رواية انتصر قلبي الفصل التاسع عشر 19 بقلم قسمة الشبيني
9=التاسع عشر
انتفض علاء متجها نحو هانى الذى بدأ تصوير مقطعه المزعوم ليسحب منه الهاتف بحدة أربكت هانى واتبع سحبه بالتراجع فورا وقد تملكه الغضب
_ انت اتجننت رسمى، فاكرنى إيه ؟ انا عارف انى مشوه بس مش شيطان يا هاني، انا عايش في بيتى ولد مش ابنى وعارف وساكت لأن مالوش ذنب ارميه فى الشارع ولا فى ملجأ ، عارف انى مش أبوه وراضى يشيل أسمى ويورثنى علشان أحافظ له على حياة شبه طبيعية تقوم انت جايب لى ابن اختك بايدك وعاوزنى احوله مسخ زيى؟
_ مسخ ؟! انت شايف نفسك مسخ؟ شايف نفسك مشوه ليه ؟ انت من حقك تختار الميول اللى تريحك وتعيشك راضى
_ واخترت، عارف انى اخترت غلط بس خلاص بعد ما بقا بيمشى فى دمى ، انت فاكرنى مبسوط وانا بسرق متعتى اللى رافضها كل الناس، فاكرنى برتاح وانا بستخبى من الناس ومن أهلى علشان اعمل علاقة مع واحد فى الغالب عاوز يستغلنى، فاكرنى راضى وانا مش قادر اكون مع مراتى غير مجبر بمنشط ؟ انا مش مبسوط يا هاني بس مااقدرش ارجع طبيعى لانى زى ما انت قولت انا اللى اخترت
تراجع تجاه الباب ليتوقف قبل أن يعبره للخارج متابعا
_ عمرك ماهتقدر تحس احساسى وانا داخل بيتى ومراتى لسه حضنها فيه نفس راجل غيرى، انا مااخترتش غير السهل قدامى لانى ماكنتش اعرف ان التمن هيكون كبير اوى كده
ظل هانى مكانه بعد مغادرة علاء للغرفة لا يصدق أن رجل بمكانة علاء وقدراته يمكن أن يكون بمثل هذه الهشاشة التى يرى، لابد أنها ضغوط المجتمع ومعتقدات الناس ما أثرت فى عقله بهذا الشكل ليرى نفسه بهذا القدر من الحقارة ، هو لا يهتم كثيراً لأمر علاء مادام زاهداً فى هيثم فلا بأس يمكنه أن يحتفظ ببراءة الصغير حتى يهبه كاملا لشريكه ألكس وهو يعلم جيداً أن ألكس سيكون معلما جيداً لهيثم وسيلقنه بكل شراسة ما يتمنى هانى أن يمر به الصغير .
عليه أن يكون أسرع من الجميع ، الليلة سيتواصل مع من سيساعده لمغادرة البلاد فهو ليس غبيا ليفهم أن علاء بدأ يتشكك فى نواياه ولقد وصل بحصوله على هيثم لكامل انتقامه ولن يجازف بخسارة مكاسبه .
................
ادخل الصغير لغرفة النوم الرئيسية ليضعه أرضا ويدور حول نفسه
_ تعرف اللبس اللى قلعته فين؟
أشار الصغير نحو الحمام ليقتحمه علاء ويعود بملابس الصغير التى إلتقطها من سلة المهملات لكنه لا يملك بديلاً فقدمها له
_ غير لبسك وخليك هنا ماتتحركش انا بعد شوية هرجع لك
_ عمو انا عارف اسم المطعم بتاع عمو جاد
جثى على أمام الصغير مشجعا
_ اسمه مطعم أهل العز انا كنت بروح معاه والعب مع عمو انس
_ برافو عليك غير لبسك وانا هرجعك لعمك بعد شوية بس ماتخرجش من الاوضة ماشى
ربما أراد الصغير أن يبتسم لكن فزعه لم يسمح بذلك وتغاضى هو عن ذلك وهو يفتح أحد الادراج يلتقط شيئا ثم يغلق الباب مغادرا لقد سهل عليه هذا الصغير الأمر فبدلاً من محاولة الحصول على معلومات حول أهل الصغير من هاتف هانى فسيمكنه ببساطة إعادته واستغلال كل الوقت الذي يملكه لاحقاً.
..............
خرج هاني من الغرفة ليجد نفسه أمام علاء الذى اغلق الباب مخفيا هيثم بالداخل ، تهكم هاني داخلياً من فعلته لكنه كان فى حرب مع الوقت الذى عليه استغلاله جيداً لتقليص مدة إقامته في هذا المكان قدر الإمكان ليرفع فوق ملامحه راية الأسى وهو ينظر نحو علاء
_ انا اسف يا علاء ماكنتش فاكر انك بتتعذب كده، انا مقدر الضغوط اللى بتتعرض لها هنا لكن انت سهل اوى تسيب البلد دى بكل ناسها وأفكارهم الرجعية ، انت انسان وليك حقوق فى الحياة لازم تدافع عنها.
لم يكن علاء يوماً بهذه السذاجة التى تدفع محاولات هاني للنجاح فى مسعاه، يعلم علاء جيدا حقيقته ويعلم أيضاً أنه غير قابل للتغير ربما لم يقم بمحاولات جدية مع زوجته لكن قبل زواجه منها قام بالكثير والكثير من المحاولات الفاشلة لتغير ميوله لذا هو يتمسك بقوة بشخصية مثل هانى متصالح تماما مع حقيقته ولن يعانى مع وخزات ضميره المفاجئة ولن يحاول ابتزازه للسكوت عن علاقتهما.
بادل علاء محاولة هانى بأخرى أكثر حيلة وهو ينظر أرضا متصنعا معاناة تعامل معها فعليا منذ سنوات طويلة ثم تقدم نحو البار بإندفاع مدروس
_ من فضلك يا هانى انا اعصابى مش متحملة كلام
تبعه هانى بلا تفكير ليمسد ظهره برفق حتى غرس أصابعه بين خصلاته
_ خلاص يا حبيبي بلاش كلام شوف يريحك ايه ونعمله سوا
_ ممكن تجيب صودا وتفاح من التلاجة
_ بس كده حاااضر
اتجه هاني للمطبخ ليحصل علاء على كل الوقت الذي يحتاج فيملأ كأسين ويفرغ محتويات قنينة صغيرة فى أحدهما قبل أن يرفع كأسه مرطبا جوفه بالكحول
عاد هانى ليسحب الكأس من كف علاء محاولا إعادة ملئه كما يحب هو ليرفض علاء فوراً
_ اول كاس على طريقتى والباقى كله ليك
ابتسم هانى وهو يتمايل متناولا كأسه ليشربه دفعة واحدة ثم يبدأ إدارة الجلسة كما يظن بينما علاء متمسك بصمته ووعيه أيضاً
لم يمر سوى خمس دقائق لم يمس خلالها كأس علاء شفتيه مرة أخرى وبدأ التشوش يظهر في نظرات هانى الذى توجس مما يخطط له علاء
_ انت حطيت إيه فى الكاس؟
_ ماتقلقش ده منوم انت لازم ترتاح
حاول هانى السير تجاه الباب لكن علاء تمكن منه ليسحبه إلى الغرفة التى أراد أن تشهد مقتل براءة هيثم ، حاول أن يتحرر منه لكنه يفوقه قوة بدنية و وعى لذا بدت محاولاته مضحكة وممتعة بالنسبة لعلاء الذى قيده بذراعيه فقط مشرفا عليه بعلياء زادت من اشتهائه له، رأى صراع هاني للإبقاء على وعيه لتسخر كل ملامحه من محاولته هامسا
_ أهدأ يا حبيبي معانا كل الوقت انت خلاص من اللحظة دى ملكى ومحدش هيقدر ياخدك منى، كنت بتضحك عليا؟ جايب لى عيل تضحك على عقلى بيه لحد ما تهرب وتروح ل ألكس؟
رأى الفزع يعلن عن تواجده ليزيد هانى من محاولته الواهنة والتى كانت الأخيرة وقد أعلن العقار انتصاره وسحب وعيه بالكامل .
ترك ذراعيه يتلمسه بشغف مع هذا الاستسلام المغرى لكن لا بأس يمكنه أن يتخلص من الورطة القابعة بالغرفة الأخرى أولا.
حاول تهدئة انفعالاته قبل أن يغادر الغرفة ورغم يقينه ألا حاجة لغلق الباب اغلقه برفق واتجه إلى حيث ترك الصغير ليجده بنفس الهيئة المرتبكة فيبتسم
_ يلا علشان تروح
تهلل وجه هيثم وهو ينظر إلى يد علاء الممدودة نحوه فيتعلق بها دون أن يحاول النظر للخلف مرة واحدة.
استقلا السيارة ليستخدم علاء هاتفه بحثا عن هذا المطعم الذى ذكره الصغير متمنيا سرعة الوصول إليه فهو بحاجة لكل الوقت المتبقى من هذا اليوم.
.....................
احترق صدر جاد وتفحم قلبه قلقاً لمدة ساعة كاملة يماطله هذا الضابط مدعياً أنه يعجز عن اقتحام مسكن مواطن شريف واتهمامه بإحتجاز الصغير والذى لا ينبغى أن يبدأ البحث عنه قبل مرور أربع وعشرين ساعة من اختفاءه حسب نص القانون.
إلتقط جاد هاتفه الذى يعلن عن مكالمة واردة من أنس فيهرول خارجاً دون أن ينظر نحو الضابط نظرة واحدة .
_ ايوه يا أنس انت شايفه بعينك ؟
_ ايوه يا استاذ جاد قدامى اهو بس اللى جايبه باين عليه من لبسه كده واصل اوى ورافض يسيب هيثم غير لما حضرتك تيجى
_ انا جاى يا انس مسافة الطريق
رأى مؤنس على مقربة من باب القسم ليتجه إليه فوراً مستقلا السيارة
_ بسرعة يا مؤنس هيثم عند المطعم
اسرع مؤنس يقود السيارة وعينيه تتطفل على ملامح جاد والذى من المفترض فقده للبصر لكنه يراه مبصرا ولم يعد يفهم من أمر هذا الشاب سوى أنه غريب الأطوار.
.............
تأفف علاء وهو ينظر نحو الطريق الذى يراقبه هيثم بلهفة منتظرا ظهور ذلك العم ليسلمه لهم ويغادر منهيا هذه الصفحة من حياته
نظر إلى الإتجاه المعاكس مع صرخة هيثم
_ عمو جاد جه، عربية بابا عمو جاااد
اخيرا يمكنه فتح أبواب السيارة مع توقف تلك السيارة بمحاذاته ليترجل عنها شاب كفيف إلتقط هيثم كما يلتقط الرادار السيارات المسرعة ليخفيه بين ذراعيه بفزع متبادل منهما معا.
غادر سيارته يتفحص هذا اللقاء الذي تشع حرارته كشمس الصيف الصباحية التى تتسلل للقلوب وتنشر الدفء بين جنبات الكون ولم يكن له حيلة لنزع نفسه من هذا الدفء الذى لم يصادفه مسبقا ولا يظن أنه سيفعل مستقبلاً.
_ انت كويس ؟ هيثم رد عليا حد أذاك؟
كان يتفحص الصغير الذى يتشبث به بقوة رافضا الكشف عن معاناة الساعات الماضية ليتحدث علاء لأول مرة
_ هو اكيد اتعرض لضغوط بس هيكون كويس لو اخدت بالك منه خليك جمبه هو محتاج وجودك
استقل سيارته مباشرة ليحاول جاد أن يوقفه
_ استنى لو سمحت انت مين وجبت هيثم منين؟
تبدلت كل ملامح علاء لتزول تلك اللمحة الإنسانية التى كللت جبهته منذ قليل ويستعد وجهه شراسة معتادة وهو يجيب بحدة
_ مااحبش انك تفتكر غير أن هيثم رجع ، مين جابه وازاى ماتفكرش فيه لانك مش هتوصل لنتيجة .
تحرك مبتعدا فور عودته لمقعده بالسيارة ليقترب منه أنس
_ انا صورته مش هتصدق ده مين ؟
أعاد جاد لف ذراعيه حول هيثم متمنيا أن يزرعه بصدره ومسلما قيادة خطواته لأنس الذى يعيده للسيارة ومعلنا قبوله التغاضى عن التعرف إلى شخصية علاء
_ مش مهم يا انس المهم هيثم رجع ، روحنى يا مؤنس وبعدين روح هات ام هيثم من المستشفى
زاد تعلق هيثم برقبة جاد الذى بدأت مخاوفه تلوح في الأفق من جديد عن الأذى الذى تعرض له الصغير والذى يؤكده خوفه وتعلقه به.
...............
دخل علاء ليحكم إغلاق الباب ، لم يستخدم الخزانة التى كشف مكانها أمام هانى فى وقت سابق بل اتجه لغرفة المكتب حيث يخفى خزنة تفتح ببصمته فقط فتحها ووضع نسخة المفاتيح التى قدمها لهانى فى الصباح واتجه للغرفة ليجمع كل الأوراق الخاصة بهانى والتى تدل على شخصيته وحمل هاتفه وحاسوبه أيضا ليضع كل هذا فى خزنته ويغلقها معلنا بداية مرحلة جديدة من حياته يحظى فيها برفقة دائمة وفترة جديدة من حياة هانى أيضاً يفقد فيها حقيقته وحقوقه كذلك.
اتجه إلى الغرفة حيث ترك هانى ليحمله للغرفة الرئيسية ، سطحه فوق الفراش محاولا السيطرة على رغبته فيه وهو بهذا السكون متراجعا إلى غرفة الملابس حيث نزع ملابسه الرسمية ونزع معها تلك الشخصية العملية الجادة واستعاد روحه الشغوفة بالحياة خاصة مع فرصته النموذجية المتمثلة في هانى .
وقف أمام الفراش يطالع سكونه ورتابة أنفاسه التى تسببت في إنفراجة صغيرة لشفتيه تدعوه لاقتحام غير مرتبط بتعقل ليقرر أنه يعجز فعلياً عن التماسك مع هذه الهيئة وبما أنه يملك الكثير من الوقت لا بأس من رحلة ممتعة تكن فيها تطلباته هو هى الهدف الوحيد والراحة التامة .
...............
لازال يجلس فوق المقعد وهيثم متعلق بصدره يحاول بثه السكينة التى فقد برفقته لذلك المختل
_ ماتخافش يا هيثم اتكلم يا حبيبي
هز الصغير رأسه رفضا ليتنهد ويزيح خصلات الصغير للخلف مع فتح الباب وركض هبة للداخل يتبعها خاله وأمه
_ هيثم
فر من صدره ليستقر بصدر أمه التى عبر فزعها عن نفسه وهى تحيطه تمطره بزخات من القبل معتذرة عن إفلات كفه مرة وباكية مرة دون أن ينطق الصغير بكلمه واحدة حتى سحبته مرفت
_ خلاص يا بنتى الحمدلله أنه رجع بالسلامة
_ انا مش عارفة اشكرك ازاى يا جاد
_ تشكرينى ايه يا هبة هيثم حتة من قلبى وربنا عالم
ربت عبدالقادر فوق رأس الصغير الذى سحبته أمه مرة أخرى وهى تعتذر منسحبة إلى الغرفة
_ انتو سبتوا مرات خالى لوحدها فى المستشفى ؟
_ انا هرجع لها يا بنى بس لما اطمن عليكم
_ انا جاية معاك يا عبدالقادر واهو جاد موجود مع هبة وهيثم مفيش خوف عليهم
_ خلى بالك يا جاد لسه ابن عمك فى بيته انا كلمت الظابط وقالى بيحاول يستخرج إذن نيابة
_ خليها على الله يا خالى ماتقلقش
_ انا مش فاهمة حاجة
_ انا هفهمك يا مرفت بس فى الطريق علشان مااتأخرش على سندس يمكن تفوق
............
حين خرجت هبة من الغرفة كان جاد وحده يجلس صامتاً
_ بابا وعمتى فين ؟
_ رجعوا المستشفى ، هيثم نام؟
_ ايوه، انا عاوزة افهم كل حاجة من فضلك يا جاد
_ ممكن تقعدى جمبى ؟
لا يعلم فى حقيقة نفسه إن كان قادراً على التحدث إليها مباشرة فى كل تلك النقاط الحساسة التى تدور حولها قصة هانى وترابطها بزوجها الراحل وحقيقة الكره الكامن بصدر أخيها لها ، ربما كونها قريبة منه يشجعه إلى حد ما وربما ظنها أنه لا يراها يمنحها بعض الأريحية بقربه .
جلست بالقرب منه
_ فى إيه يا جاد انا مش صغيرة ومن حقى اعرف إيه اللى بيحصل حواليا
ظل صامتا لحظات يفاضل أثناءها بين الطرق التي يمكنه أن يبدأ بها حديثه لتتغلب طبيعته الجادة والصريحة خاصة أنها هى من يستمع
_ الحقيقة باختصار أن هانى شاذ وكان بيحب ياسر الله يرحمه وحاول معاه كتير وياسر رفضه بعنف واختارك انت وده سبب كره هانى ليك ولياسر
_ شاذ!!
_ هانى أخويا! بيحب ياااسر !!
_ بيحبه!!
_علشان كده زقنى قدام العربية؟
_ كان عاوز يقتلنى
كانت تجاهد لتلتقط أنفاسها بين الكلمات فلم يحتمل قلبه هذا العذاب الذي يراها تصارعه، مد ذراعه بلا تفكير يقربها منه ليتشرب صدره هذا الألم وتدفن تلك الدموع بين أضلعه ، عبرت شهقاتها التى فقدت الأحرف قضبان صدره لتصيب ساكنه الذى لم يعد به موضع لا يتألم بسبب ما يحدث لها ، زادها قربا لتهلك مشاعر الفقد التى طالما استعمرت كيانه ، أرخى رأسه يقترب من أنفاسها المضطربة عازما على انتزاع كل ما تعانيه لينشق السكون الذى أرخى سدائله عن صرخة صادرة عن هيثم انتفض لها قلبيهما معا .
...............
تلفت عبيد حوله يتأكد أن أحدهم لا يتبعه قبل أن يصعد لمكتبه ، جمع كل المال الذى تمكن من الحصول عليه عازما على مغادرة البلاد لقد هدمت زوجته كل مستقبله حتى إن أفلح فى الغدر بجاد ما عاد يفيده التخلص منه ، عاد لسيارته ليفتح الحقيبة بعشوائية وهو لا يظن أن ما جمعه من مال يمكنه من النجاة ألقى بها بجواره وهو يشرد فيما حدث حين أصرت زوجته على معرفة كل ما حدث وما يحدث، لقد حاصرته لفترة ضاقت لها صدره وهو يحاول السيطرة على غضبه لكن فى لحظة أنهار كل تماسكه وهو يمسك رأسها الذى طالما كان سبب تعاسته ويضربه بالجدار عدة مرات تزامنت مع صرخات معتادة منها قبل أن تصمت الصرخات ويرتخى جسدها ليرتطم بالأرض وهو ينظر لها بفزع
هى دفعته لذلك، هى تسببت في ذلك.
قاد سيارته فعليه أن يحصل على المزيد من المال والباب الوحيد أمامه هو منزل جاد يمكنه أن يحصل بالتهديد على مبلغ كبير فعجز جاد سيكون حليفه للنجاة.
وصل أمام الباب ليتأكد من خلو الشارع من المتطفلين أخرج من جيبه سلاحا أبيض يساعده في كسر باب الشقة وترجل منطلقا للداخل، ارتقى الدرج ركضا حتى وصل لباب الشقة وما إن هم بمحاولة فتحه سمع ضجيج الخطوات المهرولة نحوه تلفت بفزع ليجد نفسه فى مصيدة أحكمت له مسبقاً.
...............
وقفا بباب الغرفة ولازال هيثم يصرخ لتهرع نحوه
_ مالك يا هيثم؟ جرى إيه يا حبيبي ؟
ضمته لكن الغريب أن الصغير دفعها عنه صارخاً
_ انا عاوز عمو جاد
وانطلق ليستقر بصدر رحب محيطا رقبة عمه بما أسرى مخاوفه لكنه اعتمد على كونها لا ترى عينيه ليدور على عقبيه
_ خليه معايا ماتخافيش عليه وهنكمل كلامنا لما ينام
_ جاد
توقفت خطواته لتهرول نحوه وكم يتمنى أن يفتح ذراعيه فيستقبل هذا الاندفاع منها فيدمجه طمعا في نيل مذاق روعتها لكنه حالياً لا يمكنه أن يحرك ذراعيه لوهلة بعيداً عن الصغير.
_ خد بالك منه
لا يدرى هل ما تقوله موجه له ام لها عبره لكنه تحرك نحو غرفته بسلاسة حتى اغلق بابه دونه .
وضع هيثم بفراشه ليبعده برفق عازما على فك شفرة ارتعابه التى تحبسه دونهم
_ هيثم لازم تحكى لى خالوا هانى عمل معاك إيه ؟
اقترب هيثم يعانقه مرة اخرى ودفن وجهه بصدره ليتنهد
_ طيب انا هسألك وانت جاوب اه أو لا ماشى ؟؟
هز الصغير رأسه ليتساءل
_ خالوا هانى لمس جسمك؟
شعر بإيمائة مترددة آلمت قلبه ليتابع
_ قلعك هدومك؟
إيمائة أخرى تؤيد مخاوفه
_ عمل حاجة وجعتك؟
هزة نفى أحيت بعض السكينة ليتابع
_ خوفك ؟
إيمائة جديدة مهدت له طريقه
_ عمو اللى جابك كان معاه؟ عمل لك حاجة ؟
أخيرا ابتعد الصغير عن صدره مستعيدا قدرته على التواصل
_ لا عمو ده طيب هو رجعنى عندكم وماسمعش كلام خالو هانى
_ وايه هو كلام خالو؟
اضطراب طفيف زار الشفة السفلى لفم الصغير ينبئ بنوبة من البكاء تخيم على اجوائه تصنع جاد عدم رؤيتها
_ قول يا هيثم ماتخافش انت معايا ومفيش حد أبدا هيقدر يقرب منك تانى
انفرجت انفاس هيثم عن كلمات متعثرة رسمت له صورة عن مدى الاختلال الذى وصل إليه هانى لكنه لم يبعد الصغير ولم يلمه أو يوبخه بل ظل يؤكد له أنه يدعمه ويحميه حتى عاد الهدوء يكلل ملامحه معلنا انسحاب وعيه لعالم الأحلام.
...............
جلست فى فراشها تبكى ، لم تتخيل يوما أن هيثم قد يرفض ضمتها له، هى اخطأت حين تركته يتعرض لهذا الموقف العصيب الذى لا تدرى كيف مرره شذوذ هانى.
ترى كيف قضى صغيرها الوقت بصحبته وهو يكن لها كل هذه الكراهية؟
بل كيف قضى هانى الوقت مع هيثم الذى يشبه كثيراً ملامح أبيه التى كان يعشق؟؟
انتفض قلبها فزعا ليزيد انخراطها فى البكاء ودون أن تشعر بتسلل النوم اقتحم عينيها وأعلن سيطرته على حواسها.
رأت ياسر يجلس بنفس الهيئة كما تراه منذ رحل ، وجهه تكلله الهموم وقسماته غابت بشاشتها التى تعشق
_ ياسر انت زعلان مني ؟
رفع عينيه ينظر نحوها لتعتصر نظراته الحزينة قلبها
_ انا موجوع اوى يا بيبة
هرولت إلى صدره حيث فتح ذراعيه مستقبلا اندفاعها نحوه قبل أن يحيطها بدفء تتمنى ألا تفقده مرة أخرى .
ضمته الدافئة، ذراعيه بكل الحنو الذى يحملان فى إحاطتها، أنفاسه التى تبعث الحياة بين ثناياها ثم همسته الراجية والتى تتمنى أن تحياها مجدداً
_ فتحى يا هبة، فتحى علشان خاطري.
................
احتراقه وغضبه أصبحا فوق قدرته على التحمل، طالما كان يتحمل كل معاناته وحده لكن منذ امتد جسر يصل بقلبه إليها أصبح يتمنى أن يلقى كل همومه فوق مراسى عطفها الذى يصبو إليه ، أصبح من الصعب التحمل دون أن يستمد قوته منها.
طالما كانت قوته لأجلها فما الذى يعجزه عن التحمل؟
تأكد من نوم الصغير ليغادر الغرفة بهدوء دون أن يغلق الباب، اتجه إلى غرفتها، طرق الباب فلم يجد إجابة.
راودته نفسه فتبعها للداخل، كانت فوق الفراش غافية ودموعها لازالت ترسم مجاريها فوق قسماتها المنهكة والتى أصبحت رؤية نضارتها أمنية غالية على قلبه.
تقدم ليرفعها قليلا ثم يضمها لصدره، هذا الدفء الذى يتأوه قلبه لتذوقه يتمنى ألا يفقده أبدا، بدأت أنفاسه تثور محصية هذا الألم عله ينزعه عنها، شعر بأنفاسها التى تصاعدت ليرتقى الفراش بلهفة راجياً أن يحصل على وعيها كاملاً لتكن سعادته كاملة فى هذه اللحظة، لم يكن يتخيل سرعة استجابة وعيها لهمسته الراجية لكنها بالفعل فتحت عينيها ليعجز عن النظر إليها فيتابع حصد قسماتها مستجيبا بكيانه كاملاً مع ضمته لها لتلقى به خارج نشوته وهى تنفضه عنها فزعة
_ جاد انت بتعمل ايه؟ انت اتجننت!! فين ياسر؟! ياسر كان هنا راح فين؟
انتفضت عن الفراش تتخبط بين الجدران بينما جلس وعينيه تراقبها بقلب مشتعل متخبطا أيضا بين جنبات نفسه
لم تكن تستجيب له،
ظنته ياسر ،
لم تستجب له!!
انتفض ممسكاً بذراعها مغمضا عينيه عله يخفى احتراقه وربما يرفض عقله رؤية هذا الرفض منها
_ ياسر!!
_ ايوه ياسر ، ياسر جوزى كان معايا دلوقتي
_ انا جوزك وأنا اللى كنت معاكى
هزت رأسها رفضا وعاد البكاء يسيطر عليها جاذبا وعيها إلى حافة الانهيار
_ لا انت جاد، انا عاوزة ياسر، ياسر قالى انك هتخلى بالك منى، انت اخويا يا جاد عمرك ما هتكون مكان ياسر
ضربات موجعة أيسر صدره الذى يدعوه لفرض الواقع عليها لتتأكد أنه هو زوجها ، صخب شديد وصراخ يكاد يصم أذنيه ليقرر أنه سيصم أذنيه.
انتفض علاء متجها نحو هانى الذى بدأ تصوير مقطعه المزعوم ليسحب منه الهاتف بحدة أربكت هانى واتبع سحبه بالتراجع فورا وقد تملكه الغضب
_ انت اتجننت رسمى، فاكرنى إيه ؟ انا عارف انى مشوه بس مش شيطان يا هاني، انا عايش في بيتى ولد مش ابنى وعارف وساكت لأن مالوش ذنب ارميه فى الشارع ولا فى ملجأ ، عارف انى مش أبوه وراضى يشيل أسمى ويورثنى علشان أحافظ له على حياة شبه طبيعية تقوم انت جايب لى ابن اختك بايدك وعاوزنى احوله مسخ زيى؟
_ مسخ ؟! انت شايف نفسك مسخ؟ شايف نفسك مشوه ليه ؟ انت من حقك تختار الميول اللى تريحك وتعيشك راضى
_ واخترت، عارف انى اخترت غلط بس خلاص بعد ما بقا بيمشى فى دمى ، انت فاكرنى مبسوط وانا بسرق متعتى اللى رافضها كل الناس، فاكرنى برتاح وانا بستخبى من الناس ومن أهلى علشان اعمل علاقة مع واحد فى الغالب عاوز يستغلنى، فاكرنى راضى وانا مش قادر اكون مع مراتى غير مجبر بمنشط ؟ انا مش مبسوط يا هاني بس مااقدرش ارجع طبيعى لانى زى ما انت قولت انا اللى اخترت
تراجع تجاه الباب ليتوقف قبل أن يعبره للخارج متابعا
_ عمرك ماهتقدر تحس احساسى وانا داخل بيتى ومراتى لسه حضنها فيه نفس راجل غيرى، انا مااخترتش غير السهل قدامى لانى ماكنتش اعرف ان التمن هيكون كبير اوى كده
ظل هانى مكانه بعد مغادرة علاء للغرفة لا يصدق أن رجل بمكانة علاء وقدراته يمكن أن يكون بمثل هذه الهشاشة التى يرى، لابد أنها ضغوط المجتمع ومعتقدات الناس ما أثرت فى عقله بهذا الشكل ليرى نفسه بهذا القدر من الحقارة ، هو لا يهتم كثيراً لأمر علاء مادام زاهداً فى هيثم فلا بأس يمكنه أن يحتفظ ببراءة الصغير حتى يهبه كاملا لشريكه ألكس وهو يعلم جيداً أن ألكس سيكون معلما جيداً لهيثم وسيلقنه بكل شراسة ما يتمنى هانى أن يمر به الصغير .
عليه أن يكون أسرع من الجميع ، الليلة سيتواصل مع من سيساعده لمغادرة البلاد فهو ليس غبيا ليفهم أن علاء بدأ يتشكك فى نواياه ولقد وصل بحصوله على هيثم لكامل انتقامه ولن يجازف بخسارة مكاسبه .
................
ادخل الصغير لغرفة النوم الرئيسية ليضعه أرضا ويدور حول نفسه
_ تعرف اللبس اللى قلعته فين؟
أشار الصغير نحو الحمام ليقتحمه علاء ويعود بملابس الصغير التى إلتقطها من سلة المهملات لكنه لا يملك بديلاً فقدمها له
_ غير لبسك وخليك هنا ماتتحركش انا بعد شوية هرجع لك
_ عمو انا عارف اسم المطعم بتاع عمو جاد
جثى على أمام الصغير مشجعا
_ اسمه مطعم أهل العز انا كنت بروح معاه والعب مع عمو انس
_ برافو عليك غير لبسك وانا هرجعك لعمك بعد شوية بس ماتخرجش من الاوضة ماشى
ربما أراد الصغير أن يبتسم لكن فزعه لم يسمح بذلك وتغاضى هو عن ذلك وهو يفتح أحد الادراج يلتقط شيئا ثم يغلق الباب مغادرا لقد سهل عليه هذا الصغير الأمر فبدلاً من محاولة الحصول على معلومات حول أهل الصغير من هاتف هانى فسيمكنه ببساطة إعادته واستغلال كل الوقت الذي يملكه لاحقاً.
..............
خرج هاني من الغرفة ليجد نفسه أمام علاء الذى اغلق الباب مخفيا هيثم بالداخل ، تهكم هاني داخلياً من فعلته لكنه كان فى حرب مع الوقت الذى عليه استغلاله جيداً لتقليص مدة إقامته في هذا المكان قدر الإمكان ليرفع فوق ملامحه راية الأسى وهو ينظر نحو علاء
_ انا اسف يا علاء ماكنتش فاكر انك بتتعذب كده، انا مقدر الضغوط اللى بتتعرض لها هنا لكن انت سهل اوى تسيب البلد دى بكل ناسها وأفكارهم الرجعية ، انت انسان وليك حقوق فى الحياة لازم تدافع عنها.
لم يكن علاء يوماً بهذه السذاجة التى تدفع محاولات هاني للنجاح فى مسعاه، يعلم علاء جيدا حقيقته ويعلم أيضاً أنه غير قابل للتغير ربما لم يقم بمحاولات جدية مع زوجته لكن قبل زواجه منها قام بالكثير والكثير من المحاولات الفاشلة لتغير ميوله لذا هو يتمسك بقوة بشخصية مثل هانى متصالح تماما مع حقيقته ولن يعانى مع وخزات ضميره المفاجئة ولن يحاول ابتزازه للسكوت عن علاقتهما.
بادل علاء محاولة هانى بأخرى أكثر حيلة وهو ينظر أرضا متصنعا معاناة تعامل معها فعليا منذ سنوات طويلة ثم تقدم نحو البار بإندفاع مدروس
_ من فضلك يا هانى انا اعصابى مش متحملة كلام
تبعه هانى بلا تفكير ليمسد ظهره برفق حتى غرس أصابعه بين خصلاته
_ خلاص يا حبيبي بلاش كلام شوف يريحك ايه ونعمله سوا
_ ممكن تجيب صودا وتفاح من التلاجة
_ بس كده حاااضر
اتجه هاني للمطبخ ليحصل علاء على كل الوقت الذي يحتاج فيملأ كأسين ويفرغ محتويات قنينة صغيرة فى أحدهما قبل أن يرفع كأسه مرطبا جوفه بالكحول
عاد هانى ليسحب الكأس من كف علاء محاولا إعادة ملئه كما يحب هو ليرفض علاء فوراً
_ اول كاس على طريقتى والباقى كله ليك
ابتسم هانى وهو يتمايل متناولا كأسه ليشربه دفعة واحدة ثم يبدأ إدارة الجلسة كما يظن بينما علاء متمسك بصمته ووعيه أيضاً
لم يمر سوى خمس دقائق لم يمس خلالها كأس علاء شفتيه مرة أخرى وبدأ التشوش يظهر في نظرات هانى الذى توجس مما يخطط له علاء
_ انت حطيت إيه فى الكاس؟
_ ماتقلقش ده منوم انت لازم ترتاح
حاول هانى السير تجاه الباب لكن علاء تمكن منه ليسحبه إلى الغرفة التى أراد أن تشهد مقتل براءة هيثم ، حاول أن يتحرر منه لكنه يفوقه قوة بدنية و وعى لذا بدت محاولاته مضحكة وممتعة بالنسبة لعلاء الذى قيده بذراعيه فقط مشرفا عليه بعلياء زادت من اشتهائه له، رأى صراع هاني للإبقاء على وعيه لتسخر كل ملامحه من محاولته هامسا
_ أهدأ يا حبيبي معانا كل الوقت انت خلاص من اللحظة دى ملكى ومحدش هيقدر ياخدك منى، كنت بتضحك عليا؟ جايب لى عيل تضحك على عقلى بيه لحد ما تهرب وتروح ل ألكس؟
رأى الفزع يعلن عن تواجده ليزيد هانى من محاولته الواهنة والتى كانت الأخيرة وقد أعلن العقار انتصاره وسحب وعيه بالكامل .
ترك ذراعيه يتلمسه بشغف مع هذا الاستسلام المغرى لكن لا بأس يمكنه أن يتخلص من الورطة القابعة بالغرفة الأخرى أولا.
حاول تهدئة انفعالاته قبل أن يغادر الغرفة ورغم يقينه ألا حاجة لغلق الباب اغلقه برفق واتجه إلى حيث ترك الصغير ليجده بنفس الهيئة المرتبكة فيبتسم
_ يلا علشان تروح
تهلل وجه هيثم وهو ينظر إلى يد علاء الممدودة نحوه فيتعلق بها دون أن يحاول النظر للخلف مرة واحدة.
استقلا السيارة ليستخدم علاء هاتفه بحثا عن هذا المطعم الذى ذكره الصغير متمنيا سرعة الوصول إليه فهو بحاجة لكل الوقت المتبقى من هذا اليوم.
.....................
احترق صدر جاد وتفحم قلبه قلقاً لمدة ساعة كاملة يماطله هذا الضابط مدعياً أنه يعجز عن اقتحام مسكن مواطن شريف واتهمامه بإحتجاز الصغير والذى لا ينبغى أن يبدأ البحث عنه قبل مرور أربع وعشرين ساعة من اختفاءه حسب نص القانون.
إلتقط جاد هاتفه الذى يعلن عن مكالمة واردة من أنس فيهرول خارجاً دون أن ينظر نحو الضابط نظرة واحدة .
_ ايوه يا أنس انت شايفه بعينك ؟
_ ايوه يا استاذ جاد قدامى اهو بس اللى جايبه باين عليه من لبسه كده واصل اوى ورافض يسيب هيثم غير لما حضرتك تيجى
_ انا جاى يا انس مسافة الطريق
رأى مؤنس على مقربة من باب القسم ليتجه إليه فوراً مستقلا السيارة
_ بسرعة يا مؤنس هيثم عند المطعم
اسرع مؤنس يقود السيارة وعينيه تتطفل على ملامح جاد والذى من المفترض فقده للبصر لكنه يراه مبصرا ولم يعد يفهم من أمر هذا الشاب سوى أنه غريب الأطوار.
.............
تأفف علاء وهو ينظر نحو الطريق الذى يراقبه هيثم بلهفة منتظرا ظهور ذلك العم ليسلمه لهم ويغادر منهيا هذه الصفحة من حياته
نظر إلى الإتجاه المعاكس مع صرخة هيثم
_ عمو جاد جه، عربية بابا عمو جاااد
اخيرا يمكنه فتح أبواب السيارة مع توقف تلك السيارة بمحاذاته ليترجل عنها شاب كفيف إلتقط هيثم كما يلتقط الرادار السيارات المسرعة ليخفيه بين ذراعيه بفزع متبادل منهما معا.
غادر سيارته يتفحص هذا اللقاء الذي تشع حرارته كشمس الصيف الصباحية التى تتسلل للقلوب وتنشر الدفء بين جنبات الكون ولم يكن له حيلة لنزع نفسه من هذا الدفء الذى لم يصادفه مسبقا ولا يظن أنه سيفعل مستقبلاً.
_ انت كويس ؟ هيثم رد عليا حد أذاك؟
كان يتفحص الصغير الذى يتشبث به بقوة رافضا الكشف عن معاناة الساعات الماضية ليتحدث علاء لأول مرة
_ هو اكيد اتعرض لضغوط بس هيكون كويس لو اخدت بالك منه خليك جمبه هو محتاج وجودك
استقل سيارته مباشرة ليحاول جاد أن يوقفه
_ استنى لو سمحت انت مين وجبت هيثم منين؟
تبدلت كل ملامح علاء لتزول تلك اللمحة الإنسانية التى كللت جبهته منذ قليل ويستعد وجهه شراسة معتادة وهو يجيب بحدة
_ مااحبش انك تفتكر غير أن هيثم رجع ، مين جابه وازاى ماتفكرش فيه لانك مش هتوصل لنتيجة .
تحرك مبتعدا فور عودته لمقعده بالسيارة ليقترب منه أنس
_ انا صورته مش هتصدق ده مين ؟
أعاد جاد لف ذراعيه حول هيثم متمنيا أن يزرعه بصدره ومسلما قيادة خطواته لأنس الذى يعيده للسيارة ومعلنا قبوله التغاضى عن التعرف إلى شخصية علاء
_ مش مهم يا انس المهم هيثم رجع ، روحنى يا مؤنس وبعدين روح هات ام هيثم من المستشفى
زاد تعلق هيثم برقبة جاد الذى بدأت مخاوفه تلوح في الأفق من جديد عن الأذى الذى تعرض له الصغير والذى يؤكده خوفه وتعلقه به.
...............
دخل علاء ليحكم إغلاق الباب ، لم يستخدم الخزانة التى كشف مكانها أمام هانى فى وقت سابق بل اتجه لغرفة المكتب حيث يخفى خزنة تفتح ببصمته فقط فتحها ووضع نسخة المفاتيح التى قدمها لهانى فى الصباح واتجه للغرفة ليجمع كل الأوراق الخاصة بهانى والتى تدل على شخصيته وحمل هاتفه وحاسوبه أيضا ليضع كل هذا فى خزنته ويغلقها معلنا بداية مرحلة جديدة من حياته يحظى فيها برفقة دائمة وفترة جديدة من حياة هانى أيضاً يفقد فيها حقيقته وحقوقه كذلك.
اتجه إلى الغرفة حيث ترك هانى ليحمله للغرفة الرئيسية ، سطحه فوق الفراش محاولا السيطرة على رغبته فيه وهو بهذا السكون متراجعا إلى غرفة الملابس حيث نزع ملابسه الرسمية ونزع معها تلك الشخصية العملية الجادة واستعاد روحه الشغوفة بالحياة خاصة مع فرصته النموذجية المتمثلة في هانى .
وقف أمام الفراش يطالع سكونه ورتابة أنفاسه التى تسببت في إنفراجة صغيرة لشفتيه تدعوه لاقتحام غير مرتبط بتعقل ليقرر أنه يعجز فعلياً عن التماسك مع هذه الهيئة وبما أنه يملك الكثير من الوقت لا بأس من رحلة ممتعة تكن فيها تطلباته هو هى الهدف الوحيد والراحة التامة .
...............
لازال يجلس فوق المقعد وهيثم متعلق بصدره يحاول بثه السكينة التى فقد برفقته لذلك المختل
_ ماتخافش يا هيثم اتكلم يا حبيبي
هز الصغير رأسه رفضا ليتنهد ويزيح خصلات الصغير للخلف مع فتح الباب وركض هبة للداخل يتبعها خاله وأمه
_ هيثم
فر من صدره ليستقر بصدر أمه التى عبر فزعها عن نفسه وهى تحيطه تمطره بزخات من القبل معتذرة عن إفلات كفه مرة وباكية مرة دون أن ينطق الصغير بكلمه واحدة حتى سحبته مرفت
_ خلاص يا بنتى الحمدلله أنه رجع بالسلامة
_ انا مش عارفة اشكرك ازاى يا جاد
_ تشكرينى ايه يا هبة هيثم حتة من قلبى وربنا عالم
ربت عبدالقادر فوق رأس الصغير الذى سحبته أمه مرة أخرى وهى تعتذر منسحبة إلى الغرفة
_ انتو سبتوا مرات خالى لوحدها فى المستشفى ؟
_ انا هرجع لها يا بنى بس لما اطمن عليكم
_ انا جاية معاك يا عبدالقادر واهو جاد موجود مع هبة وهيثم مفيش خوف عليهم
_ خلى بالك يا جاد لسه ابن عمك فى بيته انا كلمت الظابط وقالى بيحاول يستخرج إذن نيابة
_ خليها على الله يا خالى ماتقلقش
_ انا مش فاهمة حاجة
_ انا هفهمك يا مرفت بس فى الطريق علشان مااتأخرش على سندس يمكن تفوق
............
حين خرجت هبة من الغرفة كان جاد وحده يجلس صامتاً
_ بابا وعمتى فين ؟
_ رجعوا المستشفى ، هيثم نام؟
_ ايوه، انا عاوزة افهم كل حاجة من فضلك يا جاد
_ ممكن تقعدى جمبى ؟
لا يعلم فى حقيقة نفسه إن كان قادراً على التحدث إليها مباشرة فى كل تلك النقاط الحساسة التى تدور حولها قصة هانى وترابطها بزوجها الراحل وحقيقة الكره الكامن بصدر أخيها لها ، ربما كونها قريبة منه يشجعه إلى حد ما وربما ظنها أنه لا يراها يمنحها بعض الأريحية بقربه .
جلست بالقرب منه
_ فى إيه يا جاد انا مش صغيرة ومن حقى اعرف إيه اللى بيحصل حواليا
ظل صامتا لحظات يفاضل أثناءها بين الطرق التي يمكنه أن يبدأ بها حديثه لتتغلب طبيعته الجادة والصريحة خاصة أنها هى من يستمع
_ الحقيقة باختصار أن هانى شاذ وكان بيحب ياسر الله يرحمه وحاول معاه كتير وياسر رفضه بعنف واختارك انت وده سبب كره هانى ليك ولياسر
_ شاذ!!
_ هانى أخويا! بيحب ياااسر !!
_ بيحبه!!
_علشان كده زقنى قدام العربية؟
_ كان عاوز يقتلنى
كانت تجاهد لتلتقط أنفاسها بين الكلمات فلم يحتمل قلبه هذا العذاب الذي يراها تصارعه، مد ذراعه بلا تفكير يقربها منه ليتشرب صدره هذا الألم وتدفن تلك الدموع بين أضلعه ، عبرت شهقاتها التى فقدت الأحرف قضبان صدره لتصيب ساكنه الذى لم يعد به موضع لا يتألم بسبب ما يحدث لها ، زادها قربا لتهلك مشاعر الفقد التى طالما استعمرت كيانه ، أرخى رأسه يقترب من أنفاسها المضطربة عازما على انتزاع كل ما تعانيه لينشق السكون الذى أرخى سدائله عن صرخة صادرة عن هيثم انتفض لها قلبيهما معا .
...............
تلفت عبيد حوله يتأكد أن أحدهم لا يتبعه قبل أن يصعد لمكتبه ، جمع كل المال الذى تمكن من الحصول عليه عازما على مغادرة البلاد لقد هدمت زوجته كل مستقبله حتى إن أفلح فى الغدر بجاد ما عاد يفيده التخلص منه ، عاد لسيارته ليفتح الحقيبة بعشوائية وهو لا يظن أن ما جمعه من مال يمكنه من النجاة ألقى بها بجواره وهو يشرد فيما حدث حين أصرت زوجته على معرفة كل ما حدث وما يحدث، لقد حاصرته لفترة ضاقت لها صدره وهو يحاول السيطرة على غضبه لكن فى لحظة أنهار كل تماسكه وهو يمسك رأسها الذى طالما كان سبب تعاسته ويضربه بالجدار عدة مرات تزامنت مع صرخات معتادة منها قبل أن تصمت الصرخات ويرتخى جسدها ليرتطم بالأرض وهو ينظر لها بفزع
هى دفعته لذلك، هى تسببت في ذلك.
قاد سيارته فعليه أن يحصل على المزيد من المال والباب الوحيد أمامه هو منزل جاد يمكنه أن يحصل بالتهديد على مبلغ كبير فعجز جاد سيكون حليفه للنجاة.
وصل أمام الباب ليتأكد من خلو الشارع من المتطفلين أخرج من جيبه سلاحا أبيض يساعده في كسر باب الشقة وترجل منطلقا للداخل، ارتقى الدرج ركضا حتى وصل لباب الشقة وما إن هم بمحاولة فتحه سمع ضجيج الخطوات المهرولة نحوه تلفت بفزع ليجد نفسه فى مصيدة أحكمت له مسبقاً.
...............
وقفا بباب الغرفة ولازال هيثم يصرخ لتهرع نحوه
_ مالك يا هيثم؟ جرى إيه يا حبيبي ؟
ضمته لكن الغريب أن الصغير دفعها عنه صارخاً
_ انا عاوز عمو جاد
وانطلق ليستقر بصدر رحب محيطا رقبة عمه بما أسرى مخاوفه لكنه اعتمد على كونها لا ترى عينيه ليدور على عقبيه
_ خليه معايا ماتخافيش عليه وهنكمل كلامنا لما ينام
_ جاد
توقفت خطواته لتهرول نحوه وكم يتمنى أن يفتح ذراعيه فيستقبل هذا الاندفاع منها فيدمجه طمعا في نيل مذاق روعتها لكنه حالياً لا يمكنه أن يحرك ذراعيه لوهلة بعيداً عن الصغير.
_ خد بالك منه
لا يدرى هل ما تقوله موجه له ام لها عبره لكنه تحرك نحو غرفته بسلاسة حتى اغلق بابه دونه .
وضع هيثم بفراشه ليبعده برفق عازما على فك شفرة ارتعابه التى تحبسه دونهم
_ هيثم لازم تحكى لى خالوا هانى عمل معاك إيه ؟
اقترب هيثم يعانقه مرة اخرى ودفن وجهه بصدره ليتنهد
_ طيب انا هسألك وانت جاوب اه أو لا ماشى ؟؟
هز الصغير رأسه ليتساءل
_ خالوا هانى لمس جسمك؟
شعر بإيمائة مترددة آلمت قلبه ليتابع
_ قلعك هدومك؟
إيمائة أخرى تؤيد مخاوفه
_ عمل حاجة وجعتك؟
هزة نفى أحيت بعض السكينة ليتابع
_ خوفك ؟
إيمائة جديدة مهدت له طريقه
_ عمو اللى جابك كان معاه؟ عمل لك حاجة ؟
أخيرا ابتعد الصغير عن صدره مستعيدا قدرته على التواصل
_ لا عمو ده طيب هو رجعنى عندكم وماسمعش كلام خالو هانى
_ وايه هو كلام خالو؟
اضطراب طفيف زار الشفة السفلى لفم الصغير ينبئ بنوبة من البكاء تخيم على اجوائه تصنع جاد عدم رؤيتها
_ قول يا هيثم ماتخافش انت معايا ومفيش حد أبدا هيقدر يقرب منك تانى
انفرجت انفاس هيثم عن كلمات متعثرة رسمت له صورة عن مدى الاختلال الذى وصل إليه هانى لكنه لم يبعد الصغير ولم يلمه أو يوبخه بل ظل يؤكد له أنه يدعمه ويحميه حتى عاد الهدوء يكلل ملامحه معلنا انسحاب وعيه لعالم الأحلام.
...............
جلست فى فراشها تبكى ، لم تتخيل يوما أن هيثم قد يرفض ضمتها له، هى اخطأت حين تركته يتعرض لهذا الموقف العصيب الذى لا تدرى كيف مرره شذوذ هانى.
ترى كيف قضى صغيرها الوقت بصحبته وهو يكن لها كل هذه الكراهية؟
بل كيف قضى هانى الوقت مع هيثم الذى يشبه كثيراً ملامح أبيه التى كان يعشق؟؟
انتفض قلبها فزعا ليزيد انخراطها فى البكاء ودون أن تشعر بتسلل النوم اقتحم عينيها وأعلن سيطرته على حواسها.
رأت ياسر يجلس بنفس الهيئة كما تراه منذ رحل ، وجهه تكلله الهموم وقسماته غابت بشاشتها التى تعشق
_ ياسر انت زعلان مني ؟
رفع عينيه ينظر نحوها لتعتصر نظراته الحزينة قلبها
_ انا موجوع اوى يا بيبة
هرولت إلى صدره حيث فتح ذراعيه مستقبلا اندفاعها نحوه قبل أن يحيطها بدفء تتمنى ألا تفقده مرة أخرى .
ضمته الدافئة، ذراعيه بكل الحنو الذى يحملان فى إحاطتها، أنفاسه التى تبعث الحياة بين ثناياها ثم همسته الراجية والتى تتمنى أن تحياها مجدداً
_ فتحى يا هبة، فتحى علشان خاطري.
................
احتراقه وغضبه أصبحا فوق قدرته على التحمل، طالما كان يتحمل كل معاناته وحده لكن منذ امتد جسر يصل بقلبه إليها أصبح يتمنى أن يلقى كل همومه فوق مراسى عطفها الذى يصبو إليه ، أصبح من الصعب التحمل دون أن يستمد قوته منها.
طالما كانت قوته لأجلها فما الذى يعجزه عن التحمل؟
تأكد من نوم الصغير ليغادر الغرفة بهدوء دون أن يغلق الباب، اتجه إلى غرفتها، طرق الباب فلم يجد إجابة.
راودته نفسه فتبعها للداخل، كانت فوق الفراش غافية ودموعها لازالت ترسم مجاريها فوق قسماتها المنهكة والتى أصبحت رؤية نضارتها أمنية غالية على قلبه.
تقدم ليرفعها قليلا ثم يضمها لصدره، هذا الدفء الذى يتأوه قلبه لتذوقه يتمنى ألا يفقده أبدا، بدأت أنفاسه تثور محصية هذا الألم عله ينزعه عنها، شعر بأنفاسها التى تصاعدت ليرتقى الفراش بلهفة راجياً أن يحصل على وعيها كاملاً لتكن سعادته كاملة فى هذه اللحظة، لم يكن يتخيل سرعة استجابة وعيها لهمسته الراجية لكنها بالفعل فتحت عينيها ليعجز عن النظر إليها فيتابع حصد قسماتها مستجيبا بكيانه كاملاً مع ضمته لها لتلقى به خارج نشوته وهى تنفضه عنها فزعة
_ جاد انت بتعمل ايه؟ انت اتجننت!! فين ياسر؟! ياسر كان هنا راح فين؟
انتفضت عن الفراش تتخبط بين الجدران بينما جلس وعينيه تراقبها بقلب مشتعل متخبطا أيضا بين جنبات نفسه
لم تكن تستجيب له،
ظنته ياسر ،
لم تستجب له!!
انتفض ممسكاً بذراعها مغمضا عينيه عله يخفى احتراقه وربما يرفض عقله رؤية هذا الرفض منها
_ ياسر!!
_ ايوه ياسر ، ياسر جوزى كان معايا دلوقتي
_ انا جوزك وأنا اللى كنت معاكى
هزت رأسها رفضا وعاد البكاء يسيطر عليها جاذبا وعيها إلى حافة الانهيار
_ لا انت جاد، انا عاوزة ياسر، ياسر قالى انك هتخلى بالك منى، انت اخويا يا جاد عمرك ما هتكون مكان ياسر
ضربات موجعة أيسر صدره الذى يدعوه لفرض الواقع عليها لتتأكد أنه هو زوجها ، صخب شديد وصراخ يكاد يصم أذنيه ليقرر أنه سيصم أذنيه.
