اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثامن عشر 18 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثامن عشر 18 بقلم صابرين

18- عاشقٌ لها في الكتمان
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
"مقتطف مستقبلي"
تنفست بصعوبة وهي تنظر من خلف زجاج السيارة إلى المبنى الذي يقع به مكتب النائب العام حيث سيتم التحقيق معها للمرة الثانية، ففي المرة الأولى تم التحقيق معها لأن الدليل كان قوي ألا وهي التسجيلات التي قلبت الناس عليها
وحينها كان موقفها ضعيف وتم التحفظ عليها في القسم وحدث ما حدث وضرب النساء لها، ثم نقلها إلى المشفى، والآن سيتم التحقيق معها للمرة الثانية لكن لا تدري لما وماذا سوف تقول، أخبرها حمزة عندما كانت في المشفى من يومين أن تطمئن وأنه سيتصرف بما أنه أصبح المحامي الخاص بها الآن
ورغم أن أبيها وأعمامها رفضوا أن يكون حمزة هو المحامي الذي سيدافع عنها بسبب صغر سنه وقلة خبرته بالتأكيد، لكن حمزة أكد لهم أنه قادر على إخراجها من هذه القضية
تدرك جيدًا أن حمزة يحبها ولديه مشاعر لها وهي لا تترك له فرصة أبدًا ليعبر عن هذا ولن تدع له فرصة أبدًا وعليها الآن التوقف عن التفكير بالأمر فلديها كارثة يجب أن تخرج منها
فتح لها والدها السيارة فخرجت وهي تستند عليه نظرًا للطعنة التي بجانبها لا تساعدها على الوقوف بإعتدال حتى الآن، ساندها من الناحية الأخرى عمها الأصغر حسن فقالت نور وهي تنظر إلى من أتى معها ولم ترى لا والدتها ولا واحدة من الفتيات فقالت :
-هى ماما مجاتش ليه؟!
وأجابها والدها بإستنكار قائلًا :
-وليه تيجي عمامك كلهم هنا وجوز عمتك وولد عمتك جاي في الطريق هو والمحامي
توقفت نور تنظر إليه بقلق وخوف :
-هو حمزة مفيش فوق؟ اومال انا هدخل لوحدى!؟
اجابها حسن يحاول أن يهدئها :
-اهدي وتعالي ندخل الوقفة هتتعبك كده
ساندها الاثنين للدخول إلى المبني ثم جعلاها تجلس على مقاعد الإنتظار إلى أن ينادي العسكري على اسمها من أجل أن تدلف إلى وكيل النيابة، وقد ظلت تنتظر لربع ساعة ولم يأتي حمزة حتى الآن فنظرت إلى اعمامها قلِقة ثم قالت :
-هو محدش جِه ليه انا مش عايزة ادخل لوحدي
تحدث عمها عبد الجواد وهو يُدخل هاتفه في جيبه بعد أن اتصل على إسماعيل وأخبره أنهم قادمين في الطريق :
-اتصلت على إسماعيل وقال انهم جايين وجايبين شاهدة تشهد على الواد دِه
اتسعت عيني الأخرى بذهول لتقول بشكل عفوي دون الإدارك لما تقول :
-هيجيب رحمة أخته تشهد زي ما قالي أكيد لأ مش هيخليها تقول حاجة عن نفسها زي كده
عقد عمها حاجبيه ليسألها بنبرة مريبة قائلًا :
-وهو قالك كده امتى؟ انتي في المستشفى بقالك يومين وهو مشفكيش خالص في اليومين دول
فكرت نور بسرعة في كذبة تختلقها، أجل هي لا تحب الكذب بل لا تطيقه لكن لن تخبرهم أنه أتى في وقت الفجر منذ يومين من أجل أن يتحدث معها :
-هو جه قبل كده مع ولد عمه يونس واتكلم معايا بخصوص الواد ده وعن تصرفاته في المدرسة حتى براءة كانت موجودة معايا يومها
آماء الآخر وصمت فقال حسن وهو يربت على يدها قائلًا :
-حاسة بتعب ولا حاجة من القعدة تحبي تتمشى شوية
نفت الأخرى برأسها ثم اضافت :
-مش حاسة بتعب كَد ما انا خايفة
-متخافيش حاسس اني المحامي ده هيطلعك من القضية
نطق بها حسن بثقة رغم أنه لا يطيق حمزة هذا بسبب نظراته المباشرة والواضحة لابنة أخيه لكن عندما طلب أن يكون هو المحامي الخاص بها وافقه في هذا لأنه رأي في عينيه أنه سيفعل المستحيل من أجل أن يبرئ نور من هذه القضية
استدارت الأعين إلى ناحية معينة وعندما أدرات نور رأسها ابصرت سليم يسير وأمامه والده ومحامي غزى الشيب رأسه دليلًا على تقدمه في العمر، توقفوا بالقرب من نور واعمامها بينما ذهب المحامي لينهي بعض الأشياء بخصوص دلوف سليم إلى وكيل النيابة
كانت هناك حرب باردة مشتعلة في الأعين خاصةً من أعمام نور الذين ودو لو يهبطوا ضربًا على سليم هذا ويكسروا عظامه هو وابيه لما فعلاه بابنة أخيهم سواءً التحرش بها أو تحريض النساء في الحجز على ضربها بهذه الوحشية
بينما نور كانت لا تحيد بنظراتها عن سليم ولم تكن نظراتها غاضبة بقدر ما كانت متحسرة عليه لتنطق بما في خلدها ناظرةً إلى عينيه بعمق :
-هترتاح لما تدخل السجن وتضيع مستقبلك علشان لمسات لا زادت ولا قلت في نفسك المريضة، نصحتك مرة وحذرتك التانية، والتالتة لما اتمدت عليا عملتلك فيها تمزق في الاربطة واديك هتتحبس أهو
نظر سليم إلى والده لا يدري بما يجيب فهو هنا معتمد إعتماد كلي على والده وذلك المحامي وما سيطلب منه قوله سيقوله دون تفكير
وقد اجابها سعيد غانم بنفسه هذه المرة قائلًا :
-لأ انا ابني لا هيدخل السجن ولا مستقبله هيضيع وهتشوفي
ابتسم له عبد الجواد متقدمًا بقوة وهيبة تمثلت في نظراته وكلامه القوي الخشن :
-ما احنا هنشوفوا وكله هيتشاف بس الصبر وحق بنت اخويا هنجيبه حتى لو مش بالقانون
اقترب منه المحامي الخاص بسليم قائلًا بمراوغة :
-علفكرة الكلام ده غلط عليك وعلى بنت اخوك وممكن يتقيد ضدها
اقترب محفوظ من عبد الجواد فكلام ذلك المحامي صحيح لكن عبد الجواد قبل أن يتحرك نظر إلى سليم ذو الوجه المكدوم والكف المصاب الملفوف بالشاش الأبيض ليعلو صوت عبد الجواد ببسمة مفتخرة :
-بنت ابوكي يا نورهان وتسلم ايديكي على اللي عملتيه في العيل ده، صدقيني فرحان كَد ايه علشان وريتي الناس كلها مش بناتنا اللي تتمد الايدين ليهم بالغلط وترجع سليمة
وهذا الحديث لم يعجب سعيد وكاد أن يأخذ رد فعل لولا أن العسكري نادى على ابنه فتحرك مع المحامي وخلفهم سليم مطأطأ الرأس
بينما استدار عبد الجواد إلى نور مضيفًا على حديثه :
-بس انا بعاتب عليكي في حاجة طالما ضربتيه واتصورتي والموضوع انتشر كنتي كسرتي ايديه الأتنين ورجليه بالمرة وفتحي رأسه، قليل اللي عملتيه فيه دِه
ابتسمت نور بسمة صغيرة لعمها رغم أنه ثار في البداية لكنها تعلم أن هذا من خوفه عليها فعمها عبد الجواد ورغم عصبيته إلىٰ أنه لا يترك حق عائلته ويأتي به ولو كانت جميع الظروف منقلبة ضده :
-معلش يا عمي اللي قدرت عليه بقى
-اهو حمزة جه أهو
نطق بها محفوظ فتحركت الأعين بإتجاه حمزة الذي كان يأتي مسرعًا من نهاية الممر وخلفه يونس وإسماعيل وبرفقتهم لؤي ورحمة، توقف حمزة أمامهم وعينيه تبحث عن نور لكنه لم يراها بينما قال محفوظ متسائلًا :
-اتأخرتوا كده ليه؟؟
-معلش حاولنا تاني مع الستات اللي في الحجز نخليهم يعترفوا إني حد حرضهم على ضرب نور بس ولا واحدة فيهم راضية تتكلم، واضح إني مدفوع كتير ليهم علشان يسكتوا، هي فين نور؟؟
-اهِه
نطق بها علي مشيرًا إلى ابنته التي تجلس بينه وبين حسن لكنها لم تظهر بسبب جسد عبد الجواد الواقف أمامها، نظر حمزة إلى نور وللحظات كانت عينيه تظهر بها الاشتياق والخوف فهو لم يراها منذ يومين ولكن أخفى هذا سريعًا نظرًا لأن جميع اعمامها موجدين ويحدقون به لذا قال بشكل عفوي :
-عاملة ايه دلوقتي؟؟
واتته الإجابة ساخرة من حسن يحدق به بشرار :
-تعبانة ومكسورة وخايفة زي ما انت شايف، معلش ربنا ما يكتبها عليك وتقعد قعدتها متهم في قضية وداخل لوكيل النيابة بعد شوية
رمقته نور بنظرة مصدومة من هذا الحديث القاسي من وجهة نظرها لتقول :
-هو انت بتعايرني يا حسن؟؟ انت بترش على جروحي ملح بكلامك ده
ربت حسن على كتفها بحنو قائلًا :
-انا بجاوب على سؤاله عملت ايه يعني؟؟
-وهو كلمة الحمد لله وحشة قلبت على البت المواجع قوم
هتف بها علي بحدة فقام الآخر متذمرًا ووقف بجانب أخيه ماهر بينما جلس حمزة على المقعد المقابل لنور تمامًا متحدثًا بجدية شديدة :
-بصي هندخل جوا هتحكي كل حاجة تعرفيها عن سليم وكل اللي عمله في أول مرة وتانية مرة حتى معاكي انتي، مش عايزك تخافي أي سؤال يتوجه ليكي مش عارفة اجابته انا هجاوب مكانك
-طب وبالنسبة للستات اللي ضربوني احكي برضو
تنهد حمزة ثم قال :
-هتحكيه بس للأسف مش معانا دليل اني سعيد عمل كده مفيش ولا واحدة من الستات اللي عملوا كده فيكي راضية تعترف
تحدث ماهر بنبرة غاضبة قائلًا :
-مش راضين يعترفوا يعني ايه؟ ما تجربوا أي حاجة إن شاء الله تدوهم علقة
واتته الإجابة من يونس مستهزئة :
-علقة أشد من اللي خدوها من الستات اللي وزِّيتهم عليهم؟؟ معتقدش، دول أكيد اخدوا فلوس أكتر من اللي اخدوها في الأول علشان يسكتوا وميفتحوش بوقهم بحاجة
نظر إلى رحمة ولؤي وبالتحديد إلى رحمة ليقول :
-بس مش مهم على الأقل عندك شاهدة تشهد معاكي ضد الكلب اللي دخل ده
اقتربت رحمة من حمزة ووقفت بجانبه محدقة في نور بحزن على حالها هذا فقالت الأخرى مبتسمة بسمة حزينة :
-شكلي مش اللي هو صح؟! أكيد بتقولي مين دي؟؟
-هما اللي عملوا فيكي كده؟!
آماءت نور بصمت فقال حمزة وهو يضم أخته بذراعه :
-رحمة عارفة هتقولي ايه جوا صح؟؟
هزت الأخرى رأسها بسرعة بينما قالت نور وهي ترمق رحمة بدهشة :
-كنتي خايفة تقولي لاخواتك وامك عن اللي عملوا، هتقولي ده دلوقتي قدام حد غريب!؟
وهذه المرة رمقها حمزة بلوم ثم أضاف :
-كنتي غلطانة لما خبيتي حاجة زي كده، انا سألتك تلات مرات ومكنتيش بتقولي الحقيقة، يمكن لو كنتي قولتي وقتها وكنت كسرت عضمه على اللي عملوا لأختي مكنش رفع راسه في واحدة أبدًا
طأطأت نور رأسها أرضًا ربما معه حق لم يكن عليها أن تخفي شيئًا كهذا لكن رحمة أوصتها ألا تفعل وهي لم ترد أن تكسر بخاطرها، ربت والدها عليها مخبرًا إياها أن هذا قدر ومكتوب بينما قال حمزة وهو ينظر إليها بتركيز :
-انا كتبت فيه محضر قبل ما نيجي هنا وزي ما هجيبلك حقك هجيبلك حقها ولؤي هيشهد باللي حصل يومها صح يا لؤي؟؟
آماء لؤي بإيجاب لتنظر إليهم نور بشكر حقيقي وهناك أمل بدأ يشع بداخلها ليضيف حمزة يزيد شعورها بالأمل أكثر :
-ومش بس دول الشهود اللي هيشهدوا، زي ما خلوا الرأي العام يتقلب عليكي بالفيديوهات اللي نزلوها هخليه يجي في صفك لما الطلاب في المدرسة يشهدوا ليكي باللي كنتي بتعمليه معاهم
-كنت بعمل ايه؟؟
تساءلت بها نور لا تتذكر شيئًا مما كانت تفعل فقالت رحمة مُذكرة إياها :
-كنتي بتعملي ايه؟ انتي بجد مش فاكرة؟! مش فاكرة تاليا لما جاتلها Period في حصة الرياضة والكل قعد يضحك وانتي حطيتي شال عليها وهزأتيهم كلهم علشان ضحكوا، مش فاكرة تامر أنه كان بيقعد طول فترة الاستراحة في الفصل علشان خايف ينزل الاولاد يتنمروا عليه وانتي جبتيله حقه لا واديتي أدهم درس في الأخلاق وعلمتيه التنمر وحش قد ايه، مش فاكرة رقىٰ لما جاتلك تعيط وقالتلك في واحد اتحرش بيها وانتي جبتلها حقها، مش فاكرة ولا مرة لما كنتي بتدخلي احتياطي وبتعلمينا عن الأخلاق والصلاة والألفاظ والأفعال الغلط المنتشرة في الزمن ده
ابتسم حمزة للسعادة التي تلتمع في عيني نور بوضوح فأكمل هو :
-دول كلهم هيشهدوا معاكي يوم المحاكمة وكمان هيطلعوا لايفات علشان يقولوا اللي كنتي بتعمليه معاهم على السوشيال ميديا
-إزاي دي هتروحوا لدول كلهم أمتى؟؟
ضحك يونس عليها ثم قال :
-ازاي؟ بقى حد يعرف رقية ويقول ازاي ينشر خبر على السوشيال في دقايق، دي رقية من صباح ربنا اخدت البنات وبتنزل لايفات للعيال دي هي وأهاليهم على المواقع كلها مش بس موقع جريدتها بس مش هتشوفي اللايفات دي دلوقتي لما تدخلي جوا
ابتسمت نور بشدة وودت لو تبكي من الأمل الذي كبر في داخلها، منذ يومين كانت بائسة وفي أشد حالات اليأس والآن اعطوها أمل في أن تخرج براءة، بل وتصبح أمام الناس امرأة طيبة وليست متوحشة متسلطة كما أظهروها :
-ده كله عملتوا في اليومين اللي فاتوا؟؟
اجابتها رحمة بنبرة ضاحكة إذ قالت :
-ده حمزة منامش بقاله يومين، لا نام ولا خلى حد ينام
حك حمزة شعره بشئ من الحرج وهو ينظر إلى نور، بينما الأخرى ابتسمت بسمة خجولة وابعدت عينيها عن ناظريه لينتفض كلاهما على صوت حسن والذي هتف بتهكم :
-ومنمتش ليه يا مِتر لازم تنام لأحسن قلة النوم تجيب هلاوس، ولا قدر الله يوم المحاكمة تجيب للبت إعدام بدال ما تطلعها من القضية
وصاح به أخيه حسين وهو ينكزه في جانبه بقوة حتى يصمت عن الصراخ ككلب أجرب داست عليه شاحنة :
-اسكت وحط لسانك في بوقك انت عمال تفول على البت
حمحمت نور لتحاول الوقوف من على المقعد محدثة رحمة لتقول :
-رحمة معلش اسنديني ادخل الحمام
سارعت رحمة في مساعدتها لتسير معها نور بخطى بطيئة تبعتها نظرات حمزة القلقة مغلفة باللهفة الواضحة فهمس له يونس بخفوت وتحذير وهو يجلس إلى جانبه :
-شيل عينيك بقى فضحتنا، عمامها كلهم موجودين حتى ابوها تلاقيه اخد باله منك
اخفض حمزة رأسه أرضًا يفرقع أصابعه بينما يرد ليونس بنفس الهمس الخافت :
-مش عارف بجد، وحشاني أوي بقالي يومين مطبق بسببها ومسمعتش صوتها فيهم حتى
نكزه إسماعيل دون أن ينتبه أحد لكن بالطبع الجميع يلاحظ همسهما الغريب هذا :
-طب واقع ماشي بس مش كده يا حمزة اتقل شوية
صمت حمزة ماسحًا على ذقنه النابتة، محدقًا أمامه في نقطة وهمية يراجع جملة إسماعيل في عقله
عن أي ثقلٍ يتحدث وهو سيجن من ثقلها هي، لا تترك له فرصة ليتحدث معها وتتهرب منه دائمًا، أجل يعلم بتدينها وحياءها الشديد لكنه كان يريد منها فرصة للتحدث معها ولكن الأخرى كانت تقول له بتهربها الدائم منه أن لا فرصة للتقرب منها إلا بالحلال
وهو لم يكن ينتوي لها أي شئ سئ بل كان فقط لا يريد التسرع مثل ما فعله مع خطيبته السابقة، كان يريد أن يعلم عنها أكثر، يراها أمامه، يتحدث معها ولكن لم يتلقى من نور في أغلب الوقت إلا الصد
يقول في أغلب الوقت لأنها احيانًا كانت تتبسم له من حين إلى آخر أو تختطف له بعض النظرات، متأكد من أنها تُكِّن شيئًا له كما هو يفعل لكن الفرق بينهما أنها تجاهد في ألا تُظهر هذا وتخفي وتمنع نفسها دائمًا من الوقوف معه أو مبادلته أي حديث
وهو على النقيض تظهر لهفته ومشاعره لها بوضوح خاصةً في الآونة الأخيرة بعدما اختفت لأكثر من شهر في بلدهم بسبب إجازة المدرسة، لم يعلم معنى أن تشتاق لأحد لدرجة أن تتمنى ولو تسمع صوته فقط إلا حين غابت هى
لم يعلم معنى الغيرة إلا عندما كان يشك دائمًا أن بينها وبين ياسر ابن عمها حب متبادل وهذا بسبب أريحية حديثها معه، كان يغار كثيرًا عندما يراها تقف وتتحدث معه بل لم يكن يطيق يوم الجمعة لأن ياسر يأتي ويسأل عن الفتيات في ذلك اليوم
وجُن في يوم من الأيام وسأله بطريقة غير مباشرة عن الأمر ليتضح أنه يعشق واحدة أخرى ونور هي نقطة الوصول بينهما بل وللعجب هي أيضًا نقطة المنع بينهما
اللهفة، يكون متلهف لرؤيتها وعندما تكون موجودة لا يستطيع أن يبعد عينيها إلا بصعوبة وقد لاحظ الجميع عليه هذا حتى والديه بل وزوجة عمه أسماء فتحت معه الموضوع بسبب نظراته التي تفضحه
يُقال أن الخوف على من تحب هي أول علامات الحب وهو لا يزال يتذكر أول مرة شعر بالخوف عليها، كانت عندما خرجت من المنزل الساعة التاسعة صباحًا وقد أذن المغرب وهي لم تظهر بعد
وما جعل الجميع يقلق عليها أنه عندما وجدوا سائق سيارة الأجرة ذاك أعترف أنه كان ينوي اختطافها لكنها جرحته بمقص في عنقه وفرت هاربة حتى أنها تركت جميع ما اشترته في السيارة ولاذت بالفرار
عادوا بعدها إلى البناية لتستقبلهم أسماء وهي تشعر بذعر حقيقي على ابنة أخيها لتتمسك في ابنها هاتفة بخوف شديد من أن يكون ذلك السائق فعل شيئًا سيئًا لها :
-ليقتوها صح!؟ اوعوا يكون عمل فيها حاجة؟
حاول إسماعيل تهدئتها بصوته الهادئ إذ قال :
-اهدي يا ماما هو معملش ليها حاجة الحمد لله خرجت من التاكسي بس مش عارفين هي فين، نزلت في سيدي بشر ودي منطقة واسعة جدًا مش عارفين ندور فين بالظبط وخلاص الليل نزل
-يعني اختي ضاعت يعني ولا ايه!؟
هتفت بها عائشة وقد كان وجهها شديد الإحمرار من شدة البكاء فلتوها منذ ساعة أتت من الجامعة وصُدمت بخبر عدم العثور على شقيقتها، أجل هي ونور دائمتان الشجار وهذا طبيعي لكونها اختين لكن والله لا تستطيع تحمل شيئًا سيئًا بها فها تبكي دون توقف ولا أحد يستطيع إصماتها
اقترب منها ياسر ووقف أمامها مباشرةً مع حفظه لمسافة ارغمها على نفسه لينظر إلى دموعها وشئ بداخله يهتز لهذه الدموع، وهو هكذا يقف دون القدرة على لمسها فقط لسانه هو ما يستطيع الكلام لذا حاول أن يخفف عنها قائلًا :
-هنلاقوها والله متبكيش
رفعت نظرها له بجفنين متورمين وكانت الحمرة تنتشر في حاجببها وانفها وعينيها بعدما تحولت عروقها الداخلية إلى اللون الأحمر، ارتعش قلب ياسر عليها لم يراها من قبل تبكي بهذه الطريقة فلطالما عهدها قوية جريئة ليس أي شيءٍ يُبكيها
ولكن رغم هذا يعلم أن محبوبته رقيقة وشديدة الحساسية إن مس سوءًا والديها أو شقيقتيها حينها تنكسر قشرة القوة ويظهر ضعفها الداخلي للجميع وهو لا يود أن يراها أحدهم في حالة الضعف هذه
ازدرق لعابه بتوتر لم تستطع عينيه أن تخفيه وهو يطلب من براءة أن تسحبها من أمام الجميع :
-براءة خديها تغسل وشها ومتخليهاش تبكي
فعلت الأخرى ما قال فظل ياسر ينظر إلى طيفها إلىٰ أن ابعد عينيه رغمًا عنه عندما قالت عمته أسماء :
-ياسر اوعى تكون قولت حاجة للي في البلد صفية تجنن والله على بنتها
هز الآخر رأسه بلا ثم نظر إلى شروق الواقفة بصمت وقلق ظهر في ملامحها ليسألها قائلًا :
-ملهاش أي حد تروح عنده؟؟ صاحبة، زميلة أي حد تعرفه في المدرسة
هزت شروق رأسها برفض ثم قالت :
-صحاب ايه يا ياسر ما انت عارف نور مش بتعرف تتصاحب مع حد وبتمشي دايمًا في حالها حتى مس ناهد معاها في المدرسة مش بتروح معاها ولا بتيجي معاها غير بتروح وحدها وبتيجي وحدها كل يوم
-فيه هاجر بشوفهم كل يوم بيقعدوا في الملعب في الحصص الفاضية أو الفسحة
نطقت بها ناهد متذكرة هاجر تلك الفتاة الخجولة التي تشبه كثيرًا نور في عدم اختلاطها بأحد وتفضيلها للجلوس بمفردها أو الجلوس مع نور، تحدثت شروق بسرعة لتذكرها أن نور تحدثت عن هذه الفتاة من قبل :
-ايوه نور تعرفها بس معتقدش إنها ممكن تبقى عندها لإني نور متعرفش هي ساكنة فين بس ممكن نتصلوا عليها
تحدثت حمزة بسرعة متسائلًا :
-معاكى رقمها؟؟
-لأ للأسف مع نور وتليفون نور مقفول جوا ومحدش يعرف الرمز
نظر حمزة إلى والدته لربما يكون معها رقم هذه الفتاة فقالت الآخر رافعة منكبيها بقلة حيلة :
-البنت دي منعزلة من وقت ما جات مش معايا رقمها
-بس أكيد في الإدارة طالما هي مُدرسة معاكم
نطقت بها رقية بتركيز فقالت الأخرى مُحبطة اياهم :
-ماشي في الإدارة لكن مفيش حد في المدرسة دلوقتي هنجيبوا رقمها منين
صمت وخيبة أمل خيموا على الجميع لتجلس أسماء على الدرج واضعة يدها على رأسها ترثي الحالة التي هم بها فقال محفوظ وهو يمسكها من كتفيها حتى تقف :
-تعالي يا أسماء اقعدي جوا متقعديش على السلم وإن شاء الله هنلاقوها
امتثلت أسماء لكلامه بينما استدار ياسر إلى الشقة التي يسكن بها الفتيات وقد رأى عائشة لا تزال تبكي فتنهد ووقف أمام الباب دون أن يدلف، لقد طلب نقل عمله من السويس إلى الإسكندرية حتى يكون بجانبها وكم كان متشوق ومتلهف لرؤيتها بعد أن غابت عن عينيه لأكثر من شهرين وكان يتوقع أن يكون اللقاء غير البحث عن نور المفقودة
كانت هذه أطول مرة لا يراها بها ففي العادة وبحكم عمله في إحدى شركات البترول هو يغيب لخمسين يومًا فعمله شهرين وعشرَ أيام إجازة وفي العشرِ أيام هذه يكون أكثر من متلهف لرؤية حبيبته... عائشة
تلك الصغيرة ذات العقل الراجح الذي لا يتناسب مع سنها فلطالما كانت عائشة أكثر الفتيات في العائلة حكمة حتى أنها أعقل من نور التي تكبرها بخمس سنوات، احبها كثيرًا ولربما تخطى كلمة حب معها فهو بدأ يدرك أنه يحبها منذ أن دلفت إلى الثانوية
ليس لأنها ابنة عمه بل لذاتها المميزة بالنسبة إليه
لا يزال يتذكر صدمة والديه عندما اخبرهم أنه يريد الزواج من عائشة، توقعوا أحدًا غيرها بالطبع فعائشة تصغره بعشر سنوات وهذا فارق ليس بصغير وايضًا ليس بكبير
حبه لعائشة يمتلك الكثير والكثير من العقبات أولهم فارق السن هذا
ثانيًا رفض عمه للإرتباط بعائشة بشكل رسمي وهذا لأن عمه لا يريد أن يكسر بنور لأنها الكبرى ولا تزال عزباء حتى الآن، فلا يريد جرح شعورها بزواج اختها الصغيرة أو الأقل ارتباطها بخطوبة وهي لا
ثالثًا عائشة نفسها لا تعلم عن حبه شيء فقد رفض عمه أن يصرح لها بأي شئ إلا في إطار رسمي، أجل وعده أن عائشة لن تكون لأحد سواه لكن بشرط أن يحافظ عليها من نفسه ولا يتقرب منها أبدًا، فأصبح كسجين يبصر المفتاح على بعد متران منه وينظر إليه بلهفة لكن القيود تمنعه من التحرك له
رابعًا عائشة لا تزال صغيرة وهذا اخبره به عمه فحتى إن تزوجت نور وهذه أكبر عقبة بالنسبة إليه، هو سينتظرها حتى تكمل العشرين على الأقل
خامسًا وهذه العقبة تراوده كثيرًا ولا يعلم اني كانت حقيقية أو لا، يشعر دائمًا ان عائشة لا تراه سوى ابن عمها وإن سنحت له الفرصة في التحدث إليها لا يرى منها سوى النظرات العادية رغم أنه على نقيضها تمامًا يذوب عشقًا بها
كل هذه العقبات تقف في وجهه وهو يجاهد للتمسك بها والمحافظ عليها بحبٍ طاهرٍ لا يشوبه أي شهوة أخرى
هو عاشقٌ لها في الكتمان، لو تعلم فقط هذه الصغيرة عن العاشق الذي يهيم بكل تفصيله بها لكنها تفضل تعذيبه بلامبالاتها المقصودة أو ربما غير المقصودة
رن هاتف في الداخل فاستقامت براءة واحضرته وقد كان هاتف نور ومكتوب على الشاشة اسم هاجر، رفعت نظرها إلى عائشة عندما تساءلت قائلة :
-مين بيرن؟ ماما صح؟؟
-لأ دي هاجر زميلة نور في المدرسة
اعتدل ياسر بسرعة في وقفته ثم دلف وسحب منها الهاتف وقد رد هو على الإتصال :
-الو
أما على الناحية الأخرى تعجبت هاجر أن الذي رد عليها رجل رغم أن نور اخبرتها أنها تسكن رفقة شقيقتها وابنتي عمها أي لا رجل معهم :
-الو مش ده تليفون نور مين حضرتك؟!
-انا ابن عمها
-آه تمام طب هي نور في المستشفى ينفع حد يجي ياخدها علشان انا مش عارفة بالظبط هي ساكنة فين
-مستشفى ايه؟؟
نطق بها ياسر متسائلًا ليأتيه نفس السؤال من عمته في الخلف فأجابتها براءة عوضًا عن ياسر الذي كان يستمع إلى العنوان :
-لقينا نور يا عمتي
-وهي في المستشفى!؟ حصلها ايه؟
أغلق ياسر مع هاجر واتجه إلى الخارج مناديًا على إسماعيل حتى يذهب معه فهو لا يعلم الكثير هنا في الإسكندرية :
-اســمـاعـيل تعالى معايا نجيب نور عرفت هي فين
اوقفته أسماء تحاول أخذ منه جملة تهدئها :
-يا ياسر البنت مالها بتعمل ايه في المستشفى
وأجابها الآخر بسرعة وهو يجذب ذراعها بخفة من كفيها الممسكان به :
-مش عارف يا عمتي هاروح اجيبها اهو، خليكي انتي مع البنات
أما على الناحية الأخرى أغلقت هاجر الهاتف ثم نظرت إلى نور الغافية والمعلق في يدها محلول خافض لحرارة، خرجت إلى الممر بضعف وهي تستند على الحائط ويدها على معدتها
-مالك انتي كويسة؟!
رفعت نظرها بسرعة إليه لتجده يقف مستندًا بظهره على الحائط فهتفت بإندهاش :
-هو انت لسه قاعد ممشتش؟!
رفع سفيان منكبيه مجيبًا إياها بعدم فهم :
-لسه قاعد عادي، فيه انتي بقى مش مظبوطة كده ليه؟؟
هزت الأخرى رأسها وهي تجلس على أقرب مقعد ثم قالت :
-بطني وجعاني وجسمي وجعاني شكلي اخدت دور برد تقيل
هز سفيان رأسه مغيرًا الموضوع إذ قال :
-اتصلتي على أهل البنت دي؟
-آه قالوا إنهم جايين في الطريق انا هستنى لحد ما يجوا لو عايز تمشي انت عادي انا هاروح بتاكسي
عقد سفيان ذراعيه متحدثًا معها بما يدور في خلده :
-علفكرة يا لوزة
-هاجر
-أيًا يكن، السواق مش هيطلع هو السفاح
رفعت الأخرى حاجبيها بإستغراب قائلة :
-وانت تعرف منين ما يمكن يكون هو؟
رمقته بإستغراب أشد ثم أضافت :
-هو انت تعرف مين السفاح؟!
آماء الآخر وهو يحدق أمامه بصمت فقالت الأخرى بفزع :
-تعرفه ومقبضتش عليه!؟ طب ليه؟
-علشان مفيش دليل قوي
ضحكت هاجر ساخرة على حديثه هذا ثم قالت :
-اومال عرفته منين من غير دليل يا حضرت الظابط بالاحساس!؟
أدار سفيان رأسه لها ببطء شديد أصابها بالخوف ليقول بنبرة شديدة الهدوء زادت الخوف في نفسها
-انتي بتتريقي عليا؟! لا ده انتي قلبك جامد بقى
-مش... مش قصدي والله انا بتكلم معاك بعفوية بس
لم تتغير ملامح الآخر ولو إنشًا واحد بل ظل يحدق بها بنفس الملامح الجامدة فصمتت هاجر ونظرت أمامها بصمت لكن ألم معدتها يزداد لا تدري ماذا أكلت وتسبب لها في هذه الآلام
-هو انتي ازاى ساكنة في العمارة من غير عقد أو إيجار أو أي حاجة
رفعت الأخرى منكبيها مجيبة على سؤاله الغريب هذا :
-عادل هو اللي سكني في الشقة دي ومقاليش على إيجار او عقد ملكية وانا مسألتوش
نظرت إليه بسرعة مُعرِّفة عن عادل حتى لا يظن بها شيئًا مشينًا :
-عادل يبقى ابن جوزي وهو اللي كان موجود بالليل قدام العمارة يوم ما بلغت عنك
-عارف
ارتفعا حاجبي هاجر بإندهاش لمعرفته مثل هذا الأمر فأكمل الآخر :
-وانتي ساكنة في العمارة من غير عقد علشان أصلًا العمارة بالمنطقة كلها تحت ايدهم، ليهم فيها نسبة كبيرة من وراء شغلهم في الاستثمارات
وزادت إندهاش الأخرى فلم تكن تعلم شيئًا كهذا وهذا بسبب عدم اهتمامها بأعمال العائلة أو مدياتهم، كل ما تعلمه أن لديهم شركة استثمارات كبيرة وأيضًا سلسلة مطاعم مشهورة في الإسكندرية، غير هذا لا تعلم
أدارت رأسها إليه بإنتباه مقترحة :
-طالما المنطقة تبع عيلة الدخيلي أقدر أطلب من عادل يساعدكم معتقدش انه ممكن يرفض
-إحنا عملنا كده فعلًا لما عجزنا نوصل للتسجيلات من غير تدخل مالكي المنطقة، بس لما لجأنا لعيلة الدخيلي اتضح اني الكاميرات العمارات كلها حتى المحلات متهكرة وهما بيحاولوا من مدة يلاقوا علاج للموضوع ده بس شكله هاكر شاطر أوي اللي عارف يسيطر على الكاميرات
-يعني مش كفاية السفاح قتال قتلة كمان هاكر محترف
نطقت بها هاجر بتبرم لتصمت قليلًا لكنها لاحظت أن سفيان يحدق بها بشدة وبطريقة غامضة مخيفة فأزدرقت لعابها بتوتر ثم قالت :
-هو... هو حضرتك بتبصلي كده ليه؟! انا بخاف علفكرة من نظراتك دي
فك سفيان عقدة ذراعيه ليقف أمامها مباشرة يفصلهما مترًا واحدًا ليضع كفيه داخل جيوب بنطاله وعينيه لا تحيد عنها ثم تحدث بصوت هادئ بث لها الرهبة رغم هدوءه :
-تعرفي انا بقالي في المنطقة شهر وأكتر، وفي الفترة دي كنت براقب كل السكان خاصةً العمارة اللي انا قاعد فيها وعرفت معلومات عن الكل بس أكتر شخص كان الوصول لمعلوماته صعب هو انتي، ولحد دلوقتي فريق البحث بتاعي بيجمع معلومات عنك
عقدت الأخرى حاجبيها متراجعة بجسدها إلى الخلف إلىٰ أن التصقت بالحائط لتقول بتوتر أسفل نظراته المربكة لها :
-غريب؟! مع اني بسيطة أوي مفيش حاجة تستخبى في حياتي
-يا راجل!؟ ده كل ما توصلي معلومة عنك بتفاجأ أكتر من الأول
اقترب منها قليلًا مربكًا اياها أكثر بطريقة مقصودة منه ثم قال :
-هاجر حاكم عبد السلام يتيمة الأم والأب معندكيش أي قرايب، مقطوعة من شجرة يعني علشان كده الوصول لمعلومات عنك كان صعب، انتي أرملة حاتم الدخيلي اللي اتجوزتيه من عشر سنين بعد وفاة ابوكي وأمك وتعرفي العجيب جدًا إني حاتم مات مقتول وانتوا بنفوذكم خبيتوا الموضوع على الناس وقولتوا إنه مات موتة طبيعية
هزت هاجر رأسها بفزع شديد لإكتشافه شيئًا كهذا بل ومن نظراته هذه يتهمها بقتله :
-انا مقتلتوش والله حتى مش انا اللي خبيت الموضوع، ولما حققوا معانا في السر انا مكنتش محل الشك، محدش في العيلة قتله ولا حد كان مشكوك فيه واتقيد الموضوع ضد مجهول
-بس سعاد مراته الأولى اتهمتك انك انتي اللي قتلتيه وطلعتي منها علشان الطبيب الشرعي قال إنه مات مسموم بسم طويل المدى بيقعد تلات أيام ومات في اليوم التالت بطريقة مفاجأة حتى أنتوا معرفتوش أنه كان مسموم غير من الطبيب الشرعي واتقيد ضد مجهول علشان في الوقت اللي المفروض حاتم اخد فيه السم كان مسافر برا مصر ولما رجع بلده بيوم مات
-والله ما انا اللي قتلته
نطقت بها وترقرقت الدموع في عينيها فقال سفيان وبحكم عمله لم يشعر بشفقة نحوها ولم يهتز من الأساس :
-دي معلومة عرفتها عنك ومعلومة كمان زادت حيرتي فيكي أكتر، انتي من كام سنة كنتي بتتعالجي نفسيًا والغريب إنك كنتي بتتعالجي في البيت من غير ما حد يشوفك ولا يعرف اصلًا إنك بتتعالجي، حتى الدكتور كان من برا مصر؟! والأغرب من كده إنك كنتي بتتعالجي من الهلاوس كنتي بنتخيلي حاجات كتير والموضوع كان بيوصل معاكي لضرب نفسك واللي حواليكي وده اللي قالته الخدامة لما استجوبناها
-بس أتعالجت والله حتى اتصلك على الدكتور ده واسأله بنفسك
نطقت لها بسرعة ولهفة فقال الآخر وهو يخرج كفيه من جيوبه ويعقدهما خلف ظهره :
-لأ مش محتاجة إحنا اتكلمنا معاه فعلًا وقال إنك اتعالجتي بس يا لوزة قالي حاجة خلتني احطك ضمن التلاتة اللي انا شاكك إنهم السفاح، قالي إني حالتك النفسية لو كانت اتأخرت من غير علاج كانت هتوصل لإنفصام في الشخصية، انتي فاهمة يعني ايه يبقى عندك إنفصام في الشخصية؟
تنفست هاجر بصعوبة وهي تضغط بكفها على معدتها بسبب تزايد الآلام عندها وقد لاحظ سفيان هذا لكن لم يعلق :
-انا... انا معنديش... انفصام.... معنديش انفصام في الشخصية
-وانتي تعرفي منين اللي انا اعرفه اني المريض بالمرض ده يبقى عنده شخصيتين، أحيانًا ميبقاش عارف الشخصية التانية بتعمل ايه بالظبط لما تظهر، ده غير إني بسمعك كل ليلة بتعيطي واحيانًا بتصرخي
شعرت الأخرى بصدمة من حديثه ورعب من أن يكون حقيقي، هل هي تعاني من انفصام؟ هل هي بالفعل السفاح وهي لا تدري؟!
مال قليلًا فأصبح وجهه مقابل لها مع بعض المسافة ليحدق في بنيتيها الدامعتين قائلًا :
-انا كنت شاكك فيكي الفترة اللي فاتت لحد يومين بس لما اتقلتت المذيعة اللي اسمها مروة والطبيب الشرعي قال الوقت اللي ماتت فيه واللي نفسه الوقت اللي انتي كنتي موجودة فيه في القسم معايا لما بلغتي عني
ابتسم ابتسامة هادئة يحدق في دموعها التي تسيل على خديها وملامحها المصدومة الشاحبة ليقول بنبرة شديدة الهدوء ليس وكأنه كان يحرق في اعصابها منذ ثوانٍ :
-معلش لو طريقتي خضتك بس إحنا في أمن الدولة بنتعامل بالطريقة دي، بنلعب على أعصاب المجرم بكل الطرق الممكنة علشان ناخد منه معلومات، وبصراحة لسه مخرجتكش بشكل كامل من دايرة الشك، مش معنى انك كنتي متواجدة معايا لما اتقتلت آخر ضحية اني ده معناه إنك بنسبة ١٠٠٪ مش السفاح
مسحت هاجر عينيها من الدموع هاتفة بدفاع وغضب لطريقته هذه والتعامل معها على أنها مجرمة :
-بس انا مقتلتش حد، انا لو فعلًا عندي انفصام زي ما بتقول كان أول ناس هقتلهم هما عيلة الدخيلي، هقتل ليه ناس معملوش ليا أي حاجة واسيب الناس اللي اذوني عشر سنين من حياتي
تأوهت بصوت مرتفع وهي تتقوقع على نفسها ضاممة معدتها بذراعيها فقال سفيان وهو يشعر أن بها مكروهًا فهي على هذا الحال منذ أن دلفوا إلى المشفى، نظر حوله بحثًا عن طبيب أو ممرضة رغم أن ساعة العمل انتهت لكن بالطبع هناك طبيب بدوام مسائي هنا
أوقف بسرعة ممرضة ظهرت في بداية الممر ليسألها قائلًا :
-لو سمحتي فيه دكتور هنا المدام دي تعبانة ومش عارف هي أكلت ايه شكل عندها تسمم الحقيها لتموت
اتسعت عيني هاجر بصدمة صارخة :
-تسمم وأموت حرام عليك انت بتفول عليا؟! انت معندكش أي إحساس ولا ذوق ابدًا
رفع الآخر حاجبه بتهكم لا يعجبه حديثها فلو كان لا يمتلك أي ذوق أو إحساس لما أتى معها إلى المشفى؟ ولما يوقف الآن ممرضة حتى تساعدها :
-فعلًا والله خيرًا تعمل شرًا تلقى
نظر إلى الممرضة ثم اضاف بينما يخرج هاتفه الذي يرن من جيبه :
-شوفيها لو سمحتي ولو عندها تسمم اعمليلها غسيل معدة انا لسه محتاجها
تركهما وتحرك بعيدًا بعد أن رأى أن المتصل عمر أخيه، بينما اقتربت الممرضة من هاجر وساعدتها على الوقوف حتى تذهب معها إلى الطبيب الموجود في هذا الدوام المسائي
وأثناء سيرهما توقفت هاجر في الطريق وبدا على ملامحها أنها تود التقيئ فقالت الممرضة بسرعة :
-عايزة ترجعي!؟
أشارت بأجل فسارعت الأخرى وقربتها من إحدى سلة المهملات الموضوعة في الممر فتقيأت هاجر وما إن انتهت حتى جلست أرضًا بإعياء وهي تمسح فمها بمنديل أعطته لها الممرضة ثم قالت :
-شكلك أكلتي حاجة مش نضيفة أو بايظة
هزت الأخرى رأسها بنفي ثم قالت وهي تضم معدتها التي تؤلمها بيدها بقوة نوعًا ما :
-لأ انا أصلًا مأكلتش حاجة ومليش نفس من الصبح مع إني إمبارح كان نفسي آكل حاجات كتير
ابتسمت الأخرى ابتسامة أقرب للضحك ثم قالت وهي تنظر إلى كفيها وبالتحديد إلى أصابعها :
-هو الراجل اللي كان واقف معاكي يبقى جوزك؟؟
جفلت الأخرى من هذا السؤال وتمنت لو ان ما أتى في رأسها يكون غير صحيح :
-ليـ.... ليه السؤال؟!
-أصل دي أعراض حمل حضرتك وممكن تكوني حامل!؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أغلق الثلاجة بحثًا عن أي شئ يشربه لشعوره الشديد بالظمأ ليبصر زجاجة عصير مختبئة في الثلاجة، سحبها بسرعة دون الاكتراث أنها قد تكون لأحد أشقائه لكن هل سيهتم؟؟ لا فليذهب كلاهما للجحيم
فتح الزجاجة وكاد أن يتجرعها دفعة واحدة لكنها سُحبت من يده ثم تلىٰ صياح يعلم صاحبه يقول :
-ايـــه عندك هترميها في بلاعة ولا ايه دي بتاعتي
حدق بها الآخر بضيق ليمد يده حتى يأخذها قائلًا :
-طب هاخد شفطة وأرجعهالك يا رقية عطشان
صاحت به الأخرى بنفس النبرة وهي تشير إلى الصنبور من خلفه :
-ما عندك حنفية اهو اطفح منها
اتسعت عيني يونس مصدومًا من لفظها هذا والذي بالطبع تعلمته من اختلاطها بجميع درجات عامة الشعب :
-عندي ايه!؟ وكمان اطفح ده انتي يومك مش معدي النهاردة
ما إن ختم حديثه حتى سحب أحد أدوات المطبخ دون أن يبالي ثم ركض خلفها في أرجاء الشقة ولم يبالي أيضًا بصياح والدته بأن يتوقفوا، صاحت رقية منادية على والدها فقال يونس بشر من خلفها :
-أبوكي مسافر يا عسل ووالله ما حد هينجدك مني النهاردة يا رقية والله لأربيكي واطلع عليكي القديم والجديد
ولم تجد الأخرى حلًا غير الاستنجاد بيوسف ففرت إلى غرفته تحتمي بها وهي تنادي بصراخ عليه، بينما الآخر كان يهم بالخلود إلى النوم عندما استمع إلى صراخ شقيقيه فزفر بضيق وهي يتجه إلى الخارج وإذ به يصطدم برقية والتي اختبأت خلفه بسرعة وتجعله هو في وجه يونس
رفع ذراعيه بسرعة يمنع الآخر من الوصول إليها بينما صاح يونس بشر وهو يحاول الإمساك برقية :
-يا يوسف اوعى أبوك مفيش علشان يدافع عنها سيبني اديها علقة البنت دي
تحدثت الأخرى من خلف ظهر يوسف شاهقة بصدمة بدت مصطنعة بشدة :
-عايز تضربني علشان أبوك مش موجود هي دي الأخوة يا عديم الرجولة
-يا يوسف سيبني اضربها دي لسانها عايز يتقص منه مترين
دفعه يوسف ناحية الفراش فسقط الآخر بقوة نوعًا ما لثقل جسده، وتزامنًا مع سقوطه أطلق تأوه مرتفع بسبب اصطدام رأسه المصابة في ظهر الفراش ففزع يوسف على أخيه وهرول إليه يتفحصه بلهفة قائلًا :
-يونس انت كويس حقك عليا مش قصدي ازقك جامد كده
وأتته الإجابة ساخرة من رقية إذ قالت :
-يا عم انت صدقته ده بيستهبل ولا بيأثر فيه ضرب نار حتى، طب سيبوا كده وهو يقوم ياكلنا إحنا الإتنين
رمقها يونس بشر ولولا ألم رأسه لوقف وأبرحها ضربًا فقالت الأخرى وهي تلقي له زجاجة العصير ثم اتجهت إلى الخارج :
-خد مع إنها خسارة فيك بس اعمل ايه في طيبة قلبي اللي جيباني وراء
ألقى الآخر عليها الزجاجة باصقًا عليها بتصنع ثم قال :
-لا كتر خيرك مش عايزها
ضحكت الأخرى وهي تهجم عليها مراعية الإبتعاد عن رأسه لتدغدغه عالمة أنه يكره هذه الحركة لتفاعل جسده معها فصاح الآخر وصوته اختلط بالضحكات التي حاول أن يخفيها خلف غضب
ابتسم يوسف وابتعد عنهما وأخذ هو زجاجة العصير وأخذ يشرب منها تزامنًا مع إتصاله على إسماعيل حتى يسأل إن كانوا احضروا ابنة خاله هذه أم لا تزال مفقودة، وأجابه الآخر بأنهم وجودها في المشفى بالفعل وقادمين في الطريق
أغلق يوسف الهاتف ونظر إلى أخويه اللذان كانا يحدقان به في غضب فقال بتعجب :
-فيه ايه؟!
-في الآخر انت اللي شربت ازازة العـــصـيـر
صاح بها كلاهما في نفس اللحظة فألقى الآخر الزجاجة متحدثًا بعجرفة مصطنعة :
-ايه يعني خسارة فيا ما انا طول عمري بسيبلكم حاجاتي
ابتسمت رقية بخبث ليعلم الآخر نواياها التي لن تروق له فقال رافعًا إصبعه في وجهها بتحذير :
-عارفة لو قربتي مني هضرب علطول
ضحكت رقية وفضلت عدم الاقتراب فهو يده ثقيلة بالفعل ولا تريد أن تترك يده أثرًا على جسدها، رن هاتفها الساقط أرضًا بسبب مزاحها مع يونس وما إن أبصرت اسم عمر يعلو الشاشة حتى سارعت في سحب هاتفها وتخبئته بكفها من ثم وقفت هاممة بالخروج :
-انا هرد على التليفون وجاية
خرجت بخطوات سريعة دون الإستماع إلى إجابة فقال يونس وهو يعتدل يبحث عن الأدوية التي احضرها معه من المشفى :
-روحي منك ليه حاسس دماغي هتتفلق، يوسف أنهي المسكن في دول
رفع رأسه إلى أخيه عندما لم يتلقى أي إجابة ليجده شاردًا بشكل غريب ففرقع أصابعه أمام عينيه جاذبًا انتباهه ثم قال :
-ايه يا يوسف روحت فين كده؟؟
-اسم عمر كان مكتوب على الشاشة
نطق بها الآخر ولا يزال الشرود يجذبه فقال يونس بعدم فهم :
-شاشة ايه؟ انا مش فاهم حاجة!؟
أدار يوسف رأسه إليه هاتفًا بجدية شديدة وقد كانت الحيرة تنعكس في عينيه :
-اسم عمر على شاشة تليفون رقية، اللي بيتكلم معاها دلوقتي عمر!؟
صمت الآخر بشكل مريب ليميل برأسه وانعكست في مقلتيه الحدة فآخر ما يريده هو أن تفعل اختهم شيئًا من خلف ظهورهم :
-عمر مين؟؟
-هو فيه عمر ممكن يكون في حياة اختك غيره
نطق بها يوسف بشئ من الحدة يحاول ألا يجعل الغضب يتحكم فيه قبل أن يتحدثا معها في هذا الأمر، فإن كانت اختهم تتحدث بالفعل مع عمر دون علمهم والرجوع إليهم في شئ كهذا، فهذا يعتبر كسر ثقة ليست بهينة
قطع هذا الصمت الذي حل عليهم لثواني عودة رقية لكن بدت على ملامحها الحماسة الشديدة وهي تصيح قائلة :
-يونس قوم يا يونس بسرعة
وقف الآخر لا يدري ماذا حدث فجأةً لها حتى أنه لوهلة نسىٰ أمر عمر :
-فيه ايه؟؟ حصل ايه!؟
-السفاح ناشر بث مباشر ورايح يرمي واحدة تانية من فوق عمارة، ومش هتصدق لو قولتلك العمارة دي فين؟؟ في ميامي هنا


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close