-كان بيـ ايه؟! بقالنا تلات أيام بنحاول نسحب منك كلمة يا بنتي انطقي علشان لو كسرت ايديه ميبقاش حرام عليا
والأخرى خافت وخجلت من أن تتكلم أمام أخيها فقالت ناهد وهي تدفع ابنها بخفة للخلف :
-امشي يا حمزة هي خايفة تتكلم قدامك
أطلق الآخر زمجرة مغتاظة وهو يبتعد عدة خطوات عنهما لكن لا تزال عينيه تراقب رحمة بتركيز، روت رحمة لأمها ما حدث همسًا وعندما انتهت لاحظ انقلاب وجه أمه للغضب وهي تقول :
-طب يلا روحي فصلك دلوقتي علشان الحصة متفوتش عليكي
-طب متقوليش لحمزة أو بابا يا ماما معلش علشان خاطري بالله عليكي
همست بها برجاء شديد فربتت الأخرى على كتفها تدرك خوفها هذا جيدًا فالمئات يتعرضن للتحرش بشكل يومي ولا أحد يعلم شئ بسبب خوفهن من تبليغ أحد
رحلت رحمة فاقترب حمزة من أمه بسرعة قائلًا :
-ها قالتلك ايه؟؟
صمتت الأخرى وهي تنظر إليه بتفكير، فهمت الآن لما نور لم تقل شيئًا وادَّعت أنه تنمر عليها، لم تكن تريد أن تحرج رحمة لكن على الأقل كانت أخبرتها هي لأنها والدتها :
-الولد اتنمر عليها يا حمزة
رفع الآخر إحدى حاجبيه بعدم تصديق لهذا، لما يصر الجميع على أنه تنمر عليها بينما هو يدفعه عقله من تصرفات رحمة وخوفها إلى شئ آخر :
-لا والله تُنمر؟! مش مصدق علفكرة
-يعني انا كدابة؟؟
نطقت بها ناهد بتهكم مصطنع فزفر الآخر بضيق وقبل أن يبرر هذا استمع كلاهما إلى صوت امرأة يبدو حادًا وهي تنادي على إحدى الطالبات اللواتي كُن يسرن في الفناء
نظرت إليها ناهد بسرعة ثم عادت ونظرت إلى ابنها مرددة :
-ارجع البيت انت يا حمزة انا هتكلم مع ولي أمر سليم لما يجي يلا سلام
وقبل أن تسمع منه إجابة تركته واتجهت إلى تلك المرأة التي هي من الإدارة وتمسك بفتاة ترتدي زي مخالف وتقوم بتوبيخها، حاولت الابتسام وركن ما سمعته من رحمة على جنب الآن ولن تمرره بالطبع مرور الكرام :
-صباح الخير يا مدام صباح شرفتينا
-مس ناهد قوليلها اني مُدرسة هنا مش مصدقاني
أدارت ناهد رأسها إلى الصوت الذي ظهر هذا لتتسع عينيها لرؤيتها لنور ترتدي سترة طويلة من اللون الأحمر الغامق وبنطال قماشي أبيض وحجاب من نفس اللون وكانت تضع على رأسها قبعة سوداء بلسان أمامي
وقبل أن تتحدث بكلمة كانت الإدارية هذه تصرخ بنور غاضبة :
-انتي مُصرة على الكذب؟؟ مُدرسة ايه اللي في حجمك ده انا بنتي في تانية ثانوي أكبر منك
تحدثت ناهد بسرعة وهي تسحب ذراع نور من يد الأخرى :
-يا مس صباح هي فعلًا مُدرسة هنا
-مُدرسة ايه انتي كمان، هو انتي هتغطي عليها؟!
نطقت بها الأخرى بعصبية ثم أكملت وهي تشير إلى نور من الأعلى إلى الأسفل :
-دي آخرها طالبة في تالتة إعدادي دي متعديش متر ونص
برمت نور شفتيها بتذمر لكلماتها هذه ثم قالت :
-طب انا واحدة ربنا خلقها كده طولها ١٥٦سم ووزنها ٤٧ كيلو هنعترض يعني
استدارت إليها ناهد هاتفة بذهول :
-انتي ٤٧ كيلو بجد؟! يخربيتك دي انتي حجمك صغير، ليها الحق تفتكرك طالبة باللبس ده، بالذات بالطاقية اللي فوق راسك دي
نظرت إلى الإدارية أمامها ثم استكملت :
-يا مس صباح دي المس نورهان اللي جات من الصعيد علشان تدرس دراسات إجتماعية واحنا بعتنا ليكم بالخبر ده وهي بقالها شهرين وأكتر معانا
نظرت الأخرى إلى نور متسائلة :
-انتي عندك كام سنة؟؟
-٢٣ سنة
-سبحان الله جسمك وطولك يدي واحدة عندها مش أقل من ١٥ سنة
حاولت نور الابتسام رغم تضايقها من الأمر فقالت ناهد وهي تدعوها للرحيل :
-خلاص يا نور روحي انتي شوفي حصتك
وبالفعل رحلت دون إضافة كلمة لتسير بخطوات سريعة دليلًا على غضبها، هذا ما كانت تخشاه بعدما ارتدت هذه الملابس التي أظهرتها بالفعل كطالبة في الخامسة عشر من عمرها، لكن ما باليد حيلة لم تجد ما ترتديه بسبب إتساخ جميع الملابس
دلفت إلى الفصل ملقية تحت السلام بعدما طرقت طرقة خفيفة على الباب، صمت جميع الموجدين متسائلين بهمس عن هويتها
وضعت حقيبتها على طاولة المعلم وقبل أن ترفع رأسها وتتحدث استمعت إلى صوت أحد الطلاب الجالسين في الصف الأول القريب بالذات إلى الطاولة، يقول بنبرة عابثة :
-استني بس يا مزة رايحة فين المس لو دخلت هتزعق علشان هتقعدي مكانها
رفعت نور رأسها له مصيبة الآخر بذهول بينما هي هتفت بتهكم وهي تسحبه من مقدمة ثيابه نحوها :
-مزة يا اسامة!؟ انت يومك مش هيعدي النهاردة
تأتأ الآخر في حديثه ولم يقل كلمة سليمة، لتستمع إلى صوت من خلفها حاد رغم رقته يقول وصاحبته جذبتها من سترتها بعنف :
-انتي مين انتي سيبي أسامة بدال ما
ولم تكتمل جملتها إلا وشهقت مصدومة ثم قالت وهى تبعد يدها بسرعة عن سترة نور :
-احيه مس نورهان؟!
ابتسمت نور بذهول وهي تنزع عنها قبعتها :
-هو للدرجة دي مش باينة اني واحدة كبيرة واللبس مصغرني لسنكم
علت الأصوات في الفصل بطريقة مزعجة لها عن أنها بالفعل صغيرة في هذه الملابس ولم يظهر عليها ابدًا بل لم يتعرفوا عليها، صرخت بهم نور بغضب لأصواتهم هذه قائلة :
-بـــس، علفكرة انا متعصبة من الصبح وتعبانة وجايبة آخرى ومش فاكرة حاجة من عشية واقسم بالله اسمع نفس هطلع غيظي كله فيكم
انقطعت الأصوات والأنفاس فجلست نور في مقعدها متنهدة بتعب لشعورها بالهزل في جسدها أثر نزلة الانفلونزا الشديدة التي اخذتها على الأرجح لسيرها أسفل المطر البارحة
رفعت رأسها تبحث في الأوجه عن رحمة فهذا هو فصلها لتجدها بالفعل متواجدة فنادت عليها حتى تأتي لتأخذها وتقف أمام الباب بعيدًا عن مسامع الطلاب :
-رحمة حصل ايه عشية انا مش فاكرة حاجة
عقدت الأخرى حاجبيها مرددة بدهشة :
-هو محدش حكالك إني انتي كنتي تايهة وكنا بندور عليكي؟!
هزت نور رأسها بنفي فقالت رحمة بإندهاش أكبر :
-ده مفيش حد مخرجش يدور عليكي اخواتي وولاد عمي وبابا وعمي محفوظ وبنات عمك حتى مرات عمي أسماء جات
-ده كله؟! ولقيتوني أمتى وفين؟؟
نطقت بها نور مصدومة فأجابتها الأخرى رافعة منكبيها بتذكر :
-تقريبًا جابوكي على العشاء من المستشفى
-مســتـشـفــى!!؟
صاحت بها مذهولة وعقلها لا يستوعب شيئًا بسبب عدم تذكرها لتعلو الأصوات خلفها في الفصل فدلفت غاضبة بشدة ثم طرقت على الطاولة بكفيها بقوة، هادرة بصوت افزعهم :
-اقسم بالله انتوا شعب ما يجي بالكرامة أبدًا وانا عارفة ازاي اخرسكم، كله يطلع ورقة وقلم عندكم امتحان مفاجئ واقسم بالله تاني لو حد مقفلش في الامتحان ده هزفه في نص الفصل
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تنهد بقوة وهو يعيد رأسه للخلف بتعب شديد بعدما اشتد جرح رأسه الحديث وزاد الصداع الطين بله، لكن لا بأس فقد قبضوا على السفاح البارحة وانتهى الأمر على الأقل لم يذهب تعبه سدىً
تأوه بخفوت وهو يستقيم من فوق المقعد ثم دار حول المكتب متجهًا إلى المرحاض حتى يغسل وجهه بعد سهره البارحة لربما يستعيد بعض النشاط
خرج من المرحاض يجفف يديه بالمناديل ليجد رسالة بتسجيل قد وصلت إلى هاتف يوسف الذي استعاره منه بسبب ضياع هاتفه في الوقت الحالي، جلس أمام المكتب وفتح التسجيل ليتبين أنه التسجيل الذي طلبه من صاحب أحد المحلات التي اصطدمت سيارته أمامها
حدق به بتركيز حتى يعلم من الفتاة التي ساعدته وأخذت هاتفه ومفاتيح السيارة، ظهرت شروق ماررة من أمام المحل أسفل المطر ثم توقفت فجأة وهى تضع نظارتها داخل حقيبتها في اللحظة التي ظهرت سيارته بها وقد تفاداها بسرعة قبل أن يدهسها لينتهي الأمر مصطدمًا في أحد أعمدة النور
حسنًا الآن علم كيف حدث الحادث ومن الجيد أنه لم يدهسها وإلا ما كانت لتخرج منها حية ابدًا
مسح على لحيته وهو يركز في تفاصيل التسجيل بالتحديد إلى ردات فعلها ليجدها لم تتركه بل فتحت السيارة تطمئن إن كان لا يزال على قيد الحياة أم لا، ضحك بخفوت عندما سقط عليها وقد وجدت صعوبة شديدة في إعادته إلى مكانه
وزادت ابتسامته وهو يراها تحاول البحث عن أحد يساعدهما، حسنًا ليكن معترفًا لم يكن يعلم أنها بمثل هذه الشجاعة والشهامة فنظرًا للسانها السليط كان يظنها مجرد فتاة جبانة مدللة تختبئ خلف سلاطة لسانها لا أكثر، هذا الموقف حقًا غيرها في نظره
عقد حاجبيه عندما رأي اقتراب شاب مريب الهيئة منها وما جعله مريب له هو أنه أخذ ينظر يمينًا ويسارًا قبل أن يساعدها، لم يتبين له بالتحديد ماذا فعل لكن شروق اندفعت وسحبت منه شيئًا كان يهم بوضعه في جيبه
تحفزت خلاياها وزاد انعقاد حاجبيه عندما رأي أن ذلك الشاب اخرج عليها سلاحًا أبيضًا وكم بدت خائفة وهى تنادي على أحد وبالطبع لم يسمع لأن التسجيل بدون صوت
هو لا يذكر أيًا مما حدث هذا، حتى لا يذكر أنه وقف ودافع عنها، تنهد بإرتياح عندما رأى أن الشاب هرب دون أن يؤذيها لكنه سقط أرضًا ويبدو أن جسده قد نال من التعب ما يكفي حينها
ابتسم هذه المرة ابتسامة مختلفة تمامًا يبصرها تجلس بجانبه وسط المطر والماء تحاول كتم الدماء حتى أنها كانت تحاول منع المطر عنه رغم أن ملابسها قد ابتلت بشدة، الآن علم لما البارحة كان مظهرها متعبًا يبدو أنها اصيبت بزكام حاد أثر ما حدث
زادت بسمته إتساعًا يراها تجاهد على حمله حتى تضعه داخل السيارة ليقهقه بقوة عندما وضعته وأخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة ورغم أنه كان من الممكن أن تجلس داخل السيارة إلىٰ أنها لم تفعل وظلت في الخارج
ورغم أيضًا أن كاميرا التسجيل غير واضحة قليلًا إلىٰ أنه لاحظ أنها ترمقه بقلق حتى أتت سيارة الإسعاف وأخذته وهي اغلقت السيارة وأخذت المفاتيح معها وهكذا انتهى التسجيل
لا يعلم لما ورد على عقله ذكرى لنفس الموقف مع بعض الاختلافات كان حينها لا يزال في بداية العشرينات وحدث نفس الموقف لكن كان مع عايدة وكانت الأخرى لم تُظهر هذا الإهتمام حتى ولو من باب الشفقة برغم من أنه كان يحبها بشدة في تلك الفترة ومن المفترض أنها كانت في حكم خطيبته
قالت أنها كانت فزعة خائفة بل ظنت أنه مات لذا تركته بعدما طلبت الإسعاف وهو صدقها لأنه كان ساذجًا حينها، أدرك لاحقًا أن عايدة لم تحبه ولم تبادله الحب يومًا رغم أنه كان يحبها بشدة
لقد كانت فتاة طائشة خافت من أن يكون مات في الحادث لأنها من كانت تقود عكس شروق الآن، وبالرغم من أنه لم يكن يتعامل معها بلطف إلىٰ أنها لم تتركه أبدًا بل كانت تحاول أن تنقذه بكل ما أوتيت من جهد
يبدو أن المرء لا يظهر معدنه إلا في وقت الشدة، والمظاهر دائمًا ما تكون خدَّاعة
أغلق الهاتف واتجه إلى الخزانة الموجودة في مكتبه ثم أخرج منها حقيبة فتيات بُنية اللون، وضعها على المكتب ثم خرج من المكتب محدثًا العسكري الذي يقف بالقرب من الباب :
-بص يا ابني روح للعسكري اللي بيكتب المحاضر واسأل عن واحدة عملت محضر بسرقة شنطتها اسمها شروق حسين صفوان، أكيد سابت رقمها جبهولي
دلف إلى مكتبه مرة أخرى ثم جلس في مكانه وفتح حقيبتها التي وجدها في نفس اليوم الذي قدمت به البلاغ، لكنه لم يكن يطيقها حقًا بسبب تجاوزها المستمر عليه بلسانها لذا لم يعطيها لها ولم يخبرها أنه وجد حقيبتها
اخرج من الحقيبة رزمة أموال وبطاقة تعريف جامعية وكم كانت تظهر بها في هيئة غريبة لكن ليست بغرابة بطاقة التعريف الشخصية التي كانت تظهر بها في منظر شديد القبح وكأنها ليست هي، عجبًا لما الجميع لا يظهر بشكل جيد في البطاقات؟!
وجد محفظة فتيات بها بعض الأموال البسيطة "الفكة" ووجد أيضًا صورة شخصية لها بداخل المحفظة، حدق بصورتها ولوهلة ركز في ملامحها رغم أنه لم يكن يهتم، كانت في الصورة بدون تلك النظارة الكبيرة التي تخفي جزءًا من وجهها
وكم بدت جميلة بدونها أظهرت خديها الممتلئين وعينيها ذات اللون البني الغامق وعلى عكس ملامحها الجادة أو الغاضبة في أغلب الوقت كانت في الصورة مبتسمة وكم بدا وجهها مشرقًا بهذه الابتسامة وهذا الحجاب أيضًا الذي يليق مع لون بشرتها القمحي
طرق باب المكتب فسمح للطارق بالدخول تزامنًا مع إعادة كل شئ إلى الحقيبة كما كان ولم يبصر صورتها التي سقطت أسفل مكتبه :
-ادخل
دلف العسكري وأعطى له نسخة من المحضر مع رقم هاتفها فشكره يونس ثم رفع هاتف يوسف وطلب رقمها دون أن يسجله، انتظر قليلًا قبل أن يستمع إلى صوتها الهادئ وقد كان به بحة من النعاس :
-الو
-صباح الخير شروق حسين معايا صح؟؟
-ايوه انا مين حضرتك؟
نظر يونس إلى حقيبتها القابعة في يده ثم قال :
-انا يونس يا شروق ولقيت شنطتك المسروقة
اتسعت عيني شروق واختفى منها النعاس لتصيح متفاجئة مما قال :
-لقيت شنطتي صِح!؟ طب احلف
ضحك الآخر بخفوت على الناحية الأخرى للهجتها الصعيدية ثم قال :
-ايوه شنطتك معايا اهي تقدري تيجي تاخديها لو عايزة
اتجهت أنظاره ناحية أحد الأركان حيث كان موضوع بعض الحقائب البلاستيكية ومظلة ثم أضاف :
-وآه لو بنت عمك تقدر تيجي علشان تتعرف على سواق التاكسي اللي كان عايز يخطفها، يا ريت تيجي علشان ياخد جزاءه
-نور؟! تمام هدور عليها واجيبها
نطقت بها بحيرة فهي استيقظت منذ دقائق وبحثت عن نور في أرجاء الشقة ولم تجدها وكادت أن تتصل عليها لكن سبقها هذا الإتصال، عقد يونس حاجبيه متعجبًا من حديثها هذا إذ قال :
-تدوري عليها؟! هي تاهت تاني ولا ايه؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقف أمام أحد الفصول وقد كُتب عليه 2/3، طرق الباب ثم فتحه مطلًا على الفصل وعندما لم يجد أي معلم نادى على شقيقته التي تجلس في الصف الثاني قائلًا :
-رحمة خدي تعالي عايزك
نظرت الأخرى بسرعة خلفها إلى نور التي كانت تجلس في الصف الأخير حتى تراقب الجميع بشكل أفضل، وعندما طلب حمزة من رحمة الخروج معه هبت واقفة من مكانها ثم قالت :
-استنى عندك تطلع فين؟ هو مفيش حد تستأذنه ولا انا شوال بطاطس قاعدة في الفصل وخلاص
تفاجأ الآخر بشدة منها وهذا لسببين الأول أنها ولأول مرة تقريبًا تتحدث معه بمثل هذه النبرة الخالية من أي خجل، السبب الثاني هو مظهرها الذي يشبه باقي الطالبات فهو لأول مرة يراها ترتدي بنطال وحجاب عادي وليس خمار وملابس طويلة متسعة
فتلك الملابس كانت تعطيها سنًا أكبر قليلًا لكن بهذه الملابس الشبابية يكاد يقسم أن جسدها لا يفرق عن جسد شقيقته الصغيرة إلا في بعض السنتيمترات :
-نور؟ دي انتي بجد؟!
رمقته نور بتهكم فحتى هو لم يعرفها ولم يفرقها عن باقي التلاميذ، وقبل أن تجيبه الأخرى كانت أذنها تلتقط صوتًا خافتًا بجانبها لإحدى الطالبات وهي تقول بينما عينيها معلقة بحمزة :
-يا لهوي بجد على شعره أموت انا في الحلاوة دي
أدارت نور رأسها ببطء للفتاة ترمقها بنظرة مميتة ومن هذه النظرة علمت الفتاة أنها استمعت إليها وقبل أن تفتح فمها وتبرر أي شئ كانت نور تمسكها من ثيابها كما اللصوص ساحبة إياها بعنف ودون تفاهم، هامسة بفحيح :
-انتي قولتي ايه؟؟
-مقولتش حاجة
-لا قــولتــي
هدرت بها بغضب فقالت الأخرى وهي على وشك البكاء :
-والله ما قولت حاجة
-يخربيت الكدب وكمان بتحلفي بربنا كدب
رفعت أنظارها إلى حمزة الذي كان يقف مندهشًا لتعاملها الذي كان معاكسًا لشخصيتها التي يعلمها بل يبدو أنه حتى الآن لا يعلم شخصية نور :
-لو سمحت يا أستاذ حمزة تطلع برا دقيقتين
-نعم؟!
-اطلع برا لو سمحت اقولك انا اللي طالعة
نطقت بها بصوت أكثر جدية بل وظهرت به الحدة محاولةً كبتها، سحبت الفتاة معها للخارج بعيدًا عن الفصل فمد رأسه للخارج حتى يرى ما الذي ستفعله بالفتاة لكن وجدها تتحدث معها بصوت هادئ لم يسمعه والفتاة مطأطأة رأسها بخجل
أما عند نور نظرت إلى الفتاة بحدة لقولها الذي قالته إذ قالت محاولةً جعل صوتها هادئ قدر الإمكان :
-ينفع واحدة محترمة تقول اللي انتي قولتيه؟!
رفعت الأخرى رأسها لها مبررة :
-مس والله انا قولت كده بصوت واطي أوي حتى هو مسمعش ولا البنات اللي جنبي مش عارفة ازاي انتي سمعتي؟!
-مينفعش يا جوري مينفعش واحدة تقول كده لراجل، لما البنت اللي المفروض عندها خجل وحياء تقول كده يبقى الولد يقول ايه؟!
طأطأت الفتاة برأسها معتذرة عما قالت فتنهدت نور قائلة :
-ماشي سماح المرة دي واعتبريه درس، بعد كده متسمحيش لنفسك تقولي حاجة زي كده تاني، خليها في نفسك يا ستي ومتطلعاش، البنت غالية ومعززة يا جوري مينفعش تنزل نفسها أبدًا
ربتت على كتفها ودفعتها أمامها حتى تعود للفصل ثم قالت :
-يلا قدامي علشان تكملي امتحانك
عاد حمزة للخلف عندما وجدها قادمة وقد لاحظ نظرات الطالبات المعلقة به لكنه لم يبالي فهن في النهاية مراهقات ذوي مشاعر شديدة الاضطراب وقد لاحظت نور هذا عندما دلفت إلى الفصل
بل ورأت عدد من الأولاد يغشون من الكتاب فطرقت على الباب بكفها بعنف مسببًا صوت افزع الموجدين حتى حمزة نفسه ذُهل من قوة ضربها للباب بهذه الطريقة، وقفت نور في منتصف الفصل صائحة بغضب وهي تشير إلى الطلاب الذين كانوا يغشون :
-انت وانت واللي قدامكم اطلعوا برا وهاتوا ورقكم
نظرت إلى الفتيات ثم أكملت بنفس النبرة لكنها كانت أكثر حدة :
-وانتوا ما شاء الله آخد واحدة اعلمها برا ألاقي الباقين جوا عينيهم عليه وشوية وهتقوموا تاخدوا صورة معاه، يا أختي اتكسفي على دمك منك ليها ده انا مقدرش أرفع عيني في عين راجل غريب لخمس ثوان، مش عارفة ايه جيلكم اللي من غير أخلاق دِه
استدارت إلى حمزة الذي كان يقف في مكانه مذهولًا من حدة صوتها، ربي أين خجلها وصوتها المنخفض الذي بالكاد يُسمع، وهو من كان يظن أن لؤي ورحمة يبالغون في وصف نور وطباعها الحادة معهم، يبدو أنهم بالفعل على حق :
-ينفع حضرتك بقى تطلع وانا جاية
وبالفعل خرج ولازال الذهول مرتسمًا على وجهه بينما أدارت نور رأسها إلى الطلاب الذين اخرجتهم :
-صفر انتوا الأربعة واستنوا اخلص مع الراجل وهوريكم الغش يبقى عامل ازاى
اتجهت إلى الخارج ولكنها استدارت نصف استدارة إلى باقي الفصل هاتفة بوعيد :
-اقسم بالله وانا اقسمت هسمع نفس، هلمح واحدة عينيها برا بعيد عن ورقتها لتشوفوا مني وش مش بطلعه غير للحبايب ومش هيخليكم تعدوا من السنة دي
خرجت وهي تخرج منديل تعطس به ساببة الجميع في الداخل :
-منكم لله محدش مراعي حتى اني عندي برد وتعبانة
-اومال لو مكنش عندك برد كنتي كلتيهم ولا ايه انا حقيقي اتصدمت
نطق بها حمزة مذهولًا فقالت نور محمحمة بحرج وهي تعقد كفيها خلف ظهرها تزامنًا مع اخفاضها لعينيها أرضًا قائلة :
-زي بعضه زعطك من الفصل انا آسفة
رمش الآخر بأهدابه ولم يفهم نصف الجملة الأول لكنه تغاضى عن هذا هاتفًا بذهول وهو يشير إليها :
-طب ازاي؟! انتي دلوقتي شخصية واللي كانت جوا شخصية تانية خالص عملتيها ازاي!؟
عقدت نور حاجبيها بتعجب لتحاول تبرير الأمر لكن تلعثمها لم يساعد فقال حمزة حتى يوقف حرجها هذا مانعًا نفسه من الضحك :
-خلاص خلاص انا كنت عايز رحمة علشان ولي أمر الزفت اللي اسمه سليم ده جاي في الطريق
هزت الأخرى رأسها بتفهم لتستدير قائلة :
-تمام هنادي رحمة وانزل انا كمان معاكم
نطقت بها بجدية وهمت بالاستدارة لولا أنه نادى عليها موقفًا إياها، ولم تكد ترد عليه إلا وأطلقت عطسة قوية تبعها تجمع بعض الدموع في عينيها فرفعت رأسها إليه معتذرة وهي تتفقد جيوب سترتها بحثًا عن مناديل، لتطلق عطسة أخرى جعلتها تترنح ولولا إتكائها على الحائط لكانت سقطت
اخرج حمزة بسرعة علبة مناديل من جيبه وأعطاها لها تزامنًا مع قوله بعفوية الجملة التي نحفظها منذ كنا اطفالًا :
-يرحمكم الله اتفضلي مناديل
أخذتها منه وشكرته لتنظف أنفها مُديرة رأسها وما إن انهت حتى أعادت له علبة المناديل شاكرة إياه للمرة الثانية :
-شكرًا
لم تتلقى منه إجابة لثواني ولم ترى جيدًا بسبب الدموع العالقة في عينيها فأخذت تمسحها جيدًا بينما حمزة قال محاولًا التركيز وترك أمر تحديد لون عينيها هذا على جنب :
-خليها معاكي
رفعت نور رأسها رافضة بلباقة إذ قالت :
-لا شكرًا انا معايا واحدة جوا في الشنطة
وللمرة الثانية جذبه لون عينيها لكن هذه المرة كان مختلف، المرة الأولى التي يركز بهما كانا عسليتين مائلتان للأخضر لكن الآن أصبحا باللون الأخضر الباهت ، لا يدري لما تغيرا الآن لكنهما كانا حقًا جميلتين رغم ملامح وجهها المتعبة
وقد كانت الشمس لها عامل مهم في بروز لون عينيها ولأول مرة يشرد في عيني فتاة رغم انه كتب عن هذا الأمر عشرات المرات في كتبه ورواياته وقد كان يكتبه بإحساس عالي رغم أنه لم يجرب الأمر، حتى مع خطيبته الأولى لم يفعل
شعور جميل له كان كفيل بأن ينسيه ما كان يود قوله لكن أفق يا حمزة ألا يقال أن حتى النظرة حرام
وهذه المرة كان هو أول من يبعد عينيه إذ أخذ منها العلبة ونظر إلى جهة أخرى بينما عادت نور إلى الفصل وجعلت أحد الطلاب يقف عليه قائلة :
-معتز انت خلصت صح؟؟ تقف عليهم العشر دقايق دول ولما الحصة تخلص تلم الورق وتديه لأي مدرسة تُحت تشيله لحد ما ارجع انا، عارف لو حد غش هعرف متسألش ازاي ولو ده حصل انسى إنك تقفل في أعمال السنة انت واللي غش
سحبت حقيبتها وأخذت رحمة معها وخرجا تزامنًا مع رنين هاتف نور باسم شروق فردت عليها وهي تتأخر في السير وتركت حمزة ورحمة يسيران أمامهما :
-الو يا شروق
-انتي فين يا ولية انتي؟ هو انتي كل يوم ضايعة
ابتسمت الأخرى على حديثها يبدو أنه فاتها الكثير من أحداث أمس وهى يجب أن تعلم كل شئ :
-انا في المدرسة، شروق هو حصل ايه عشية هو انتوا قعدتوا تدوروا عليا فعلًا!؟
وأتتها الإجابة من حمزة في الأمام دون أن يستدير إليها قائلًا :
-ده إحنا لفينا عليكي إسكندرية كلها
استدار إليها نصف استدارة ثم أضاف براحة حقيقية :
-بس الحمد لله جات على حمى بس والسواق الحقير ده معملكيش حاجة
لم تفهم منه نور شيئًا بل جعل عقلها يدور أكثر ليأتيها صوت شروق على الناحية الأخرى وهي تقول :
-طب انا داخلة المدرسة أهو كنت حاسة انك هناك، انزلي بقى وخدي إذن علشان نروحوا القسم انا وانتي ضروري
-قسم ايه؟؟
نطقت بها بشئ من الفزع ولم يأتيها رد بل استمعت إلى صوت رجل غريب ينادي باسم ابنة عمها ثم اختفى الصوت، نظرت بسرعة إلى فناء المدرسة بحثًا عنها
خاصةً عندما رأت أن حمزة قد توقف أيضًا وعينيه تعلقت بشئ لتدرك أن هذا الشئ هو ابنة عمها وهى تقف مع سليم ورجل غريب لا تعلمه فتساءلت بصوت مسموع قائلة :
-مين دِه؟!
وأتتها الإجابة للمرة الثانية من حمزة وهذه المرة كانت نبرته غريبة لا هي غاضبة ولا هي هادئة :
-ده عاصم سعيد غانم ولي أمر العيل اللي اسمه سليم، يا ريت يونس كان هنا كان هيشمت في عاصم وانا بهزقه هو وأخوه


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close