رواية عديل الروح الفصل الثامن عشر 18 بقلم الكاتبة ام حمدة
الفصل الثامن عشر - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
*************أيا عديلي.....لما تجرح قلبا اختارك ساكن حجراته؟؟...
أيا حب....لما تبخل علي بسعادة انتظرتها طوال سنين حياتي؟؟...
أيا سلطاني....توجتك ملكا على مملكتي، لتنثر فوقها رماد محرقتي!!...
أيا معذبي...أحببتك مدى الدهر!! ولن أزود عن حبك، فقلبي لم يعد مليكي.
أيا سارق القلب....أظننت بأنك هزمتني؟؟...وأنخت كبريائي؟؟...
لا والله!!...فأنا الشموخ لن ترضى بالهزائم!!...
أقسمت أن أذيقك من كأس المرارة والألم!!...
فانتظر!!...سأعيد ترتيب أبجدية حروفك، وسأعلمك تكوين حروفي....
استعد!!...سأكتسح حصونك، وسأسقط دفاعاتك، فأنا الكبرياء، أنا الأنفة التي لن تنكسر!!...
(مريم)
لا تنظري إلي بعينيك المتحجرتان...
لا تصدقي حروف حملت كل معاني الكذب....
انتظري ولا تقتليني بحكمك....
استمعي لقلب سينطق بكل معاني الصدق....
لا تتركي لعقلك الشكوك والأوهام.....
أتركي لقلبك العنان، لينصت لمعاني حروفي....
( سلطان )
أراد الصراخ بها بأعالي صوته، وفتح فمه يبغي إخراج كلمات لعلها تنجيه مما يضمره المستقبل.
جفاف شعر به يغزوا حنجرته، كأنها أرض قاحلة غادرها المطر كما ستغادره السعادة، أشواك حادة مسننة تغرس بكل عنف بحلقه فأبت الحروف الظهور سوى كأنفاس هادرة من فوهة الجحيم.
اقترب منها بعجز ورأسه ينطق برفض لما تسمعه، ورغبة بأن لا تصدق ما يقال.
قلبه يئن تحت وطأة عيناها المتحجرتان بدموع أبية، وصدره يكتم على أنفاسه هلعا من قرار سيعجز من تنفيذه.
رفع يده باتجاهها ليرى الصد بمقلتيها، وارتداد من جسد أبا ألا يلمسه.
سقطت ذراعيه متخاذلة، وقيود شعر بها تستحكم عقله وجسده تمنعه التحرك أو الدفاع عن نفسه، وتساءل بداخله بهم ماذا سيقول لينفي هذا الاتهام البشع لأذنيه؟!!
فصوته من أطلق تلك الرصاصات القاتلة التي أراد بها إخماد ثورة الأولى ليعلم بعدها أنه أطلقها على الثانية ليرديها قتيلة.
كان نطقه لتلك الكلمات لها معاني كثيرة بقلبه...الشوق، الحنين واللهفة لكن الآن عندما يصغي إليه يسمع نشاز حاد مؤلم، وموجع للقلب والجسد والروح فما بالك إذا سمعته صاحبة الشأن.
همس باسمها بصوت متحشرج كأنه اعتكف الحديث منذ دهر.
" مريم....".
ما أن نطق باسمها حتى توحشت نظراتها باتجاهه كأنها تراه للتو، حدقت به لثانية ثم لثانيتان وثلاث وتحولت الثواني لدقائق وهما فقط يحدقان بعضهما.
سكن الهواء من حولهم وأصبح ثقيلا شديد الوطأة على صدره، لم يستطع كسر حدة الصمت الذي غلف الغرفة وتساءل...
- أين ذهبت هيبته؟!... أين قوته؟؟... أين ذكاءه؟!!.. لما تخلوا عنه بوقت حاجته لهم؟!!
نهضت من مكانها وتحركت باتجاه غرفة الملابس وتوقفت ما أن ناداها من جديد:
"مريم...اسمعيني، أنا لم أقصد ما قلته....".
قاطعته ببرود:
" أريد الذهاب لزيارة والدتي وشقيقي ".
تصلب بمكانه، وانقبض قلبه من طلبها، وازدرد ريقا لم يكن متوفرا، فكيف لصحراء قاحلة أن تملك ما يعين رمالها على لضه الشمس.
اقترب منها ورأسه بدأ يطن تحت وطأة الألم، وصداع شق مؤخرة جمجمته يكاد يفتك به، وقلبه هدر بقوة فلم يعد يعرف من المسبب بهذا الألم....
رأسه أم قلبه؟؟
حيرة وخوف من الرحيل، والعودة لدنيا سرقت من عمره الكثير، رعب من أن تغادره وتسرق عالمه الجديد الذي استكشفه للتو، وهمس بجانبها يحاول ويبرر، ينتقي كلماته بتأني وحرص كيلا يزيد من الطين بلة.
" مريم.. حبيبتي.. أنت...فهمت الموضوع...بشكل....مختلف ".
قاطعته:
" أريد الذهاب لأمي!!... وإن لم تستطع أخذي سأطلب من أي شخص آخر ".
سحبت أيً كان من الملابس الموجودة بالدولاب وتحركت مبتعدة عنه معلنه انتهاء الحديث بينهما.
اتكئ بهم على الخزانة، وأسند رأسه بغم قد نال منه، وتنهد بأنفاس حارة وساخنة خرجت من أعماق قلبه بحسرة وندم.
تحرك بعد دقائق من وقوفه جامدا بمكانه واتجه للسرير ليرمي بجسده المنهك بقوة لعل وعسى أن يريحه، رفع ذراعه ليغطي عينيه ويده الأخرى تتحسس جانبه الفارغ من الفراش، كان ليكون هذا الفراش مشتعلا الآن بحرارة أجسادهم المتلاحمة، كان الآن ليبثها حبه وأشواقه، كان اليوم سيخبرها بأنه وقع بهواها،
لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
قبض الفراش بقبضة من حديد، وجز على أسنانه كاد أن يحطمها من شدة طحنه إياها، فسلمى قد تجاوزت كل حدودها، ولعبت بالخطوط الحمراء!!... ستندم بالتأكيد!!... ستندم على فعلتها هذه، وستنال عقابها وهو يعرف ما سيفعله بها، فقد انتهت أيامها معه!!
نظر ناحية الباب المغلق بعيون غائمة بالحزن على من بالداخل، لقد جرحها بأقواله، لم يكن يقصد أبدا أن يؤلمها، كان باعتقاده أنه يهدئ النفوس ولم يكن يعلم بأنه يشعلها، كان غبيا بحق.
زفر بضيق اكتنف صدره وعاد يحدق بالباب وتساءل.. هل تبكي الآن؟؟.. هل ستتخلى عنه وتتركه وحيدا يتلظى بعشق بدأ يعشعش بين ثنايا أضلاعه؟!!
" آه يا مريم، يا مهجة القلب، هل ستستطيعين الغفران؟! ".
عادت عيناه للباب تحاول اختراقه ليرى حبيبته بالداخل...
كانت تقف تحت رذاذ الماء القوي بكامل ثيابها، مغمضة العينين، مسدله الجفنين، تنخرها برودة المياه المتدفقة بشدة فوق رأسها، تحاول إبعاد تلك المكالمة من عقلها لكن أبى إلا أن تعود المحادثة....
بعد أن غادرتهم برفقة شقيقته متجه لمنزلها بقلب متوجع، وألم سرى بكامل جسدها شعرت به يخزها ويؤلمها كأنه غريب عنها ولم يكن جسدها أبدا.
صورتها بأحضانه لم تتزحزح من خيالها، أخرى شاركتها تلك الأحضان، وشاركتها شفتيه وكل شيء يخصه، لم يكن ملكها وحدها لهذا لم ترد أن تتزوجه، تعلم بأنها لن تستطيع احتمال رؤيته مع غيرها.
ضحكت بسخرية من نفسها الغبية، التي طفقت تنطق بهذارة بأنها ستتغلب على هذه الفكرة وأنها ستنحيها من عقلها كأن لا وجود لها بحياتهم.
تنهدت بتعب، وإعياء استبد بأوصالها...كانت مخطئة باعتقادها!!
فكيف السبيل لإخفاء زوجة غاضبة ناقمة شاركتها هي به، هي المتطفلة بينهم وليس سلمى فقد امتلكت الرقم الأول قبلها.
وقفت على عتبات باب منزلها تتطلع لزخارفه الجميلة ونقوشه المبهرة، لقد أخبرها بأنه استخدم أمهر مهندسي الديكور ليصنع لها عش زوجي يليق بملكة ستتربع عرشه .
غامت نظراتها بحزن كان ليكون أجمل يوم لها، كان ليكون هو بجانبها يقودها للمنزل لكن......
نفضت اليأس من داخلها فهي أقوى من أن تبكي على شيء تافهة، فالقادم سيكون أشد وطأة عليها عندما تراه يغادر باتجاه الأخرى عندها يمكنها البكاء لشيء يستحق.
سمت بالرحمن ودعت دعاء الدخول ودعت أيضا بقلب خالص أن يمدها بالقوة والصبر كي تتحمل مشاق قلبها الملتاع والباكي لرجل لن يكون لها سوى كنصف رجل.
تجولت بالمنزل بانبهار وهي ترى مدى جمال ما فعله من دهان بألوان هادئة ومريحة للنظر والعقل على حد سواء، والمفروشات كانت تنطق بفخامتها وغلائها.
تحركت من غرفة الجلوس ودخلت للمطبخ لتشهق بصوت عالي مما تراه وهمست:
" هذا مطبخ أحلامي... ".
ظلت بالمطبخ تستكشفه بسعادة وقلبها يطرق بشدة من الفرح، تلمس هذا وتصرخ بابتهاج لرؤيتها لشيء أرادته من قبل، صحيح أن جدتها لم تكن تبخل عليها بما تريد لكن كانت متمسكة بأدواتها القديمة وبمطبخها، لم ترد أن تغيره فهو كما تقول يحمل لها الكثير من الذكريات السعيدة، لهذا اكتفت بما يحتويه.
دارت حول نفسها بسعادة فهي تمني نفسها بصنع الطعام اللذيذ بهذا المطبخ الواسع والكبير .
وبعد أن استكشفت كل قطعة موجودة بمطبخها اتجهت ناحية غرفتها لتبديل ملابسها فالشوق يدفعها لتجربة ما يحويه مطبخها.
دخلت لغرفة النوم لتجحظ عيناها للخارج وهي ترى مدى وسعها... ليس هذا ما صدمها بل السرير الكبير الذي أخذ المساحة الأكبر من الغرفة، كان قد استخدم لدهان الغرفة تدرجات البني و الذهبي والحليبي، لتصبح الغرفة كرمال شاطئ البحر المتلألئة بعد أن تنعكس عليها أشعة الشمس لتظهرها غاية بالروعة، السرير بلون ذهبي بأعمدته الأربعة المزخرفة بشكل جميل كأنها من عصر الرومان، وفراشه تمازج بين الغامق والفاتح توسد اللون البني وسط الفراش ثم تسلسل بالتدرج بألوان فاتحة، وانتشرت فوقه مخدات صغيرة وكبيرة بلون ذهبي فاتح وتداخل معه لون القشطة تناثرت فوق الفراش ليعطيها رونقا وجمالا خارقا تكاد لا ترغب بالنوم فوقه كي لا تفسد منظره الآسر للعينين.
والنافذة المطلة على منظر خلاب للحديقة غطتها ستارة بلون بني تساقطت كتموجات شاطئ البحر، والأرض رصفها بخشب قوي وسميك، وقد التحفه فراش بلون حليبي ذات فرو زغب وناعم، والسقف صمم من ديكور متماوج كالبحر الهائج بليلة عاصفة أيضا تمازج مع الذهب والحليب، وتوسد السقف ثرية عملاقة، وهناك بابان أحدهم على اليمين والآخر على اليسار أحدهم يؤدي للحمام الذي كأنك تدخل لعالم آخر ببلاطه القشدي الناصع البياض، وبحوض الاستحمام الذهبي يضم جسدين بوضع حميمي ومثير للمشاعر وكأنه قد أختير عن قصد، فتورد خديها لما جمحت بها خيالاتها، وعضت على شفتيها من رؤيتها لصورتها مع سلطان.
حركت عيناها تبعد تلك الرؤية لتكمل مسيرة استكشافها للحمام، مغاسل خطت بزخارف ذهبي.
لون الذهب انتشر بكل ركن من المنزل وهذا إن دل على عشقه لهذا اللون.
أغلقت الباب وقد شعرت بالسعادة تطفق من حولها والحزن زال وانتهى، نعم هي ستبني حياتها دون أن يؤرقها شبح وجود امرأة أخرى.
اتجهت للباب الآخر خمنت بأنها غرفة الملابس وقبل أن تفتح الباب رن هاتفها بنغمة وصول رسالة، في البداية لم تعرها أي اهتمام تقدمت لداخل الغرفة لكنها عادت وتذكرت أن شقيقها يتواصل معها بالرسائل خوفا من إزعاجها بمكالماته وخصوصا بأنها بشهر العسل، كان مراعيا جدا.
كم تعشق شقيقها، فأسرعت ناحية الهاتف لتخبره بأنها ستحضر لزيارتهم فقد عادت من رحلتها هذا الصباح.
جلست على السرير الضخم وأغمضت عينيها تتذوق رائحة السعادة وتطلعت من فوق كتفها للسرير بشوق سيجمعها مع حبيبها، هنا ستقدر على بثه حبها الدفين وهنا أيضا ستخبره بمكنونات قلبها نعم ستخبره بحبها، وفتحت الرسالة لتكون الفاجعة........
عادت من رحلة الذكريات المريرة وقد شعرت للتو بتيبس عضلات جسدها فبدأت بآلية بخلع ملابسها ورميها على بلاط الحمام لتدير المفتاح الآخر لينسكب الماء ساخنا محرقا جلدها الأبيض.
نشفت جسدها وارتدت ملابسها لتنتبه للتو لنوع الملابس التي سحبتها كانت تنورة بلون بني أحاطت جذعها وعلى جانبيه شقين صغيرين لتستطيع الحركة، وارتدت قميص بلون القشطة ذات أزرار ذهبية تزرر على الجنب، كان طقم غاية بالجمال فيبدوا أن حبه لهذه الألوان شمل ملابسها أيضا، لكنها لم ترى هذا الجمال بل رأت رحم مناسب لاستحضار ولي العهد، وجسد مستعد لتحمل تبعات هذا الحمل.
فتحت صنبور الماء لتنثره على وجهها وزينته بإتقان تخفي تعاستها وألمها ثم خرجت بعد أن استدعت قواها الخارقة.
فز من فراشه ما أن فتح الباب، ونظر إليها بانبهار ولهفة لاحتوائها ومسح نظرة الصقيع بمقلتيها.
تحركت بجمود ناحية غرفة الملابس وعيناه تشيعها بحرقة ورغبة بتمريغ نفسه بأحضانها والصراخ بأنه لم يقصد جرحها ثم يبثها حبه وعشقه الذي ولد بين يديها.
خرجت وتبعتها حدقتيه تحرق ظهرها ولم تهتم، أشعلت الفحم للبخور وعيونها تتابع مجرى النار وهي تسري بكل مكان كما أشعل هو حطب محرقتها، فأشاحت بوجهها عن الجمرة واتجهت ناحية المرآة تمشط شعرها الطويل، رفعته بشكل أنيق فوق رأسها وثبتته بدبوس على شكل وردة، وتركت غرتها تسقط على جبهتها تخفي عينيها الحزينة ثم عادت للفحم ووضعت به بعض العيدان لتهب رائحته العطرة تملئ الغرفة وبدأت تبخر ملابسها وشعرها كما عودتها دائما جدتها.
وصلته الرائحة ليستنشقها بانتشاء كأنه يسحب الهيروين لينعش جسده الميت بعد انقطاع جرعته من الأفيون الخاص به، تجرع الهواء بشدة يختزنه ليوم العجاف التي ستمر عليه فهو يعلم بأن ابنة عمه لن تمرر الأمر على خير.
تحركت بالمكان هنا وهناك كأنها لوحدها أشعره هذا بالهجران والوحدة القاتلة، وهمس بحرقة قلب يشعر بها للمرة الأولى:
" كم أنت قاسية يا حبيبتي!! ".
التفتت ناحيته وقالت كلمة يتيمة بعد أن حملت عباءتها وشيلتها:
" جاهزة.... ".
لتسبقه للخارج دون أن توليه أي نظرة.
جر قدميه يحثها على التحرك خلفها فيبدوا أن النهاية قد أوشكت، ليتصلب بوقفته وهو يعيد ويكرر الكلمة بعقله و بقلبه، ليجزع وينتفض ويبعد شبح الاستسلام، ليفرد قامته ويرفع رأسه كطاووس هو سلطان بن أحمد النعيمي الذي لا يعرف الاستسلام بما يريد، فكيف بشيء يخص قلبه وروحه وحياته!!.. أبدا لن يخضع لأحكامهم...فمريم له...ملكه، فكيف يدعها ترحل بعد أن تملكته؟!
تحرك يضرب الأرض بقدميه يعلن عن عودة المارد القوي الصلب الذي لا يهاب الصعاب.
تطلع لفرسه تقف بشموخ امرأة لا تعرف الذل ولا الانكسار.
" نعم... هو علتها وهو سيكون دواءها ".
اقترب منها بخفة نمر عادت روح الصياد لجسد اعتقد بأن نهايته قد شارفت، ترصد فريسته الشهية التي أدارت رأسه بروعة أخلاقها وطيبتها وحنانها وقوة روحها، لتجعله يسعى خلفها كالمجنون.
سحبها من ذراعها وأدارها لتقع بأحضانه وتشهق بفزع، لم يمهلها الوقت لتفكر أو تقرر فانقض على شفتيها يلتهمها ويتذوقها بتلذذ، قبلها بشغف وحب أعلنه قلبه الهادر بوجودها بالقرب منه، أحاطتها ذراعيه القويتين تمسك بجسدها وتسحبه ناحية جسده ليكونا كالجسد الواحد.
كان قد غافلها بتلك القبلة ولم يترك لها الخيار سوى أن تستسلم لطوفانه الجارف التي أرادتها بتوق كبير لتبادله بأخرى أشد منها غاضبة معاتبة، متألمة عاشقة، لتتحرك يديها اعتادت عليها على مدار الأيام السابقة لتحيط بجذعه تتمسك به تبحث عن أمانها وحبها واستقرارها، لتشتعل بهم الحمم وتتحول تلك القبلة لشيء أكبر وأعمق مما يتحمله جسديهما الواهنين بعواصفهما الكاسرة.
ليدفعها ناحية الجدار ويرفعها لتكون بمستوى رأسه وشفتيهما متلاحمة بمعركة دارت على مر السنون لم تنفلت أو تهدئ من حربها بل العكس تماما فقد ثارت وجمحت وتمرد جسدهما بلغة جبل عليها منذ الخليقة.
تعلقت ذراعيها برقبته، وساعديه كانا يعتصران جسدها كقبضة الأفعى تعتصر ضحيتها، وطفقا ينهلان من شهد عسلهما بجنون ومشاعر برية أصابتهما بمس لينفصلا عن عالم الواقع ويعيشا للحظات بوقت مسروق من أحزانهما بقوقعة كأنها تحميهم من العالم الحقيقي.
افترق عنها مجبرا بأنفاس هادرة مشتعلة كتنين يزفر بخارا ساخنا، وصدره يرتفع مع كل نفس تلتقطه رئتيه، وهي لم تكن بحال أحسن منه شفتيها محمرتين ومتورمتين من قبلتهما العنيفة، ورموشها مسدلة على خدين اشتعلا بنار حارقة، وجسد ما زال يرتعش بأحاسيس وعواطف من يديه التي تلاعبت به بمهارة و بعضلاته التي كانت تضغط عليها لتتشرب حرارة بشرته الراغبة بها.
وهمس عند أذنيها لتضربها سخونة أنفاسه التي لم تستقر من هيجان مشاعره، ليقشعر جسدها مطالبا بالتمرغ على صدره وترك نفسها تضيع بغياهيب عواطفهما المجنونة، وصلها صوته الأجش:
" لن أسمح لك بالرحيل، سأحارب الجميع وأنت أولهم ".
ابتعد ينظر إليها برغبة لا تخطئها عين، وقال يغالب نفسه من العودة وأخذها ليعلمها مبادئ العشق والغرام الذي ما يزال الطريق طويلا كي ينتهي من تعليمها دروسه.
" لنرحل قبل أن أغير رأي ".
ناظرها بمكر وابتسامة شقية انزوت على شفتيه زادته وسامة، واستطرد:
" إلا إذا غيرتي أنت رأيك بعدم الذهاب!! ".
غمز بعينيه لتشهق من وقاحته وقد غادرتها نباهتها بكيفية الرد عليه بهجومه الكاسح لها، فلعنت غباءها وانصياعها لقبلته واستسلمت لما يريد ولم تقاومه بل أرادت المزيد، لتأمر قدميها بصعوبة بالتحرك وهمست بصوت مبحوح:
" وقح... ".
ليقهقه بصوت عالي ويهمس لنفسه:
" أجل حبيبتي لم أبدأ بعد، وسأسكب بأذنيك كلمات تنسيك ما قالته، نعم وهذا وعد مني!!... فأنا أبدا...أبدا لن أتركك تفلتين من بين يدي!! ".
وصلا لمنزل الجدة بسرعة لقرب منزلهم منها وسط الصمت المطبق وقد احترم سكوتها ولم يرد إفساد الأمر أكثر بتسرعه، تأملت المنزل بشوق وضح بمقلتيها، وابتسامة لهفة توسدت شفتيها لتفتح الباب على مصراعيه وأسرعت الخطى ناحية الباب الرئيسي لتفتحه وهي تصرخ بأعلى صوت:
" أنا هنا... "أمي"..."محمد" ".
تحركت عينيها بدموع انسكبت تعلن فقدها لهذا المكان ولساكنيه بالرغم من أنها غادرتهم فقط لبضعة أيام.
خرجا على صوتها يناديهم فقد كانا مشغولين لمتابعة أحد البرامج، وقفا في البداية يتأملون بعضهم بشوق وبعدها كان شقيقها الأسرع بالتحرك، فاحتضنها بقوة ورفعها عن الأرض وأخذ يدور بها ويتحدث بلهفة كمن وجد كنز:
" لقد اشتقت إليك...اشتقت إليك كثيرا...كثيرا ".
قهقهت بأوتارها الرنانة لينتعش قلب ناظرها بحب وعشق اختزن بمقلتيه التقطته عين خبيرة لتبتسم بسعادة وراحة، هذا ما كانت تتمناه وترجوه.
" محمد يا فتى!!... أترك شقيقتك ستوقعها على الأرض ".
توقف عن الدوران وتأملها بسعادة وقال يبعد دموع الفرح:
" طبعا من لقى أصحابه نسي أحبابه ".
ليرد عليه سلطان بصوته الجهوري والقوي:
" يقال من لقى أحبابه نسي أصحابه وليس العكس"
وغمز ناحيته ليجيبه محمد بثقة كبيرة:
" أنت تحلم يا ابن العم فنحن أحبابها ونحن من سبقك إليها ".
ليعتمل الحزن وجهه وهمس:
" نعم أنتم من سبقني إليها لكن.....".
ليرفع صوته بكلمات أراد بها أن تصل إليها وناظر عينيها بقوة، وقال:
" سيتغير كل هذا وسأقلب الأدوار وهذا وعد مني!! ".
" أنظروا إليه!!.. إنه يتحدث بكل ثقة بأنه سيسرق بوضح النهار".
هز رأسه برفض وقال هو أيضا بكل ثقة:
" لن تستطيع سرقتها منا فما بالقلب...بالقلب، ولن يجرأ أي شخص بتغييره ".
ليصدح صوتها منهيا جدال لا طائل منه
" أصمتا كليكما!!... لن يسرق أحد من أي شخص آخر، أتركوا ابنتي بحالها ".
التفتت إليها ونادتها برفع ذراعيها:
" تعالي يا ابنة الغالي، لقد اشتقت إليك كثيرا!! ".
لتنطلق ناحيتها كما القذيفة وترمي بنفسها عليها ببكاء حار أودت بها كل شيء شوقها، صدمتها، حبها كل شيء، وتمسكت بها بقوة تنشدها القوة التي طالما استمدتها منها وهمست جدتها وهي تربت على كتفها:
" لما البكاء عزيزتي؟! ".
ابتعدت قليلا وهمست بصوت باكي:
" لقد اشتقت إليكم كثيرا، لأول مرة أبتعد عنكم كل تلك الفترة الطويلة ".
وعادت تخفي نفسها بأحضان جدتها خوفا من أن ينكشف السبب الآخر لبكائها، فتركتها الجدة تفضي مكنونات صدرها، وبعد فترة هدأت وابتسمت وسط دموعها ليقترب شقيقها ويحيطها من أكتافها.
" لا تبكي حبيبتي فنحن هنا موجودون، ومتى ما اشتقت إلينا تعالي فبابنا دائما مفتوح من أجلك ".
يقف بعيدا وينظر إليها بين أحضان شقيقها.
شعور غريب تسلل إليه من أن يذهب ويسحبها من أحضانه ويدسها تحت ذراعيه بالقرب من نبضات قلبه ويخبرها بأن هذا مكانها ولا يوجد حضن آخر تلتجئ إليه سواه.
تأمل خط دموعها الذي يجري كالوادي على وجنتيها... هو السبب بتلك الدموع وهو يعلم، إنها المرة الثانية التي يراها تبكي أمامه وبكلا الحالتين هو سببهما.
" أكتب عليه أن يكون هو سبب شقائها؟! ".
جلست بين عائلتها وبدأت تغزوا محياها الفرح، ومحى عقلها كل ما يسبب ضيقها فوجودها وسط جدتها وشقيقها المرح أنساها همومها والمواجهة الحتمية التي لابد منها.
" واااااااااااو!!... شقيقتي صرتي كما عارضات الأزياء بملابسك هذه!! ".
دار حولها وهو يصفر بإعجاب لما ترتديه، لتضربه على كتفه غاضبة وخجولة من أنهم شاهدوها بتلك الملابس الغريبة عليها والتي لم تعتدها بعد.
" كف عن هذا يا حمود ".
تحركت تلتقط عباءتها ليمسكها محمد جاذبا العباءة من يدها وهو يقول:
" أنا لا أنتقدك أيتها الغبية، بالعكس تماما فأنت....وااااااااو!! ".
ضربت بقدمها على الأرض باحتجاج وقالت:
" أمي، أنظري لحمود!! ".
" حبيبتي، ما يقوله شقيقك حقيقي فالملابس تناسبك، وهي جميلة. لبس العافية حبيبتي ".
تلوت بخجل واعتنقت عيناها الأرض هاربة من مديحهم وهمست:
" أمي!! ".
ناظرها محمد بنصف عين وقال:
"عجبا منكم أنتم معشر النساء!!... إن مدحناكم لم يعجبكم، وإن لم نفعل تضايقتم وانفعلتم، لأننا لم نجاملكم، أنتم النساء من الصعب إرضائكم!! ".
قهقهت بأعلى صوتها وتركت الأحزان خلفها، ألا يقال أن المنزل هو مصدر الأمان، ووجود العائلة يعينك على الصبر والجلد، هذا ما تشعره بهذا المنزل.
جلس الجميع وحكت لهم المواقف المضحكة التي حدثت لهم أثناء السفر، حادثت سلطان كأن لم يكن بينهما شيء، استمتع هو الآخر بالأجواء ونسي الرصاصة القاتلة التي أوداها لرفيقة دربه قبل خروجهم، وسايرها بالحديث وطفق يخبرهم عن مغامراتها الفاشلة في الصعود على التل الكبير للرمال، لتعانده وتخبره بأن إرشاداته هي السبب بإخفاقها ليعود ويشاكسها برفع حاجبيه:
" السائق الماهر هو من لا يعتمد على نصائح الآخرين ".
لتعود وترفع حاجبها مغيظة إياه لتذكرها كم يكره فعلتها تلك وتخبره:
" في الحقيقة.....صحيح أنني كنت من أقود السيارة لكن لكل ربان سفينة ملاحين يساعدونه، إن أخطأ الملاح بتحريك الأشرعة ناحية الرياح يكون السبب بإخفاق الربان فالاثنان مكملان بعضهما، هل فهمت الآن من هو المخطئ؟!! ".
لينفجر محمد ضاحكا وممسكا معدته وقال وسط قهقهاته التي أسالت دموعه:
"يا إلهي!!.. أنتما...لم تتغيرا....حتى بعد زواجكما....ما زلتما تتشاجران وتعاندان بعضكما وكل واحد يحاول الفوز على الآخر ".
وصرخا بالوقت نفسه:
" ولن نتغير ".
ليحدجها بقوة بنظراته الصقرية العاشقة لتلك الأنثى المتمردة، وقال بصوت رخيم حنون ودافئ:
" أنا لا أريدها أن تتغير....أريدها مثلما هي ".
" واااااااااو!!.. سلطان أصبحت شاعرا، منذ متى يا ابن العم؟!! ".
التفت إليها
" منذ أن رأيت شقيقتك ".
" يا رجل ألا تخجل من التغزل بشقيقتي أمامي؟!! ".
لتخفض رأسها باستحياء وفزت من قعدتها باتجاه غرفتها، دخلت وأغلقت الباب واستندت عليه وابتسامة شقت ثغرها، أغمضت عيناها هاربة من كلماته، من نظراته، من همساته، لتضمحل ابتسامتها وتختفي بعد أن عادت لها كلماته لترن بعقلها لكن بشكل مختلف، وهمست بحزن وألم ويدها تقبض على مكان قلبها تعتصره بقوة لعله يبعد عنها الوجع.
" كاذب... مخادع ".
لتتحرك من مكانها باتجاه خزانتها، سحبت حقيبة فارغة وفتحتها وبدأت بوضع ملابسها القديمة ولم تنتبه لدخول جدتها الغرفة لانشغالها بانتقاء الملابس التي تريد أخذها معها، ليصدح صوت الجدة منبها إياها بأنها لم تعد لوحدها:
" ماذا تفعلين؟؟ ".
التفتت بسرعة ناحية الباب كأنها أمسكت بالجرم المشهود.
" أمي!! أعتذر لم أسمعك وأنت تدخلين ".
وبعينيها الحادتين شخصتها ناحيتها لتشيح بوجهها هربا منها، فهي لا تريد أن تكون السبب بإفساد سعادتها التي نطقت بها عيناها لرؤيتهما معا، فأبت إلا السكوت والرضوخ لحياتها معه.
" نعم لاحظت بأنك كنت شاردة، هل أنت بخير؟ ".
بخير!!... لا لست بخير، أنا أموت...لقد ذبحني بكلماته، قتل كل السعادة التي بنيتها لأيامنا القادمة.
أرادت الصراخ بها.....أرادت الخلاص منه لكن لم تستطع قولها، فيكفي أنها الوحيدة التي ستتألم ولم ترد أن يتألم الجميع معها.
" أنا بخير أمي ".
سكتت قليلا ثم أكملت بتهكم لم يغب عن جدتها الذكية:
" ولما لا أكون بخير، فها أنا قد تزوجت من خيرة رجال العائلة، فماذا أريد أكثر من هذا؟!! ".
اقتربت الجدة منها وبخبرة السنين تعلم بأنها تكذب وتتهرب، أمسكت بكفيها وقالت:
" استمعي إلي جيدا حبيبتي!!... مهما حدث، ابنة الغالي رأسها دايما مرفوع، أبدا لا تسمحي لأي كان بكسره!! ".
عضت على شفتيها تكتم صرختها بأن حبيبها سلطان هو من كسرها، ومنعت موجة من البكاء عقدت عند مقدمة لسانها تنتظر فقط فتح فمها ليخرج نشيجها الباكي، واستطردت الجدة حديثها وهي ترى التموجات على ملامح وجه حفيدتها لتعلم بأن هناك خطب ما لكن حفيدتها أقوى من هذا.
" ابنتي خلاصها بعقلها ".
نقرت على رأسها تنبهها للاستماع لنصيحتها.
" مهما كانت المشاكل التي ستواجهك وأنا أعلم بأن العقبات ستكون لحياتك بالمرصاد، فهذه حال الدنيا يوم لك وعشرة عليك، قفي بوجه المشكلة ولا تتركيها تفلت منك، عاقبي لكن بحذر وحدود، سايري التيار لكن لا تخوضي بغماره رأسا برأس، فالحياة مثل الحرب نخوضها لننجح، وقيل أن الحرب خدعة لا مانع من الالتفات قليلا لكن بحدود المعقول، فالالتفات كثيرا على المنحنى يسبب خسارة فادحة هل تفهمين ما أقوله؟!! ".
هزت مريم رأسها بنعم وقد تشكلت برأسها العقاب المناسب لابن عمها، فالمواجهة قد حان أوانها، وبعدها ستعرف ما عليها فعله إن لم يوافق على اقتراحها، احتضنت جدتها بقوة وقد تغير وجهها بلحظة من الانهزام للقوة
"شكرا لك يا أمي، لا تعرفين مدى حاجتي لنصائحك، أرجوك داومي عليها دائما ولا تبخلي علي بها ".
" خيانة...خيانة!!... أنتم هنا غارقون بالعناق والأحضان والقبلات، وتتركوني أنا مع عديم الإحساس بالخارج!! ".
ابتعدتا عن بعضهما لتناديه مريم بأن يقترب، تحرك ليحضن المرأتان الوحيدتان المهمتان بحياته، وطبع قبلة على رأس كل منهما ثم ابتعد قائلا لشقيقته بأن سلطان يريد الرحيل......
لتتمسك دون إرادة بكف جدتها فالمواجهة قد أزلفت، لا تعرف إن كانت ستخرج بعد الخوض بتلك المحادثة بروح سعيد أم بروح مخذولة.
ضغطت الجدة على يدها تخبرها بأنها موجودة متى ما احتاجتها لتحتضنها من جديد ثم ابتعدت لترتدي عباءتها، وعندما همت بالخروج نادتها الجدة :
" والحقيبة؟! ".
التفتت إليها ونظرت للحقيبة للحظات ثم رفعتها للجدة وعلى شفتيها ابتسامة ماكرة:
" لا أحتاجها!!... فلدي الكثير من الملابس التي اشتراها سلطان ".
وغادرت مستعدة للحرب التي ستعاركها، صحيح أن هناك ستكون خسائر لكن على الأقل ستعرف أين ستقف.
******************
صرخ سلطان بلوعة وألم فما تطلبه صعب تحقيقه، وأشاح بيده بغضب كتمه بصعوبة.
" لا بد بأن عقلك قد أصابه مس ما...لتطلبي مني هذا الطلب؟!! ".
بنظراتها القوية والحادة، وشكيمة توارثتها عن أجدادها سرت بجيناتها لتغدوا ما عليه من صورة المرأة الحديدية.
" هذا كل ما لدي يا ابن العم!!.. إن أردت غفراني إما أن تفعل ما طلبته... وإما سأتخذ إجراء آخر قد لا يعجبك!! ".
وغادرت مغلقة باب غرفتها تاركة سلطان يتلظى بنار أشعلها هو لتحرقه هي بها.
****************
قراءة ممتعة يا صبايا
وبانتظااااااااااااار رايكم بالفصل
والفصل الجاي راح يكون متفجر جدااااااا جدااااااااااا
فيلا شدوا الهمة بتعليقاتكم...
سمعتوا تعليقات طويلة وعريضة وبلاش الصور
يعني راح أحسب التعليقات الطويلة بس أما التعليقات أبو كلمة وحدة أبدا ما تمشي معي
فاهمين هههههههههههههههه
أدري قاعدة أتشرط.. مثل ما انتوا تبون حتى أنا أبي
يلا راح أنتظركم
