رواية دوبلير الفصل التاسع عشر 19 بقلم فاطمة علي
الفصل التاسع عشر.
استقل "أكمل" سيارته مهرولًا وهو يشير بيده نحو جانبها الآخر رامقًا "داليدا" التي كانت تهرول قاصدة سيارتها هاتفًا:
- اركبي هنا، مفيش وقت.
هزت رأسها له بموافقة وهي تركض نحو سيارته تستقلها إلى جواره، لينطلق مسرعًا مخلفًا وراءه دوي صرير سيارته، كذلك سيارة أخرى تُقل أربعة رجال أشداء من حراسته الخاصة. التفتت نحوه برأسها وهي تتشبث بمقبض باب السيارة بقوة مرددة بتساؤل :
- إحنا رايحين فين دلوقتي؟
أجابها "أكمل" بجدية وهو يحرك مقود سيارته بمهارة يتخطى بها السيارات أمامه:
- مش إنتي قولتي إن "مالك لبيب" ده متورط في القضايا دي بما إن الرواية بتكون عنده قبل دخولها المطبعة؟
حركت رأسها بموافقة ومعالم الذعر والقلق تنهش قسماتها، ليستطرد هو بتوعد :
- يبقا لازم نلحقه قبل ما يختفي، ما هو أكيد متأكد إننا هنشك فيه وهنوصله.
هتفت بصياح وهي تتعلق بالمقبض بقوة :
- وإنت تعرف "مالك" ده فين؟
إنعطف "أكمل" يسارًا يأخذ طريقًا جانبيًا صغيرًا وهو يردد بتأكيد :
- رجالتي زمانهم وصلوا له، أنا اديتهم التعليمات.
زوت ما بين حاجبيها بدهشة وهي تردد مستنكرة :
- إمتى؟!، أنا معاك من وقت ما قولت لك الموضوع.
انعطف "أكمل" نحو طريق جانبي آخر بآخره مزرعة خيول كبيرة، ليدب الخوف بقلب "داليدا" وتلتقط جوالها من جيب سروالها الخلفي مرددة بتماسك ظاهري :
- أكيد "إياد" وصل لحاجة، هتصل بيه.
ضغط "أكمل" مكابح السيارة بقوة، فسقط منها الجوال بأرضيتها، لتتسع عيناها صدمة وهي ترمقه بذعر حينما وجدته يقترب منها بقوة محاوطًا رأسها بكلتا يديه وهو يردد بصرامة :
- دورك وقف لحد هنا يا "داليدا".
وضربها برأسه ضربة قوية فقدت على أثرها الوعي، اعتدل بجلسته ثانية وهو يحرك مقود السيارة منطلقًا إلى المزرعة التي تحمل اسم الصواف وولج بوابتها مسرعًا بعدما فتح له حارس المزرعة بابها، وتبعه رجاله بالسيارة الأخرى.
توقفت السيارة تمامًا وترجل عنها "أكمل" مهرولًا يستدير حولها نحو الباب الآخر ليفتحه منحنيًا بجذعه إلى الداخل يحملها بين ذراعيه مهدلة الجسد، ويلج بها إلى البيت قاصدًا إحدى غرفاته العلوية، يلجها ويضعها على السرير برفق ملتفتًا صوب رجالة بحزم صارخًا :
- اتنين يقفوا قدام الباب هنا، واتنين تحت الشباك، مش عايز عنيكم تغفل عنها لحظة واحدة، ولو غفلتكم وهربت هيدفنكم صاحيين، فاهمين.
أماء له الرجال بموافقة واتخذ كل منهم مكانه، ليهرول هو مغادرًا المكان قاصدًا وجهة أخرى.
***********
بمبنى المجلة كان "إياد" يحاول التواصل مع "داليدا" يُطلعها على آخر المستجدات والتي كانت مفاجأة صادمة بالقضية، ليجدها دائمًا خارج نطاق التغطية. زفر زفرة قوية وهو يجذب مفاتيح سيارته مهرولًا هامسًا بحزم :
- لازم أروح لها عند "أكمل الصواف"، أكيد معاه دلوقتي، أو على الأقل يعرف هي فين.
واستقل المصعد ضاغطًا زر هبوطه وهو يحاول مرة أخرى الوصول إليها لكن دون جدوى، ليغمغم بحيرة :
- اتصل بـ "عبد الرحمن" وأحكيله، ولا هبقى كده بقلقه على الفاضي؟
صمت قليلًا شاردًا، ليتخذ قراره مع فتح أبواب المصعد ويغادره وهو يدق رقم "عبد الرحمن" يطلب منه مقابلة على الفور.
دقائق قليلة و كان "إياد" يتوقف بسيارته جانبًا خلف سيارة "عبد الرحمن" ويترجل عنها غالقًا إياها بهرولة وهو يركض نحوها مستقلًا إياها إلى جواره يتلاقط أنفاسه بمجهود مضنٍ، حتى هدأت قليلًا وبدأ يقص كامل الحكاية على "عبد الرحمن" الذي اشتعل غضبه وهو يضرب مقود السيارة أمامه بقوة صارخًا :
- طول عمرها ماشية بدماغها وفاكرة إنها هتقدر تصلح الكون.
والتقط جواله يحاول التواصل معها إلا أنه تلقى ذات النتيجة التي حصل على "إياد"، ليضرب المقود بيده ثانية وهو يصرخ جليًا :
- آه.
والتفت نحو "إياد" هاتفًا :
- كل الداتا اللي عندك تبعتهالي واتس آب حالًا، وأنا هكلم الرائد "أحمد العباسي" أفهمه كل حاجة وابعت له الداتا دي، وإنت تروح المجلة عشان لو "داليدا" رجعت في أي وقت، أما أنا فهطلع على شركة "أكمل الصواف".
هز "إياد" رأسه بموافقة وهو يضغط زر الارسال بجواله مرددًا بجدية قبل أن يغادر السيارة :
- كل الداتا عندك دلوقتي.
فتح "عبد الرحمن" الرسالة وقام بإعادة توجيهها إلى رقم "أحمد العباسي" حتى تأكد من وصولها ، ضغط زر الإتصال وانطلق مسرعًا بسيارته، فأتاه صوت "أحمد" وقص عليه كامل الأمر وسط زفراته الغاضبة، وأنهى الاتصال متوعدًا جميع من أخطأ في حق شقيقته بالانتقام.
*************
جمع "أحمد" قواته بعدما حصل على إذن من النيابة العامة بالقبض على المدعو "مالك لبيب" واستقل سيارة الشرطة منطلقًا نحو مسكنه الذي توصل "إياد" إلى عنوانه عن طريق دار النشر.
**************
توقفت سيارة "عبد الرحمن" أمام مقر شركة الصواف ليترجل عنها مهرولًا غير مبالٍ ببابها الذي تركه مفتوح خلفه، عبر الباب الرئيسي للشركة ليستوقفه رجل الأمن متسائلًا عن وجهته، رمقه بأعين من نيران وهو يشهر له بطاقة هويته، ليفسح له الرجل الطريق مرددًا باحترام وتقدير :
- اتفضل يا فندم.
ركض "عبد الرحمن" إلى الداخل باحثًا عن "أكمل" ليتقابل مع الفتاة التي قابلتها شقيقته من قبل، وتشير له إلى مكتب مديرة مكتبه "نغم". هرول نحو مكتب "نغم" واقتحمه بإعصار غضبه هاتفًا بها بحدة:
- فين "أكمل الصواف"؟
نهضت "نغم" من مجلسها وهي ترمقه بلا مبالاة مرددة بثبات :
- أستاذ "أكمل" مش موجود، وللأسف ما بيقابلش حد الفترة دي.
اقترب "عبد الرحمن" من مكتبها وصفعه بكلتا يديه صارخًا بها بغضب أكثر :
- أختي جات تقابله، ومن وقتها تليفونها مقفول، ومش عارفين نوصل لها، هتقولي هو فين ولا أخليها كوم تراب؟
حركت "نغم" رأسها بنفي وهي تمط فمها بلا مبالاة مرددة بهدوء مستفز:
- "أكمل" بيه فعلًا كان هنا الصبح، ومشي تقريبًا من أربع ساعات، ومفيش أي حد قابله النهاردة، ولا حتى طلب يقابله.
قتمت أعين "عبد الرحمن" هو ينفث نيران ملتهبة هاتفًا بها بوعيد :
- أختي جت الشركة، ومن وقتها اختفت، وقسمًا بربي لو اتمس شعرة واحدة منها لأحرقك مكانك إنت و "أكمل" بيه بتاعك ده.. وأختي أنا هعرف أوصل لها لو في آخر الدنيا.
وركل المقعد المقابل لمكتبها بقدمه بقوة حتى ارتطم بمنضدة زجاجية صغيرة خلفه فهشمها وتناثرت شظايا، وكان يطوفها بحمحم غضبه قبل أن يستدير مغادرًا المكتب والشركة.
تنفست "نغم" الصعداء وهي تسمح لجسدها بالتهاوي أعلى مقعدها ملتقطة جوالها تحادث مديرها هامسة بتحذير:
- أخو البنت جه هنا وكسر الدنيا، وحالف ليوصل لها لو في سابع أرض.
تلقت جواب "أكمل"، وهزت رأسها بموافقة ناهية الاتصال وهي تتنهد بقوة مسترخية إلى ظهر المقعد.
**************
توقفت سيارات الشرطة أمام البناية التي يقطنها "مالك" وترجلوا عنها مقتحميها بهرولة يتقدمهم الرائد "أحمد العباسي" الذي ركل باب الشقة بقدمه بعاصفة غضبه
فتنحى جانبًا طواعية كمن كان ينتظره مرحبًا، ولج إلى الردهة شاهرًا سلاحه وخلفه قواته ليتردد بأرجاء المكان صوت ساخر :
- اتأخرت ليه يا "أحمد" بيه، أنا مستنيك من بدري، حتى سايب لك الباب موارب.
قطب "أحمد" جبينه بدهشة وهو يقترب منه بحذر وتوجس مرددًا بنبرة متهكمة :
- طب ما وفرتش علينا التعب ده وجيت لنا بنفسك ليه؟
استرخى "مالك" بمقعده أكثر وهو يردد بنشوى مبتسمًا :
- هيكون فين المتعة في كده؟
طوف "أحمد" المكان كاملًا ليجده خاوٍ إلا من تلك الأريكة التي يحتلها "مالك" وبابًا جانبيًا يؤدي إلى غرفة نوم ومرحاض، ومطبخ صغير، ابتسم "مالك" بتهكم وهو يطوف المكان حوله مرددًا بسخرية :
- كنت محتاج فلوس، عشان كده معتش غير الكنبة دي، ودولاب جوه بحط فيه هدومي، أما الأكل فأنت عارف إننا نشتريه أحسن ميت مرة ما نضيع عمرنا في وقفة المطبخ.
عاد له "أحمد" بأنظاره الغاضبة وما زالت فوهة سلاحه مصوبة نحوه، ليردد بسخرية أكبر :
- أنا مش جاي أعملك كشف حالة، أنا جاي أجيب حق مظلوم.
اشتعل الغضب بقلب "مالك" وهبَّ من مجلسه صائحًا به بإستنكار :
- وأنا ما كنتش مظلوم؟! .. لما شوية عيال مش لاقية اللي يربيها تخبطني بالعربية وتطلع تجري واترمي في المستشفى زي الكلب ما كنتش مظلوم؟! .. لما يتسببوا ليا في إعاقة ويتقطع دراعي، ما كنتش مظلوم؟!.. لما يتسببوا في عاهة تقتل أي راجل وتخليه مش قادر يرفع عينه في عين مراته، ما كنتش مظلوم؟!.. لما اتحرم من مراتي وابني، ما كنتش مظلوم؟!.. لما ما قدرتوش تجيبولي حقي عشان البيه ابن الباشا ما كنتش مظلوم؟!
ابتسم "أحمد" ابتسامة جانبية متهكمة وهو يردد بسخرية :
- وانت كده بقا جبت حقك؟
حرر "مالك" ضحكة ساخرة وهو يُجيبه بتعالٍ :
- آه طبعًا جبت حقي، وجبته وأنا في غاية السعادة، لو شفت نظرات التوسل والذل اللي كانت في عينيهم وهما بيموتوا كنت اتأكدت إني خدت حقي، بس عارف إيه اللي كان مضايقني في الموضوع ده؟
حرك "أحمد" رأسه بنفي، ليسترسل هو بحقد كبير :
- إني برضه رغم كل اللي عملته فضلت نكرة ومحدش فكر فيا، ولا حد ربط بين الحوادث دي وقدر يوصل لقضيتي، كأني كلب مالوش أي قيمة، رغم الأسماء دي بالظبط هي اللي ما كلفتوش خاطركم حتى تقبضوا عليها وتحاكموها بتهمة قتلي!
أجابه "أحمد" باستنكار متهكمًا:
- تفتكر ماحولناش ندور على رابط بينهم الأربعة، أو أي صلة كانت صداقة أو معرفة أو أي حاجة، بس فعلًا ما كانوش يعرفوا بعض، كل واحد فيهم من مكان ومن طبقة مختلفة عن التاني خالص.
تعالت ضحكات "مالك" الساخرة وهو يلوح بيسراه هاتفًا:
- أصل "نزيه بيه سيف الدولة" كان عنده عادة حلوة شويتين، كان بينزل الشارع يصطاد من كل مكان عيل قذر زيه، ويروحوا مزرعة بابي يعملوا حفلة من إياهم، أصل مزاجه كان كده بقا..
واستطرد بحقد وغل دفين :
- عشان كده قررت أبعتهم كلهم جهنم وأكون أنا الخازن عليهم، كلهم راحوا بأمان وما تعذبوش في موتتهم، بس الحيوان اللي كان سايق هو طلعت عنيه بإيدي دي، عشان شافني وأنا غرقان في دمي وسابني وجرى، قطعته بإيدي عشان يعرف يعني إيه حتة من جسمه تتقطع، كنت ليهم عزرائيل ومالك مع بعض.
أشار "أحمد" برأسه نحو الخارج وهو يردد بجدية آمرًا :
- تعالى معانا، عشان "أمجد" اللي مرمى في السجن ده.
هز رأسه بأسى مرددًا بصوت شجي:
- "أمجد".. ده أكتر بني آدم بحبه وبحترمه في دنيتكوا دي، أكتر واحد ساعدني برواياته، أكتر واحد كنت بستنى كلمة منه عشان أقراها واتعلم منها، حتى يوم ما قابلته في الكافية كان عشان مصلحته، عشان أساعده.. القلم اللي وقعلي بيه الرواية وسيبته في شقة "نزيه" كان عشان أساعده.
ضيق "أحمد" عيناه بعدم فهم، ليسترسل "مالك" باسمًا :
- عشان يقضي اليومين دول في السجن، وكل المواقع تتكلم عليه، وكل الناس تدخل تشوف فيلمه، وينجح ويكسر الدنيا، وده اللي حصل فعلًا.. ما هو لو "نزيه سيف الدولة" مات.. الدنيا هتتقلب عادي، وكنتوا هتوصلولي أو أنا هاجي أسلم نفسي لأني خلصت حقي وأخدته لآخر نقطة دم، بس ما كانتش الضجة دي هتحصل على فيلم "أمجد"، ولا كان هينجح النجاح ده.. بلغوه إني آسف.. إني بحبه وبحترمه، وإنه دلوقتي يقدر يكتب حكايتي في رواية.
زوى "أحمد" ما بين حاجبيه بترقب ويقين بحدوث أمر ما، ليُشير برأسه نحو الخارج وفوهته تقترب من "مالك" أكثر مغمغمًا بصرامة :
- يلا يا "مالك".
ابتسم "مالك" ابتسامة واسعة وهو يلوي يُسراه خلف ظهره مستلًا سلاحه منه مصوبًا إياه نحو رأسه وهو يردد بهذيان:
- يلا.
وضغط زناد المسدس مُطلقًا رصاصته التي اخترقت رأسه نافذة نحو الحائط المقابل له.
استقل "أكمل" سيارته مهرولًا وهو يشير بيده نحو جانبها الآخر رامقًا "داليدا" التي كانت تهرول قاصدة سيارتها هاتفًا:
- اركبي هنا، مفيش وقت.
هزت رأسها له بموافقة وهي تركض نحو سيارته تستقلها إلى جواره، لينطلق مسرعًا مخلفًا وراءه دوي صرير سيارته، كذلك سيارة أخرى تُقل أربعة رجال أشداء من حراسته الخاصة. التفتت نحوه برأسها وهي تتشبث بمقبض باب السيارة بقوة مرددة بتساؤل :
- إحنا رايحين فين دلوقتي؟
أجابها "أكمل" بجدية وهو يحرك مقود سيارته بمهارة يتخطى بها السيارات أمامه:
- مش إنتي قولتي إن "مالك لبيب" ده متورط في القضايا دي بما إن الرواية بتكون عنده قبل دخولها المطبعة؟
حركت رأسها بموافقة ومعالم الذعر والقلق تنهش قسماتها، ليستطرد هو بتوعد :
- يبقا لازم نلحقه قبل ما يختفي، ما هو أكيد متأكد إننا هنشك فيه وهنوصله.
هتفت بصياح وهي تتعلق بالمقبض بقوة :
- وإنت تعرف "مالك" ده فين؟
إنعطف "أكمل" يسارًا يأخذ طريقًا جانبيًا صغيرًا وهو يردد بتأكيد :
- رجالتي زمانهم وصلوا له، أنا اديتهم التعليمات.
زوت ما بين حاجبيها بدهشة وهي تردد مستنكرة :
- إمتى؟!، أنا معاك من وقت ما قولت لك الموضوع.
انعطف "أكمل" نحو طريق جانبي آخر بآخره مزرعة خيول كبيرة، ليدب الخوف بقلب "داليدا" وتلتقط جوالها من جيب سروالها الخلفي مرددة بتماسك ظاهري :
- أكيد "إياد" وصل لحاجة، هتصل بيه.
ضغط "أكمل" مكابح السيارة بقوة، فسقط منها الجوال بأرضيتها، لتتسع عيناها صدمة وهي ترمقه بذعر حينما وجدته يقترب منها بقوة محاوطًا رأسها بكلتا يديه وهو يردد بصرامة :
- دورك وقف لحد هنا يا "داليدا".
وضربها برأسه ضربة قوية فقدت على أثرها الوعي، اعتدل بجلسته ثانية وهو يحرك مقود السيارة منطلقًا إلى المزرعة التي تحمل اسم الصواف وولج بوابتها مسرعًا بعدما فتح له حارس المزرعة بابها، وتبعه رجاله بالسيارة الأخرى.
توقفت السيارة تمامًا وترجل عنها "أكمل" مهرولًا يستدير حولها نحو الباب الآخر ليفتحه منحنيًا بجذعه إلى الداخل يحملها بين ذراعيه مهدلة الجسد، ويلج بها إلى البيت قاصدًا إحدى غرفاته العلوية، يلجها ويضعها على السرير برفق ملتفتًا صوب رجالة بحزم صارخًا :
- اتنين يقفوا قدام الباب هنا، واتنين تحت الشباك، مش عايز عنيكم تغفل عنها لحظة واحدة، ولو غفلتكم وهربت هيدفنكم صاحيين، فاهمين.
أماء له الرجال بموافقة واتخذ كل منهم مكانه، ليهرول هو مغادرًا المكان قاصدًا وجهة أخرى.
***********
بمبنى المجلة كان "إياد" يحاول التواصل مع "داليدا" يُطلعها على آخر المستجدات والتي كانت مفاجأة صادمة بالقضية، ليجدها دائمًا خارج نطاق التغطية. زفر زفرة قوية وهو يجذب مفاتيح سيارته مهرولًا هامسًا بحزم :
- لازم أروح لها عند "أكمل الصواف"، أكيد معاه دلوقتي، أو على الأقل يعرف هي فين.
واستقل المصعد ضاغطًا زر هبوطه وهو يحاول مرة أخرى الوصول إليها لكن دون جدوى، ليغمغم بحيرة :
- اتصل بـ "عبد الرحمن" وأحكيله، ولا هبقى كده بقلقه على الفاضي؟
صمت قليلًا شاردًا، ليتخذ قراره مع فتح أبواب المصعد ويغادره وهو يدق رقم "عبد الرحمن" يطلب منه مقابلة على الفور.
دقائق قليلة و كان "إياد" يتوقف بسيارته جانبًا خلف سيارة "عبد الرحمن" ويترجل عنها غالقًا إياها بهرولة وهو يركض نحوها مستقلًا إياها إلى جواره يتلاقط أنفاسه بمجهود مضنٍ، حتى هدأت قليلًا وبدأ يقص كامل الحكاية على "عبد الرحمن" الذي اشتعل غضبه وهو يضرب مقود السيارة أمامه بقوة صارخًا :
- طول عمرها ماشية بدماغها وفاكرة إنها هتقدر تصلح الكون.
والتقط جواله يحاول التواصل معها إلا أنه تلقى ذات النتيجة التي حصل على "إياد"، ليضرب المقود بيده ثانية وهو يصرخ جليًا :
- آه.
والتفت نحو "إياد" هاتفًا :
- كل الداتا اللي عندك تبعتهالي واتس آب حالًا، وأنا هكلم الرائد "أحمد العباسي" أفهمه كل حاجة وابعت له الداتا دي، وإنت تروح المجلة عشان لو "داليدا" رجعت في أي وقت، أما أنا فهطلع على شركة "أكمل الصواف".
هز "إياد" رأسه بموافقة وهو يضغط زر الارسال بجواله مرددًا بجدية قبل أن يغادر السيارة :
- كل الداتا عندك دلوقتي.
فتح "عبد الرحمن" الرسالة وقام بإعادة توجيهها إلى رقم "أحمد العباسي" حتى تأكد من وصولها ، ضغط زر الإتصال وانطلق مسرعًا بسيارته، فأتاه صوت "أحمد" وقص عليه كامل الأمر وسط زفراته الغاضبة، وأنهى الاتصال متوعدًا جميع من أخطأ في حق شقيقته بالانتقام.
*************
جمع "أحمد" قواته بعدما حصل على إذن من النيابة العامة بالقبض على المدعو "مالك لبيب" واستقل سيارة الشرطة منطلقًا نحو مسكنه الذي توصل "إياد" إلى عنوانه عن طريق دار النشر.
**************
توقفت سيارة "عبد الرحمن" أمام مقر شركة الصواف ليترجل عنها مهرولًا غير مبالٍ ببابها الذي تركه مفتوح خلفه، عبر الباب الرئيسي للشركة ليستوقفه رجل الأمن متسائلًا عن وجهته، رمقه بأعين من نيران وهو يشهر له بطاقة هويته، ليفسح له الرجل الطريق مرددًا باحترام وتقدير :
- اتفضل يا فندم.
ركض "عبد الرحمن" إلى الداخل باحثًا عن "أكمل" ليتقابل مع الفتاة التي قابلتها شقيقته من قبل، وتشير له إلى مكتب مديرة مكتبه "نغم". هرول نحو مكتب "نغم" واقتحمه بإعصار غضبه هاتفًا بها بحدة:
- فين "أكمل الصواف"؟
نهضت "نغم" من مجلسها وهي ترمقه بلا مبالاة مرددة بثبات :
- أستاذ "أكمل" مش موجود، وللأسف ما بيقابلش حد الفترة دي.
اقترب "عبد الرحمن" من مكتبها وصفعه بكلتا يديه صارخًا بها بغضب أكثر :
- أختي جات تقابله، ومن وقتها تليفونها مقفول، ومش عارفين نوصل لها، هتقولي هو فين ولا أخليها كوم تراب؟
حركت "نغم" رأسها بنفي وهي تمط فمها بلا مبالاة مرددة بهدوء مستفز:
- "أكمل" بيه فعلًا كان هنا الصبح، ومشي تقريبًا من أربع ساعات، ومفيش أي حد قابله النهاردة، ولا حتى طلب يقابله.
قتمت أعين "عبد الرحمن" هو ينفث نيران ملتهبة هاتفًا بها بوعيد :
- أختي جت الشركة، ومن وقتها اختفت، وقسمًا بربي لو اتمس شعرة واحدة منها لأحرقك مكانك إنت و "أكمل" بيه بتاعك ده.. وأختي أنا هعرف أوصل لها لو في آخر الدنيا.
وركل المقعد المقابل لمكتبها بقدمه بقوة حتى ارتطم بمنضدة زجاجية صغيرة خلفه فهشمها وتناثرت شظايا، وكان يطوفها بحمحم غضبه قبل أن يستدير مغادرًا المكتب والشركة.
تنفست "نغم" الصعداء وهي تسمح لجسدها بالتهاوي أعلى مقعدها ملتقطة جوالها تحادث مديرها هامسة بتحذير:
- أخو البنت جه هنا وكسر الدنيا، وحالف ليوصل لها لو في سابع أرض.
تلقت جواب "أكمل"، وهزت رأسها بموافقة ناهية الاتصال وهي تتنهد بقوة مسترخية إلى ظهر المقعد.
**************
توقفت سيارات الشرطة أمام البناية التي يقطنها "مالك" وترجلوا عنها مقتحميها بهرولة يتقدمهم الرائد "أحمد العباسي" الذي ركل باب الشقة بقدمه بعاصفة غضبه
فتنحى جانبًا طواعية كمن كان ينتظره مرحبًا، ولج إلى الردهة شاهرًا سلاحه وخلفه قواته ليتردد بأرجاء المكان صوت ساخر :
- اتأخرت ليه يا "أحمد" بيه، أنا مستنيك من بدري، حتى سايب لك الباب موارب.
قطب "أحمد" جبينه بدهشة وهو يقترب منه بحذر وتوجس مرددًا بنبرة متهكمة :
- طب ما وفرتش علينا التعب ده وجيت لنا بنفسك ليه؟
استرخى "مالك" بمقعده أكثر وهو يردد بنشوى مبتسمًا :
- هيكون فين المتعة في كده؟
طوف "أحمد" المكان كاملًا ليجده خاوٍ إلا من تلك الأريكة التي يحتلها "مالك" وبابًا جانبيًا يؤدي إلى غرفة نوم ومرحاض، ومطبخ صغير، ابتسم "مالك" بتهكم وهو يطوف المكان حوله مرددًا بسخرية :
- كنت محتاج فلوس، عشان كده معتش غير الكنبة دي، ودولاب جوه بحط فيه هدومي، أما الأكل فأنت عارف إننا نشتريه أحسن ميت مرة ما نضيع عمرنا في وقفة المطبخ.
عاد له "أحمد" بأنظاره الغاضبة وما زالت فوهة سلاحه مصوبة نحوه، ليردد بسخرية أكبر :
- أنا مش جاي أعملك كشف حالة، أنا جاي أجيب حق مظلوم.
اشتعل الغضب بقلب "مالك" وهبَّ من مجلسه صائحًا به بإستنكار :
- وأنا ما كنتش مظلوم؟! .. لما شوية عيال مش لاقية اللي يربيها تخبطني بالعربية وتطلع تجري واترمي في المستشفى زي الكلب ما كنتش مظلوم؟! .. لما يتسببوا ليا في إعاقة ويتقطع دراعي، ما كنتش مظلوم؟!.. لما يتسببوا في عاهة تقتل أي راجل وتخليه مش قادر يرفع عينه في عين مراته، ما كنتش مظلوم؟!.. لما اتحرم من مراتي وابني، ما كنتش مظلوم؟!.. لما ما قدرتوش تجيبولي حقي عشان البيه ابن الباشا ما كنتش مظلوم؟!
ابتسم "أحمد" ابتسامة جانبية متهكمة وهو يردد بسخرية :
- وانت كده بقا جبت حقك؟
حرر "مالك" ضحكة ساخرة وهو يُجيبه بتعالٍ :
- آه طبعًا جبت حقي، وجبته وأنا في غاية السعادة، لو شفت نظرات التوسل والذل اللي كانت في عينيهم وهما بيموتوا كنت اتأكدت إني خدت حقي، بس عارف إيه اللي كان مضايقني في الموضوع ده؟
حرك "أحمد" رأسه بنفي، ليسترسل هو بحقد كبير :
- إني برضه رغم كل اللي عملته فضلت نكرة ومحدش فكر فيا، ولا حد ربط بين الحوادث دي وقدر يوصل لقضيتي، كأني كلب مالوش أي قيمة، رغم الأسماء دي بالظبط هي اللي ما كلفتوش خاطركم حتى تقبضوا عليها وتحاكموها بتهمة قتلي!
أجابه "أحمد" باستنكار متهكمًا:
- تفتكر ماحولناش ندور على رابط بينهم الأربعة، أو أي صلة كانت صداقة أو معرفة أو أي حاجة، بس فعلًا ما كانوش يعرفوا بعض، كل واحد فيهم من مكان ومن طبقة مختلفة عن التاني خالص.
تعالت ضحكات "مالك" الساخرة وهو يلوح بيسراه هاتفًا:
- أصل "نزيه بيه سيف الدولة" كان عنده عادة حلوة شويتين، كان بينزل الشارع يصطاد من كل مكان عيل قذر زيه، ويروحوا مزرعة بابي يعملوا حفلة من إياهم، أصل مزاجه كان كده بقا..
واستطرد بحقد وغل دفين :
- عشان كده قررت أبعتهم كلهم جهنم وأكون أنا الخازن عليهم، كلهم راحوا بأمان وما تعذبوش في موتتهم، بس الحيوان اللي كان سايق هو طلعت عنيه بإيدي دي، عشان شافني وأنا غرقان في دمي وسابني وجرى، قطعته بإيدي عشان يعرف يعني إيه حتة من جسمه تتقطع، كنت ليهم عزرائيل ومالك مع بعض.
أشار "أحمد" برأسه نحو الخارج وهو يردد بجدية آمرًا :
- تعالى معانا، عشان "أمجد" اللي مرمى في السجن ده.
هز رأسه بأسى مرددًا بصوت شجي:
- "أمجد".. ده أكتر بني آدم بحبه وبحترمه في دنيتكوا دي، أكتر واحد ساعدني برواياته، أكتر واحد كنت بستنى كلمة منه عشان أقراها واتعلم منها، حتى يوم ما قابلته في الكافية كان عشان مصلحته، عشان أساعده.. القلم اللي وقعلي بيه الرواية وسيبته في شقة "نزيه" كان عشان أساعده.
ضيق "أحمد" عيناه بعدم فهم، ليسترسل "مالك" باسمًا :
- عشان يقضي اليومين دول في السجن، وكل المواقع تتكلم عليه، وكل الناس تدخل تشوف فيلمه، وينجح ويكسر الدنيا، وده اللي حصل فعلًا.. ما هو لو "نزيه سيف الدولة" مات.. الدنيا هتتقلب عادي، وكنتوا هتوصلولي أو أنا هاجي أسلم نفسي لأني خلصت حقي وأخدته لآخر نقطة دم، بس ما كانتش الضجة دي هتحصل على فيلم "أمجد"، ولا كان هينجح النجاح ده.. بلغوه إني آسف.. إني بحبه وبحترمه، وإنه دلوقتي يقدر يكتب حكايتي في رواية.
زوى "أحمد" ما بين حاجبيه بترقب ويقين بحدوث أمر ما، ليُشير برأسه نحو الخارج وفوهته تقترب من "مالك" أكثر مغمغمًا بصرامة :
- يلا يا "مالك".
ابتسم "مالك" ابتسامة واسعة وهو يلوي يُسراه خلف ظهره مستلًا سلاحه منه مصوبًا إياه نحو رأسه وهو يردد بهذيان:
- يلا.
وضغط زناد المسدس مُطلقًا رصاصته التي اخترقت رأسه نافذة نحو الحائط المقابل له.
