رواية عملتان لوجه واحد الفصل السابع عشر 17 بقلم آية الطري
١٧- ضباع بشرية
* إذا ما خلوتَ الدهرَ يوماً فلا تقلْ
*خلوتُ ولكن قلْ عليَّ رقيبُ
*ولا تحسبنَّ الله يغفلُ ساعةً
*ولا أنّ ما تُخفي عليه يغيبُ
*ألم ترَ أنَّ اليومَ أسرعُ ذاهبٍ
*وأنَّ غداً للناظرينَ قريبُ
الإمام الشافعي
+
* اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
+
-------------☆☆☆☆☆☆☆
+
صرخَت ب اسم مُنقذها ذلك الاسم الوحيد الذي يلفظه لسانها، روحها سُحبت مع هبوط جسدها لأسفل كأن الظلام ابتلعها أو هذا ما حدث بالفعل، تُغمض عينيها بشدة تنم عن رعبها، يد قوية تجذبها في ممر مظلم، عقلها متوقف تمامًا لم تنتبه سوى وجسدها الضعيف يُقذف على الأرض لتشهق بقوة متألمة..... أنفاسها تقطعت وعينيها بدأت تنفرج ببطء وما هي إلا لحظات استغرقتها لتُدرك المكان الموجودة به، أو بالأحرى موقع الجريمة،
+
وحوش في زي أطباء مكان يفوح به رائحة الدماء كأنما تنضح من جدرانه الملوثة بعفن الموت، الهواء مشبع برائحة الدم الفاسد الكريه، الأرضية مغطاة بالبقع الداكنة التي لا يمكن تمييزها عن آثار الدماء القديمة، كل ما حولها يتحدث عن بشاعة ما يحدث هُنا.....
+
انتفضت كالمصعوقة بتيار كهربي، حاولت الصراخ فما خرج صوتها بتاتًا اقترب منها ذلك الرجل الذي يُخفي وجهه قناع طبي، طالعها بتفحص كأنه يقيم ذبيحة قبل أن ينبس بقسوة:
_" تمام، خدروها "
+
قبلما تستوعب كلماته كان يقترب منها رجلان في زي طبي يُرى عادةً على أجساد هؤلاء الملقبون بملائكة الرحمة لكن... هنا لا نرى سوى شياطين الجحيم....
+
اسم عز أخذ يخرج منها بوتيرة سريعة وهي تتراجع للخلف تخشى أن يمسها أحدهم، لكن قبضة عنيفة حاوطت ذراعها فصرخت صرخة واحدة وهي تدفعه عنها قبل أن يغرس الآخر ذلك السن الرفيع في رقبتها ومن ثم رموا بها على احد الاسرة ليبدأ العمل...
3
-------
+
بالأعلى، كان المبنى رأسًا على عقب في أقل من دقيقة، لا يرى أمامه ولا يستمع لأحد كأب فقد صغيرته للتو ، يركض كالمجنون صوته يبحث عنها قبل عينيه...
+
غبي، بل أغبى مما كان يتخيل، كيف غامرَ بخروجها، منعها من نزول الشارع وها هو بنفسه أضاعها، أين كان عقله، منذ لحظات كانت تحت أنظاره والآن فقدها في لمح البصر...
+
_" ايه اللي انت بتعمله ده! ما قولنالك ماشوفناش بنات بالمواصفات اللي قولت عليها، أكيد خرجت لمكان تاني " كان صياح غاضب من مدير المول وهو يشير للأمن كي يُخرجوه
+
رفع سيف عينيه اتجاهه بقسوة قبل أن يتقدم منه بهمجية وعلى حين غرة قبض على ملابسه بصورة سببت اختناقه ونبس من أسفل أسنانه:
_" وانا بقولك ماخرجتش من هنا، هتاخدني لمكان الكاميرات دلوقتي ولا اطربقلكم المول فوق راسكم "
+
جذبه الأمن بقوة يبعده عن الرجل فدخل معهم في قتال عشوائي قبل أن يقتحم المكان قوة عسكرية جذبت انتباه الجميع،
+
تعلقت أنظار سيف نحوهم خاصة فارس الذي اقترب يتحدث بعملية كي لا يثير الشكوك:
_" مين مدير المكان؟ "
+
وقف أمامه الرجل بتوتر وقال:
_" أنا مع حضرتك، خير يافندم فيه حاجة؟ "
+
تحدث فارس بجدية:
_" معاك النقيب فارس علاء، اتقدم أكتر من بلاغ بحالات اختفاء في المول هنا، جايين نحقق "
+
ذُهل سيف من ذلك الدور الذي يتخذه صديقه الآن، بل ما سبب تواجده هنا؟؟، وعن أي بلاغات يتحدث!، فجأة تذكر محادثة اللواء شاكر، ثم نظر لساعته التي تضيء بنقطة حمراء دليل على وجود الصغيرة هنا بالقرب منه لكن لا يراها،
لحظة إدراك مرت عليه يربط الأحداث معًا لتتراجع قدماه للخلف تلقائيًّا... استدار و ركض كأنه في سباق مع الزمن، في ثانية كان يلحق به فارس الذي شعر بالخطر وصاح بجدية:
_" أمنوا المكان ممنوع حد يخرج "
+
دخل سيف نفس القسم التي اختفت فيه بتول وبكل عنف أخذ يتفحص الأبواب الجدران و... الأرض أسفله
+
وصل إليه فارس الذي هتف بحيرة:
_" سيف بتفكر في ايه؟!، وليه جبت بتول معاك! "
+
إلتفت له الآخر بعنف وصاح بغضب ساحق:
_" كان ممكن يحذرني قبل ما يرميني في المهمة على عمايا"
+
برر فارس بسرعة:
_" الموضوع ماكانش هيمشي كدة، اديني فرصة وأنا هفهمك "
+
قالها وهو يدخل خلف سيف تلك الغرفة الضيقة وما نطق احدهما كلمة إضافية بل اتسعت أعينهما يستشعران الخطر بعدما تحركت بهما لأسفل آليًّا كأنما دخلا في مصعد كهربي...
+
_" ايه اللي بيحصل" قالها فارس بصدمة وهو يخرج سلاحه بسرعة
+
بينما نبس سيف بغل ورعبه عليها إزداد أضعافًا :
_" يا ولاد الكلب "
+
لم يضيع فارس لحظة أخرى، رفع الجهاز يتحدث به سريعًا:
_" هنا النقيب فارس علاء، عايز إمداد فوري من القوة الرئيسية، فيه اشتباه بوجود وكر إجرامي تحت المول، اكتشفنا مصعد سري بيتحرك لأسفل في قسم 12، ارجو تدخل سريع، اقفلوا كل مداخل ومخارج المول، وياريت الإسعاف تكون على standby، الوضع خطر"
+
أنهى كلامه مع توقف المصعد مصدرًا صوت غريب تزامنًا مع إشارات انبعثت من ساعة سيف المتصلة بتلك التي وضعها في معصم بتول.... إذًا قريبة للغاية....
+
في الغرفة الداخلية كانت على فراش الموت الذي أقره عليها هؤلاء الأوغاد منعدمي الأنسانية،
+
يدٌ قذرة حملت تلك الأداة الطبية الحادة نحوها بكل جحود كأنه سيجرى عملية إنقاذ، كل شيء يحدث بسرعة كما اعتادوا، ينتهون من فض أعضاء ضحية لينتقلون على الحالة الجديدة وهذا عملهم الذي تخطت بشاعته حدود العقل... تناثرت الدماء مع أول شق أحدثوه بجسدها، تبعه شقوق عديدة كضباع يفترسون وجبتهم بلا رحمة....
+
فجأة اضطربت الأجواء بالصرير الذي أصدره المصعد فرفعوا أنظارهم لبعض بتعجب قبل أن يشير أحد الأطباء على اثنان جواره قائلًا:
_" شكلها حالة تانية جهزوها على ما نخلص "
+
بسرعة اتجهوا للممر واستكمل الباقي نهب أعضاء الجثة تحت ايديهم.... لكن... صوت تكسير عظام قوي أوقفهم ليشعرون بالخطر، رموا بالأدوات سريعًا وركض أحدهم يضرب زر جانبي.
+
ففُتح باب حديدي وخرج منه ثلاثة رجال مسلحين فصاح فيهم طبيب:
_" شوفوا فيه ايه "
+
بعدها خلعوا زي العمل وانزوا يحتمون بالداخل...
+
بينما هناك مَن لا يرى أمامه ولا يُفرق بين عدو وحبيب انتهى من تحطيم اثنين قبل أن يصيح عليه فارس:
_" حاسب يا سيف "
+
في لحظة كان ينحني متفاديًا عيار ناري ثم قذف سكين صغيرة في جسد أحد المسلحين الذين ظهروا أمامهم فجأة، والآخر صوب عليه فارس برصاصة ألحقته بصديقه،
+
التقط سيف السلاح من فارس وتقدم في الممر بتريث وهدوء عكس العاصفة والأفكار السوداوية داخله، كيف أضاعها! كان يجب أن يحميها، ليتها ما قابلته، كيف سيكمل حياته إن تأذت، لا لن يتحمل ذنبًا كهذا، لأول مرة يكون في مواجهة وقلبه يرتجف، بل لأول مرة يأخذ قلبه معه في مثل تلك المواقف الخطِرة....
+
ضربة قوية أفقدته توازنه فسقط بعنف، نعم تاه فامبَيَر لدرجة أوقعه وغد جبان كان مختبئًا في نهاية الممر بل وصوب نحوه وكاد يقتله لكن...
+
بسرعة بديهية انقض فارس عليه ورفع ذراعه لأعلى فانطلقت الرصاصة بعيدًا عن سيف الذي وقف يستعيد ثباته ثم هجم على المسلح وضربه بقوة وهو يسأل بجنون:
_" ودتوها فين!!! "
+
في نفس اللحظة اقتحم المكان مجموعة من رجال الشرطة فلم ينتظر سيف رد أحد واستكمل للداخل لكن هذه المرة كان يهرول وفارس خلفه يحذره بشيء من الشفقة:
_" سيف استنى بلاش تهور "
+
ثم أشار للعساكر أن يلحقوهم وينتشروا في المكان....
+
وجد أمامه بابيْن فدخل أحدهما بعشوائية وهنا...... بُهتَ من شدة بشاعة المشهد،
كانت الغرفة خالية تقريبًا إلا من.... الجثث المتناثرة على الأرض، بعضها ملفوف بأغطية متهالكة، بينما بعضها الآخر ممدد بلا حراك والدماء متجمدة عليها.... الرائحة لا يمكن تحملها... سرت رجفة قوية في أوصاله يجاهد لإسكات صوت الرعب داخله لا لم تصبح ضحية بعد، يا الله هو أضعف من تحمل ذنبها، يقسم أنه فقط حاول إسعادها لِمَ...... لِمَ انتهى بهم الأمر هنا...
+
_" بت..ول " خرج اسمها منه خافتًا وهو يجبر عينيه على التجول في المكان عله يراها تبكي في إحدى الزوايا فهي بالطبع لن تحتمل المنظر...
+
لكن لا ليست هنا..... خرج كالمغيب قاصدًا الغرفة الأخرى وضربات قلبه تعانفت دون سابق انذار.... صوته يناديها وقد لحقه فارس يحاول التعامل معه كأنه مجرد مواطن أمام العساكر والضباط الذين حضروا الآن...
+
خطى للداخل... هذه المرة ليس هناك جثث يبدوا انه مكان خاص بالعمليات التشريحية للضحايا فقط... عيناه كانت تجوب الأرض بتشتت وليتها ما ارتفعت عنها....
+
حُسم الأمر تجمدت حدقتيه على الفراش.... فراش تتقطر منه الدماء الطازجة كما المياة الجارية... جسد مُغطى بقماشة من المفترض كانت بيضاء قبل أن يحتلها لون أحمر قاتم....
+
أدار رأسه لفارس كأنه يرجوه أن ينفي شيئًا من أفكاره، لكن أخفض الآخر رأسه بقلة حيلة جعلت سيف يسقط أرضًا بعدما وهنت قدميه عن حمله....
+
دخل بعض المسعفين للغرفة واقتربوا من الجثة يتفحصوها ليعلو صوت أحدهم بأسف:
_" كان ممكن نلحقها من دقايق ربنا يصبر أهلها "
+
انتفض جسده كطفل قضى ليلته أسفل عواصف الشتاء الباردة، صفير حاد يخرج من أذنيه انعزل عن كل ما يدور حوله، ضعفت جودة الصورة أمامه حتى لم يعد يرى شيئًا، لا يعرف كم مر عليه من الوقت ولا نعرف ما حدث، نداءات بعيدة باسمه، أيادٍ تهزه بعنف ليفيق من حالته، مسعفين يحاولون إيعادته لوعيه، لكن ما كان جوابه سوى أن أغمض عينيه وهنا أخيرًا سكت العقل وارتاحت الأنفاس......
2
--------------
+
بشقتها الصغيرة جالسة في احضان بثينة تبكي بإنهيار ولا أحد يفهم ما بها، بل لم يفيقوا من صدمتهم بعد...
+
مال مؤمن على أذن بكر وعينيه مثبتة على ليلى أو نعمان الذي يرتدي إسدال أنثوي وحتى ملامحه تغيرت كثيرًا:
_" يعني مفيش نعمان! "
+
رمقه بكر بضيق وزجره قائلًا:
_" لو هتفضل على غباءك كتير امشي دلوقتي لحد نشوف حكايتها "
+
صمت الفتى بإحراج فتدخل صلاح والد بكر الذي لم يكف عن الحوقلة من بداية الجلسة:
_" انت بتزعق في الواد ليه! دا أنا ذات نفسي هتجنن، ازاي الكلام ده، ليه بنت تعمل في نفسها كدة، دي قلة أدب"
+
رفعت ليلى عينيها الدامعة نحوه بخجل ولم تستطع النطق بكلمة لكنها بالفعل كسبت تعاطفه فتنهد ثم قال بضيق:
_" أستغفر الله العظيم، مش قصدي يابنتي، بس عيب اللي عملتيه ده، ليه تستغفلينا كدة؟! "
+
نظرت لبثينة تستمد دعمها ولم تخذلها تلك التي رمقت الجميع بحاجب مرفوع وصاحت بحنق:
_" على فكرة ده مش وقت استفسارات ولا عتاب البت حالها يصعب على الكافر، وماحدش دماغه تاخده بعيد عشان ليلى مفيش في أخلاقها وبعدين البنية مفحومة من العياط مش نفهم مالها الأول "
+
ساد الصمت قليلًا قبل أن يبادر بكر بهدوء:
_" عمك حصله حاجة؟ "
+
اتسعت عينيها وهي تطالعه، من أين يعرف عمها! لكنه أجابها دون أن تسأل قائلًا:
_" بثينة حكتلي "
+
_" كدة يا بوسي!، مش قولتيلي مش هتجيبي سيرة لحد؟ " هكذا عاتبتها ليلى بخفوت فنظرت الأخرى لبكر بغيظ وتوعد وهي تبرر:
+
_" ما هو البشمهندس مش حد برضو، وبعدين كان عارف وهو اللي جرجرني في الكلام، ما أنا سبق وقولتلك بكر عارف ماصدقتنيش "
+
هنا سأله صلاح بأنزعاج:
_" حتى انت كنت عارف يا بكر، طب ليه ماقولتليش؟ "
+
_" كان شك في البداية وبعدين اتأكدت وكنت عايز أعرف ايه قصتها بالظبط عشان ما نظلمهاش " قالها وهو ينظر لليلى التي أحرجتها نظراته وحاولت التهرب من عينيه
+
لكنه وجّه كلامه لها برفق:
_" احكي يا ليلى ما تخافيش "
+
ازدردت ريقها وهمست ببكاء صامت:
_" على فكرة عادي امشي والله ومش هرجع تاني ومش هعملكم مشاكل خالص، حقكم عليا " ..
+
تأفف بكر بضيق بينما اقترب منها صلاح بكرسيه يقول بحنان:
_" حقك عليا يا بنتي ماتزعليش نفسك احنا مش هنغصبك تقولي حاجة مادام مش عايزة، واياكِ تفكري أن غلاوتك عندي قلت أنا بس واخد على خاطري انك غفلتيني وأنا في السن ده "
+
قال جملته الأخيرة بمرح فابتسمت بأسى واعتذار فأكمل ضاحكًا:
_" أودي وشي من نفسي فين دلوقتي وأنا مفيش ليلة مادعتلكيش فيها بالهداية والصلاة معانا في جماعة "
+
هنا انفجر الجميع في الضحك حتى هي ضحكت بضعف لكن سرعان ما تذكرت عمها فعاودت لحزنها وقلبها المرتعب بشأنه...
+
مرت لحظات من السكوت والجميع لا يعرف ماذا يقول، حتى قطعته ليلى بما يريدون معرفته:
_" خطفوا عمي إبراهيم "
+
فقط وواصلت بكائها بقوة بينما صاحت بثينة بحزن:
_" يالهوي، ربنا ينتقم منهم البُعدة، طب عايزين منه ايه؟! "
+
انتظر بكر إجابتها بفارغ الصبر حتى قالت بتعلثم:
_" اكيد شكوا انه يعرف مكاني، أكيد هيعذبوه وممكن... ممكن يقتلوه "
+
_" مين دول وليه يعملوا كدة " صاح بها صلاح بضجر وعدم تصديق وأيضًا شفقة
+
فاستكملت تجيبه بحزن:
_" خالي وولاده، أنا هربت منهم بس والله ماسبوليش حل غير ده، ظلموني أوي والله "
+
لم تكمل حديثها وظهر عليها عدم الاستعداد لشرح أكثر من ذلك وهذا ما تفهمه بكر فسأل:
_" طب عرفتي منين انهم خطفوه؟ "
+
أجابته بضعف:
_" بقاله يومين مش بيكلمني ودي مش عادته، ماقدرتش ماتصلش برقم يارا بنته وهي قالتلي انهم أخدوا من البيت ومارجعش... هو لواحده مفيش حد يدافع عنه وهما ناس جبروت خالص وكل حاجة عايزينها بيعملوها وماحدش بيقدر يقف لهم "
+
تحدث صلاح بأسف:
_" لا حول ولا قوة الا بالله، ربنا يرد كيدهم "
+
أما بكر شرد قليلًا بها وما مقصدها بظلمهم لها لدرجة تجعلها تفر منهم هاربة متخفية في ثوب رجل!، قاطعه رنين هاتفه فاستاذن قليلًا ودخل غرفته
+
-------------
+
كان جالس على فراشه يستعد للنوم حتى خطر له الاطمئنان على صديقه الذي أجابه عبر الهاتف بمرح:
_" مرحب يا هلالي وربنا واحشني عامل ايه! "
+
ابتسم راجح وهو يقول بصوت هادئ:
_" تمام يا بكر، اتصلت اطمن عليك، حاسس بأي أعراض جانبية؟ "
+
جاءه صوت بكر بنبرته العفوية:
_" لا يا حبيب أخوك زي العفريت أهو ماتشيلش همي، المهم اياك تهمل جرحك يا راجح انت ماكانش ليك تخرج من المستشفى "
+
_ " يعني هيا أول مرة، الحمد لله بتحسن، صحيح بتصل بسيف مش بيرد، اوعى يكون حصل حاجة "
+
قالها بقلق فطمأنه بكر:
_" لا يا شقيق كلمته بعد المغرب كان في الملاهي بسلامته ما أنت عارف شعرة الطفولة المتأخرة اللي عنده "
+
قالها و ضحك فبادله راجح وهو يضيف:
_" ربنا ما يحرمنا مش شخصياته الغريبة، حاسس هيودي نفسه في داهية لو ماخلصش حوار البت اللي معاه دي قبل ما عمها يوصله "
+
هنا صاح فيه بكر بعبث:
_" طب قول لنفسك يا حبيبي أنا آخرتها هبلغ شيكو بعمايكم وهو يتصرف "
+
_" ديتك عيار " هدده راجح بمرح فتراجع بكر بخوف مزيف:
_" لا يا شِقّ قلبك أبيض دا أنا حتى كنت لسة هعزمك على كتب كتابي "
+
هنا تهجمت ملامح راجح وظهر عليه النفور مع الصدمة وهو يتساءل:
_" انت هتكتب كتاب قبل الفرح؟ "
+
أكد له الآخر بحماس:
_" آه كمان أسبوع عشان أكون على راحتي شوية ولا انت ايه رأيك؟ "
+
نهى راجح بقوة:
_" لا طبعًا ماتعملش كدة، انت ايه يضمنلك ماتندمش على استعجالك ده؟ "
+
عقد بكر حاجبيه يسأل بعدم فهم وبعض الضيق:
_" مالك ياعم اتعصبت ليه!، أنا عارف انك مش شايف توافق بيني وبين ناهد بس عشان انت ماتعاملتش معاها إنما أنا معاها بقالنا أكتر من سنة، و كمان ياسيدي مقدر انك خايف عليا بس يعني انت... "
+
صمت بكر لا يعرف كيف يقولها لكن وفر عليه راجح ساخرًا:
_" كمل يا بكر عندي أزمة ثقة مش كدة! "
+
_" راجح ماتحورش الكلام على مزاجك أنا مش قصدي كدة، أنا كنت فاكر مشكلتك دي اتحلت بعد ما حبيت مسك و.. "
+
قاطعه راجح ينفي بهجوم وكأنه اتهمه بجريمة قتل:
_" نعم!! مين قال كدة انت مستوعب بتقول ايه!، عارف دي أبوها مين! يمكن اتعاطفت معاها فعلًا بس ده مايمحيش الدم اللي بينا وبين أبوها، وبعدين مسك مين دي اللي أحبها لا شبهي ولا أخلاقي ولا أامنها على بيتي وولادي، أنا كنت بنصحك لوجه الله وانت مصمم على اللي في دماغك بس مصيرك تقول راجح كان معاه حق "
+
ثم أغلق الهاتف فورًا دون سماع رد صديقه ورمى به على الفراش بضجر غافل عن تلك المتصنمة عند الباب بعدما استمعت لآخر حديثه عنها، نظرت لعلبة الإسطوانات بين يديها،
+
ثم تراجعت للخلف بوجه بلا حياة تهرول نحو غرفتها ودموعها تنهار بلا توقف، لهذه الدرجة يراها لا تصلح لشيء!!،
+
دخلت غرفتها مُغلقة خلفها الباب بقوة لتطلق العنان لشهقاتها العالية،
لم تتخيل أن رأيه الصريح هذا سيجرحها بهذا الحد، لوهلة شعرت بأهميتها عنده وبجملته أحرق الأمل عندها، نظرت ليديها التي ترتجف تطالبها بالذي منعت نفسها عنه الليلة، بل وتخلصت من كامل الكمية بالمرحاض، سخرت شفتيها بإبتسامة باهتة عن تفكيرها الأحمق في التغير لأجله...
+
وعند هذه النقطة وقفت كمن فقدت عقلها واتجهت بلهفة لأحد الأدراج علّها تجد القليل مما يريح رأسها من تلك الضجة الصاخبة لكنها حقًّا لم تجد، فانهارت ارضًا تضم قدميها لصدرها بينما تغطي وجهها بكفيها وتنتحب بلا توقف...
+
---------------
+
في صباح اليوم التالي، تحركت عينيه أسفل جفونه المُغلقة وهو يتملم بإرهاق من صلابة الأرض أسفله، ساعات من الغفلة أخذته بعد معاناة شاقة تعرض لها وإلى الآن لم يستوعبها، حاله كحال الكثير تؤلمه كرامته ويشكو قلة حيلته، وحيدٌ في حياته وكذلك في محنته لكن.... يبدو أن القاعدة ستتغير من اليوم ....
+
_" صباح الخير " صوت هادئ لكنه يحمل من القوة ما جعل نوح فتح عينيه على الفور واعتدل سريعًا في جلسته...
+
خرج منه تألم مفاجئ بعد حركته تلك لكنه اختفى وحل محله الصدمة وهو يرى وجه القابع أمامه بكل ثبات وهيبة...
+
_" انت! " قالها نوح بخفوت ودهشته بيّنة عليه، فأمامه آخر ما كان يتخيله..
+
أنزل عز نظارته السوداء عن عينيه ذات العدسات من نفس اللون ونبس بنبرة تحمل تعاطفًا ليس عاديًّا:
_" ماقدرتش أتأخر عنك، وصدقني مش عشان رد الجميل أبدًا بس حاجة غريبة ساقتني ليك.... يمكن عشان بتفكرني بنفسي "
+
أنهى كلامه ومد يده يسحب نوح للخارج والأخير لم يدرك ما يحدث بعد فما كان منه إلا أن تجمد مكانه واستفهم بشدوه:
_" حضرتك ازاي دخلت هنا؟ يعني انت بتشتغل معاهم؟ "
+
التفت عز يتابع ملامحه وقد شعر بشيء من الاتهام في سؤاله فنظر له بدفئ وكأنه يكن له مشاعر أخوية ثم سأله بتريث:
_" حد أذاك؟! "
+
فورًا جاءه الرد بتجمع تلك القطرات الحارقة في عيني الفتى وكأنه كان ينتظر اهتمام أحدهم بأمره فأجاب بصوت متحشرج بغصة مريرة:
_" ماحدش ما أذانيش... ياريتني كنت غلطان على الأقل ماكنتش حسيت بالظلم ده، أنا مش فاهم فيه ايه، أنا كنت راجع أحضر لامتحان الفيزيا فجأة حصلت حاجات كتير مالحقتش أترجمها واللهِ "
+
بعدها قرص على أسنانها وانهار في بكاء صامت بعدما كتمه يومان داخله، يومان مرا عليه كدهر شيَّب قلبه دون رحمة...
+
تنهد عز بصوت مسموع وبدأ ينفض الغبار عن ملابس الصغير وهو يردد بنبرة قوية كأنه يلومه:
_" أظن أنا مش بايت في حضنك عشان توريني دموعك، هنتعامل مع بعض كتير الفترة الجاية، فدي أول حاجة تشطبها من قاموسك "
+
ثم أخرج ذلك المنديل الورقي ووضعه بيد الآخر مستكملًا بتحذير:
_" أول و آخر مرة تظهِر ضعفك لحد.... اللي بيحبك هيتوجع لبُكاك واللي مش بيحبك هيشمت فيك وفي الحالتين انت الخسران "
+
ثم احتجز كتفيه بكفيه الصلبتين واختتم كلامه بجملة واحدة:
_" دموع الراجل عورة.... مايصحش أي حد يشوفها "
+
ترددت الجملة داخل نوح وهو يجفف بقايا الألم حتى استعاد ثباته قبل أن يستوضح بشيء من الفضول:
_" ازاي سمحوا ليك تدخل هنا لو ماكنتش تبعهم؟ "
+
هنا حضر غرور عز وهو يجيب بإبتسامة جانبية:
_" لما تشوفني في أي مكان على الكوكب ما تسألنيش دخلت ازاي! هتمشي معايا بقى ولا أسيبك وأتكل على الله، ما أنا مش فاضيلك"
+
ابتسم نوح بإحراج ولم يستطع منع ذاته من هذا السؤال الأخير:
_" طب القضية! قصدي القضايا يعني مش... "
+
_" هتخرج بكفالة دلوقتي لحد ما أقفلك كل الحوارات دي ماتشيلش هم.... وامشي بقى عشان تلحق امتحان الفيزيا يا نيوتن زمانك " قال جملته الأخيرة بمزاح غريب عليه وهو يجذبه بقوة للخارج، يعامله كأنما يألفه منذ زمن وهذه آخر صفات سنايبر...
1
-------------
+
_" سمسم قومي كلمي شادي، سلمى... قومي يا بت كدة ردي عليا " هكذا كان تفيقها والدتها وهي تدفعها بخفة
+
حتى زفرت الأخرى بضجر وهي تعتدل صارخة:
_" فيه ايه بقى عايزين مني ايه؟! "
+
بهتت ملامح مجدة للحظات قبل أن تردد بيقين:
_" لا انتِ فيكِ حاجة، جرالك ايه؟ ريحيني وقوليلي هتموتيني جنبك "
+
وكأنها اتهمتها بجريمة اندفعت تقف على الأرض مقابل والدتها وأخذ تصيح بوتيرة غير طبيعية كمن أصابه المس:
_" مالي ها!! شايفاني بشد في شعري ما أنا كويسة أهو، كل اللي عايزاه إني ماشوفش حد، ساهلة والله، ريحوني بدل ما أموتلكم نفسي وأرتاح خالص "
+
أنهت كلامها بجسد متصلب وأنفاس متسارعة بينما هناك مَن ضاق صدرها من الرعب على وحيدتها ووقفت تحرك رأسها يمينًا ويسارًا وتردد:
_" من يوم الحادثة، من يومها وانتِ مش طبيعية لا طايقاني أكلمك ولا أقربلك، حتى البت الغلبانة ماسلمتش من عصبيتك، سيف كان معاه حق لما قال انك مخبية حاجة وأنا قولتله متضايقة سيبها على راحتها.... "
+
_" سيف!! " هكذا صرخت مقاطعة والدتها ثم ضحكت بجنون تستكمل:
_" هو فين سيف ده؟! مين بيشوفه! أنا قربت أنسى إن عندي أخ، زمان كان بيفهمني من نظرة إنما دلوقتي لو بموت قدامه مش هيحس بيا، ماحدش فيكم حاسس بحاجة، أنا بموت لوحدي، ربنا ياخدني وأرتاح بقى، مش عايزة حد معايا ... "
+
توقف حديثها مع دخوله بوجهه الصلب وعينيه لأسفل ثم قال بجدية مفرطة:
_" جهزلنا فطار يا مجدة "
+
ترددت قليلًا تريد استكمال حديثها لكن نظرته المستسمحة لها جعلتها تخرج متمتمة بالاستغفار والدعاء لابنتها بالهداية...
+
كاد يخطو نحوها خطوة واحدة قبل أن تصرخ عليه:
_" مش عايزة أتكلم معاك انت بالذات ومتقربش مني "
+
لم يبالي شادي بجنونها واتجه للستار يكشف عن شمس الصباح التي أضاءت غرفتها المظلمة ثم اقترب منها وعينيه المنطفئة داخل شاشة هاتفه الذي رفعه لها قائلًا:
_" منظر ممكن يريح قلبك شوية... حتى لو مش هيغير اللي حصل "
+
ثبتت عينيها على صورة حسام بل شبه الجثة الساكنة أسفل العديد من الأجهزة الطبية، رفعت عينيها لشادي كأنها تسأله عن فعلته فهز رأسه نافيًا وقال بخفوت:
_" مش أنا، مالحقتش "
+
بدأ أنينها يخرج مرة أخرى وتردد بهمس جنوني:
_" مش مستوعبة، مستنية يطلع كابوس يا ابيه، أنا مش ممكن يحصلي كدة، أنا عمري ما أذيت حد، طب ليه! ليه أنا ؟!! "
+
وهل عنده الرد بل لو ترك نفسه للضعف لفعل أكثر مما تفعلين، لكان صرخ حتى انقطع صوته، أنتِ لم تستوعبي ما حدث أما هو فينكره تمامًا بل يتمنى لو ينكر ذاته لو سيخلصه ذلك من بشاعة ما يشعر به الآن...
+
عادت تتحدث بإنهيار كأنها للتو تُدرك وضعها الجديد:
_" ليه الدكتور قال كدة؟!، ليه ماحدش أنقذني منه، طب ازاي وصلت المستشفى يا ابيه، أنا مش فاكرة، مش حاسة، أنا في كابوس بحاول أتماشى معاه عشان يعدي بسرعة، سلمى ماينفعش يحصل فيها كدة، صح يا أبيه، طب انت مصدق طيب، هو كان... كان بيخوفني بس، مستحيل إنسان يعمل في إنسان كدة "
+
تمالك نفسه واقترب منها يحاول المسح على رأسها لكنها دفعته وصاحت بعبارة أرجفته:
_" بلاش هتتوسخ "
+
ثم أكملت ببكاء بالكاد يخرج صوتها من بينه بندم قاتل:
_" أنا أستاهل، أنا اتخليت عن مبادئي، أنا كنت أنانية وغبية أوي، كنت فاكرة أني مش بعمل حاجة غلط "
+
_" ما تتكلميش يا سلمى اسكتي " قالها بإرهاق وهو يحتجز رأسها بين كفيه يحثها على الصمت حتى صمتت بالفعل إلا من همهمات مستنكرة متخبطة
+
أما هو فنظر داخل عينيها وقال بحنان بالغ:
_" فيه حاجات بعد ما تحصل لازم تدفن، ولو ماتدفنتش بتدفن صاحبها، و أحداث بنحسها نهاية بس هي بداية احنا محتاجينها، من اللحظة دي هنردم على كل اللي فات، مش هنخرجه ولا حتى في نظرات عيونا، سامعاني يا سلمى "
+
نفت بسخرية مريرة:
_" مجرد كلام، مش هيحصل، مش بيطبق، ازاي ندفن حاجة ما ماتتش أصلًا "
+
أكد لها بثقة:
_" لما نواجهها "
+
تنهدت تبكي مرة أخرى:
_" ازاي؟، أنا كل يوم بنهار أكتر، في البداية ماكنتش مستوعبة، بس... بس أنا كل ساعة بتعدي بحس إني برجع لورا ، مش قادرة أتكلم مع سيف مش عارفة أقرب من حد، أنا موجوعة أوي والله العظيم "
+
_" وأنا معاكِ، مش هسيبك هقف في وش أي حاجة ممكن توجعك حتى أفكارك هشارك فيها وهنبدلها سوا.... اديني فرصة، صدقيني أنا محتاجك أكتر منك "
+
صمتت وخشت النظر في عينيه فتنهد هو بقوة وعاتبها بهدوء:
_" مجدة قالت انك مش بتاكلي و كمان بطلتي تصلي ، ليه يا سلمى؟ ليه بتقسي على نفسك كدة، فكرك هترتاحي في البعد عنه! "
+
همست بكلمة لم يسمعها فسأل بحنان اكبر:
_" علِّي صوتك "
+
_" مكسوفة منه "
+
فورًا نطق ينفي بقوة:
_" بالعكس هو الواحد اللي ماينفعش تبعدي عنه دلوقتي ولا في أي وقت، هو اللي ارحم من كل البشر وبيحاسب على اللي في القلب مش على الظاهر، لا بيلوم ولا بيعاتب، بيعفو ويغفر، ويداوي، ماتبخليش على نفسك بالدوا يا سلمى "
+
صمتت تنظر له كأنه تستشف صدق كلماته ومشاعره فوجدته ابتسم لها بحلاوة تلك الابتسامة التي دائمًا ما طمأنتها منذ وعت لعقلها ثم طلبت بهمس:
_" ممكن تخرج"
+
لم يفهم مقصدها في البداية لكن أدرك رغبتها فأومأ بهدوء قبل أن يقول:
_" مستنيكِ نفطر سوا "
2
-------------------
+
توقف بالسيارة عند بداية ذلك الشارع الضيق، ترجل منها جوار نوح الذي يُقدم قدم ويؤخر الأخرى حتى هتف فيه عز دون أن يلتفت له:
_" قولتلك لو مش عايز تيجي هنا بلاش "
+
حمحم وحاول الثبات وهو يقول:
_ " لازم أطمن خالة نهال، ولازم عمتي تعرف إني عمري ما بصيت لبنتها وماعملتش حاجة وحشة من كل اللي قالوه عني، هي ربتني وحقها عليا إني أبررلها واثبتلها براءتي "
+
ابتسم عز إعجابًا بتفكيره واستكملا الطريق حتى لاحظ اقتراب نوح منه كأنه يحتمي من شيء فكلف نفسه وجال بعينيه على المارة ليفهم ما يحدث، الجميع يرمق الصغير بنظرات إتهام بل متعجبين من خروجه، وكأن بينه وبينهم عداوة قديمة، الحقيقة أن نفس هؤلاء كانوا يحترمونه من فترة صغيرة لكن لم يفكر أحدهم مرتين في براءته وحكموا أن ما قيل عنه حقيقي كأنهم رأوه بأم أعينهم التي تحرقه الآن بالنظرات...
+
فجأة انتبه عز كونه يسير بمفرده فالتفت ليجد نوح واقفًا خلفه ومعه شاب من سنه تقريبًا وسمعه يقول بضيق :
_" معرفش وياريت مايبقاش فيه كلام بينا "
+
ثم أبعد يد نوح الممدودة له بالسلام بعنف وابتعد، نظر الأخير في أثره بحزن وأسى واضح، بينما عاد إليه عز ولم يسأل عن المشكلة ولكن نوح ابتسم بوهن قائلًا بتعلثم:
_" كنت بسأله عن الدرس بس باين انه مستعجل "
+
جذبه عز من يده واستكمل الطريق وهو يقول:
_" اكيد دلوقتي بتسأل نفسك هما ليه صدقوا عنك كدة مع إنك متربي وسطهم والمفروض حافظين أخلاقك "
+
صمت قليلًا وأكمل بالإجابة ببساطة:
_" عشان الإنسان كائن سطحي ومُدعي المثالية وبيتظاهر إنه بيبعد عن اي حاجة تندسه، مع أنه ممكن يكون هو أصلًا مُدنَّس و معفن، زي صاحبك ده كدة "
+
نظر له نوح يستشف هل يمزح أم يتحدث بجدية فأنزل عز النظارة لحظة عن عينيه وغمز له قائلًا:
_" بزمتك مش معفن؟ "
+
ضحك نوح بخفة لكنه قال ببعض العتاب:
_" ماينفعش نغتابه "
+
هُنا توقف عز فجأة عن المشي مما أثار استغراب نوح الذي سمعه يستفسر بجدية:
_" قولتلي اسمه ايه الواد ده؟ "
+
أجابه بتعجب:
_" ماجد ليه؟ "
+
فورًا فهم السبب بعدما استدار عز يصيح على الفتى الذي التفت له تلقائيًّا فأكمل عز بصوت ساخر مُتقزز:
_" ابقى استحمى ياض، شايفك معفن "
+
بعدها سحب نوح المصدوم من العشوائية التي خرجت فجأة من ذلك الرجل الرزين ذو الهيبة والمكانة والذي سأله بعبث:
_" كدة براءة ها؟! "
+
مرة أخرى ضحك نوح رغمًا عنه وهز رأسه بقلة حيلة يشكر الله على ظهور شخصًّا كهذا في مثل ذلك الوقت العصيب من حياته ثم انتبه لعز ينصحه بجدية:
_" ما تسيبش حد يستهلكك ولا تستهلك نفسك بالتفكير في أراء الناس فيك، طظ بضم الطاء "
+
بعد دقائق اقتربا من المنزل الذي نظر إليه نوح بوجع لكنه أكمل الطريق يقول:
_" خليني أشوف خالة نهال الأول، خايف تكون هملت في علاجها وتعبت "
+
_" خالة نهال دي أخت والدتك " هكذا سأله عز بهدف مسايرته في الحديث فقط لكن عقله مشغول بالكثير، لا يعرف لماذا خطف هذا الفتى جزء كبير من اهتمامه لدرجة يأتي معه إلى هنا
+
_" لا، جارتنا بس تقدر تقول هيا اللي مربياني، يعني... ربك بيحنن القلوب وهي أحن قلب في الدنيا " قال نوح كلماته بمشاعر حقيقية نحو تلك السيدة التي لم تبخل عنه بعاطفتها يومًا
+
بينما ابتسم عز بسمة حزينة وقال:
_" انت اللي طيب ومحظوظ يا نوح "
+
ضرب الجرس بإرتباك وحماس في نفس الوقت الذي رن فيه هاتف سنايبر،
+
أشار لنوح بعينية ثم ابتعد قليلًا يجيب مصطفى الذي صاح بكلامه دفعة واحدة:
_" عز، نور غفلت الرجالة وهربت، ووصلنا للكردي ودلوقتي معانا، وأليكسي خرج لواحده وانت عارف انه مش فاهم حاجة في أي حاجة وشكله هيرجع بمصيبة و... "
+
صمت بتردد كأنه يستجمع شجاعة كبيرة جعلت قلب عز يخفق برعب وكأنه توقع ما يخفيه صديقه فسأل بتوجث:
_" و ايه؟! "
+
مصطفى بإستسلام:
_" في أخبار مش كويسة، بس اهدى أنا هفهم بالظبط وهطمنك وكمان الشباب قالوا معاهم تفاصيل جديدة هقابلهم وأعرفها و.. الو... عز..... عز "
+
و أين عز! ، خفق فؤاده بعنف كأنها الخفقة الأخيرة، منذ أمس ويراوده شعور موحش يتجاهله، منذ أمس هناك حبال من السراب تلتف حول رقبته والضيق ملازمه، أدار عينيه التائهة ليجد نوح في أحضان سيدة ملامحها غير واضحة له، ولم ينتظرها لتوضح بل.... ترك لقدميه العنان يركض كالمجنون مسلوب الإرادة نحو سيارته، لسانه يردد اسم واحد فقط، ارتمى في مقعد القيادة يغادر المكان بأعين للمرة الثانية نراها دامعة بل و لنفس السبب...
+
---------------------
+
كانت والدتها تُحايلها لتكمل فطورها بينما هي نظرت له برجاء تستغيث به فضحك شادي بخفة قائلًا:
_" خلاص يا مجدة سيبيها انتِ ما صدقتي "
+
أكدت مجدة بإرتياح:
_" انت هتقول فيها! دا أنا كنت بشوفها هفتانة قلبي كان بيتقطع "
+
لاح الحزن بعيني سلمى حتى كادت تدمع لكنها تشتت بسؤال شادي:
_" أومال سيف فين! "
+
هنا تنهدت مجدة قائلة:
_" ماعرفش، كلمني امبارح وقال هياخد بتول تشوف أبوها مافهمتش منه حاجة ومن وقتها مابيردش لحد ما فارس صاحبه اتصل بعد الفجر وقال انطلب في شغل ضروري ومالحقش يطمنكم وأول ما يخلص هيكلمنا "
+
لم يقتنع شادي بأي كلمة بل شعر بعدم الراحة فأخرج هاتفه واتصل بسيف في نفس الوقت الذي ضُرب فيه الباب بقوة مع الجرس،
+
انتفضت مجدة بلهفة وخوف وكذلك شادي وسلمى وما أن فتحت الباب حتى انتدفعت منة للداخل وبيدها هاتفها وهي تصيح بكلمات متوترة وسريعة:
_" إلحقوا صورة سيف نازلة على النت بيقولوا كان في مول مع واحدة واختفت هناك وبعد كدة البوليس وصل وطلع فيه عصابة اتجار بالبشر تحت المول الدنيا مقلوبة ولقيوا جثث كتير، هو فين سيف؟! هو كويس!؟ ومين اللي كانت معاه "
1
ضربت مجدة على صدرها صارخة باسم ابنها بينما تمتمت سلمى بعدم تصديق:
_" بتول "
+
--------------☆☆☆☆☆☆☆☆
+
لو البارت عجبكم ادعوا لبنت خالتكم تعدي الامتحانات على خير بقى 🤦♀️ ولكم بالمثل💗
1
رأيكم في الأحداث!
2
ماتنسوش الفوت
+
ولا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا دمتم في أمان الله 💗
1
