رواية عديل الروح الفصل التاسع عشر 19 بقلم الكاتبة ام حمدة
الفصل التاسع عشر - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
**********
نادى به التاريخ عبر الزمن، وشيدت مقابر تشهد من أجله العصور.
هذا صار مجنون من أجلها..
وذاك قاد جيش من أجلها...
وغيره فنى نفسه من أجلها.
أيا عشق...
أهكذا تفعل بقلوب أحبت وسقطت بمحراب حرفين لتهوى صريعة هواه؟
أصبتنا بسهام الحب، ليخترق فؤادا ضخ بلونه الأحمر القاني، وعاث بنصله فسادا.
سعينا خلفه بجنون الهوى، ليعشعش بقلب نبض وهمس بمحراب الحب خر صاعقا.
هذا جننته ليلى..
والآخر أتعبته عبلة..
وذاك نادى بجيوشه من أجل هيلينا...
رسمت صورتك بأحلى الألوان، لنخوض غمارك بعيون مغلقة
وقلوب تنادي بسعادة أبدية.
أيا حب..
لما لم تخبرنا بوجهك الآخر؟؟..
أحرقت خافقنا، وأنخت كبرياءنا، وسحقت عقولنا.
خدعتنا بلونك القرمزي.
فمن قال أن السعادة ترمز لهذا اللون....
فهو مخطئ!!
فهو إن دل إلا لانسكاب قلوب احترقت بنار العشق وتلظت بجمر الهجر.
فناخت له الجبابرة...
فلا حياة من بعد ما ذاق وارتوى من بحور الحب سوى أن يرتضي بما قدر له.
( سلطان )
يقود سيارته وجنون الليل قد خرج ينادي به ويسحبه ليغوص مع شياطينه.
بدل سرعة السيارة بيد قدت من حديد كادت أن تكسره، وداست قدماه على دواسة البنزين وكلماتها تطرق مسامعه وتزيده تهورا ليصبح خارج عن السيطرة.
عجلات سيارته تحرق الإسفلت تحته، وعقله يحترق بنار الرغبة بالقتل، وعينه لم ترى سوى لون دم يستحق أن ينسكب.
ضغط من جديد لتزيد سرعته وأصبحت سيارته كما الصاروخ تطير به لوجهته المطلوبة، ليصل لغايته بدقائق معدودة لكن بالنسبة له كانت كالدهر.
أوقف السيارة ليصدر صريرا مرتفعا من ضغطه للمكابح بقوة لتدور حول نفسها عدة دورات ثم تتوقف مخلفة خلفها بصمة إطارات باللون الأسود كما قلبه المشتعل بغضب أسود سيحرق صاحبه، ودخان أبيض كثيف محمل برائحة كريهة كما رائحة الخيانة التي طعنته بالظهر.
ترجل من سيارته بجسده الضخم يخيل للشاهد بأنه يرى عملاقا أمامه فقد ازداد حجمه أضعافا مضاعفة بسبب أعصابه الثائرة وانتفاخه كما ينفخ الديك ريشه عندما يوشك على دخول معركة حامية الوطيس، فقد كان كالمرجل الحار يستعد للانفجار وينتظر الوقت المناسب لثوراته.
دخل لمنزله يصرخ و يصيح بأعلى صوته:
" سلمى....سلمى....أيتها الحقيرة الملعونة، ستندمين على فعلتك تلك، لن أسامحك عليها أبدا!! ".
كان ينادي ويصرخ باسمها و يبحث عنها بكل ركن، وكل غرفة، لم يترك بقعة سوى وبحث عنها لكن طالعه صفير الرياح بمنطقة فارغة.
ليستشيط غضبا وحنقا لهروبها كما الجبانة بعد أن دمرت حياته مع مريم، لتتلقف يده المستعرة برغبة الفتك وإسالة الدماء بأول شيء وقعت عليه عيناه وكان مصير المزهرية الجدار لتتحول لشظايا كما قلبه المحترق لذنب لم يكن يقصد به أي أذى أو تجريح.
لم تكن الوحيدة التي نالت نصيبها، فقد لحقتها شقيقاتها بل الباقي من أثاث المنزل، حطم، وكسر، ونفس عن حاجته بقتلها، وتخيل عنقها بكل شيء طالته يده الضخمة ليسحقها كما تمنى أن يفعله بها.
كيف جرؤت على فعل هذا به؟!!
لقد حطمت حياته بفعلتها الأولى ولم تكتفي، بل أتبعتها بفعلتها الثانية ويبدوا أنها استساغت أفعالها الرعناء لتقوم بحركتها الثالثة، والله يعلم بأفعالها الأخرى.
لما فعلت هذا؟!!... هو لم يبخل عليها بشيء بالرغم من طريقة زواجهما، بل أتخذها كزوجة له ولم يعر مسألة أنه اجبر عليها أي اهتمام.
أهكذا تجازيه على أفعاله معها؟!!
جلس بعد فترة من الوقت على الأريكة بتعب استبد بجسده الخائر القوى بعد معركته الطاحنة بتفريغ غضبه، وصدره يرتفع بلهيب حارق لم يخمد جرحه بما فعله فمازال بداخله نار مشتعلة لا يستطيع إخمادها.
جلس بجمود وعلى ملامحه تظهر إمارات كمن موشك على دخول معركة دامية لا يعرف هل سيخرج منها منتصرا أم مهزوما؟!!
نظر للأمام بعيون شاخصة للجدار دون أن يراه، ومن يشاهده يعتقد بأنه تمثال من الشمع كهيئة رجل تطل منه الوسامة والشموخ، ومن يدقق بمقلتيه يرى الحزن والألم كمن يوشك على فقد شخص عزيزا على قلبه.
وبداخل عقله وقلبه صراعات ودوامات تسحبه للأعلى ثم تقذفه للهاوية، تسحق روحه ويشعر بها تجتث من جسده بقوة دون رحمة أو رأفة لتقتلعها دون هوادة وتتركه جسدا فارغا، خاويا من العواطف والأحاسيس.
ظل على هذه الحال من شرود وضياع لفترة من الزمن دون أن يشعر بما حوله.
رمشة عين دلت على وجود حياة بهذا التمثال الصخري لكنه لم يتحرك أدنى حركة ليوقف رنين الهاتف الذي أوقظه من غيبوبته.
انقطع الصوت وعاد السكون يطغى على المكان، تطلعت عيناه للدمار الذي خلفه، كل شيء قد تحطم وبقيت الأريكة التي يجلس عليها لم يمسها ضرر، كأن إعصار هائل ومدمر قد مر على هذه الغرفة ليترك بقايا أشلاء ليخبرهم بأنه كان هنا.
صدح الصوت من جديد ليعلن بأن صاحبه لن يتركه بحاله، وأنه سيثابر بالاتصال إلى أن يجيب.
أخرجه من جيبه وتطلع للرقم ليتنهد بضيق، ومسح على وجهه يستغفر ربه ويستعيذ من الشيطان، ومع آخر رنة فتح الخط ليأتيه صوتها عبر الأثير:
" مرحبا بولدي الغالي ".
أجلى حنجرته ليجيبها فشعر بحلقه جافا واستصعب ابتلاع ريقه لخلاء فمه ما يرطب به بلعومه فخرج صوته متحشرجا باردا مغلف بالحزن والألم.
" أهلا جدتي ".
وصلها عواءه الكسير ممزوج بألم، حفيدها...أسدها قد كسر!!
توحشت عيناها، وأشتعل بداخلها سعير منصهر ورغبة بالفتك بمن سبب بسقوط جبلها فقالت بحكمتها المعهودة:
" مهما جالت وصالت الرياح، فالجبل يظل شامخا رافع الرأس، لا تهزه نكسة ".
أغمض عينيه بهم اكتنف روحه وأتعب قلبه، وهمس يغالب نفسه بالذهاب إليها والارتماء بحضنها الدافئ الذي طالما احتواه.
" أتذكرين حديثنا عن الحب؟؟ ".
أسدلت الجدة رموشها وقد علمت مقصده، وهزت رأسها تتذكر ما دار بينهما.
" نعم أتذكره يا بني ".
" لم تخبريني بأن الحب موجع ومهلك للروح، مثلما هو محي للقلب والجسد؟؟ ".
علمت أن حفيدها يعاني من الحب وتبعاته فقالت تجيبه:
"يا بني....أنت لم تسألني عنه شيء وما يصيب كل من يتجرعه!! ".
" إذا أخبريني عن كل ما يخصه ".
تنهدت الجدة وبدأت حديثها:
" ماذا أخبرك يا بني؟؟... الحب مثل الزهرة الرقيقة، إذا رويتها من حبك وأغدقت عليها بحنانك ستنمو وتزدهر لتكون يانعة ومنعشة للنظر....".
سكتت قليلا ليستوعب حديثها ثم استطردت مكملة:
" لكن للزهور أشواك لا تراه الأعين، ما أن تقترب منها وتقطفها حتى تصيبك شوكتها، فاحذر من قطعها، والويل لك من غضبها الهادر كالصواعق بليلة ظلماء إن أردت اقتلاعها من جذورها، فعليك تحمل عواقب أفعالك!! ".
أغمض عينيه يستمع لحديث جدته ويوافق عليه فقد عاش تلك اللحظات الجميلة لرؤيته لتلك الوردة الندية، ذات الرائحة الشذية، التي نشرت حوله رائحتها الفواحة المسكرة.
ذاق بشفتيه شهد عسلها، وتكحلت عيناه بجمالها وفتنتها الخلابة، وداعبت أصابعه بشرتها الناعمة، كان يعيش بنعيم مع وردته التي أيعنت بتلاتها، وتفتحت بحضوره لتعطيه جوهرتها النفيسة.
غامت عيناه بذكرى أخرى ليتطلع لقبضتيه... بيده حطمها وسحقها، لتتحول وتنكسر، لتكون زهرته جافة، غاضبة، باردة، فردت أشواكها تحمي البقية الباقية من روحها الأبية.
لكن كيف السبيل لعودتها للحياة لتعطيه ما قدمته له من حب وعشق، ولم يعلم بأنه سألها بصوت عالي ليجيبها صوتها الحنون والصارم بآن واحد.
" أخبرتك عدة مرات الصبر هو مفتاح الفرج، وأحيانا علينا أن ننحني لزوبعة الرياح لتمر دون أن تحطم كل ما حولها وتنهي كل شيء، فقط نتركها لحالها، فعاجلا أو آجلا ستهدئ، لكن هذا لا يمنعنا من المحاولة وعدم تركها لحالها، فتسكت وتتشكل وتكبر إلى أن تنفجر وبعدها لا مجال من احتوائها ويكون الأوان قد فات لإدراكها ".
كلمات جدته طرقت بعقله كما ناقوس الخطر، هل من الممكن أن يخسر حب حياته إلى الأبد؟!!... ويعود ليعيش بصحرائه القاحلة من جديد، يتجرع من كأس الحرمان، ويتعطش باحثا عن الراحة مع امرأة أخرى!!
اعتدل بجلسته كمن استيقظ من غفوته، وتنبهت كل حواسه ليعود صوت الجدة ويصله لكن هذه المرة بنبرة مختلفة متوعدا، ومحذرا.
" لقد سلمتك أمانتي يا بني، ولا تخذلني فيها وتكسرها، لأنك يا بني ستواجهني أنا!! فاحذر غضبي يا بني!!... احذر....فأنت لا تريد أن ترى جنوني، فمريم أمانة ولدي، ووصيته أن أحافظ على زهرته الغالية ".
ازدرد ريقه من كلماتها التي جلدته وقال:
" كيف علمتي أنني أتحدث عنها؟! ".
" رأيت حبك لها يشع من نظراتك نحوها ".
هز رأسه وهمس:
" جدتي... انصحيني ماذا أفعل؟؟... أنا...أنا ".
لم يستطع إخبارها بما فعله بها، فخرس لسانه عاجزا عن التفوه بالحقيقة
" لا عليك يا بني، لا تخبرني بما حصل معكما، فأسراركما تخصكما وحدكما، وبما أنها كانت معي للتو ولم تخبرني، فمعناه أنها لا تريد أن يعلم أحد بما حدث، وأن هناك حل للمشكلة ".
تنهد بحرارة وطلبها يطرق بقوة كمن يدق بمسمار حاد على نعشه، نعم يعرف الحل فقد صفعته به، كاد أن يزهق روحها عندما سمعها تنطق بتلك الكلمات لكن الآن وبعد أن هدأت ثورته علم مقصدها، فهي قد فقدت ثقتها به فأرادت أن تمتحن صبره، أرادت أن تعرف إن كانت مهمة لديه كما قال وليس فقط من أجل رحم يحوي جيناته.
" وماذا إن كان حلها صعب تنفيذه؟!! ".
" جاريها يا بني كما قلت لك، وأترك لها المساحة لتتنفس دون أن تتخلى عنها فتشعر بالهجر منك، سايرها دون أن تعطيها الموافقة على ما تريد وحاول معها لعلها تغير رأيها ".
" شكرا جدتي على نصائحك القيمة وسأحافظ على أمانتك، لا تقلقي فهي بعيني، وليلهمني الله الصبر على عنادها!! ".
ضحكت الجدة بمكر وقالت تغالب نفسها بإخباره على ما تنويه ابنتها كي ترد له الصاع صاعين.
" أدعوا الله أن يعطيك كل الصبر على ما ستواجهه يا بني!!... تجلد بالقوة فأمامك مطب كبير، ولا أعلم إن كنت ستتجاوزه أم سترضخ لطلبها!! ".
" سأحاول يا جدتي، وأنا سلطان النعيمي دائما ما أنتصر ".
" لا تكن مغرورا يا بني بفوزك الدائم، سيأتي اليوم الذي ستهزم به، وتخضع لحكم الأقوى ".
" لا يا جدتي لن أهزم، وسأروض تلك الفرس الجامحة والعنيدة، وأجعلها طوع بناني ".
عادت الجدة للقهقهة وقالت:
" سنرى يا بني...سنرى من سيروض من...حسنا سأتركك الآن ".
" لكن يا جدتي لم تخبريني سبب اتصالك بي؟؟ ".
" لا لسبب معين، فقط أردت الاتصال بك ".
ودعا بعضهما على اللقاء بها في وقت آخر، أغلق الهاتف لتنير عيناه بعزيمة لا تضمحل، وقوة سرت بأوردته لتنطلق منه شرارات بإرادة الفوز.
ولم يعلم بأن هناك أيضا من يتسلح بالقوة والصبر لمتابعة خطتها، فزوجها يحتاج للعقاب كما الطفل الصغير الذي أخطأ بشيء لا يغتفر، وعليه أن يتحمل نتيجة تهوره، ونبهت قلبها بأن لا يخذلها ويتهاون لمحبوبه فتميل للمسامحة.
****************
وصل لمنزله وقد عاد الاتزان لعقله، ليفكر بطريقة يعيد بها محبوبته لمحراب صدره وعشقه، من حقها أن تغضب وأن تثور، كما أنها سمعت الكلمات دون أن تفقه للمعنى الفعلي لقوله بأنها هي من يريدها أم أطفاله، هي من تستحق تلك المنزلة وغيرها من النساء أبدا لن يرتقين لتلك المكانة العالية، فقلب حبيبته ينبض بكل معاني الحب والحنان، ومن عينيها يشع الدفء والسلام، بأحضانها وجد الراحة، وعلى صدرها وجد منزله، وعندها يكمن مفتاح حياته.
دلف للمنزل بهدوء يتطلع للسكون من حوله وخمن بأنها خلدت للنوم دونه، فالساعة قد تجاوزت الحادية عشر مساء، ولابد بأنها متعبة من السفر وهمس بداخله
" لا أصدق بأنه يوم واحد وحدثت به كل تلك الأحداث الرهيبة ".
تنهد بحسرة بأنها المرة الأولى منذ زواجهما ستنام فيها دون أن تتوسد صدره.
نظر للباب المغلق وكلمات جدته تزور ذاكرته، نعم سيتركها دون أن يفلتها، سيكون بجانبها ولن يتركها تتلظى لوحدها، وتحترق من حماقته دونه، يستحق أن يعاني معها لكن سيكون حازما بالوقت ذاته، أبدا لن ينقاد لطلبها ذاك، سيقنعها ببطء وبالمنطق بأن ما تريده عين الحماقة.
هز رأسه بعزم وتحرك ناحية الغرفة وفتح الباب وتحركت عيناه تبحث عن أميرته النائمة فتجاوزت السرير والنافذة وهناك كانت......
تجمد لرؤيتها، وجحظت عيناه، وتدلى فكه للأسفل، وتصلب جسده برغبة أطاحت البقية الباقية من تعقله كانت...كانت...بهجة للنظر، غاية بالروعة والفتنة، بملابس نومها المغرية، كانت كفينوس بتشكيلة جسدها الممتلئ الذي يدعوا للخطيئة...غلال نوم بلون أسود ملك الألوان ناقض بياض بشرتها الثلجية ذات حمالات رقيقة تكاد لا ترى سوى كخيط رفيع، يضيق عند صدرها مبرزا نهديها بشكل مثير يدعوا للغرق بمحرابه وتتوسد غورها العميق قلادة تنام بكل أريحية على بشرتها، ثم يتوسع بطبقة من الشيفون الشفاف جدا مظهرا من خلاله بشرتها الناصعة البياض، وملابسها الداخلية ذات نفس اللون، ليشعر بصاعقة تضربه بقوة عشرة فولت، هبطت عيناه تجري على مفاتنها تلتهمها شوقا ولهفة.
ازدرد ريقه محركا تفاحته عدة مرات وقد عادت مقلتيه تتابع ما بقي من جسدها ولم ينظر إليه بعد، أخذ أنفاسا عميقة وتابع تحديقه......
تجلس وقدمها فوق الأخرى وقد انحصرت غلالتها مظهرة فخذيها القشديين، عاد يبتلع لعابه الذي سال جائعا متعطشا للمس بشرتها الناعمة وقد بدأت أصابعه تؤلمه بشدة تواقة للحط والتجول على جلدها الأملس، وما زالت عيناه تتابع ساقيها الظاهرتين لتتوقف عند كاحليها وقد لمع خلخالها الذهبي الذي تدلت منه قلوب صغيرة زينت قدمها، فقد اكتشف أن زوجته عاشقة لارتداء الخلاخيل وكم أحب رؤيته عليها.
استنشق الهواء بصعوبة وقد شعر به ثقيلا على رئتيه، وزفراته أصبحت ساخنة، حارة، ثائرة، راغبة بتلك الأنثى التي تنطق وتنادي بالخطيئة.
رفع عيناه وأنفاسه بدأت تهدر بصوت مسموع كشلال الماء الساقط بشدة من فوق الجبل وهو يرى الباقي من جمالها الذي لم يره بعد، فقد تجاوزت اليوم الخطوط الحمراء بجمالها الخلاب، وروعة تكوين خلقها بعيونها الكحيلة التي تنادي بالغوص ببندقيتيها، وثغرها الممتلئ بلونه الأحمر ينادي بكل ترحاب لمن يقطف من شهده، وهمس بشجن ولوعة:
" سبحان الله من صورك بأجمل صورة!! ".
أخذ يتنفس..ويتنفس يحاول أن يتمالك نفسه من أن يتقدم ويسحبها ويريها كم هو عاشق لها، وتساءل بألم؟؟.. بكيف السبيل لقربها دون أن يتهور ويلمسها ويغوص بجمالها ويعيش بنعيمها.
جلست على الكنبة تنتظر قدومه والتوتر قد بلغ كامل جسدها، شعرت به يخزها كما الأشواك، تعلم بأنها بالغت بزينتها وأنها تلعب بالنار لكن لا سبيل للتراجع، عليها أن تنفذ خطتها بتلقينه درس ومعرفة كيف يحفظ لسانه، ويحافظ على كرامتها، ويعرف ما هي قيمتها.
تململت بقعدتها وناظرت الساعة للمرة المليون وكان قد تأخر ليصيبها التوجس، والغيرة بدأت تلعب لعبتها المفضلة وقد نسيت بخضم أفكارها بأي شكل هي تنتظره.
هل هو معها؟!!... هل يسخران منها؟!!.. هل....وهل....ساورتها الشكوك، ولعبت بها الهواجس، لتعود وتنفي ما يجول بفكرها، فقد خرج والنار تقطر من مقلتيه بل الأصح هو القتل ما كان يبغيه.
عادت للكتاب الذي بيدها تحاول التركيز به وأن تقرأ ولو حرف واحد منه لعلها تجلي فكرها بماذا يفعل الآن؟؟
دقائق ليقشعر جسدها بحركة اعتادتها معه عندما يحدق بها برغبة حارقة.
أرادت الصراخ من فعلتها والهرب من عريها الذي لم تعتده بعد، كيف واتتها الجرأة لارتدائها لهذه الغلال الفاضحة، وتساءلت.. كيف تستطيع النساء ارتداء مثل هذه الأشياء؟!!
لتعود وتذكر نفسها بأنه زوجها وقد شاهد الكثير من جسدها فما المانع من هذا، لكن الآن وهو يشاهدها علمت بأنها لا تستطيع، تشعر بنفسها بأنها تغويه كأنها تخبره برغبتها فيه!!!
لترن كلمات عمتها ( أم سلطان )، فقد زارتها بعد خروج زوجها كما الصاروخ ينوي قتل أحدهم، و يا للعجب لأول مرة تتمنى أن يفعلها!!
دخلت العمة لتراها تجلس على الأريكة ودموعها تهطل بغزارة لتناديها بفزع:
" مريم.. حبيبتي ".
تقدمت إليها لتسحبها لأحضانها وتهدئ نوبتها التي ازدادت ما أن شاهدتها وصرخت بهلع:
" ما بك حبيبتي؟؟... هل آذاك سلطان؟!! ".
وكأنما بمناداتها لاسمه فتح الطوفان الجارف الذي كبتته بداخلها لتعلن عن ألمها، وجرح قلبها النافذ والدامي بدموع انسكبت تبكي حبها الضائع.
هدأت نوبتها بعد فترة من الوقت، وابتعدت بخجل تداري خزيها فمنعتها العمة قائلة:
" لا تداري وجهك عني يا ابنتي، فأنا بمثابة والدتك، ويمكنك أن تلجئي إلي متى ما أردت ".
عضت شفتيها تدميها ليعود صوت العمة من جديد مكملة حديثها:
" وانسي أنني أم سلطان، فأنا والدتك قبل أن أكون له هل هذا مفهوم؟؟ ".
هزت رأسها بالموافقة دون أن تنطق بحرف واحد.
" والآن، هل ستخبريني ما فعله سلطان ليتركك بهذه الحال؟؟... وبالمناسبة أين هو؟؟ لما تركك لوحدك بأول يوم لك بالمنزل؟! ".
أشاحت بوجهها عنها مكتفية بالصمت، لتتنهد العمة بحزن لما فعله بها ولدها، أعادت وجهها الحزين ناحيتها وتطلعت لعيونها المتورمة، ووجهها المحمر، وشفتيها المتقرحتين من شدة عضها لهما، كانت غاية بالبراءة والجمال لكن ينقصها الكثير لتعرفه عن عالم الرجال، وكيف السبيل للسيطرة عليهم، لتلتمع عيناها ببريق المكر اعتادته النساء بعز حاجتهم.
نعم ستعلمها مكر الأنثى، وكيف تتعامل مع الرجال، لتمسك كفيها وقالت:
" مريم عزيزتي تعلمين كم أنا أحبك، وقد ازداد احترامي لك لعدم رغبتك بالإفصاح عن أسرارك الزوجية، وأنا أعدك أحد بناتي، وكما نصحتهن أنت أيضا ستستمعين لما أقوله لك!! ".
أخذت أنفاسا عميقة ثم أكملت:
" أنت تريدين سلطان صحيح؟؟؟ ".
أغمضت مريم عيناها لتنسكب لألأها، وبداخلها يصرخ بالرفض والرغبة بالعودة لحضن جدتها لكن كلمات عمتها جذبت انتباهها.
" لا تفكري بالأخرى، فأنا لا أعدها زوجه لأبني أبدا، أنت هي الزوجة التي تمنيتها له!! ".
شاهدت الدهشة تعتمل ملامحها من تصريحها الجريء، فسلمى هي ابنة شقيقتها فكيف تتحدث عنها هكذا؟!!... هزت العمة رأسها وقالت:
" لا تسأليني لما لا أريدها؟!... فأنا لن أجيبك لكن سأخبرك بما ستفعلينه، فقط أجيبي على سؤالي ".
فهمست:
" لقد جرحني!! ".
وعادت دموعها تنسكب على وجنتيها تخبر عمتها بما لا يستطيع لسانها نطقه، حزنت العمة لحالها فزاد إصرارها لتعليمها فن المكر.
" إذا عاقبيه ولا تتركيه ينجوا بفعلته تلك!! ".
توقفت دموعها فجأة وهي تستمع لعمتها، فللمرة الثانية تصدمها بقولها، فأي أم هي تلك التي تخبر كنتها بأن تعاقب ابنها.
" لا تنظري إلي كأنني مخلوق عجيب وغريب لأول مرة ترينه على الوجود!! ".
" في الحقيقة نعم...لأول مرة أرى أم تنصح كنتها بأن تعاقب ولدها!! ".
" وما الغريب بالأمر؟!!... ألم يخطئ بحقك!!... عندما يخطئ أنا من أعاقبه، لكن الآن هو متزوج وعلى الزوجة أن تكمل المشوار!! ".
" وهل قمت بنصح بناتك بأن يعاقبن أزواجهن إن أخطأن بحقهن؟!! ".
" بالطبع أخبرتهن!!... فكرامة بناتي بالمحك، ولن أسمح لأي رجل أي كان بأن يسحقهن ويذلهن، كما باقي زوجات أبنائي فهن أيضا مثل بناتي، وأخبرتهن بفعل هذا لكن بحدود المعقول وعدم تجاوز الخطوط الحمراء، فقد ينقلب عليها وتتطور الأمور وتخرج عن السيطرة، هذا ليس لأنني لا أحب أبنائي، بل أنا أعشق رجال عائلتي، ولكل واحد منهم له معزته الخاصة بقلبي وسلطان لا يختلف عن الباقين... حبيبتي استمعي إلي، أنا لا أبرر لك ما فعله بك سلطان وأنا لا أعرف ما فعله، لكن عليك أن تعرفي بأن سلطان مختلف عن باقي أشقائه، هو الوحيد الذي نشأ على اعتقاد بأن المرأة وجدت من أجل الرجل و إنجاب الأطفال وليس للحب، فهو بالأصل لا يعترف به.....".
انكمش وجه أمه باشمئزاز من تفكيره العقيم وتابعت:
" أشعر بأنني عندما أراه بأنه شهريار وحوله الجواري!! ".
قهقهت بصوت عالي لتبتسم مريم وسط دموعها من عمتها ( لرؤياها بكيف يكون ابنها سلطان) فهذا ما رأته هي أيضا، هو سلطان السلاطين يجلس على عرش حكمه وحوله الجواري يجلسن بانتظار أوامره لخدمته.
غيرة أشعلت بقلبها ليضج ضاربا بنبضات قوية وعنيفة، ورغبة بمسح معتقداته لتريه مكانة المرأة مع الرجل، ولم تشعر بالمرأة التي تراقب كل انتفاضة اعتلت ملامحها لتعرف بأن ولدها بأيد أمينة لتعود وتسحبها هامسة لها ببقية خطتها، ثم غادرت تاركة امرأة مستعدة لدخول معترك النساء.
عادت من رحلتها وقد استجمعت قوتها وطاقتها لما هي مقدمة عليه، فهي تحتاج لأن تتماسك وتتمالك نفسها من عدم الوقوع تحت قدميه تطالب بحبه فهي مريم المرأة الحديدية، إما أن يعطيها حبه برحابة صدر وإما أن ترحل محتفظة بكرامتها وعزتها دون أن تكسر هامتها، فلا يستحق أي رجل أن تخنع المرأة من أجله، وتحط من قدرها وتغير شخصيتها، فهو قد اختارها مثلما هي، فكيف يريدها أن تتغير وتتبدل؟!!
رفعت عينان قاتلتان مستعدتان لخوض معركة استرداد حب حياتها، وتعليمه مبادئ أهمية وجود المرأة بحياة الرجل.
" أهلا يا.....ابن العم ".
أغلقت الكتاب دون أن تعرف محتواه، ونهضت برشاقة تحسد نفسها عليها، واقتربت منه لمسافة آمنة لتلفحه رائحتها العطرية الزكية المختلطة بدهن العود والبخور، كم يعشق هذه الرائحة، ليغلق عيناه منتشيا غارقا ببحور شذاها، يسحب الهواء سحبا ليدخله لصدره معطيا له المجال ليضيع بأريجها الفواح.
اقترب منها مسلوب الإرادة تحكمه رغبته بدفن نفسه بين ثنايا مفاتنها، ويسبح بخصلات شعرها الفاحمة المغرقة بعبير عطرها.
لتتراجع للخلف موقفة إياه من التقدم، ليقف وقد عاث بجسده الفساد من رؤيتها بهذا الجمال الصارخ، وأشعلت بروحه نارا تواقة للاحتراق بلهيبها الناري الأصفر بكل رحابة صدر.
ليفتح عيناه لواقعه ويرى الرفض على ملامحها، ليئن جسده بوطأة الحاجة للشعور بها على جسده الراغب بإطفاء عواطفه الثائرة التي استيقظت ما أن شاهدت هذه الحورية أمامه.
عاد ليتحرك ناحيتها لتخطوا خطوة للخلف ليعقد حاجبه هذه المرة ويرى التمرد بمقلتيها، ليصرخ بداخله
" لا...لا تمنعيني عنك، أحتاجك لتروي عطشي، أريدك أن تحتوي ضياعي، لا تبتعدي ولا تتركيني لوحدي ".
وهمس اسمها بشجن:
" مريم... ".
رفعت حاجبها وشكلت الكلمة بلسانها بإغواء جعلته يرغب بالانقضاض عليها وأخذ تلك القبلة التي يريدها.
" لا!! ".
" لا؟!! ".
" ماذا يا ابن العم، هل توصلت لقرار؟؟ ".
أعاد كما البغبغاء الكلمات خلفها ليستوعب قولها، وكما الصاعقة ضربته لتوقظه من نشوته ليتطلع إليها للحظات ثم طالت لدقائق وعينيه تجري عليها تسبر أغوارها، وكمن انسكب عليه ماء بارد ما أن فقه لأسلوبها بالعقاب
" شاهد لتحترق....واقترب دون أن تلمس.... ".
انزوت ابتسامة على طرف شفتيه وقال:
" يا الهي!!... متى طمست براءتك وتعلمت مكر الأنثى؟!! ".
التقط توترها بعضها شفتها السفلى، وآه كم طاق ليلتقطها بأسنانه ليخبرها بأنه فقط الوحيد المصرح له بعضها، ثواني فقط لتتغير وتتركها وتتوحش نظراتها، عيناه لم تحد عن شفتها لكنه أجبر على تركهما ما أن تحرك فمها بكلماتها اللاذعة.
" منذ أن عرفت مكانتي عند زوجي فأنا مجرد......".
قطعتها ولم تستطع نطقها، فتوقفت الكلمة عند طرف لسانها من صعوبتها ومدى الجرح الذي خلفته وتركته كالعلقم، علم بمعاناتها وأنها مجروحة منه فاقترب منها وأمسكها من أكتافها دون أن تمنعه، فقال بحنان وأسف نطقت به ملامحه:
" أنا أعتذر حبيبتي..ولا تعرفين مدى أسفي لسماعك تلك الكلمات بهذه الطريقة أنا....لم أقصد بها ما سمعته أنت، ما قلته كان بمعنى مختلف، صدقيني لم أتزوجك لهذا الغرض!! ".
" أتقصد بأنك لا تريد أطفال مني؟!! ".
" بل أريد أطفال...ومنك أنت بالذات ".
ترقرقت الدموع بعينيها وهمست بألم:
" لأنني أملك جسدا.......".
ليقاطع جملتها ويسرع بإكمال جملته الناقصة:
" بل أردت القول بأنك الأنسب لتكوني أم أطفالي، أنت حنونة وعطوفة كما أنك تعشقين الصغار، هذا ما عنيته بكلماتي تلك ولا شيء آخر ".
شعرت بصدق حديثه ونظرات عينيه تستجديها أن تصدقه.
ليقترب منها كالمنوم المغناطيسي وكما تمنى أن يفعل منذ أن شاهدها بتلك الهيأة المثيرة، أخذها بين ذراعيه لتشتعل أنفاسه، وتهدر خلاياه مطالبة بما هو حق لها، ليعتصرها بين أضلاعه ضائعا راغبا، وعيناه لم تحد عن هدفه ليميل بالقرب من شفتيها لترتفع وتيرة أنفاسهما فتمازجت وثارت بهما مشاعرهما معلنة عن حاجتها للارتواء والخوض في معركة خلقوا من أجلها.
حطت شفتيه ملامسة شفتيها بلمسة رقيقة كأنه يتذوق حلوى شهية مستطعما مذاقها، ثم يتعمق ليعبر عن جوعه ملتهما البقية من تعقله بالتريث.
أحاطها ليشعر بجسدها يرتعش من لمساته التي تجول وتصول متعطشة للإحساس بها، تمسكت بكتفيه تبحث عن دعامة من جنون ما يصيبها وما يفعله بها، قبلته كما لم تقبله من قبل، وطاقت له كما لم ترده من قبل، لتشعر بنفسها تطير بالهواء ثم أحست بشيء ناعم وطري تحتها لتعلم بأنها على الفراش، ومعركة بث الحياة لم تهدئ أو تستكين.
ترك شفتيها ليتركها تتنفس وأخذ يقبل كل انش من وجهها، ثم تحركت شفتيه على جيدها يطبع بصمته على بشرتها مخلفا احمرارا يجعله فخورا بما قام به.
غاص بشلال شعرها يستنشق رائحته، ثم انتقل يقبل صدرها إلى أن وصل للغور الشاهق الذي يعلن عن نفسه....
ليعود تعقلها أو ما بقي منه يذكرها بما حدث بينهما، وبدل أن تشده ناحيتها بدأت بدفعه عنها بضعف، فجسده قد أعلن استسلامه لاجتياح طوفانه الجارف، ضربت كتفه وصرخت باسمه:
" سلطان... توقف!! ".
ليهمس عند ثغرها وقد ضاع بعالم آخر، عالم يشعره بسطوته وذكورته التي وجدها معها فقط.
" أريدك يا مريم...أريدك بشدة!! ".
" سلطان... أتركني ".
ابتعد عنها وناظرها بعيون غائمة بعواصف رعدية، وجسد استبد به الجنون والإثارة، وتحدثت بسرعة بعد أن رأت أن عليها الكلام، فما أن يعود لما كان يفعله لن يتوقف أبدا، وهي أيضا تتوق إليه ولم تعد تثق بجسدها الخائن الراغب به.
" أنت موافق على شرطي؟؟ ".
تجمد بعد أن كاد أن يطفئ ناره المستعرة، وعقد حاجبيه بتفكير لما تقوله، فعقله لم يعد معه بل طار بعيدا عنه، وبأنفاس لاهثة سألها:
" عما تتحدثين؟؟ ".
وبنفس متقطع أجابته بعزم وإصرار للاستمرار بما تريده.
" شرطي يا ابن العم!! ".
وكأنما صفعه شخص ما، فقد ارتد مبتعدا عنها للجهة الأخرى، وهمس بصوت أجش:
" اعتقدت بأن ما نقوم به الآن هو الصلح!! ".
اعتدلت من رقدتها وأعادت شريط غلالتها لمكانها لتناظره بتفكه.
" لا يا ابن العم أنا لم أغير رأي، وشرطي لم أسحبه ولن أسحبه، وأنت عليك أن تختار... ".
وتحركت مبتعدة ناحية الحمام لتترك زوجها يصارع أفكاره، وأغلقت الباب خلفها لتستند عليه وقد غادرتها قوتها الواهية، فقناعها كاد يتصدع أمامه وهي تراه بتلك الحال المحزنة لقلبها العاشق، لذلك الرجل الذي جرح قلبها وتركه أشلاء وبشرطها ذاك هو من سيعيد لملمة ما جنته يداه.
استحمت وغيرت ملابسها وهذه المرة لأخرى مريحة، وخرجت لتراه مضجعا على السرير ينظر للسقف ولم ينظر ناحيتها أبدا، لتتحرك بقدم مهزوزة ورفعت الغطاء ودلفت لتحته، ولأول مرة أدارت ظهرها ناحيته ليصدح صوته جامدا باردا:
" لن أرضخ لطلبك!!... ولن أعتذر!!... أظنني قد بررت لك ما حدث، وأنك قد فهمت الموضوع بشكل خاطئ ".
انسكبت دمعة لتمسحها بسرعة وقوة خدشت بشرتها الرقيقة
" وأنا هذا شرطي الوحيد يا ابن العم، ولا يوجد شيء آخر أقوله ولن أتنازل عنه أبدا!! ".
لتسحب الغطاء على رأسها منهية الحديث بينهما.
مر أسبوع كامل وهم بين شد وجذب، هو يدعو بصبر أيوب، وهي وكمن تملكها الشيطان ولم تعد مريم الرقيقة الحنونة فقد أصبحت امرأة أخرى لم تدخر جهدا لتستمر بخطتها.
ارتدت أجمل الملابس، القصيرة والطويلة، المحتشمة والغير محتشمة، وملابس النوم تلك شيء آخر، لقد أحرقته وأفحمته بحركاتها وبغنجها وبدلالها.
مثلت أمام عائلتهم دور الزوجة المحبة، وبداخل المنزل كانت تلعب دور العاشقة والماكرة على حد سواء.
حتى أصبح على قاب قوسين أو أدنى من الانفجار أو قتلها دون أن يرف له جفن، نعم هي تلعب بالنار أو تلعب مع الشيطان نفسه، لكن ما يجعلها تتمسك بإصرارها هو ما فعله بها، لهذا تعود وتبث قلبها على الصبر، فالسعادة تنتظرهم ما أن يوافق سلطان على ما تريده وهذا ما أخذت تدعوا به بصلاتها.
إلى أن جاء ذلك اليوم وقد انقضى تقريبا أسبوع ونصف الأسبوع وهم بحالة الحرب المعنوي والنفسي.
كان قد انتصف النهار وهي كانت قد انتهت من أعمال المنزل من تنظيف وطهو فهذا الشيء الوحيد الذي لم تغيره، فقد داومت لإطعام زوجها، وترتيب منزلها وغيره من الأمور التي تقوم بها كل زوجة مهتمة بأمور منزلها.
استحمت بعد أن أعدت طعام الغداء وارتدت ملابس مكونة من تنورة قصيرة من نوع خامة الجينز تصل لما فوق الركبة بقليل، وقميص ذات شريط يربط على الرقبة رسم عليه شفاه وكتب فوقها kiss me، وحذاء ذا كعب عالي أظهر قوامها الممشوق، وربطت شعرها كذيل حصان، وتركت غرتها تنسدل على جبهتها، وكحلت عينيها بلون أسود ووضعت القليل من الأيشدو الأزرق على جفنيها، وخطت شفتيها بلون لحمي أظهرها بشكل مختلف مثير وصارخ، وجلست ممسكة بريموت التلفاز تنظر له بملل دون أن تفقه للعيون التي تلتهم جمالها وروعتها.
تأملها بشوق حارق لم يقدر على احتماله أبدا، رؤيتها دائما بشكل آخر ومثير ومختلف أحرق كيانه وألهب روحه للحصول عليها، حاول عدة مرات أن يغض الطرف عن جمالها لكنه لم يستطع...لم يستطع!!!
قربها منه يقتله....وبعدها عنه أيضا يقتله ويسحقه.
دخل دون أن تشعر به وأغلق الباب ليتقدم منها وحمل بيده كأس من الماء كان على الطاولة واقترب منها لتقف هي ما أن شاهدته، وقد هالها ما رأته على ملامحه لتفتح فمه راغبة بسؤاله عما يحدث، لتشعر بعدها بشيء يوضع بداخل فمها ثم بكأس الماء على شفتيها وصوته يأمرها بشرب الماء.....
ولم تشعر بدموعها تنسكب على خديها كما الشلال عندما فقهت ما وضع بفمها، وصوته يخبرها:
" لا تبكي!! ".
هزت رأسها برفض وصرخت بداخلها
لا....لم أرد هذا!!... أردت السعادة....أردت الحياة....أردت الحب والغوص في بحور عشقك....أنت من تركني أفعل هذا.
شهقت بنشيجها لتحتويه ذراعيه القويتين ويغيبها بعناق حار، غاضب، معاتب لتبادله القبلة ودموعها تنزل أنهارا دون أن تتوقف، ليشعر بملوحتها بقبلته الجامحة ثم حملها دون أي كلمة أخرى باتجاه غرفة النوم لتستسلم له دون أي مقاومة، فقد انتصرت عليه كما داومت دائما.
*******************
