اخر الروايات

رواية دوبلير الفصل الثامن عشر 18 بقلم فاطمة علي

رواية دوبلير الفصل الثامن عشر 18 بقلم فاطمة علي


الحلقة الثامنة عشر.

مضى يومان حاول فيهما "أكمل" مساعدة شقيقه الذي استسلم تمامًا لقدره بين جنبات قضبان السجن ليجد أحد العساكر يهتف باسمه مستهمًا :
- "أمجد الصواف".

تنفس بيأس وهو يلتفت برأسه نحوه صامتًا، ليردد العسكري صائحًا :
- قوم معايا، مدير السجن عايزك.

نهض بتلكؤ غير مباليًا وهو يتخبط بخطواته مترنحًا حتى قبض العسكري على ذراعه بقوة يسحبه إلى الخارج وهو يوصد غرفة الحبس ثانية ويستدير نحوه جاذبًا إياه إلى غرفة مدير السجن الذي نهض مرددًا بجدية وهو يشير نحو تلك التي تحتل المقعد المقابل له بأعين يملأها الحزن :
- هسيبكوا مع بعض شوية.

ولج "أمجد" إلى الغرفة وغادر مدير السجن مُغلقًا الباب خلفه، ليطبق "أمجد" أحداقه بأسى وهو يخطو نحو المقعد هاويًا عليه بجسده بصمت مهيب، لتحمحم "داليدا" بحزن مرددة بشجن صاحب كلماتها:
- عامل إيه؟

ابتسم ابتسامة جانبية متهكمة وهو يردد بسخرية :
- مفيش أحسن من كده، مسجون ومتهم بقضايا قتل كتبتها في رواياتي.

مالت نحوه بجذعها مرددة باهتمام وتوسل :
- فكر معايا كويس، مين بيمسك اللاب توب بتاعك، مين بتاخد رأيه في كتاباتك، مين بتحكيله عنها، مين بيجي ينضف عندك البيت، لأن كل القضايا دي أرتكبت وإنت لسه بتكتب الروايات أو بتراجعها، أو ممكن يكون جهازك متهكر أصلًا وكل الداتا اللي عليه عند حد تاني.

شرد "أمجد" قليلًا وهو يغمغم بخفوت :
- مالك!

حركت رأسها بدهشة وهي تردد باستنكار :
- مين مالك ده؟!

غمغم بشرود مؤكدًا :
- " مالك لبيب".. المصحح اللغوي لرواياتي، أنا بسلمه الرواية فعلًا يراجعها قبل ما تدخل المطبعة بأسبوع.

حرك رأسه بعدم تصديق مرددًا بنفي :
- بس ما أعتقدش، ده بني آدم كويس ومحترم، ما أعتقدش إنه يكون بالإجرام ده.

هتفت به "داليدا" بتساؤل :
- أقدر أوصل لـ "مالك" ده إزاي؟

مط فمه قليلًا وهو يردد بتلقائية :
- عن طريق دار النشر، بيكون عندها كل الداتا الخاصة بالعاملين فيها.

نهضت من مجلسها بحماسة كبيرة وهي تؤكد له بصدق :
- هوصله، وبراءتك هتظهر بإذن الله، وده وعد مني.

وانحنت نحوه قليلًا هامسة بنبرة عاشقة:
- مش بعد ما لقيتك هسيبك تضيع مني يا "أمجد".

تقافز قلبه بين أضلعه نافضًا ذرات اليأس عن كاهله، مُضيئ قناديل الأمل بأحداقه التي اشتعلت عشقًا وهو يهمس لها :
- كلمي "أكمل" أخويا يساعدك.. وخالي بالك من نفسك.

طوفته بابتسامة مطمئنة وهي تحرك رأسها بتأكيد قبل أن تغادر مخلفةً خلفها قلب تعلق بخيوط العشق الحالمة.

************
غادرت "داليدا" المبنى بسعادة وهي تستقل سيارتها بعزيمة وإصرار على التعلق بخيط الأمل هذا، لتجري إتصالًا هاتفيًا بـ "إياد" الذي أجابها على الفور لتهتف به بجدية :
- "إياد" القضايا دي لازم يكون بينها رابط قوي، دور في أرشيفك تاني وبتركيز، وكمان إتواصل مع دار النشر ضروري هاتلى كل المعلومات عن مدقق لغوي عندهم اسمه "مالك لبيب" كان شغال على روايات "أمجد"، أنا هروح لـ "أكمل" الشركة أحطه معانا في الصورة، ونشوف هنعمل إيه.
وأنهت اتصالها فورًا وهي تنطلق بسيارتها معتزمة الوصول.

**********
كان "مروان" يحتل مقعد مكتبه يتابع أخبار "أمجد الصواف" بل قضاياه التي تورط بها ومعالم الحزن والألم تكسو معالمه، ليهتف بصوته المتحشرج مناديًا زوجته :
- "هيا".. تعالي عايزك.

جاءته مسرعة وهي تطوفه بدهشة مرددة بتساؤل :
- مالك يا حبيبي فيه إيه؟

أشار بيده نحو المقعد أمامه مرددًا :
- اقعدي بس، عايز أسألك كام سؤال.

جلست أمامه باهتمام شديد مغمغمة بفضول أشد :
- اسأل.

زفر "مروان" زفرة قوية وهو يعقد كفيه أعلى سطح المكتب مرددًا بحيرة :
- بما إنك دكتورة نفسية، تفتكري "أمجد" يرتكب الجرايم دي؟.. يعني يقتل بالوحشية اللي بنقراها دي؟.. أو يقتل أصلًا؟

تنهدت "هيا" بقوة وهي تستند بساعدها أعلى سطح المكتب مسترسلة بجدية :
- علميًا كل شيء وارد، ممكن فعلًا يكون ارتكب الجرايم دي أو بعضها على الأقل، لو قريت روايات "أمجد" هتلاقيه واصف المشهد بدقة بترعب، كل تفصيلة، كل رد فعل، كل تنهيدة تعيشك المشهد بالظبط، بيوصلك الاحساس اللي عايزه بالميللي كأنه عاشه قبل كده ده احتمال.. احتمال تاني يقول إنه ممكن استلذ الحالة اللي بيعيشها في الرواية وحب يطبقها في الواقع عشان يوصل لحالة النشوى اللي عند البطل.. احتمال تالت إن يكون عنده فصام في الشخصية ويكون بيرتكب الجرايم دي بشخصية مختلفة تمامًا، وممكن كمان يحط أدلة توديك في حتة تانية خالص، وده الاحتمال اللي يخوف، لأن هيكون شخصيته منافية تمامًا للبني آدم اللي إحنا نعرفه.

حرك "مروان" رأسه بتيهٍ وهو يردد بحيرة أكبر :
- مش فاهم.. يعني "أمجد" مريض نفسي؟

حركت رأسها بنفي مرددة بهدوء:
- مش شرط على فكرة، ممكن يكون أي احتمال تاني غير اللي فكرنا فيه، ممكن يكون فعلًا برئ، وممكن يكون فعلًا مذنب، بس الحقيقي في الموضوع ده إنه مرعب في كتاباته من قوة إحساسه، وأنا شخصيًا ما بفضلش النوع ده من الأدب.

تنهد "مروان" بأسى لتشير نحوه بسبابتها مرددة بعملية :
- عارف إيه الحسنة الوحيدة في الموضوع ده؟

حرك رأسه بنفي، لتسطرد هي بجدية تامة:
- الفيلم.. والإيرادات اللي حققها لحد دلوقتي.. شوف الناس اللي داخلة بس عشان تشوف جريمة ارتكبها الكاتب المشهور، فيلم حقق في أسبوع عرضه الأول ملايين ماحققتهاش أنجح الأفلام في السينما.. يعني تتنفس ببطيء كده وتبص للحاجة الإيجابية، وكده كده الحقيقة هتبان.

ابتسم "مروان" ابتسامة باهتة بمشاعر متضاربة، أيسعد لنجاح عمله؟، أم يحزن لحال صديقه؟

*************
كان "عبد الرحمن" كعادته بالأيام السابقة يختلس دقائق الزيارة لوالدته بعد مغادرة زوجها الذي يبغض مقابلته فهو أولًا وأخيرًا من سرق منه والدته. جذب المقعد جوار فراشها واحتله بجسد مستقيم مرددًا بابتسامة خفيفة :
- إيه الأخبار يا ماما؟.. إمتى هتفتحي عنيكي؟.. على الأقل تعرفي إني سامحتك، وكمان حاولت أقنع "داليدا" بس للأسف لسه ما اقتنعتش.. بس أنا مش هيأس وهحاول مرة واتنين وتلاتة، وهي هتصفى بإذن الله، أنا عارف إنها بتحبك، بس لسه موجوعة منك، الكسر ما كانش في عضمها، ده كان في قلبها وروحها.. عارفة، أنا حاسس إن قلبها دق، بس للأسف للبني آدم الغلط، حبت إنسان هتفقده في أي وقت، إنسان قضية واحدة من المتهم فيها تجيبله إعدام.. أنا عايز أساعدها بس، مش عارف إزاي.

وأخذ يقص عليها أهم أحداث طفولته وشبابه وقصص الحب التي لم يحياها بعد.

************
صفت "داليدا" سيارتها أمام شركة الصواف للتنمية العقارية وترجلت عنها مهرولة إلى الداخل ضاربة بهتافات رجال الأمن عرض الحائط وهي تلتفت نحوها بتشتت كبير حتى لمحت إحدى الفتيات المتوسطة الجمال بشعرها الأسود القصير المجعد وبشرتها البيضاء وأعينها التي تواريها خلف عدسات لاصقة زرقاء تحتل مكتبًا صغيرًا بأحد أركانها، فهرولت نحوها مرددة بلهفة :
- عايزة أقابل "أكمل الصواف".

أشارت الفتاة نحو غرفة مكتب قُبالتها مرددة بعملية :
- مكتب أستاذة "نغم" مديرة مكتبه عندك، تقدري تحددي معاها ميعاد.

لم تنتظرها تسترسل بحديثها، فقد تركتها مهرولة نحو غرفة "نغم" هذه والتي كانت حقًا نغمًا لمعزوفة جمال فريدة من نوعها بملابسها الرسمية السوداء، وخصلاتها المنسدلة حتى منتصف ظهرها، وبشرتها السمراء المتشربة بحمرة دافئة مبهرة، وشفاهها المكتظة قليلًا، وأنفها الصغير، وأعينها السوداء كسواد ليل قاتم، اتجهت نحوها هاتفة باستجداء :
- عايزة أقابل "أكمل" الصواف ضروري.

رفعت "نغم" رأسها نحوها وهي تهزها بأسف مرددة :
- للأسف أستاذ "أكمل" مشغول جدًا ومش هيقدر يقدر يقابل حد.

التفتت "داليدا" حولها بسخط حتى وقعت أنظارها على باب غرفة مكتبه، فركضت نحوه تفتحه بقوة والجة إياه بلهفة مرددة :
- "أمجد" اللي باعتني ليك.

نهض من مقعده بدهشة وهو يتجه نحوها متلهفًا يُشير إلى "نغم" التي تبعتها بغضب بالخروج وإغلاق الباب خلفها، ليقترب منها مرددًا بتوق:
- هو عامل إيه؟، حاولت أقابله بس رفض يقابلني.
ارتسمت
ابتسامة خفيفة بمحياها وهي تحاول إلتقاط أنفاسها بقوة مُشيرة نحو المقعد جوارها مرددة :
- أقعد بس وأحكيلك على كل حاجة.

اتجه "أكمل" نحو البراد الصغير بمكتبه يتناول منه زجاجة عصير ويتجه بها نحو "داليدا" مرددًا بفضول كبير وهو يناولها إياها:
- أقدر أعرف حضرتك مين؟

كانت أنفاسها قد هدأت قليلًا، وتناولت منه الزجاجة تضعها أعلى المنضدة الصغيرة أمامها مرددة بصرامة :
- مش وقت عصير خالص، أنا "داليدا الشهاوي"، تقدر تقول صديقة لـ "أمجد"، ولسه جاية من عنده حالًا.

حاول "أكمل" سؤالها عن حاله، لتستوقفه مرددة بجدية :
- هو كويس، وهو كمان اللي بعتني ليك عشان تساعدني.

حرك "أكمل" رأسه بتساؤل مغمغمًا :
- أساعدك في إيه؟

أجابته بحزم :
- إثبات براءة "أمجد" وتسليم المتهم الحقيقي للعدالة.

جلس "أكمل" مقابلها وهو يهتف باهتمام شديد :
- هو مين؟

أخذت تقص عليه "داليدا" حديث شقيقه بأدق تفاصيله وهو يتابعها في اهتمام يتضاعف حتى وصل ذروته مع آخر كلماتها، ليهب من مجلسه ملتقطًا هاتفه ومفاتيح سيارته مرردًا بوعيد :
- وديني لأندمه على اليوم اللي إتولد فيه.

وهرول مغادرًا تتبعه "داليدا" بحماسة أكبر وخطوات أكثر في طريق محفوف بالمخاطر.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close