رواية انتصر قلبي الفصل السابع عشر 17 بقلم قسمة الشبيني
السابع عشر
فتح هانى عينيه دون أن يحاول التحرك ترقبا لتيقظ علاء الذى لا يحبذه، لو أنه تمسك بفتح الباب ليلة أمس ما اضطر لقضاء كل هذا الوقت برفقة هذا المتملك المسيطر ، يعلم أن تعطشه لعلاقة متبادلة هو دافعه الأكبر لهذا الاحتجاز لكن هذا الدافع لا يبرئ ساحته أمامه فهو لا يقبل التحكم ولا يقبل بفرض السيطرة.
شخصت عينيه فما يكرهه الآن هو ما حاول الوصول إليه مع ياسر ليقابل برفض أدى لعذابه كل هذا العمر، فهل يقابل علاء رفضه بنفس القوة والثورة التى قابل بها هو رفض ياسر!!
لا يظنه يفعل فهو منقاد تماماً وراء شهواته ولا يفكر في أى مشاعر قد تربط بينه وبين الطرف الآخر.
تمطى علاء ليغمض عينيه فوراً ويتصنع النوم هرباً من تفكيره فى التقرب إليه مرة أخرى لكن يبدو أن علاء كان يخطط لأمر آخر وهو يعتدل جالسا قبل أن يسحب الدثار يحيطه به ويغادر بهدوء خشية تيقظه بالفعل، اتسعت عينا هانى بمجرد مغادرة علاء خوفا مما يخطط له وهو يعتدل جالسا أيضاً ويتجه إلى حمام آخر فعليه المغادرة فى أسرع وقت.
ظن أنه اسرع فى تحممه لكن حين عاد للغرفة كان علاء قد ارتدى ملابسه بالفعل ليبتسم له بمودة
_ صباح الفل، انا طلبت الفطار وقهوة على ما تلبس يكون وصل
اتجه بصمت إلى غرفة الملابس ولم يطل غيابه فيها ليسمع صوت المفاتيح التى اخرجها علاء فيتنفس بإرتياح ويشعر ببعض السكينة .
عاد للغرفة ينتظر عودة علاء التى لم تطل وهو يلقى والمفاتيح قرب الباب ويقترب حاملاً الطعام
_ انا عارف انت بتحب إيه من ايام ما كنا بنشات سوا جبت لك اللى بتحبه مش بفرض عليك حاجة
ابتسم هانى فيبدو أن علاء يتعلم سريعاً من أخطاءه أو يحاول أن يراضيه بالفعل.
_ انت رايح الشغل ؟
_ ايوه يومى طويل انت عارف ما انا كنت بحكى لك
أومأ بتفهم ليخرج سلسلة مفاتيح يقدمها له
_ دى نسخة من مفاتيح الشالية واحنا خارجين دلوقتي هعمل اوردر لأمن الكومباوند انك تدخل وقت ما تحب أنا طبعا نفسى تيجى تعيش معايا علطول بس مش هضغط عليك.
_ هو انت مش عايش مع مراتك؟
ظهر الضيق فوق ملامح علاء وهو يترك الطعام ملتقطا قهوته
_ يعنى اوقات بروح لها لما اكون مضطر
_ طيب وليه كده ما تطلقها؟
_ انت عاوزنى أطلقها ؟؟
لا يهتم هانى فى واقع الأمر بشأن حياته الزوجية ولا أي حياة تخصه فقد أقام علاقة معه يعلم جيداً أنها مؤقتة لفترة شديدة القصر حتى يعود لحياته هو لكنه أيضاً لن يبدى جميع نواياه لذا هز كتفيه مبديا بعض التحضر من وجهة نظره
_ دى حريتك الشخصية بس انت مش خايف أنها تخونك مثلاً ؟
ضحك علاء ليسعل بقوة فيعيد الكوب بمكانه
_ ما هى بتخونى فعلا، خانتنى مع كل راجل قابلته تقريبا حتى الولد انا عارف أنه مش ابنى بس انا بحافظ على واجهة اجتماعية مش اكتر
_ الحياة فى الشرق صعبة جدا
كانت زفرة هانى واعتراضه على الحياة نابعة من تعاطف حقيقى كونه يعتقد أنه وعلاء شخصين طبيعيين ولهما الحق في الحياة الكاملة .
نهض علاء مبتعدا ليلتقط سترته مشيرا إليه
_ كمل فطار على ما ابعت كام ايميل
لم يهتم هانى بما يفعله بينما لم يكن هو يراسل اى شخص بل كان يعمل على تهكير هاتف هانى بعد أن حصل على بعض المعلومات فى الدقائق القليلة التى قضاها الأخير بالحمام فهو يرى أن شخص مثل هانى هو فرصة نادرة التواجد بحياته ولن يخسره لقد كان متعطشا للعلاقة فلم يهتم فى البداية بالتعرف على حياته بالخارج بينما أخبره هو عن كل حياته وإن كان يملك حياة بعيدا عنه فسيعمل على أن تكون حياته القادمة تتلخص فيه هو .
..................
ما أصعب الانتظار خاصة إن كان انتظار لأمر تقوم عليه حياة الإنسان وحياة احبائه أيضاً ، شعر جاد أن كل دقيقة تمر هى اثقل عليه وعلى قلبه من سنوات قضاها في الصمت، حاول عقله إيجاد بعض الإلهاء عن مرارة الإنتظار ليعيد له ذكرى ساعات قليلة مضت، فمنذ ساعات قليلة كان بالقرب منها يرى سكونا كان يحلم فى الماضى بمجرد الشعور به بهذا القرب .
تذكر حين قادته قدميه للمزيد من القرب بعد أن قضى فترة لا يعلم مدتها فعلياً من مراقبتها رغم غياب وعيها عنه فى غياهب النوم، فقد كامل سيطرته على أشواق قلبه الذى ينتشى لكونها أصبحت زوجته بالفعل ، تحرك كفه بلا أمل فى مقاومة من قبله نحو وجهها الذى أعاد له دفء النوم توردا غاب عنه لفتره طويلة.
ارتجفت أنامله فور اندساسها بين خصلات شعرها لينتفض قلبه بينما تجمد بدنه وهى تبتسم وتحرك رأسها نحو كفه ليتشرب من دفئه .
اتسعت عينيه لا يعلم إن كان تأثراً لشعوره بالفزع ام تضامناً مع ثورة مشاعره التى يعجز عن كبح اشتعالها .
لم تطل سعادته بذكراه الغالية فيبدو أن الوقت يعانده أيضاً ويرفض تمتعه بلحظات سعادته القليلة فيعيده الواقع منها مع دخول من طال انتظاره اليوم، تحركت معه عينا جاد المستترة خلف نظارته السوداء حتى جلس بنفس الطاولة ككل يوم مستدعيا النادل كالعادة ولم يخف على جاد استراقه النظر نحوه فلا يعلم أى منهما يراقب صاحبه.
مر نصف ساعة تقريباً حتى اقترب منه أنس ليهمس بتوتر
_ نفذنا أوامرك يا استاذ جاد بس ارجوك خلى بالك من نفسك
_ ماتقلقش يا أنس مؤنس معايا وانا مش هعمل اى حاجة متهورة
ابتعد أنس ليخرج هاتفه ويطلب من مؤنس القدوم لصحبته فيتأهب ذلك الشخص ويطلب حسابه استعداداً للمغادرة، رآه جاد يهز رأسه يمينا ويساراً متحديا شعوره بالدوار ليوارى ابتسامته الشامتة فما أسهل الإيقاع بصياد لا يعلم قدرات فريسته فيتحول لفريستها.
وقف باسطا عصاه فقد نفذ الوقت ليقف ذلك الشخص أيضاً ويبدأ الدوار يسيطر عليه بترنح واضح قبل أن يسقط أرضا فيثير الفوضى في المكان.
تجمع الناس حوله بذعر ليبدى جاد بعض التعثر مقتربا من موضع الفوضى
_ حد يقولى فى إيه!؟
_ زبون يا استاذ جاد وقع من طوله
بدأ بعض الرجال محاولة إفاقته ليبدو الأمر شديد الصعوبة ويبدى جاد المزيد من التوتر
_ فاق!!
_ ابدا ، دا باين فى غيبوبة مش مجرد اغماء
_ شيلوه يا انس حطوه فى عربيتى وانا هاخده المستشفى ، متشكرين يا جماعة واسفين عن اللى حصل، اتفضلوا كل واحد يرجع ترابيزته وبكرر اسفى.
فى لحظات كان ذلك الرجل ممدا فوق أريكة سيارته الخلفية وهو يستقر بالمقعد المجاور ل مؤنس الذى لا يخفى توتره .
عاد جاد يتصل بخاله ولم يعلم بما حدث معه الليلة الماضية لكنه كان على إتفاق معه ويثق أنه لن يخذله
_ مال صوتك يا خالى؟ انت تعبان؟
_ لا يا بنى انا كويس انت فين؟
_ هو معايا فى العربية اهو هتقابلنا فين؟
_ على باب القسم انا بلغت امبارح زى ما اتفقنا
_ معلش يا خالى بتعبك بس كنت خايف يكونوا مراقبنى انا كمان
_ تتعبنى ايه بس دى مصلحة بنتى .المهم نتحرك بسرعة قبل عبيد ما ياخد خبر ويأمن نفسه أو يهرب .
أنهى الاتصال وهو ينظر نحو مؤنس الذى بدأ يهدأ قليلا مع علمه أن الأمر يسير بشكل قانونى فقد خشى بالفعل أن يتورط جاد ويورطه فى جريمة
_ مؤنس حاول تتأكد أن محدش ورانا
بدأ عقل مؤنس يعمل وهو يراقب المرآة بحثا عن مراقبة محتملة ومع شعوره بالارتياح النفسى يسهل عليه متابعة عمله بذهن نشط.
.............
أنهى عبد القادر اتصاله ولم تذق عينيه لمحة من الراحة طيلة الليل كذلك زوجته التى بدأت كما يبدو له تحاسب نفسها، يعلم أنها ليست المتسببة فيما وصل له هانى فالدلال ليس مبرراً للشذوذ بأى شكل كان خاصة أن ما كانت تقوم به لم يكن دلالا عبثيا فقط ترفع عنه مسئولياته كأغلب الأمهات فقط لكونه الإبن الذكر الذى عليه أن يعيش في رعاية أمه كما ترى ، طريقتها خاطئة لا شك في ذلك لكنها ليست السبب بل إن هانى نفسه هو المتسبب الرئيسي في وصوله لهذا الشذوذ الذى يحياه واختاره بكامل إرادته.
_ بلاش يا سندس تحملى نفسك فوق طاقتها، ابنك اختار طريقه
_ انا السبب!؟
_ لا مش انت، مفيش أى سبب منطقى يبرر لإنسان طبيعى شذوذه عن الطبيعة واختياره اللى يتنافى معاها إلا أنه مقرر يتبع شيطانه، شيطان النفس يا سندس اقوى من ابليس نفسه، انا نازل ولو جه ماتتكلميش معاه فى اى حاجة وبلغينى
اومأت بطاعة فهى لا تعلم كيف تتصرف ولا يجد عقلها سبيلاً سوى إتباع زوجها عل هذه الغمة تنزاح عن أسرتهم رغم أنها لا ترى لها سوى نهايات مفزعة لكن قد يكون الفزع اقل مراراً من الانتظار.
...........
حين وصل جاد لم يكن خاله قد وصل ولم يمهله مؤنس وقتا وتساءل
_ عبد القادر بيه مش موجود
_ دلوقتي يظهر استنى شويه
مرت خمس دقائق تقريباً قبل أن يظهر عبد القادر من داخل القسم لتظهر معه لهفة مؤنس للتخلص من هذه الورطة
_ اهو طالع من القسم
ترجل فوراً يشير إليه وكان يرافقه أحد الضباط ليتقدما من السيارة
_ هو ده ؟ يا عسكرى شيل البنى آدم ده على مكتبى بسرعة
تقدم الجنود من السيارة ليفسح لهم مؤنس الطريق شاعراً بالمزيد من الراحة مع اخراج ذلك المجرم من السيارة.
عاد للسيارة مطمئنا مع توجه الجميع لداخل القسم فليس عليه حالياً سوى الانتظار وقد عادت دفة الأمور لطبيعتها كما يرى بالتخلص من التهديد الوشيك .
استقر جاد وخاله بمكتب الضابط الذي تساءل
_ اتفضل يا استاذ جاد احكى لى كل حاجة على ما اخينا ده يفوق، انت منيمه ازاى؟
_ دواء منوم اتحط له فى القهوة ودى كانت الطريقة الوحيدة اللى نسيطر بيها على مجرم زيه، اتفضل
دفع بهاتف أمامه وهو يوضح بهدوء
_ عليه تفريغ كاميرات المراقبة اللى ظهر فيها وشه وهو بيخبط هبة بالعربية وعليها تفريغ كاميرات المطعم اللى بيظهر فيها وهو خارج ورايا كل يوم، انا عاوز اتأكد مين وراه بسرعة لازم يتمسك قبل ما يحاول يأذى مراتى تانى.
.............
عاد عبيد يتفقد الساعة ثم يتفقد هاتفه لقد تأخر ذلك الغبى كثيراً اليوم فى موافاته ، لقد طلب منه سرعة التخلص من جاد لكن مرافقة ذلك السائق له دائما تمنعه من تنفيذ مهمته كما أنه لا يترك السيارة ليمكنه تدبير حادث يتخلص فيه من كليهما .
ستكون زوجة عمه فى أضعف حالاتها فى حالة نجاتها من خبر موت جاد أيضاً، لقد أوشك على نيل كل ما يستحق وأما عن هبة فيمكنه أن يطلب دعم أخيها مجددا وحين تصبح أمامه بلا حماية سيسهل النيل منها.
عاد يتفقد الهاتف بضجر فعليه إلتزام الهدوء .
...............
تحرك ببطء يفتح عينيه، اخر ما يذكره أنه كان بالمطعم يراقب جاد الذى يعجز فعلياً عن التخلص منه، وعده عبيد بمكافأة كبيرة فور انتهاء هذه المهمة التى يتوق لإنهائها ، رأى محيطا مختلفا ليغمض عينيه ويحاول التأكد من مكان تواجده مرة أخرى ليظهر هذه المرة فى الصورة ضابط شرطة كانت مجرد رؤيته يقترب منه كافية لينتفض جالساً مسكونا بالفزع
_ فى إيه؟ انا فين؟
_ انت فى القسم وهنعمل لك احلى تشريفة
_ تشريفة؟؟ فى إيه يا بيه انا مواطن شريف
كانت عينيه تتحرك بفزع نحو جاد وتعود للضابط الذى امسك ملابسه يجذبه ليستقيم أمامه مستهزءا
_ شريف!! ماشى يا شريف اترمى هنا
دفعه ليرتطم بالمكتب قبل أن يستقيم مرة أخرى وهو ينظر إلى جاد الملازم للصمت .
بدأ الضابط يواجهه بالاتهام ولم يكن القوة البادية عليه فبمجرد أن رأى تسجيل كاميرا المراقبة الذى يظهر فيه للحظة واحدة قبل أن يصدم هبة انتفض صارخاً
_ أنا ماليش دعوه يا بيه ده عبيد هو اللى وزنى ودفع لى ، اعمل ايه يا بيه الحوجة وحشة وانا راجل غلبان
_ ماشى يا غلبان وكنت بتراقب استاذ جاد ليه ؟
_ هو.. هو عبيد يا بيه الله يجازيه قالى لو خلصت عليه هيدينى نص مليون جنيه، بس انا ماعملتش حاجة وقدامك اهو ولا اتعرضت له حتى، انا كنت براقبه بس
_ كنت بتراقبه مستنى الفرصة مش اكتر ، هنفتح محضر وتقول فيه كل ده وتعترف على عبيد يا اما اعمل انا محضر واشيلك الليلة بحالها
لم يبد ذلك المجرم اى نية لحماية عبيد بل على العكس تماماً أبدى رغبة شديدة فى حماية نفسه
أنهى الضابط تسجيل اعترافه وقد نفذت قدرة جاد على التحمل
_ حضرتك هتمسك عبيد؟
_ لازم إذن نيابة بس ماتقلقش انا هتصرف.
غادر المكتب بعد أن أمر الجندى بإيداع ذلك المجرم الحبس الاحتياطي ، أصبح جاد وحده بالمكتب فقد غادر خاله قبل بداية التحقيق ومجرد مغادرته تشعره أن الأمور خرجت عن السيطرة وربما زاد هانى من إيذاء نفسه وايذاء الجميع بما يعتنق من أفكار شاذة مثل ميوله لذا لم يتردد في الاتصال بمؤنس وطلب منه تفقد خاله فى منزله .
...............
دخل عبيد لمنزل عمه وهو يتلفت حوله بقلق، لقد حاول الاتصال بجاد فلم يجد تغطية وحاول الاتصال بشحات فلم يجب اتصاله لذا قرر أن يجازف ويتجه لمنزل عمه حيث سترد حتما اولى الأخبار التى ترضيه.
طرق الباب عدة مرات لكن لم يجبه اى شخص ليزداد توجسه وتنمو مخاوفه ويبدأ شعوره بالخطر يخبره أن عليه الفرار بعيداً حتى تتضح الصورة.
..............
أشارت مرفت للصغير بإلتزام الصمت ليكمم هيثم فمه بصورة مضحكة مع رنين الجرس الذى يتتابع بينما ظهر القلق فوق قسمات هبة التى همست
_ انا مش فاهمة حاجة يا عمتى
_ ولا انا يا بنتى بس زى ما سمعتى جاد الصبح
فركت هبة أصابعها بتوتر شديد وهى تنظر نحو الباب الذى يعلو رنينه قبل أن يسود الهدوء الحذر مع صوت ابتعاد الخطوات الذى أظهره الصمت المخيم على المكان فلم تتمكن من كبح الفضول واتجهت للنافذة لتنظر من خلف الشباك المغلق ثم تتنهد بإرتياح
_ كويس أننا مافتحناش ده عبيد
.............
دخل عبد القادر للمنزل وكانت سندس تلزم غرفتها حتى أنها لم تر هانى أثناء دخوله فقط هاتفت زوجها حين سمعت حركته بالخارج .
كان عبد القادر يشتعل حرفياً وهو يدخل غرفته يسألها
_ هو فين؟
_ دخل اوضته انا ماشفتوش
سحب نتيجة التحليل وهو يتجه إلى غرفة هانى والذى حين وصل ووجد السكون محيطا بالمنزل لم يتخذ احتياطه ككل مرة ويغلق الباب فيسهل على عبد القادر اقتحام الغرفة وكان يتوسط فراشه بهيئة غير مرضية متعريا من أغلب ملابسه فينتفض فور رؤية أبيه ويغلق حاسوبه بحدة
_ فى إيه يا بابا! ازاى تدخل عليا بالشكل ده؟
_ ألقى عبد القادر الأوراق تجاهه ليفتح الملف يطالعه دون أن يفهم ما يحدث ليبدأ عبد القادر نزيف قلبه
_ التحليل بيقول أن هرمونات الذكورة عندك طبيعية يعنى انت شاذ بإختيارك
نفضه الفزع حتى استقام يلقى الأوراق ويلتقط ملابسه
_ انا مش شاذ، انا انسان طبيعى زيى زيك ، انتو لازم تقبلونى زى ما انا مش زى ما انتم عاوزين، مش لازم اكون شبهك فى كل حاجة علشان تقبلنى ، انا ابنك
_ نتقبلك لو فيك اي مرض أو عيب أو حاجة اتخلقت بيها لكن نقبل شذوذك عن طبيعة ربنا وفطرته ازاى؟ نقبل بيعك روحك للشيطان ازاى؟
_ انا مابعتش حاجة ولا شذيت عن حاجة، انا اخترت ميولى وده حقى ومن حقى عليك انك تقبل اختيارى
لم يعد عبد القادر يتحمل المزيد من تبجح افكار هانى عن حقوقه المزعومة ليصفعه بقوة متخليا عن كل تحكمه وتاركا العنان لغضبه ليتحكم فيه
_ اخرس، اختيار إيه اللى اقبله وحق ايه اللى ليك عندى؟ انت طول ما انت فى الطريق ده لا انت ابنى ولا اعرفك، وطول ما انت بتفكر كده مالكش عندى اى حقوق.
_ لمجرد انك عاوزنى زيك رافض تقبل اختيارى وتقبلنى! طول عمرك ظالم
_ لو الظلم انى ارفض مخالفة طبيعة ربنا يبقا انا ظالم، لو الظلم انى عاوزك تعيش راجل زى ما ربنا خلقك يبقا انا ظالم، لو الظلم أنى ارفض اختيارك لجهنم يبقا انا ظالم
_ وانت مين علشان تحكم عليا ؟
_ انا ابوك اللى بيحلم تكون احسن راجل فى الدنيا وكنت مستعد اقبلك واتعامل معاك واقف جنبك لاخر نفس لو كان شذوذك ده مرض أو ليه سبب يتعالج لكن زى ما قولت ده اختيارك لا اتخلقت كده ولا حد اذاك وبقيت غصب عنك كده انت اخترت وده اللى كاسر قلبى
اندفع هانى خارج الغرفة وكانت سندس تقف بالقرب مستندة إلى أحد المقاعد ليسرع نحوها فطالما كانت خط دفاعه الأول والأقوى
_ شايفة يا ماما، يرضيكى انضرب وانا فى السن ده وعلشان إيه ؟ علشان اخترت ميولى وعشت حياتى زى ما انا عاوز؟ انتو عاوزين ايه غير سعادتى؟ يرضيكم ايه غير راحتى؟ انا مرتاح كده وسعيد كده لانى عايش اختيارى والحياة اللى ترضينى
_ هى دى الحياة اللى ترضيك يا هانى؟ بدل ما تعيش انسان طبيعى زى ما ربنا خلقك
_ انا اتخلقت كده اتخلقت مختلف عنكم ، شايف الحياة من منظور تانى، شايف حياتى انا بشكل تانى ولعلمك كمان أنا متجوز
اتسعت عينا سندس وهى تتساءل بلهفة
_ متجوز!!
اسرعت نحو زوجها الذى يقف بباب الغرفة يلقى ثقل احماله إلى الجدار
_ عبد القادر هانى متجوز ، يعنى مش زى ما بتقول، متجوز يا عبد القادر
سيطر الألم المكلل بالتهكم فوق قسمات عبد القادر وهو يشير إلى هانى
_ اسأليه متجوز مين قبل ما تفرحى اوى كده!
_ مين! مش مهم مين اي ست والسلام المهم أنه متجوز
نال هانى نصيبه من الاستنكار وهو يتابع تبجحه
_ ست!! مين قال انى متجوز ست؟؟
انقبض صدر سندس وضاق بالأنفاس وهى تنظر إليه بفزع لترى كم هو مشوه فعلياً ، زوجها محق، لقد خسرت أبنها الذى اختار لنفسه هذا الضياع
عجز عقلها عن تحمل الحقيقة وعجز قلبها عن تقبل الصورة البشعة التى ترى لينهار تماسكها وتسقط فى لحظة لينتفض نحوها زوجها وكأنه بحاجة للمزيد من المصائب
_ سندس، ردى عليا يا سندس
رفع رأسه ينظر إلى جمود هانى وتقبله سقوط أمه وكأنه لم يغرس بصدرها غدره لتثور أنفاسه
_ اطلع برة انت بالنسبة لى ميت من اللحظة دى ، برة
سادت السخرية قسمات هانى الذى اتجه لغرفته بإندفاع ليحمل هاتفه وحاسوبه ويغادر مخلفا أمه التى لا يعلم إن كانت ستتعافى من تلك السقطة ام ستقضى عليها.
..............
لم يفكر كثيرا فى الأمر عليه أن يسرع بالانتقام وهذه هي فرصته النموذجية أخرج هاتفه وطلب رقم عمته التى سرعان ما أجابت ليظهر لها الأسى ويجيد تصنع الحزن
_ ايوه يا عمتى
_ مالك يا هانى؟
_مش عارف اقولك ايه! انا وبابا شدينا مع بعض شوية وماما وقعت من طولها
_ يا مصيبتى وبعدين جرى لها إيه!
_ مش عارف بابا طردنى من البيت من فضلك روحى لها انا قلقان عليها اوى وقولى لهبة اكيد ماما هتحتاج وجودها.
أنهى الاتصال وقد اقترب من المنزل، يعلم أنه خلال دقائق ستظهر عمته واخته ولن يكون صعبا عليه مراقبة تحركاتهما العشوائية وسيجد حيلة ما لسحب الصغير وهذا هو انتقامه الذى سيطيح بالجميع حتى بذلك الراقد فى قبره.
فتح هانى عينيه دون أن يحاول التحرك ترقبا لتيقظ علاء الذى لا يحبذه، لو أنه تمسك بفتح الباب ليلة أمس ما اضطر لقضاء كل هذا الوقت برفقة هذا المتملك المسيطر ، يعلم أن تعطشه لعلاقة متبادلة هو دافعه الأكبر لهذا الاحتجاز لكن هذا الدافع لا يبرئ ساحته أمامه فهو لا يقبل التحكم ولا يقبل بفرض السيطرة.
شخصت عينيه فما يكرهه الآن هو ما حاول الوصول إليه مع ياسر ليقابل برفض أدى لعذابه كل هذا العمر، فهل يقابل علاء رفضه بنفس القوة والثورة التى قابل بها هو رفض ياسر!!
لا يظنه يفعل فهو منقاد تماماً وراء شهواته ولا يفكر في أى مشاعر قد تربط بينه وبين الطرف الآخر.
تمطى علاء ليغمض عينيه فوراً ويتصنع النوم هرباً من تفكيره فى التقرب إليه مرة أخرى لكن يبدو أن علاء كان يخطط لأمر آخر وهو يعتدل جالسا قبل أن يسحب الدثار يحيطه به ويغادر بهدوء خشية تيقظه بالفعل، اتسعت عينا هانى بمجرد مغادرة علاء خوفا مما يخطط له وهو يعتدل جالسا أيضاً ويتجه إلى حمام آخر فعليه المغادرة فى أسرع وقت.
ظن أنه اسرع فى تحممه لكن حين عاد للغرفة كان علاء قد ارتدى ملابسه بالفعل ليبتسم له بمودة
_ صباح الفل، انا طلبت الفطار وقهوة على ما تلبس يكون وصل
اتجه بصمت إلى غرفة الملابس ولم يطل غيابه فيها ليسمع صوت المفاتيح التى اخرجها علاء فيتنفس بإرتياح ويشعر ببعض السكينة .
عاد للغرفة ينتظر عودة علاء التى لم تطل وهو يلقى والمفاتيح قرب الباب ويقترب حاملاً الطعام
_ انا عارف انت بتحب إيه من ايام ما كنا بنشات سوا جبت لك اللى بتحبه مش بفرض عليك حاجة
ابتسم هانى فيبدو أن علاء يتعلم سريعاً من أخطاءه أو يحاول أن يراضيه بالفعل.
_ انت رايح الشغل ؟
_ ايوه يومى طويل انت عارف ما انا كنت بحكى لك
أومأ بتفهم ليخرج سلسلة مفاتيح يقدمها له
_ دى نسخة من مفاتيح الشالية واحنا خارجين دلوقتي هعمل اوردر لأمن الكومباوند انك تدخل وقت ما تحب أنا طبعا نفسى تيجى تعيش معايا علطول بس مش هضغط عليك.
_ هو انت مش عايش مع مراتك؟
ظهر الضيق فوق ملامح علاء وهو يترك الطعام ملتقطا قهوته
_ يعنى اوقات بروح لها لما اكون مضطر
_ طيب وليه كده ما تطلقها؟
_ انت عاوزنى أطلقها ؟؟
لا يهتم هانى فى واقع الأمر بشأن حياته الزوجية ولا أي حياة تخصه فقد أقام علاقة معه يعلم جيداً أنها مؤقتة لفترة شديدة القصر حتى يعود لحياته هو لكنه أيضاً لن يبدى جميع نواياه لذا هز كتفيه مبديا بعض التحضر من وجهة نظره
_ دى حريتك الشخصية بس انت مش خايف أنها تخونك مثلاً ؟
ضحك علاء ليسعل بقوة فيعيد الكوب بمكانه
_ ما هى بتخونى فعلا، خانتنى مع كل راجل قابلته تقريبا حتى الولد انا عارف أنه مش ابنى بس انا بحافظ على واجهة اجتماعية مش اكتر
_ الحياة فى الشرق صعبة جدا
كانت زفرة هانى واعتراضه على الحياة نابعة من تعاطف حقيقى كونه يعتقد أنه وعلاء شخصين طبيعيين ولهما الحق في الحياة الكاملة .
نهض علاء مبتعدا ليلتقط سترته مشيرا إليه
_ كمل فطار على ما ابعت كام ايميل
لم يهتم هانى بما يفعله بينما لم يكن هو يراسل اى شخص بل كان يعمل على تهكير هاتف هانى بعد أن حصل على بعض المعلومات فى الدقائق القليلة التى قضاها الأخير بالحمام فهو يرى أن شخص مثل هانى هو فرصة نادرة التواجد بحياته ولن يخسره لقد كان متعطشا للعلاقة فلم يهتم فى البداية بالتعرف على حياته بالخارج بينما أخبره هو عن كل حياته وإن كان يملك حياة بعيدا عنه فسيعمل على أن تكون حياته القادمة تتلخص فيه هو .
..................
ما أصعب الانتظار خاصة إن كان انتظار لأمر تقوم عليه حياة الإنسان وحياة احبائه أيضاً ، شعر جاد أن كل دقيقة تمر هى اثقل عليه وعلى قلبه من سنوات قضاها في الصمت، حاول عقله إيجاد بعض الإلهاء عن مرارة الإنتظار ليعيد له ذكرى ساعات قليلة مضت، فمنذ ساعات قليلة كان بالقرب منها يرى سكونا كان يحلم فى الماضى بمجرد الشعور به بهذا القرب .
تذكر حين قادته قدميه للمزيد من القرب بعد أن قضى فترة لا يعلم مدتها فعلياً من مراقبتها رغم غياب وعيها عنه فى غياهب النوم، فقد كامل سيطرته على أشواق قلبه الذى ينتشى لكونها أصبحت زوجته بالفعل ، تحرك كفه بلا أمل فى مقاومة من قبله نحو وجهها الذى أعاد له دفء النوم توردا غاب عنه لفتره طويلة.
ارتجفت أنامله فور اندساسها بين خصلات شعرها لينتفض قلبه بينما تجمد بدنه وهى تبتسم وتحرك رأسها نحو كفه ليتشرب من دفئه .
اتسعت عينيه لا يعلم إن كان تأثراً لشعوره بالفزع ام تضامناً مع ثورة مشاعره التى يعجز عن كبح اشتعالها .
لم تطل سعادته بذكراه الغالية فيبدو أن الوقت يعانده أيضاً ويرفض تمتعه بلحظات سعادته القليلة فيعيده الواقع منها مع دخول من طال انتظاره اليوم، تحركت معه عينا جاد المستترة خلف نظارته السوداء حتى جلس بنفس الطاولة ككل يوم مستدعيا النادل كالعادة ولم يخف على جاد استراقه النظر نحوه فلا يعلم أى منهما يراقب صاحبه.
مر نصف ساعة تقريباً حتى اقترب منه أنس ليهمس بتوتر
_ نفذنا أوامرك يا استاذ جاد بس ارجوك خلى بالك من نفسك
_ ماتقلقش يا أنس مؤنس معايا وانا مش هعمل اى حاجة متهورة
ابتعد أنس ليخرج هاتفه ويطلب من مؤنس القدوم لصحبته فيتأهب ذلك الشخص ويطلب حسابه استعداداً للمغادرة، رآه جاد يهز رأسه يمينا ويساراً متحديا شعوره بالدوار ليوارى ابتسامته الشامتة فما أسهل الإيقاع بصياد لا يعلم قدرات فريسته فيتحول لفريستها.
وقف باسطا عصاه فقد نفذ الوقت ليقف ذلك الشخص أيضاً ويبدأ الدوار يسيطر عليه بترنح واضح قبل أن يسقط أرضا فيثير الفوضى في المكان.
تجمع الناس حوله بذعر ليبدى جاد بعض التعثر مقتربا من موضع الفوضى
_ حد يقولى فى إيه!؟
_ زبون يا استاذ جاد وقع من طوله
بدأ بعض الرجال محاولة إفاقته ليبدو الأمر شديد الصعوبة ويبدى جاد المزيد من التوتر
_ فاق!!
_ ابدا ، دا باين فى غيبوبة مش مجرد اغماء
_ شيلوه يا انس حطوه فى عربيتى وانا هاخده المستشفى ، متشكرين يا جماعة واسفين عن اللى حصل، اتفضلوا كل واحد يرجع ترابيزته وبكرر اسفى.
فى لحظات كان ذلك الرجل ممدا فوق أريكة سيارته الخلفية وهو يستقر بالمقعد المجاور ل مؤنس الذى لا يخفى توتره .
عاد جاد يتصل بخاله ولم يعلم بما حدث معه الليلة الماضية لكنه كان على إتفاق معه ويثق أنه لن يخذله
_ مال صوتك يا خالى؟ انت تعبان؟
_ لا يا بنى انا كويس انت فين؟
_ هو معايا فى العربية اهو هتقابلنا فين؟
_ على باب القسم انا بلغت امبارح زى ما اتفقنا
_ معلش يا خالى بتعبك بس كنت خايف يكونوا مراقبنى انا كمان
_ تتعبنى ايه بس دى مصلحة بنتى .المهم نتحرك بسرعة قبل عبيد ما ياخد خبر ويأمن نفسه أو يهرب .
أنهى الاتصال وهو ينظر نحو مؤنس الذى بدأ يهدأ قليلا مع علمه أن الأمر يسير بشكل قانونى فقد خشى بالفعل أن يتورط جاد ويورطه فى جريمة
_ مؤنس حاول تتأكد أن محدش ورانا
بدأ عقل مؤنس يعمل وهو يراقب المرآة بحثا عن مراقبة محتملة ومع شعوره بالارتياح النفسى يسهل عليه متابعة عمله بذهن نشط.
.............
أنهى عبد القادر اتصاله ولم تذق عينيه لمحة من الراحة طيلة الليل كذلك زوجته التى بدأت كما يبدو له تحاسب نفسها، يعلم أنها ليست المتسببة فيما وصل له هانى فالدلال ليس مبرراً للشذوذ بأى شكل كان خاصة أن ما كانت تقوم به لم يكن دلالا عبثيا فقط ترفع عنه مسئولياته كأغلب الأمهات فقط لكونه الإبن الذكر الذى عليه أن يعيش في رعاية أمه كما ترى ، طريقتها خاطئة لا شك في ذلك لكنها ليست السبب بل إن هانى نفسه هو المتسبب الرئيسي في وصوله لهذا الشذوذ الذى يحياه واختاره بكامل إرادته.
_ بلاش يا سندس تحملى نفسك فوق طاقتها، ابنك اختار طريقه
_ انا السبب!؟
_ لا مش انت، مفيش أى سبب منطقى يبرر لإنسان طبيعى شذوذه عن الطبيعة واختياره اللى يتنافى معاها إلا أنه مقرر يتبع شيطانه، شيطان النفس يا سندس اقوى من ابليس نفسه، انا نازل ولو جه ماتتكلميش معاه فى اى حاجة وبلغينى
اومأت بطاعة فهى لا تعلم كيف تتصرف ولا يجد عقلها سبيلاً سوى إتباع زوجها عل هذه الغمة تنزاح عن أسرتهم رغم أنها لا ترى لها سوى نهايات مفزعة لكن قد يكون الفزع اقل مراراً من الانتظار.
...........
حين وصل جاد لم يكن خاله قد وصل ولم يمهله مؤنس وقتا وتساءل
_ عبد القادر بيه مش موجود
_ دلوقتي يظهر استنى شويه
مرت خمس دقائق تقريباً قبل أن يظهر عبد القادر من داخل القسم لتظهر معه لهفة مؤنس للتخلص من هذه الورطة
_ اهو طالع من القسم
ترجل فوراً يشير إليه وكان يرافقه أحد الضباط ليتقدما من السيارة
_ هو ده ؟ يا عسكرى شيل البنى آدم ده على مكتبى بسرعة
تقدم الجنود من السيارة ليفسح لهم مؤنس الطريق شاعراً بالمزيد من الراحة مع اخراج ذلك المجرم من السيارة.
عاد للسيارة مطمئنا مع توجه الجميع لداخل القسم فليس عليه حالياً سوى الانتظار وقد عادت دفة الأمور لطبيعتها كما يرى بالتخلص من التهديد الوشيك .
استقر جاد وخاله بمكتب الضابط الذي تساءل
_ اتفضل يا استاذ جاد احكى لى كل حاجة على ما اخينا ده يفوق، انت منيمه ازاى؟
_ دواء منوم اتحط له فى القهوة ودى كانت الطريقة الوحيدة اللى نسيطر بيها على مجرم زيه، اتفضل
دفع بهاتف أمامه وهو يوضح بهدوء
_ عليه تفريغ كاميرات المراقبة اللى ظهر فيها وشه وهو بيخبط هبة بالعربية وعليها تفريغ كاميرات المطعم اللى بيظهر فيها وهو خارج ورايا كل يوم، انا عاوز اتأكد مين وراه بسرعة لازم يتمسك قبل ما يحاول يأذى مراتى تانى.
.............
عاد عبيد يتفقد الساعة ثم يتفقد هاتفه لقد تأخر ذلك الغبى كثيراً اليوم فى موافاته ، لقد طلب منه سرعة التخلص من جاد لكن مرافقة ذلك السائق له دائما تمنعه من تنفيذ مهمته كما أنه لا يترك السيارة ليمكنه تدبير حادث يتخلص فيه من كليهما .
ستكون زوجة عمه فى أضعف حالاتها فى حالة نجاتها من خبر موت جاد أيضاً، لقد أوشك على نيل كل ما يستحق وأما عن هبة فيمكنه أن يطلب دعم أخيها مجددا وحين تصبح أمامه بلا حماية سيسهل النيل منها.
عاد يتفقد الهاتف بضجر فعليه إلتزام الهدوء .
...............
تحرك ببطء يفتح عينيه، اخر ما يذكره أنه كان بالمطعم يراقب جاد الذى يعجز فعلياً عن التخلص منه، وعده عبيد بمكافأة كبيرة فور انتهاء هذه المهمة التى يتوق لإنهائها ، رأى محيطا مختلفا ليغمض عينيه ويحاول التأكد من مكان تواجده مرة أخرى ليظهر هذه المرة فى الصورة ضابط شرطة كانت مجرد رؤيته يقترب منه كافية لينتفض جالساً مسكونا بالفزع
_ فى إيه؟ انا فين؟
_ انت فى القسم وهنعمل لك احلى تشريفة
_ تشريفة؟؟ فى إيه يا بيه انا مواطن شريف
كانت عينيه تتحرك بفزع نحو جاد وتعود للضابط الذى امسك ملابسه يجذبه ليستقيم أمامه مستهزءا
_ شريف!! ماشى يا شريف اترمى هنا
دفعه ليرتطم بالمكتب قبل أن يستقيم مرة أخرى وهو ينظر إلى جاد الملازم للصمت .
بدأ الضابط يواجهه بالاتهام ولم يكن القوة البادية عليه فبمجرد أن رأى تسجيل كاميرا المراقبة الذى يظهر فيه للحظة واحدة قبل أن يصدم هبة انتفض صارخاً
_ أنا ماليش دعوه يا بيه ده عبيد هو اللى وزنى ودفع لى ، اعمل ايه يا بيه الحوجة وحشة وانا راجل غلبان
_ ماشى يا غلبان وكنت بتراقب استاذ جاد ليه ؟
_ هو.. هو عبيد يا بيه الله يجازيه قالى لو خلصت عليه هيدينى نص مليون جنيه، بس انا ماعملتش حاجة وقدامك اهو ولا اتعرضت له حتى، انا كنت براقبه بس
_ كنت بتراقبه مستنى الفرصة مش اكتر ، هنفتح محضر وتقول فيه كل ده وتعترف على عبيد يا اما اعمل انا محضر واشيلك الليلة بحالها
لم يبد ذلك المجرم اى نية لحماية عبيد بل على العكس تماماً أبدى رغبة شديدة فى حماية نفسه
أنهى الضابط تسجيل اعترافه وقد نفذت قدرة جاد على التحمل
_ حضرتك هتمسك عبيد؟
_ لازم إذن نيابة بس ماتقلقش انا هتصرف.
غادر المكتب بعد أن أمر الجندى بإيداع ذلك المجرم الحبس الاحتياطي ، أصبح جاد وحده بالمكتب فقد غادر خاله قبل بداية التحقيق ومجرد مغادرته تشعره أن الأمور خرجت عن السيطرة وربما زاد هانى من إيذاء نفسه وايذاء الجميع بما يعتنق من أفكار شاذة مثل ميوله لذا لم يتردد في الاتصال بمؤنس وطلب منه تفقد خاله فى منزله .
...............
دخل عبيد لمنزل عمه وهو يتلفت حوله بقلق، لقد حاول الاتصال بجاد فلم يجد تغطية وحاول الاتصال بشحات فلم يجب اتصاله لذا قرر أن يجازف ويتجه لمنزل عمه حيث سترد حتما اولى الأخبار التى ترضيه.
طرق الباب عدة مرات لكن لم يجبه اى شخص ليزداد توجسه وتنمو مخاوفه ويبدأ شعوره بالخطر يخبره أن عليه الفرار بعيداً حتى تتضح الصورة.
..............
أشارت مرفت للصغير بإلتزام الصمت ليكمم هيثم فمه بصورة مضحكة مع رنين الجرس الذى يتتابع بينما ظهر القلق فوق قسمات هبة التى همست
_ انا مش فاهمة حاجة يا عمتى
_ ولا انا يا بنتى بس زى ما سمعتى جاد الصبح
فركت هبة أصابعها بتوتر شديد وهى تنظر نحو الباب الذى يعلو رنينه قبل أن يسود الهدوء الحذر مع صوت ابتعاد الخطوات الذى أظهره الصمت المخيم على المكان فلم تتمكن من كبح الفضول واتجهت للنافذة لتنظر من خلف الشباك المغلق ثم تتنهد بإرتياح
_ كويس أننا مافتحناش ده عبيد
.............
دخل عبد القادر للمنزل وكانت سندس تلزم غرفتها حتى أنها لم تر هانى أثناء دخوله فقط هاتفت زوجها حين سمعت حركته بالخارج .
كان عبد القادر يشتعل حرفياً وهو يدخل غرفته يسألها
_ هو فين؟
_ دخل اوضته انا ماشفتوش
سحب نتيجة التحليل وهو يتجه إلى غرفة هانى والذى حين وصل ووجد السكون محيطا بالمنزل لم يتخذ احتياطه ككل مرة ويغلق الباب فيسهل على عبد القادر اقتحام الغرفة وكان يتوسط فراشه بهيئة غير مرضية متعريا من أغلب ملابسه فينتفض فور رؤية أبيه ويغلق حاسوبه بحدة
_ فى إيه يا بابا! ازاى تدخل عليا بالشكل ده؟
_ ألقى عبد القادر الأوراق تجاهه ليفتح الملف يطالعه دون أن يفهم ما يحدث ليبدأ عبد القادر نزيف قلبه
_ التحليل بيقول أن هرمونات الذكورة عندك طبيعية يعنى انت شاذ بإختيارك
نفضه الفزع حتى استقام يلقى الأوراق ويلتقط ملابسه
_ انا مش شاذ، انا انسان طبيعى زيى زيك ، انتو لازم تقبلونى زى ما انا مش زى ما انتم عاوزين، مش لازم اكون شبهك فى كل حاجة علشان تقبلنى ، انا ابنك
_ نتقبلك لو فيك اي مرض أو عيب أو حاجة اتخلقت بيها لكن نقبل شذوذك عن طبيعة ربنا وفطرته ازاى؟ نقبل بيعك روحك للشيطان ازاى؟
_ انا مابعتش حاجة ولا شذيت عن حاجة، انا اخترت ميولى وده حقى ومن حقى عليك انك تقبل اختيارى
لم يعد عبد القادر يتحمل المزيد من تبجح افكار هانى عن حقوقه المزعومة ليصفعه بقوة متخليا عن كل تحكمه وتاركا العنان لغضبه ليتحكم فيه
_ اخرس، اختيار إيه اللى اقبله وحق ايه اللى ليك عندى؟ انت طول ما انت فى الطريق ده لا انت ابنى ولا اعرفك، وطول ما انت بتفكر كده مالكش عندى اى حقوق.
_ لمجرد انك عاوزنى زيك رافض تقبل اختيارى وتقبلنى! طول عمرك ظالم
_ لو الظلم انى ارفض مخالفة طبيعة ربنا يبقا انا ظالم، لو الظلم انى عاوزك تعيش راجل زى ما ربنا خلقك يبقا انا ظالم، لو الظلم أنى ارفض اختيارك لجهنم يبقا انا ظالم
_ وانت مين علشان تحكم عليا ؟
_ انا ابوك اللى بيحلم تكون احسن راجل فى الدنيا وكنت مستعد اقبلك واتعامل معاك واقف جنبك لاخر نفس لو كان شذوذك ده مرض أو ليه سبب يتعالج لكن زى ما قولت ده اختيارك لا اتخلقت كده ولا حد اذاك وبقيت غصب عنك كده انت اخترت وده اللى كاسر قلبى
اندفع هانى خارج الغرفة وكانت سندس تقف بالقرب مستندة إلى أحد المقاعد ليسرع نحوها فطالما كانت خط دفاعه الأول والأقوى
_ شايفة يا ماما، يرضيكى انضرب وانا فى السن ده وعلشان إيه ؟ علشان اخترت ميولى وعشت حياتى زى ما انا عاوز؟ انتو عاوزين ايه غير سعادتى؟ يرضيكم ايه غير راحتى؟ انا مرتاح كده وسعيد كده لانى عايش اختيارى والحياة اللى ترضينى
_ هى دى الحياة اللى ترضيك يا هانى؟ بدل ما تعيش انسان طبيعى زى ما ربنا خلقك
_ انا اتخلقت كده اتخلقت مختلف عنكم ، شايف الحياة من منظور تانى، شايف حياتى انا بشكل تانى ولعلمك كمان أنا متجوز
اتسعت عينا سندس وهى تتساءل بلهفة
_ متجوز!!
اسرعت نحو زوجها الذى يقف بباب الغرفة يلقى ثقل احماله إلى الجدار
_ عبد القادر هانى متجوز ، يعنى مش زى ما بتقول، متجوز يا عبد القادر
سيطر الألم المكلل بالتهكم فوق قسمات عبد القادر وهو يشير إلى هانى
_ اسأليه متجوز مين قبل ما تفرحى اوى كده!
_ مين! مش مهم مين اي ست والسلام المهم أنه متجوز
نال هانى نصيبه من الاستنكار وهو يتابع تبجحه
_ ست!! مين قال انى متجوز ست؟؟
انقبض صدر سندس وضاق بالأنفاس وهى تنظر إليه بفزع لترى كم هو مشوه فعلياً ، زوجها محق، لقد خسرت أبنها الذى اختار لنفسه هذا الضياع
عجز عقلها عن تحمل الحقيقة وعجز قلبها عن تقبل الصورة البشعة التى ترى لينهار تماسكها وتسقط فى لحظة لينتفض نحوها زوجها وكأنه بحاجة للمزيد من المصائب
_ سندس، ردى عليا يا سندس
رفع رأسه ينظر إلى جمود هانى وتقبله سقوط أمه وكأنه لم يغرس بصدرها غدره لتثور أنفاسه
_ اطلع برة انت بالنسبة لى ميت من اللحظة دى ، برة
سادت السخرية قسمات هانى الذى اتجه لغرفته بإندفاع ليحمل هاتفه وحاسوبه ويغادر مخلفا أمه التى لا يعلم إن كانت ستتعافى من تلك السقطة ام ستقضى عليها.
..............
لم يفكر كثيرا فى الأمر عليه أن يسرع بالانتقام وهذه هي فرصته النموذجية أخرج هاتفه وطلب رقم عمته التى سرعان ما أجابت ليظهر لها الأسى ويجيد تصنع الحزن
_ ايوه يا عمتى
_ مالك يا هانى؟
_مش عارف اقولك ايه! انا وبابا شدينا مع بعض شوية وماما وقعت من طولها
_ يا مصيبتى وبعدين جرى لها إيه!
_ مش عارف بابا طردنى من البيت من فضلك روحى لها انا قلقان عليها اوى وقولى لهبة اكيد ماما هتحتاج وجودها.
أنهى الاتصال وقد اقترب من المنزل، يعلم أنه خلال دقائق ستظهر عمته واخته ولن يكون صعبا عليه مراقبة تحركاتهما العشوائية وسيجد حيلة ما لسحب الصغير وهذا هو انتقامه الذى سيطيح بالجميع حتى بذلك الراقد فى قبره.
