رواية مولاي سمعا وطاعة الفصل الثامن عشر 18 بقلم رؤي صباح مهدي
الفصل 18
اللحظة التي غيرت كل شئ
قبل سنوات
"سيدي اللورد, لقد وصلت عروسك"
تفرس مكواير بمستشاره قليلا وسأله:
"هل تبدو كما اللوحة "
يقصد الصورة التي ارسلها الملك ويليام لمكواير وفيها رسمة لايفيلين ليعرفه عليها وهذا بروتوكول شائع بين زيجات النبلاء. رد المستشار وهو يتبسم:
"بل اجمل بكثير"
ظهرت ابتسامة على شفتي العجوز مكواير ونهض من مكانه ليستقبلها.
سارت ايفيلين التائهة المهدية من الملك للماركيز كي يحثه على اعادة العلاقات بينهما وكدليل على حسن النية. تشعر بالضياع امام كل هذه الوجوه التي تنظر اليها بلا اي ابتسامة ترحيب ولا حتى نظرة ود لها. قادتها سيدة محترمة الى غرفة خاصة بينما حمل متاعها شاب في مقتبل العمر من الخدم. همهمت ايفيلين بينما السيدة التي تقودها تفتح الباب لها:
"هل الماركيز في هذه الغرفة؟"
ردت السيدة بتحفظ:
"ليس قبل ان يتأكد من خالص ولائك له"
ثم دعتها لتدخل الغرفة الفارهة وشعرت ايفيلين ان استقتال ويليام ليحصل على علاقة جيدة مع الماركيز لها اسبابها التي فور ان رأت رفاهية هذا الرجل ومايملكه فهمتها كليا. ابتلعت ريقها ورفعت رأسها للاعلى لتقول لها السيدة:
"ليدي ايفيلين. تفضلي"
نظرت ايفيلين الى ما في يد المرأة وكانت حزمة ملابس حريرية وحذاء جلدي دقيق الصنع. اكملت السيدة بينما ايفيلين تنظر اليها:
"يجب عليك ان تخلعي ملابسك. وصيفاتك سيساعدنك بالامر"
ثم نادت على الوصيفات بينما دخلن ومعهن رجل شعرت ايفيلين من شكله وما يحمله في يده انه طبيب. بدأن يخلعن ملابسها عن جسدها وشعرت بالاحراج البالغ والخجل وقبل ان يبدأن الباسها اقترب منها الرجل الذي صح اعتقادها بانه الطبيب بعد ان عرف نفسه لها ثم بدأ يتفحص جسدها حتى واخيرا سالها:
"هل انت عذراء يا سيدتي؟"
رغم انها لم تكن, اصطنعت الخجل وردت:
"انا كذلك"
تبسم الطبيب ورد عليها:
"اذا لن يكون لديك مانع من ان اتأكد . لا تقلقي لن يكون مؤلما"
شعرت بالذل والخوف في نفس الوقت. اذا اكتشف الطبيب انها ليست عذراء ماذا يا ترى سيفعل بها الماركيز. نظرت في وجوه الخادمات بينما تحيط ذراعها بمنامتها البيضاء الناعمة. قالت للطبيب:
"انت لا تثق بكلمتي؟"
همهم ناظرا الى الارض:
"انها اوامر الماركيز يا سيدتي"
سألته بحذر وخوف:
"هل الماركيز يراقبنا الان؟ هل يستمتع برؤيتي اهان بهذا الشكل؟ انا قريبة الملك. ان لم يكن يعرف فانا اخت الملكة"
اجاب الطبيب بتحفظ:
"المتبناة. مع هذا فالماركيز حريص كل الحرص على احترام الاتفاق بينه وبين الملك ولكن هو يريد عروسا عذراء والملك اخبره في رسالته ان هذا ما سيحصل عليه لذا..."
تبسمت ثم قالت للطبيب:
"لا بأس هيا افعلها"
ثم تمددت على سرير وثير بينما شعر الطبيب بالحرارة تسري في انحاء جسده وهو ينظر اليها بتلك الوضعية. بعد ان فحصها علم ما كانت تخفيه وهي شعرت ان هذه قد تكون فرصتها لتنتقم من ويليام وآن. بعد ان انتهى الطبيب غطت نفسها وخرج الطبيب لتقول السيدة المشرفة على كل هذا:
"هيا ساعدن الماركيزة لتغتسل"
قادتها الوصيفات لحمام فاخر ممتلئ بالماء الدافئ لتجلس فيه بينما يغسلن جسدها ثم عندما اكملن خرجت من الماء لتلبس ملابسها الجديدة.
مرة اخرى نقلتها تلك السيدة الى مكان اخر من القصر واجلستها ثم تركتها لوحدها تنتظر. ولم يطل انتظارها طويلا فقد دلف الى المكان رجل عرفته على الفور من صوره التي رأتها, الماركيز العجوز. لم تنظر في عينيه لانها لم تعرف ماذا سيحصل تاليا. شعرت ان الماركيز سيكون غاضبا لان ويليام وعده بامر ولم يوف به ولكن هي ما مصيرها وسط كل هذا. تفاجأت عندما قال لها الماركيز بينما كانت تؤدي له تحية الاحترام ممسكة بطرف ثوبها وبكل تواضع مطأطأة راسها:
"تفضلي ارجوك"
وجلس هو الاخر عندها قال مخاطبا خادما يقف في الظل كأنه قطعه اثاث:
"صب لنا كأسين من البوربون وابعد هذا الشاي من امامي"
انصاع الخادم بينما لازالت ايفيلين مطأطأة رأسها. وجه اليها الحديث هذه المرة:
"هل تشربين البوربون ؟"
ابتلعت ريقها وردت:
"اذا اردت مني ان اشربه ساشربه يا سيدي اللورد"
قهقه عاليا ورد:
"لقد خدعني ويليام مرة اخرى.. انه رجل مخادع ولكن.. لايمكن ان احمل هذا ضده فالسياسية يا عزيزتي ايفيلين تتطلب الخداع. وليس اي خداع. يجب ان يكون محكما لا يمكن رفضه جميلا ورقيقا وصغيرا في السن. اخبريني هل يتحدث بالسوء عني؟"
همست بصوت بالكاد يسمع:
"يخافك وان كان يكرهك"
ظهرت ابتسامة رضا على شفتيه المحاطتين بالشارب الرمادي ورد عليها:
"لقد قبلت عرض الزواج الذي يعرضه ويليام. ولكني غير واثق اني مستعد الان لوضع كل شي املكه تحت تصرفه"
--
الان
سقط ومات.. هذا هو السبب الوحيد لوفاة الماركيز الذي عمّر طويلا في هذه الحياة حتى ان لا احد ناقش ايفيلين باسباب الكدمة التي على رأسه ولا بركة الدماء التي تحته. الكل في هذه الايام مشغولون بما حصل للملك ويليام وعائلته بين مصدقين ومكذبين. النبلاء الذي كانوا حاضري الحفلة نشروا الخبر كالنار عندما تنتشر في زرع يابس. الكل يجلس الان على جمر منتظر الخطوة التي سيقوم بها جونثان. وموت الماركيز مكواير كان خبرا ثانويا امام كل الاثارة التي تحصل.
عندما سمع جونثان بالخبر لم يكن لديه ادنى شك ان ايفيلين لها يد فيما جرى ولكن هو الاخر كان في منتصف حرارة حدث اهم من حياة رجل عجوز عاش عمره كاملا رغم ان مكواير وعد جونثان بمساعدته, لم يكن لدى الاخير ادنى شك من ان ايفيلين ستقدم مساعدة اكبر له.
--
شعرت جوفين بتحسن كبير ورغم فقدانها الذاكرة الا ان زوال الكثير من الالم اشعرها بالرضا والامل.. لم تكن ماتيلدا في البيت عندما نهضت صباحا لذا خرجت من الباب الخلفي للاسطبل وفيه حصان واحد يملكه ابراهام. كان الحصان في منتهى السعادة عندما وضع له صاحبه العلف ثم مسد على ظهره بلطف فتبسمت تلقائيا. لمحها ابراهام وركض ناحيتها وقلق واضح على وجهه سرعان وما اختفى حين قالت:
"اشعر برغبة في الخروج من هنا. انه يوم جميل"
هز ابراهام راسه معارضا اياها وقال:
"الغيوم تتلبد في السماء. سينزل المطر قبل الظهيرة. تعالي ساعد لك بعض الطعام"
شعر بحرية كبيرة في مسك يدها وتلمسها وهذه الحرية تزداد يوما بعد يوم. تحركت خلفة بينما يسحب كفها بلطف ثم اجلسها واعطاها بعضا من الحساء الذي اعدته والدته واكلته ثم قالت له:
"ابراهام. ارجوك اجلس . اريد ان اتحدث معك. عسى ولعل اتذكر شيئا "
جلس بجانبها قريبا منها وهمس بينما يركز في عينيها الصافيتين:
"ولماذا عساك تريدين التذكر يا جوزفينا. صدقيني بعض الاشياء نسيانها يكون افضل"
ضيقت عينيها وسألته:
"ماذا تعني؟"
هز رأسه واجاب محاولا استدراك ماقاله:
"كنت اعني نفسي. تجربتي مع الحياة. كثير من الامور التي مرت بي اتمنى لو انساها الى الابد ولا اتذكرها ابدا"
امسكت يده بحنو فشعر بدفئ جلدها رغم ان بعض الجروح فيه الا ان نعومته لا تزال مغرية. همست:
"مثل ماذا؟"
رد عليها محاولا ان يتقرب منها بأن يفتح قلبه لها:
"أشياء كثيرة أتمنى لو انساها.. كيوم مقتل ابي.. رؤيته ميتا , مقطعا, هذه الذكرى لن تبارحني ما حييت. تفضيل اخي لغريب علي . اتمنى لو انني امسح كل لحظة اضطررت فيها لفعل شئ خاطئ. او التعرض لشي خاطئ. ان النسيان نعمة يا جوزفينا"
قربت حاجبيها من بعضهما وقالت له:
"لقد مررت بالكثير يا ابراهام"
رقت معالم وجهه وخفت صوته واجابها بنبرة عاشق ولهان:
"انت هنا الان يا جوزفينا. هذه ذكرى اتمنى ان تبقى معي الى الابد"
خجلت من كلماته مع انها استغربتها. استفسرت:
"هل وجودي هنا يخفف من كل الالم الذي تشعر به؟"
رد عليها بسؤال قريب من سؤالها:
"وهل وجودي قربك يخفف المك ويزيل خوفك"
تبسمت وهزت رأسها ايجابا ليكمل:
"سادافع عنك مهما حصل يا جوزفينا. مادمت حيا فلا تخافي احدا ولا شيئا"
ابتلعت ريقها وهي تنظر الى الاسفل وقالت له:
"لقد انعم الرب علي عندما وجدتني انت يا ابراهام. لا ادري ان لم تجدني حينها ماكان سيكون مصيري"
لحظة صمت اعقبت كلامها كان ابراهام يتذكر فيها ذلك الجندي وهو يحاول ان يغتصبها في الغابة .. نعم بالتأكيد هو انقذها منه ومن مصير مجهول ينتظرها ان كانت عادت الى جونثان. تبسم بعدها عندما وصل الى الحقيقة التي امامه. انها معه وهذا يكفي.
بلا سابق انذار رفع يدها الى شفتيه وقبلها لتخجل اشد الخجل وتحمر وجنتاها. قال لها:
"جوزفينا. انا وقعت في غرامك منذ اللحظة الاولى التي رايتك فيها. هل تعتقدين اني استعجل عليك بتصرفاتي؟"
لم تدر ما عساها تجيبه. صمتت وشعر ان صمتها سقوده الى الجنون. لايريد منها ان تجامله وفي نفس الوقت لا يريد ان تصده. ثم اثلج صدره بابتسامة منها وحين قالت:
"اشعر اني اعرفك منذ زمن طويل. لا ادري ان كان هذا جنون ولكني اشعر بالراحة قربك"
تبسم واحس ان جناحين قد نميا له وها هو يطير بهما عاليا.
--
وقفت ليزا بجانب الباب بينما فرانسوا ينظر الى مافي يدها من طعام تخرجه خارج الغرفة:
"ماهذا؟ "
ردت بعد ان ادت تحية احترام له:
"صاحبة السمو لا تريد الاكل"
سالها :
"منذ متى وهي لم تأكل؟"
ردت بلا تفكير:
"منذ اول يوم رأيتها فيه لم تضع اي شي في فمها. انا قلقة حقا يا سيدي على صحتها تبدو خاملة ومتعبة جدا"
لم يرد عليها كل ما فعله كان نظرة اليها ثم غادر متجها الى جونثان. انتظر خارج الباب بامر من الحارس ثم دلف بعدما انهى جونثان ماكان يفعله. استقبله الاخير بابتسامة رضا على وجنتيه:
"نبيل اخر الى صفنا. اشعر بالرضا التام عن نفسي"
سأله فرانسوا:
"هل ارسلت احدا الى البلاط. الملكة آن ميته منذ ايام هل تولى احد دفنها؟"
طالعه جونثان وهويفكر ثم قال:
"اذهب انت كن مرسالي اليهم وانظر ماذا يحصل بينهم هناك وطمأنهم ان كل شئ سيبقى على حاله الان ولكن ليس طويلا. دعهم يخافون من زوال النعمة التي هم فيها حاليا اذا ما تأخروا في اعلان ولائهم لي. اعلم ان كثير منهم متشكك وبعضهم خائف وجزء ينتظر الى النهاية قبل ان يبدي اي خطوة. تولى موضوع آن , وموضوع نبلاء البلاط المترفين الذين افسدهم دلال ويليام وحجّمّهم الخوف منه"
وشعر ان لدى فرانسوا بعض الكلام ملتصق في حنجرته فسأله:
"قل ما جئت لتقوله فتعابير وجهك تصبح مضحكة عندما تمنع نفسك من الكلام"
رد فرانسوا:
"الاميرة ميري. انها لم تأكل منذ ايام"
رفع جونثان حاجبيه ورد:
"اليس لديها خادمة تقوم بكافة شوؤنها؟"
رد فرانسوا:
"هي من اخبرني بالامر. جونثان انا لا افهم مالذي تريده منها؟ هل تريد موتها ام تريدها على قيد الحياة؟ لماذا تعذبها بهذا الشكل وبقاؤها هنا بالتأكيد ليس جيدا لما نفعله. اذا ما تواصلت مع اتباع والدها فلا احد سيعرف ماذا سيجري"
تنهد جونثان وهمس :
"من بين كل القرارات في حياتي يا صديقي لم اكن ضائعا الا فيما يخصها هي"
ثم استدرك:
" انت دعك منها وركز الجهود على ايجاد الاثنين الاخرين والتخلص منهما بهدوء تام. لقد اخبرت الجميع انهما ماتا. لذا يجب ان يموتا باسرع وقت ممكن. اما ميري فانا ابقيها فقط لمصلحة ستعرفها قريبا. اذهب الان ولا تقلق فقط ركز على مهمتك"
اذعن فرانسوا وخرج بينما اتجه جونثان الى غرفة ميري وبدون اي سابق انذار دفع باب غرفتها ودخل ليراها تجلس بجانب النافذة مقوسة الظهر وعينها حددت باللون الاحمر من كثرة البكاء انتبهت مرعوبة فور ان دخل بتلك الطريقة وكانت ليزا تجلس في مكان قريب منها ارتعبت هي الأخرى وهبت واقفة. اشار الى ليزا بيده لتخرج فخرجت . سأل ميري بصوت واثق:
"لماذا لا تأكلين؟ هل تريدين الموت جوعا؟"
ردت عليه باستهزاء واضح:
"اخرج من غرفتي ايها القاتل"
خزرها وهو يقترب منها قائلا:
"اذا انت تريدين الموت على ان لا اكون انا من يقتلك بل انت من يقتل نفسك؟ الم يعلمك ويليام ان الرب لا يرضى ان تقتلي نفسك؟ الانتحار جوعا سيحرمك من رضا الرب بالتأكيد"
صرخت فيه مفروسة من كلماتك اللا مبالية:
"وانت هل تعتقد ان قتل الناس يرضي الرب؟"
تنفس قليلا ثم رد عليها:
"ان كانوا يستحقون القتل يا ميري! اعتبريه عقابا لهم على ما اقترفوه بحق الاخرين. وان حصلت اذيَّة تُعطى نفساً بنفسٍ وعيناً بعينٍ وسنًّا بسنٍّ ويداً بيدٍ ورجلاً برجلٍ وكيًّا بكيٍّ وجرحاً بجرحٍ ورضًّا برضٍ. اليس كذلك؟"
ظلت تنظر اليه بعداء بينما اكمل:
"لقد قتل ويليام العديد من الناس الابرياء لذا قتله كان مستحقا منذ وقت طويل.. ولكن لنفترض انك كنت على حق. عندها انا وهو سنلتقي في الجحيم اذا وهناك.. ساقتله مرة اخرى ان حانت لي الفرصة"
صار قريبا جدا منها وهي تنظر في وجهه بعصبية وتمسك ثوبها بغل. قالت له من تحت اضراسها:
"انت رجل شرير جدا"
رد عليها وهو لايزال يتفرس وجهها الذابل:
"و انت فتاة صغيرة غبية و..."
صمت وهو يود لو يقول لها جميلة. ابتلعت ريقها ودفعته بعيدا عنها:
"ابتعد عني.. رائحتك تقرفني"
ابتسامة تحدي ظهرت على وجهه عندما امسك يدها وقربها منه عنوة وقال لها:
"ستشمين هذه الرائحة كل يوم وقريبا كل ليلة.. وستعشقينها رغما عن انفك. فانا الان ملكك"
كان يضايقها بأسلوبه القديم وهي فشلت في فهمه لانها أصلا لم تتعرف عليه. دفعته مرة اخرى وردت:
"اتركني, انت تؤلمني"
زادت ابتسامته الماكرة وشعر انه عاد الى تلك الايام التي كان فيها صغيرا ويتعمد في بعض الاحيان ان يغيظها كي يرى تلك النظرة على وجهها. نفس النظرة التي تنظر بها الان وهي بين يديه تحاول الافلات ولم يقاوم رغبته الجامحة بان يسرق قبلة منها. عندما كان طفلا كان دائما يحلم بان يفعل ذلك. روح الشقاوة نفسها سكنته في هذه اللحظة وقرب شفتيه ولثمها بينما يمسك رأسها عنوة وهي تحاول الافلات منه. وبعد ان قرر تركها كان قد انتشى بينما هي كانت تشعر بالاشمئزاز منه. ولم يكد يبتعد حتى صفعته بكل قوتها الواهنة. لم تؤثر عليه الصفعه ولم تؤلمه فقد كانت يدها ضعيفة وضربتها خافته . امسك خده بينما ظلت هي تنظر اليه بخوف منتظرة ردة فعله وظهرت ابتسامته الماكرة مرة اخرى وقال لها:
"جيد.. هذه هي الروح المطلوبة ايتها الاميرة. الان ستحضر لك خادمتك الطعام. اريد منك ان تأكليه وتلبسي ملابسا لائقة وتضعين ابتسامة صغيرة على تلك الشفتين اللذيذتين. فهمت؟"
ولم يترك لها اي مجال للاعتراض بل تركها وخرج بينما ظلت هي تمسك بفمها باطراف اصابعها لا تدري هل تلك القبلة كانت قبلة حب ام قبله انتقام. تلك اللحظات القليلة التي كانت تقاومه فيها شئ ما في نفسها ترجاها ان تستسلم. كل ما كان يدور في رأسها .. الاستسلام في بعض الاحيان , راحة. الا ان المها كان اكبر من ان تترك هذا الدخيل يحصد جوائزا لقاء اذيتها.
اللحظة التي غيرت كل شئ
قبل سنوات
"سيدي اللورد, لقد وصلت عروسك"
تفرس مكواير بمستشاره قليلا وسأله:
"هل تبدو كما اللوحة "
يقصد الصورة التي ارسلها الملك ويليام لمكواير وفيها رسمة لايفيلين ليعرفه عليها وهذا بروتوكول شائع بين زيجات النبلاء. رد المستشار وهو يتبسم:
"بل اجمل بكثير"
ظهرت ابتسامة على شفتي العجوز مكواير ونهض من مكانه ليستقبلها.
سارت ايفيلين التائهة المهدية من الملك للماركيز كي يحثه على اعادة العلاقات بينهما وكدليل على حسن النية. تشعر بالضياع امام كل هذه الوجوه التي تنظر اليها بلا اي ابتسامة ترحيب ولا حتى نظرة ود لها. قادتها سيدة محترمة الى غرفة خاصة بينما حمل متاعها شاب في مقتبل العمر من الخدم. همهمت ايفيلين بينما السيدة التي تقودها تفتح الباب لها:
"هل الماركيز في هذه الغرفة؟"
ردت السيدة بتحفظ:
"ليس قبل ان يتأكد من خالص ولائك له"
ثم دعتها لتدخل الغرفة الفارهة وشعرت ايفيلين ان استقتال ويليام ليحصل على علاقة جيدة مع الماركيز لها اسبابها التي فور ان رأت رفاهية هذا الرجل ومايملكه فهمتها كليا. ابتلعت ريقها ورفعت رأسها للاعلى لتقول لها السيدة:
"ليدي ايفيلين. تفضلي"
نظرت ايفيلين الى ما في يد المرأة وكانت حزمة ملابس حريرية وحذاء جلدي دقيق الصنع. اكملت السيدة بينما ايفيلين تنظر اليها:
"يجب عليك ان تخلعي ملابسك. وصيفاتك سيساعدنك بالامر"
ثم نادت على الوصيفات بينما دخلن ومعهن رجل شعرت ايفيلين من شكله وما يحمله في يده انه طبيب. بدأن يخلعن ملابسها عن جسدها وشعرت بالاحراج البالغ والخجل وقبل ان يبدأن الباسها اقترب منها الرجل الذي صح اعتقادها بانه الطبيب بعد ان عرف نفسه لها ثم بدأ يتفحص جسدها حتى واخيرا سالها:
"هل انت عذراء يا سيدتي؟"
رغم انها لم تكن, اصطنعت الخجل وردت:
"انا كذلك"
تبسم الطبيب ورد عليها:
"اذا لن يكون لديك مانع من ان اتأكد . لا تقلقي لن يكون مؤلما"
شعرت بالذل والخوف في نفس الوقت. اذا اكتشف الطبيب انها ليست عذراء ماذا يا ترى سيفعل بها الماركيز. نظرت في وجوه الخادمات بينما تحيط ذراعها بمنامتها البيضاء الناعمة. قالت للطبيب:
"انت لا تثق بكلمتي؟"
همهم ناظرا الى الارض:
"انها اوامر الماركيز يا سيدتي"
سألته بحذر وخوف:
"هل الماركيز يراقبنا الان؟ هل يستمتع برؤيتي اهان بهذا الشكل؟ انا قريبة الملك. ان لم يكن يعرف فانا اخت الملكة"
اجاب الطبيب بتحفظ:
"المتبناة. مع هذا فالماركيز حريص كل الحرص على احترام الاتفاق بينه وبين الملك ولكن هو يريد عروسا عذراء والملك اخبره في رسالته ان هذا ما سيحصل عليه لذا..."
تبسمت ثم قالت للطبيب:
"لا بأس هيا افعلها"
ثم تمددت على سرير وثير بينما شعر الطبيب بالحرارة تسري في انحاء جسده وهو ينظر اليها بتلك الوضعية. بعد ان فحصها علم ما كانت تخفيه وهي شعرت ان هذه قد تكون فرصتها لتنتقم من ويليام وآن. بعد ان انتهى الطبيب غطت نفسها وخرج الطبيب لتقول السيدة المشرفة على كل هذا:
"هيا ساعدن الماركيزة لتغتسل"
قادتها الوصيفات لحمام فاخر ممتلئ بالماء الدافئ لتجلس فيه بينما يغسلن جسدها ثم عندما اكملن خرجت من الماء لتلبس ملابسها الجديدة.
مرة اخرى نقلتها تلك السيدة الى مكان اخر من القصر واجلستها ثم تركتها لوحدها تنتظر. ولم يطل انتظارها طويلا فقد دلف الى المكان رجل عرفته على الفور من صوره التي رأتها, الماركيز العجوز. لم تنظر في عينيه لانها لم تعرف ماذا سيحصل تاليا. شعرت ان الماركيز سيكون غاضبا لان ويليام وعده بامر ولم يوف به ولكن هي ما مصيرها وسط كل هذا. تفاجأت عندما قال لها الماركيز بينما كانت تؤدي له تحية الاحترام ممسكة بطرف ثوبها وبكل تواضع مطأطأة راسها:
"تفضلي ارجوك"
وجلس هو الاخر عندها قال مخاطبا خادما يقف في الظل كأنه قطعه اثاث:
"صب لنا كأسين من البوربون وابعد هذا الشاي من امامي"
انصاع الخادم بينما لازالت ايفيلين مطأطأة رأسها. وجه اليها الحديث هذه المرة:
"هل تشربين البوربون ؟"
ابتلعت ريقها وردت:
"اذا اردت مني ان اشربه ساشربه يا سيدي اللورد"
قهقه عاليا ورد:
"لقد خدعني ويليام مرة اخرى.. انه رجل مخادع ولكن.. لايمكن ان احمل هذا ضده فالسياسية يا عزيزتي ايفيلين تتطلب الخداع. وليس اي خداع. يجب ان يكون محكما لا يمكن رفضه جميلا ورقيقا وصغيرا في السن. اخبريني هل يتحدث بالسوء عني؟"
همست بصوت بالكاد يسمع:
"يخافك وان كان يكرهك"
ظهرت ابتسامة رضا على شفتيه المحاطتين بالشارب الرمادي ورد عليها:
"لقد قبلت عرض الزواج الذي يعرضه ويليام. ولكني غير واثق اني مستعد الان لوضع كل شي املكه تحت تصرفه"
--
الان
سقط ومات.. هذا هو السبب الوحيد لوفاة الماركيز الذي عمّر طويلا في هذه الحياة حتى ان لا احد ناقش ايفيلين باسباب الكدمة التي على رأسه ولا بركة الدماء التي تحته. الكل في هذه الايام مشغولون بما حصل للملك ويليام وعائلته بين مصدقين ومكذبين. النبلاء الذي كانوا حاضري الحفلة نشروا الخبر كالنار عندما تنتشر في زرع يابس. الكل يجلس الان على جمر منتظر الخطوة التي سيقوم بها جونثان. وموت الماركيز مكواير كان خبرا ثانويا امام كل الاثارة التي تحصل.
عندما سمع جونثان بالخبر لم يكن لديه ادنى شك ان ايفيلين لها يد فيما جرى ولكن هو الاخر كان في منتصف حرارة حدث اهم من حياة رجل عجوز عاش عمره كاملا رغم ان مكواير وعد جونثان بمساعدته, لم يكن لدى الاخير ادنى شك من ان ايفيلين ستقدم مساعدة اكبر له.
--
شعرت جوفين بتحسن كبير ورغم فقدانها الذاكرة الا ان زوال الكثير من الالم اشعرها بالرضا والامل.. لم تكن ماتيلدا في البيت عندما نهضت صباحا لذا خرجت من الباب الخلفي للاسطبل وفيه حصان واحد يملكه ابراهام. كان الحصان في منتهى السعادة عندما وضع له صاحبه العلف ثم مسد على ظهره بلطف فتبسمت تلقائيا. لمحها ابراهام وركض ناحيتها وقلق واضح على وجهه سرعان وما اختفى حين قالت:
"اشعر برغبة في الخروج من هنا. انه يوم جميل"
هز ابراهام راسه معارضا اياها وقال:
"الغيوم تتلبد في السماء. سينزل المطر قبل الظهيرة. تعالي ساعد لك بعض الطعام"
شعر بحرية كبيرة في مسك يدها وتلمسها وهذه الحرية تزداد يوما بعد يوم. تحركت خلفة بينما يسحب كفها بلطف ثم اجلسها واعطاها بعضا من الحساء الذي اعدته والدته واكلته ثم قالت له:
"ابراهام. ارجوك اجلس . اريد ان اتحدث معك. عسى ولعل اتذكر شيئا "
جلس بجانبها قريبا منها وهمس بينما يركز في عينيها الصافيتين:
"ولماذا عساك تريدين التذكر يا جوزفينا. صدقيني بعض الاشياء نسيانها يكون افضل"
ضيقت عينيها وسألته:
"ماذا تعني؟"
هز رأسه واجاب محاولا استدراك ماقاله:
"كنت اعني نفسي. تجربتي مع الحياة. كثير من الامور التي مرت بي اتمنى لو انساها الى الابد ولا اتذكرها ابدا"
امسكت يده بحنو فشعر بدفئ جلدها رغم ان بعض الجروح فيه الا ان نعومته لا تزال مغرية. همست:
"مثل ماذا؟"
رد عليها محاولا ان يتقرب منها بأن يفتح قلبه لها:
"أشياء كثيرة أتمنى لو انساها.. كيوم مقتل ابي.. رؤيته ميتا , مقطعا, هذه الذكرى لن تبارحني ما حييت. تفضيل اخي لغريب علي . اتمنى لو انني امسح كل لحظة اضطررت فيها لفعل شئ خاطئ. او التعرض لشي خاطئ. ان النسيان نعمة يا جوزفينا"
قربت حاجبيها من بعضهما وقالت له:
"لقد مررت بالكثير يا ابراهام"
رقت معالم وجهه وخفت صوته واجابها بنبرة عاشق ولهان:
"انت هنا الان يا جوزفينا. هذه ذكرى اتمنى ان تبقى معي الى الابد"
خجلت من كلماته مع انها استغربتها. استفسرت:
"هل وجودي هنا يخفف من كل الالم الذي تشعر به؟"
رد عليها بسؤال قريب من سؤالها:
"وهل وجودي قربك يخفف المك ويزيل خوفك"
تبسمت وهزت رأسها ايجابا ليكمل:
"سادافع عنك مهما حصل يا جوزفينا. مادمت حيا فلا تخافي احدا ولا شيئا"
ابتلعت ريقها وهي تنظر الى الاسفل وقالت له:
"لقد انعم الرب علي عندما وجدتني انت يا ابراهام. لا ادري ان لم تجدني حينها ماكان سيكون مصيري"
لحظة صمت اعقبت كلامها كان ابراهام يتذكر فيها ذلك الجندي وهو يحاول ان يغتصبها في الغابة .. نعم بالتأكيد هو انقذها منه ومن مصير مجهول ينتظرها ان كانت عادت الى جونثان. تبسم بعدها عندما وصل الى الحقيقة التي امامه. انها معه وهذا يكفي.
بلا سابق انذار رفع يدها الى شفتيه وقبلها لتخجل اشد الخجل وتحمر وجنتاها. قال لها:
"جوزفينا. انا وقعت في غرامك منذ اللحظة الاولى التي رايتك فيها. هل تعتقدين اني استعجل عليك بتصرفاتي؟"
لم تدر ما عساها تجيبه. صمتت وشعر ان صمتها سقوده الى الجنون. لايريد منها ان تجامله وفي نفس الوقت لا يريد ان تصده. ثم اثلج صدره بابتسامة منها وحين قالت:
"اشعر اني اعرفك منذ زمن طويل. لا ادري ان كان هذا جنون ولكني اشعر بالراحة قربك"
تبسم واحس ان جناحين قد نميا له وها هو يطير بهما عاليا.
--
وقفت ليزا بجانب الباب بينما فرانسوا ينظر الى مافي يدها من طعام تخرجه خارج الغرفة:
"ماهذا؟ "
ردت بعد ان ادت تحية احترام له:
"صاحبة السمو لا تريد الاكل"
سالها :
"منذ متى وهي لم تأكل؟"
ردت بلا تفكير:
"منذ اول يوم رأيتها فيه لم تضع اي شي في فمها. انا قلقة حقا يا سيدي على صحتها تبدو خاملة ومتعبة جدا"
لم يرد عليها كل ما فعله كان نظرة اليها ثم غادر متجها الى جونثان. انتظر خارج الباب بامر من الحارس ثم دلف بعدما انهى جونثان ماكان يفعله. استقبله الاخير بابتسامة رضا على وجنتيه:
"نبيل اخر الى صفنا. اشعر بالرضا التام عن نفسي"
سأله فرانسوا:
"هل ارسلت احدا الى البلاط. الملكة آن ميته منذ ايام هل تولى احد دفنها؟"
طالعه جونثان وهويفكر ثم قال:
"اذهب انت كن مرسالي اليهم وانظر ماذا يحصل بينهم هناك وطمأنهم ان كل شئ سيبقى على حاله الان ولكن ليس طويلا. دعهم يخافون من زوال النعمة التي هم فيها حاليا اذا ما تأخروا في اعلان ولائهم لي. اعلم ان كثير منهم متشكك وبعضهم خائف وجزء ينتظر الى النهاية قبل ان يبدي اي خطوة. تولى موضوع آن , وموضوع نبلاء البلاط المترفين الذين افسدهم دلال ويليام وحجّمّهم الخوف منه"
وشعر ان لدى فرانسوا بعض الكلام ملتصق في حنجرته فسأله:
"قل ما جئت لتقوله فتعابير وجهك تصبح مضحكة عندما تمنع نفسك من الكلام"
رد فرانسوا:
"الاميرة ميري. انها لم تأكل منذ ايام"
رفع جونثان حاجبيه ورد:
"اليس لديها خادمة تقوم بكافة شوؤنها؟"
رد فرانسوا:
"هي من اخبرني بالامر. جونثان انا لا افهم مالذي تريده منها؟ هل تريد موتها ام تريدها على قيد الحياة؟ لماذا تعذبها بهذا الشكل وبقاؤها هنا بالتأكيد ليس جيدا لما نفعله. اذا ما تواصلت مع اتباع والدها فلا احد سيعرف ماذا سيجري"
تنهد جونثان وهمس :
"من بين كل القرارات في حياتي يا صديقي لم اكن ضائعا الا فيما يخصها هي"
ثم استدرك:
" انت دعك منها وركز الجهود على ايجاد الاثنين الاخرين والتخلص منهما بهدوء تام. لقد اخبرت الجميع انهما ماتا. لذا يجب ان يموتا باسرع وقت ممكن. اما ميري فانا ابقيها فقط لمصلحة ستعرفها قريبا. اذهب الان ولا تقلق فقط ركز على مهمتك"
اذعن فرانسوا وخرج بينما اتجه جونثان الى غرفة ميري وبدون اي سابق انذار دفع باب غرفتها ودخل ليراها تجلس بجانب النافذة مقوسة الظهر وعينها حددت باللون الاحمر من كثرة البكاء انتبهت مرعوبة فور ان دخل بتلك الطريقة وكانت ليزا تجلس في مكان قريب منها ارتعبت هي الأخرى وهبت واقفة. اشار الى ليزا بيده لتخرج فخرجت . سأل ميري بصوت واثق:
"لماذا لا تأكلين؟ هل تريدين الموت جوعا؟"
ردت عليه باستهزاء واضح:
"اخرج من غرفتي ايها القاتل"
خزرها وهو يقترب منها قائلا:
"اذا انت تريدين الموت على ان لا اكون انا من يقتلك بل انت من يقتل نفسك؟ الم يعلمك ويليام ان الرب لا يرضى ان تقتلي نفسك؟ الانتحار جوعا سيحرمك من رضا الرب بالتأكيد"
صرخت فيه مفروسة من كلماتك اللا مبالية:
"وانت هل تعتقد ان قتل الناس يرضي الرب؟"
تنفس قليلا ثم رد عليها:
"ان كانوا يستحقون القتل يا ميري! اعتبريه عقابا لهم على ما اقترفوه بحق الاخرين. وان حصلت اذيَّة تُعطى نفساً بنفسٍ وعيناً بعينٍ وسنًّا بسنٍّ ويداً بيدٍ ورجلاً برجلٍ وكيًّا بكيٍّ وجرحاً بجرحٍ ورضًّا برضٍ. اليس كذلك؟"
ظلت تنظر اليه بعداء بينما اكمل:
"لقد قتل ويليام العديد من الناس الابرياء لذا قتله كان مستحقا منذ وقت طويل.. ولكن لنفترض انك كنت على حق. عندها انا وهو سنلتقي في الجحيم اذا وهناك.. ساقتله مرة اخرى ان حانت لي الفرصة"
صار قريبا جدا منها وهي تنظر في وجهه بعصبية وتمسك ثوبها بغل. قالت له من تحت اضراسها:
"انت رجل شرير جدا"
رد عليها وهو لايزال يتفرس وجهها الذابل:
"و انت فتاة صغيرة غبية و..."
صمت وهو يود لو يقول لها جميلة. ابتلعت ريقها ودفعته بعيدا عنها:
"ابتعد عني.. رائحتك تقرفني"
ابتسامة تحدي ظهرت على وجهه عندما امسك يدها وقربها منه عنوة وقال لها:
"ستشمين هذه الرائحة كل يوم وقريبا كل ليلة.. وستعشقينها رغما عن انفك. فانا الان ملكك"
كان يضايقها بأسلوبه القديم وهي فشلت في فهمه لانها أصلا لم تتعرف عليه. دفعته مرة اخرى وردت:
"اتركني, انت تؤلمني"
زادت ابتسامته الماكرة وشعر انه عاد الى تلك الايام التي كان فيها صغيرا ويتعمد في بعض الاحيان ان يغيظها كي يرى تلك النظرة على وجهها. نفس النظرة التي تنظر بها الان وهي بين يديه تحاول الافلات ولم يقاوم رغبته الجامحة بان يسرق قبلة منها. عندما كان طفلا كان دائما يحلم بان يفعل ذلك. روح الشقاوة نفسها سكنته في هذه اللحظة وقرب شفتيه ولثمها بينما يمسك رأسها عنوة وهي تحاول الافلات منه. وبعد ان قرر تركها كان قد انتشى بينما هي كانت تشعر بالاشمئزاز منه. ولم يكد يبتعد حتى صفعته بكل قوتها الواهنة. لم تؤثر عليه الصفعه ولم تؤلمه فقد كانت يدها ضعيفة وضربتها خافته . امسك خده بينما ظلت هي تنظر اليه بخوف منتظرة ردة فعله وظهرت ابتسامته الماكرة مرة اخرى وقال لها:
"جيد.. هذه هي الروح المطلوبة ايتها الاميرة. الان ستحضر لك خادمتك الطعام. اريد منك ان تأكليه وتلبسي ملابسا لائقة وتضعين ابتسامة صغيرة على تلك الشفتين اللذيذتين. فهمت؟"
ولم يترك لها اي مجال للاعتراض بل تركها وخرج بينما ظلت هي تمسك بفمها باطراف اصابعها لا تدري هل تلك القبلة كانت قبلة حب ام قبله انتقام. تلك اللحظات القليلة التي كانت تقاومه فيها شئ ما في نفسها ترجاها ان تستسلم. كل ما كان يدور في رأسها .. الاستسلام في بعض الاحيان , راحة. الا ان المها كان اكبر من ان تترك هذا الدخيل يحصد جوائزا لقاء اذيتها.
