رواية في مدينة الاسكندرية الفصل السابع عشر 17 بقلم صابرين
17- محاولة اختطاف
يعني أغلب الأحداث ذكريات في عقل نور وباقي الابطال وعلشان متتلخبطوش لو نزلت مقتطف مستقبلي هيبقى اكتب فوقه وانا بظهر مقتطف كل أربع فصول علشان تتحمسوا لأحداث الرواية المستقبلية
انا بصراحة عجباني الطريقة وحبيت اشرحها علشان البعض اتلخبط في أحداث الماضي والحاضر
فصل طويل اهو زيادة ألف كلمة يعني مشهد زيادة علشان الحلويات اللي بشوفها من البعض على جروبات الفيس وبالاخص من بنوتة عسولة اسمها "سما بهاء الدين" شوفت منشور إمبارح 

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صلي على من قال أمتي أمتي 
توقفت أمام عتبة البناية تحدق في الأمطار متأفئفة، هي تريد الذهاب إلى السوق حتى تشتري مخزون الأسبوع ولكن هذه الأمطار لا تتوقف وهي ليس معها مظلة، كيف ستذهب ولا يوجد أي طعام بالمنزل ويجب أن تشترى اليوم بل والآن في الصباح
مسحت وجهه مستغفرة ربها تحاول التفكير في الأمر من أين لها بمظلة الآن، ابتسمت وهي تبصر لؤي الصغير ابن إسماعيل يهبط على الدرج ليقف مثلها أمام المطر ذاممًا شفتيه بتذمر فقالت مبتسمة :
-مش هتعرف تطلع انت كمان ارجع تاني يلا، في الأجواء دي محتاجين شمسية
-بس انا كنت عايز أشتري شوكولاتة
نظرت نور إلى المطر الغزير قائلة :
-مفيش شوكولاتة دلوقتي لو طلعت هتاخد برد أقولك استنى
امسكت بحقيبتها واخرجت من حقيبتها لوح شوكولاتة صغير قائلة :
-خد يا سيدي شوكولاتة أهي يلا اطلع من البرد ده
نظر الآخر إلى اللوح بتردد ليهز رأسه برفض قائلًا :
-لأ شكرًا
-ليه بس بابا وماما قالولك متأخذش من حد غريب؟
آماء بإيجاب فقالت الأخرى ضاحكة :
-بصراحة انا لو مكانك هرفض برضو ومش عارفة اقنعك ازاي اني انا قريبتك بس انا ابقى بنت خال أبوك يعني أمان
أصر الآخر على الرفض وفي هذه الأثناء فُتح باب المصعد وخرج منه حمزة وهو يعدل في شعره ويطلق بعض السباب المنخفضة ليتوقف عندما شاهد نور تقف مع ابن اخته وتمد له شيئًا فقال متعجبًا :
-فيه ايه
ابتسمت نور مخفضة نظرها إلى لؤي :
-عايز يشتري شوكولاتة في المطرة فقولتله ياخد دي وبلاش يطلع
ربت حمزة على كتف لؤي واقفًا خلفه ثم قال :
-خدها منها يا لؤي
-بس بابا قالي ماخدش حاجة من حد معرفوش يا خالو
نطق بها لؤي بأدب غريب على شخصيته جعل حمزة يطالعها بتشنج قبل أن يقول :
-ايه يلاه الأدب اللي نزل عليك مرة واحدة ده، خدها منها دي قريبتنا
مد لؤي يدها وأخذ لوح الشوكولاته منها ليمد يده الأخرى بالمال منتظرًا أن تأخذها فضحكت نور وكاد صوتها يعلو لولا تداركها لنفسها وادركت وجود حمزة بل وتحديقه بها
حمحمت بإحراج راددة يده بالمال ثم قالت :
-لا يا عسل مش عايزة فلوس خدها مني ليك عادي
تحركت ناحية مخرج البناية فقال حمزة متعجبًا خروجها في هذه الأجواء :
-رايحة فين من غير شمسية تاخدي برد؟!
-مش معايا شمسية ومضطرة أطلع ضروري للسوق
هتفت بها بنبرة بائسة فقال حمزة وهو ينكز لؤي بخفة قائلًا :
-روح اعمل بالشوكولاتة اللي خدتها دي وهات شمسية من جنب الباب فوق يلا أجري
أسرعت نور برفضها قبل أن يصعد لؤي لكن الآخر صعد على الدرج بسرعة كما أخبره خاله فقالت ناظرة لحمزة :
-مش ضروري انا همشي لحد ما ألاقي محل بيبيع شمسيات واشتري واحدة كده كده هنحتاجوها
نظر الآخر إليها بجدية رافضًا رفضها هذا :
-الطريق من هنا للسوق طويل هتتبلي كلك لحد ما توصلي، خدي شمسية أحسن وكمان الطريق المشي فيه هيكون صعب فلو تحبي أوصلك بـ
-لأ طبعًا ايه اللي بتقولوا دِه
قاطعته نور بحدة اندهش لها حمزة وسرعان ما ابتسم مهدئًا إياها :
-اهدي مش قصدي حاجة وحشة والله ليه العصبية دي كلها
لم تجبه بل استدارت مبتعدة عنه موالية ظهرها له تشعر أن رد فعلها مبالغ به لكن لا هو المخطئ كيف يطلب منها مثل هذا طلب، ماذا يظنها هذا الرجل
تحدث حمزة وهو يحدق في ظهرها يشعر أنه أخطأ بالفعل هي ليست من النوع الذي يقبل مثل هذه الأمور لكن رد فعلها كان حادًا جدًا وكأنه طلب رقمها أو ما شابه :
-انا آسف لو ضايقتك كان غرضي إني اساعد بس
-حصل خير
وكان ردها خافتًا هادئًا بالكاد سمعه لتخرج نور بعد دقيقة من التفكير كتابه من حقيبتها محدقة به بتردد، ان أعطته له فماذا ستقول إن سألها ماذا يفعل كتابه معها
وإن تركته معها وهي تعلم من صاحبه ستحمل ذنبًا، إذًا لا مفر من أعطائه له ولتكن النتائج كما تكون
استدارت وفي اعتقادها أنه ذهب لكنها دُهشت من وجوده بل وينظر إليها بنفس الطريقة التي احرجتها بشدة فأخفضت وجهها أرضًا، مقتربة منه خطوة، لتمد الكتاب له قائلة :
-هو ده كتابك؟؟
نظر حمزة إلى الكتاب هو لم ينسى أمره بالطبع لكم لم يتوقع أن تعيده بل وكيف علمت أنه له :
-ايوه كتابي بس عرفتي ازاي أنه ليا؟!
-اسمك مكتوب عليه من قدام بص انا بقول دايمًا الحقيقة ومش بكدب وانا كتابك لقيته في شنطتي بس والله والله انا معرفش وصل شنطتي ازاي ومأخدتوش لما صليت في أوضتك
ضحك حمزة ليضع يده في خصره والأخرى مسح بها على شعره محدقًا في نظراتها المتعجبة فقالت خائفة من أن يكون ضحكه هذا عن عدم تصديقه لها :
-انت مش مصدقني؟! انا ممدتش إيدي على حاجة والله وعمري ما حلفت كدب
-انت بتقدمي ليه اعتذارات وتبريرات بسرعة كده سيبي للقدامك فرصة حتى يفهمك غلط ويظن فيكي ظن سوء
لم تفهم منه شئ فتصنعت البسمة ومدت الكتاب له مرة أخرى فأخذه منها حمزة ونظر إليه لبرهة لا يشعر بسعادة أنه استعاده بل هناك رغبه بداخله تخبره أن يعيد الكتاب لها ويجعلها تحتفظ به
رفع نظره إليها بسرعة قبل أن تتحرك ليقول :
-حلو الكتاب؟؟
تنحنحت الأخرى تنظر حولها فلا يعجبها أن تقف معه هكذا يتحدثان لكن لم ترد أن تظهر أمامها كقليلة ذوق لذا قالت وهي تنظر أرضًا فلا مقدرة لها أن تنظر إلى أحد غريب لأكثر من خمس ثوانٍ تخجل بشدة حينها وتبعد نظرها :
-حلو وواقعي، له فكرة هادفة مهمة قوي لازم الكل يبقى عنده توعية عنها خاصةً إني فعلًا ناس كتير بتخاف وتسكت عن الموضوع والسكوت بيجيب نتيجة عكسية في الموضوع ده وبيوصل لمصيبة
تذكرت رحمة وتحرش سليم بها فعزمت أن تذهب غدًا إلى المدرسة رغم تكاسلها لشعورها أنها على أعتاب نزلة انفلونزا لكنها ستذهب لتخبر أهل سليم بالأمر حتى لا يتمادى
عاد لؤي بالمظلة فأخذتها منه شاكرة إياه بطلف لتنتبه إلى صوت حمزة عندما مد حمزة الكتاب لها فنظرت له تستمع لحديثه :
-خلاص طالما عجبك احتفظي به
نفت نور هذا الاقتراح بقوة قائلة :
-لأ طبعًا اخد ايه مش هينفع ده كتابك مش كتابي ومش علشان عجبني هاخده كفاية إني قرأته من غير ما اعرف هو بتاع مين
-بس انا مُصر تاخديه اعتبريه هدية
رفعت نظرها له رافضة الأمر بإصرار فهو هكذا الأمر يبدأ بهدية ثم بمشاعر وهي لا تريد أن تنخرط في هذا الطريق فمن جهة سيكون محرمًا ومن الناحية الأخرى أهلها وضعوا ثقة بها الموت أهون عليها من أن تكسرها :
-وانا مُصرة إني مش هاخده آسفة مش هقبل هديتك
فتحت المظلة وتحركت للخارج لتقول مستديرة له نصف استدارة :
-وهرجعلك الشمسية
نظر حمزة إلى طيفها وهي ترحل وإن كانت تظن أنها أوقفته هكذا عن حده فهي مخطئة فلا يميل الرجل إلا للفتاة التي تصده يضعها في عقله حينها وهو منذ فترة وهو يفكر بها على الأرجح منذ حوارهم عن الكتب
-خلاص مشيت هتفضل متنح كده
نظر حمزة إلى لؤي بعدم انتباه ثم قال :
-ايه؟!
-قصدي على القمر اللي بتبص عليها دي حلوة علفكرة
ابتسم حمزة ضاربًا إياه بخفة على رأسه :
-يلاه عيب ده انت لسه كنت محترم من شوية كمل احترامك للآخر
-اوعى تسيبها دي عيونها ملونة وبتتكسف بابا بيقول البنت اللي عيونها ملونة وبتتكسف متتسابش أبدًا
ابتسم الآخر بتهكم ثم قال :
-ابوك قال كده؟! اومال بص لأمك على أساس ايه كان أعمى وقتها؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ألقى بحقيبته على المنضدة نافخًا بضيق وهو يخلع عنه سترته الشتوية ثم جلس على الاريكة بجانب والدته التي قالت متعجبة ضيقه الواضح :
-مالك يا عاصم فيه ايه؟؟
-مفيش
نطق به كاذبًا وهو يمسح على ذقنه النابتة يفكر فيما يورق تفكيره، شروق لم تحضر إلى محاضرته رغم رؤيته لها في الكافتيريا مع ابنة عمها تلك والغريب أنها ورغم وجودها إلىٰ أنها لم تحضر غير المحاضرة الأولى والبقية لا
والاغرب من هذا أنه عندما نادى اسمها استمع إلى بعض الهمهمات من البعض ولكنه لم يفهم لما فعلوا هذا بالذات عندما نادى على اسمها وكل هذا لا يهمه بقدر ما يهمه أن يعلم لما تغيبت رغم وجودها في الجامعة
ربتت والدته على كتفه قائلة :
-عاصم بنتك هتيجي النهاردة بلاش تخرج اقعد معاها شوية بلاش تحسسوها إنها يتيمة
آماء عاصم بهدوء لينظر إلى والدته يوصيه عليها :
-خلي بالك منها يا ماما كفاية أمها اللي مش واخدة بالها، مش عارف انا مشغولة في ايه بعيد عن بنتها اليومين دول
-خليها تروح دي كانت جوازة منيلة
رفع الآخر حاجبه بتهكم ليقول بنبرة ساخرة مذكرًا إياها بحديثها عنها :
-دي بنت متتعوضش يا عاصم، عليها جمال وأدب يا عاصم، انتي انبهرتي بجمالها يا أمي مسبتيش فرصة اتعرف عليها كويس وجوزتهالي بعد خطوبة شهر واحد عايدة فضلت تخرج فيه أحسن ما فيها لحد ما لبست انا وفي الآخر الهانم وأبوها طلعوا مغفلين واحد كان خاطبها دي طردت الواد من حياتها علشان فلوس ابويا أثق فيها ازاي دي
لوت والدته شفتيها بتهكم متذكرة سقوط شقيقة عايدة الصغرى في الحديث عن شاب كانت عايدة مخطوبة له وكانوا على وشك الارتباط رسميًا وهم لم يذكروا هذا من أجل أن يكتمل زواجه هو منها وكل هذا بسبب أموال زوجها التي لا تعوض بالنسبة لهم
وكل هذا علموا به بعد الزواج للأسف وقد تضايق ابنها كثيرًا بسبب هذا لكنه أعطى لعايدة فرصة رغم أن هكذا تصرف يدل على الطمع لتظهر الفتاة وأهلها على حقيقتهم لاحقًا، نادمة بشدة أنها لم تستمع إلى ابنها في إطالة فترة الخطوبة ليتها فعلت هذا
تنهدت مشيحة بيدها ثم قالت :
-خلاص يا ابني ده كان نصيبك واديها راحت في داهية هي وأهلها ومش صعبان عليا غير بنتك اللي متعلقة ما بينكم دي
اقتربت منه قليلًا هاتفة بنبرة لينة :
-بقولك يا عاصم خلاص انسى البنت دي وانت مش أول ولا آخر واحد مُطلق كمان انت لسه صغير، ايه رأيك نخطبلك تاني ويا سيدي انا موافقة على فترة الخطوبة اللي انت عايزها إن شاء الله تقعد سنة
نفى الآخر برأسه ناظرًا لها برفض إذ قال :
-أنسي اني اتجوز واحدة انت تجبهالي تاني، انا لو هتجوز هيبقى بإختياري انا
-يعني انت في دماغك واحدة؟؟
صمت الآخر لا يدري أيخبرها بأمر شروق أم لا فإن اخبرها أنه يحب فتاة لا تزال بكرًا بل وتصغره بخمسة عشرَ لا عجب في أنها ستثور عليه، بينما والدته عندما أبصرت صمته علمت أن هناك فتاة في حياة ابنها، وهذا بالطبع أسعدها كثير لتقول متحمسة :
-يبقى في واحدة في دماغك، اسمها ايه؟ تعرفها من امتى؟ بنت مين؟!
عقد عاصم حاجبيه لآخر سؤال ليقول :
-هي لو مكنتش بنت حد مهم ده هيوقف الموضوع؟؟
-هو بصراحة أبوك ممكن يعترض بس لو انت عايزها انا هقنعه
ابتسمت مكملة وهي تقترب منه أكثر حتى التصقت به :
-قولي حلوة؟؟
ابتسم عاصم متذكرًا ملامحها البسيطة التي حفرها في عقله وربما في قلبه أيضًا :
-ملامحها عادية أوي بس بالنسبة ليا مفيش في جمالها اتنين كفاية بس ضحكتها
-يا سيدي يا سيدي، اسمها ايه بقى؟؟
-شروق
صفقت والدته معجبة باسمها ثم قالت :
-حلو الاسم، تعرفها من امتى؟
-من سنة وكام شهر
افرغت الأخرى فمها مصدومة :
-من أكتر من سنة؟! يعني من قبل ما تطلق عايدة، انت طلقت عايدة علشانها على كده؟؟
-لأ طبعًا انتي عارفة اني كنت عايز اطلق عايدة من أول ما اكتشفنا طمع أهلها وعدم اهتمامها بيا وببيتها واللي وقفني اني عرفت إنها حامل قولت هديها فرصة تانية علشان اللي في بطنها بس خلاص كنت جبت أخرى منها وبصراحة مش هكدب، لما دخلت شروق حياتي بدأت اقارن بينها وبين عايدة وكان فيه فرق زي السما والأرض كفاية إني شروق محجبة ومتدينة وعمرها ما عملت حاجة تلفت النظر ليها بينما عايدة لبسها كان ملفت وبتطلع بشعرها وأكتر من مرة اقولها يا عايدة انا مش بقرون لو مش عايزة تتحجبي على الأقل البسي لبس مقفول خالص بس هي ولا كانت بتسمع علشان كده طلقتها لما زهقت منها ومن تصرفاتها
ربتت والدته على كتفه حتى يهدأ قائلة :
-خلاص اهدى مش هنجيب سيرتها طالما بتعصبك، بس قولي طالما تعرف شروق دي من سنة وأكتر ايه رأيك نعتبر دي فترة الخطوبة ونجوزهالك علطول
ضحك عاصم يهز رأسه ببؤس منها ثم قال :
-والله ما هتتغيري
رفع رأسه عندما أبصر أخيه الصغير يهبط من على الدرج يرتدي ملابس خاصة بالخروج ليستمع إلى والدته التي قالت موجهة حديثها إليه بنبرة غاضبة على غير العادة :
-أهلًا بالصايع اللي مش عنده غير الخروج مع صحابه الصيع اللي زيه
نظرت إلى عاصم ثم أكملت :
-عاصم الواد ده مطلوب حضور ولي أمره بكرة بس أبوك مش فاضي ومكنش حتى فاضي يروح يوم الخمس يوم ما عمل المشكلة
نظر عاصم إلى أخيه هاتفًا بجدية :
-مشكلة ايه اللي عملتها يا سليم ده بدل ما تركز في مذاكرتك يمكن تنجح السنة دي، بتدور على المشاكل؟!
مسح الآخر على خصلات شعره المصففة بعناية ليقول بكذب :
-اتخانقت مع واحد زميلي
-وهو اللي معورك في وشك كده
آماء الآخر بأجل فوقف عاصم واقترب منه ليقف أمامه مباشرةً ثم قال :
-واتخانقتوا ليه بقى؟
-عادي يعني خناقة عادية عمرك ما اتخانقت مع زمايلك
كانت نبرته واثقة لثقته أن رحمة لم تخبر أحدًا بما فعل وعلى الأرجح ستخاف ولن تفعل، واجابته هذه استفزت عاصم بشدة ليسحبه من ملابسه هاتفًا بغضب :
-لا مكنتش بتخانق مع حد يا سليم وكنت مركز في دراستي كويس علشان كده انا دكتور في الجامعة مش زيك بتاخد السنة اتنين
اقتربت منهما والدته لتسحبه منه خوفًا من أن يضربه فهو ابنها في النهاية بل وأصغرهم :
-خلاص يا عاصم اتكلم معاه بلاش ضرب
صاح الآخر غاضبًا من أسلوب الدلال المفرط هذا :
-خلاص ايه ما هو دلعكم ده هو اللي خلاه فاشل حتى الباشا بابا ناوية يجيبله عربية
نظر إليه ثم أكمل بحزم وصرامة :
-ويكون في علمك لا فيه عربية ولا عجلة حتى غير لما تعدي سنتك دي ولو مبطلتش خروجاتك مع الفشلة صحابك وانتبهت لدراستك ودروسك لا هيبقى فيه موبايل ولا إنترنت
رفع الآخر رأسه له هاتفًا بغضب :
-مش من حقك تتحكم فيا وتقولي اصاحب مين ومصاحبش مين
دفعه عاصم ناحية الاريكة مسقطًا إياه عليها ثم صاح :
-انت كمان بتعترض ده انت المفروض تتكسف وتخلي عندك دم اللي زيك في أولى جامعة وانت لسه مأخدتش الإعدادية
نظر إلى والدته ثم أكمل وهو يعدل قميصه بعدما استمع إلى صوت ابنته الصغيرة قادمة :
-بكرة عندي محاضرة بدري هخلصها واروح على مدرسته، وانت اطلع ذاكر مفيش خروج
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقف ووضعت الحقائب البلاستيكية أرضًا فوق المطر لتنظر إلى يدها التي انقلبت للأحمر والبنفسجي من شدة حبس الدماء وثقل الحقائب على يدها، نظرت يمينًا ويسارًا بحيرة أسفل المطر لا تدري كيف تتحرك من السوق إلى البناية وهي معها كل هذه الحقائب والطرق مبتلة بالماء
نظرت إلى الأمطار الغزيرة أسفل المظلة بملامح متهكمة كم كانت تود أن ترى المطر وتقف أسفله وهذا لأن في الصعيد لا تمطر إلا نادرًا يكاد يكون المطر شئ منعدم عندهم
لكن الآن وبعد أن جربت معاناة أهالي الإسكندرية مع المطر باتت تود العودة إلى قريتها الصغيرة وعدم الخروج منها مرة أخرى فكما قال المثل "من طلع من داره اتقل مقداره"
نظرت يمينًا ويسارًا بحيرة هي تسير منذ دقائق طويلة بكل هذه الحقائب حتى ليس معها الهاتف كي تتصل على أحد يأتي ويساعدها هذا ان وُجد أحد يساعدها، فبراءة في العمل وشروق منذ السابعة صباحًا وهي في الجامعة ولحقتها عائشة بعد ساعة
بإختصار هي بمفردها الآن ولا أحد ليساعدها غير نفسها
رفعت الحقائب بيد واحد فالأخرى تحمل بها المظلة لتكمل سيرها أسفل المطر وقد ابتلت ملابسها من الأسفل واختلطت بالماء والطين وهذا ما زاد حنقها أكثر فباتت الآن كما المتسولين في الشوارع
استمعت إلى زامور سيارة خلفها وعندما استدارت وجدت سيارة أجرة ففكرت قليلًا في أن تستقلها إلى المنزل بدلًا من السير في هذا المطر بكل هذه الحقائب، هي لم تركب من قبل سيارة أجرة بمفردها لكن المسافة ليست بعيدة
أوقفت السيارة وصعدت بها بعدما وضعت بها جميع الحقائب فقال السائق :
-على فين يا أستاذة
وصفت نور له الطريق لتلتقط أنفاسها وهي تدلك يدها بألم طفيف ثم تنهدت وهي تخرج منديل تمسح به انفها فها هي بوادر نزلة الانفلونزا، من الجيد أنها احضرت دواء من إحدى الصيدليات
أخرجت زجاجة مياه لكنها سقطت منها بسبب سرعة السيارة فقالت بتوتر :
-براحة يا اسطا في ايه هنعملوا حادثة على كده
-لأ متخافيش يا أستاذة
-لا أخاف انا مش مستغنية عن حياتي
آماء الآخر بصمت فأخرجت نور الدواء وأخذته لتنظر إلى النافذة تحدق في الشارع من خلال الأمطار في عادة منها، فهي من الناس التي تحب النظر من النافذة حين تكون في المواصلات بل وتفضل الجلوس بجانبها
عقدت حاجبيها وهي تركز في الطريق الذي تمر منه يوميًا ولم يكن هو فقالت بقلق وهي تعتدل في جلستها :
-مش... مش ده الطريق
-آه ده طريق مختلف علشان التاني مقفول
-مقفول ده ايه انا لسه ماشية فيه وكان مفتوح أقف هنا على جنب نزلني
لم يستمع لها الآخر بل زاد سرعة السيارة فدق قلب نور برعب شديد وفكرت في الصراخ لكن من سيسمعها لكن لن تظل هكذا مكتوفة الأيدي وتنتظر مصيرًا مجهولًا لتجد نفسها في النهاية مُغتصبة أو مقتولة
مدت يدها في حقيبتها وأخرجت مقص صغير تحتفظ به لوسواس في عقلها لترفعه عليه وتضعه بجانب عنقه صارخة به برعب ويدها تنتفض من الموقف الذي لأول مرة تُوضع به :
-وقف العربية دي
حاول السائق أن يأخذ منها المقص لكن نور من رعبها جرحته في عنقه فصرخ الآخر وأوقف السيارة، وما إن رأت هي هذا ألقت المقص وفتحت السيارة وفرت هاربة أسفل المطر، بالكاد استطاعت سحب الحقيبة لأنها معلقة في كتفها
ركضت وركضت ولم تكترث لملابسها التي ابتلت أسفل المطر أو لتحديق الناس بها والذين بدورهم نظروا إلى السائق بإتهام وهو ما إن رأى هذا حتى قاد بسرعة كبيرة فاررًا
بينما نور لم تتوقف عن الركض وكل دقيقة تنظر خلفها وقلبها ينتفض برعب شديد بل كل خلايا جسدها تنتفض، توقفت عندما لم تجد أحد خلفها لتتنفس بصعوبة وهبطت دموعها بخوف مختلطة بماء المطر
سارت بضعف بسبب قدميها اللذان أصبحا كالهلام من شدة الفزع فلم يعد بها أي أعصاب، نظرت حولها بخوف لا تدري أين هي ولا تدري ما الطريق للعودة، وعلى جثتها أن تركب سيارة أجرة أخرى
مسحت الدموع وقطرات المطر من على عينيها حتى ترى لتعود وتتشوش الرؤية مرة أخرى فالأمطار غزيرة وهي أسفلها وحيدة، ضائعة، بائسة
وللمرة الثالثة تضيع منذ أن أتت إلى هذه المدينة، أول مرة حين انقلب القطار ووجدتها رقية، والثانية في السوق ووجدتها ناهد، وها هي الثالثة وفي كل مرة لا تقول إلا شيئًا واحدًا فمن سينقذها غيره :
-يارب يارب
همست بها بضعف وهي ترتعش بردًا وخوفًا تنظر حولها كما الطفل الذي فقد والديه وهي في هذه الحالة كانت أقرب مثال لهذا، عادت وناجت ربها فهو المستجيب كما أن الأمطار تهبط وهذا وقت استجابة
وكان سبحانه برحمته الواسعة أكثر من مستجيب إذ أرسل إليها من ينقذها بل ورآها دون هى أن تراه هى
-نــــور
رفعت رأسها تبحث عن المنادي بلهفة لكن لا تبصر إلا تشوشات بسبب دموعها والمطر لتجد من وقفت أمامها في يدها مظلة واليد الأخرى تحمل هرة مصابة، تحدق بها بأعين بنية يملأهما التعجب :
-نور بتعملي ايه هنا؟؟ ماشية في المطر كده ليه من غير شمسية!؟
أُغرقت عيني الأخرى بالدموع لتحتضنها بقوة منفجرة في بكاء شديد بصوت مرتفع تحمد ربها أنه لم يتركها بمفردها أيضًا هذه المرة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرج من المصعد رافضًا أن يستند على أخيه لينظر إليه بنظرة مخيفة لكنها آثارت ضحكات إسماعيل والتي كتمها حتى لا ينفجر يونس به يسمعه يقول :
-يوسف أقسم بالله عارف أمشي وحدي انا اتخبطت في راسي مش اتشليت
ذم الآخر شفتيه بطريقة جعلت ضحكات إسماعيل تتعالى فنظر إليه يوسف بتعجب قائلًا :
-انت بتضحك على ايه؟؟
واجابه يونس صائحًا به :
-علينا طبعًا شايف قدامه منظر طريف لاخ بيعلم أخوه المشي، فيه حاجة تضحك أكتر من كده
نظر يوسف إلى رقم الشقة التي وقف يونس أمامها فقال باستغراب :
-يونس دي شقة عمك مش شقتنا رايح فين انت
دق الآخر الجرس مجيبًا إياه بتهكم :
-عايزني اطلع عند امك وتشوفني كده دي تفضحنا بصوتها، أبوك سافر القاهرة صح؟!
-آه الصبح
فتح كريم الباب ليتفاجأ بمنظر يونس أو يوسف لا يدري حقًا من منهما، وكان رأسه ملتف بشاش أبيض وهناك عليها بقعة كبيرة من المطهر الأحمر الذي يشبه لون الدماء
شهق بذهول مرددًا بشكل عفوي الجملة التي اعتاد الجميع سماعها من أمهاتهم :
-يا ضنايا يا ابني مين عمل فيك كده
دفعه الآخر من أمامه مرددًا بسخرية :
-كنت بقبض على السفاح ووقعت على رأسي
عاد خطوتين للخلف عندما وجد حمزة قفز أمامه من اللامكان هاتفًا بابتسامة متسعة :
-لقيتوا السفاح يا يونس
ابتسم له الآخر بتهكم مجيبًا إياه :
-ايوه بس مش عارف هتلحق تتكلم معاه قبل ما نحطه الفرن ولا لأ
نظر حمزة إلى يوسف واسماعيل متسائلًا :
-هو بيتريق عليا؟!
-أكيد يعني انت لسه بتسأل
نطق بها وهو يجلس على الاريكة متنهدًا بتعب من آلام جسده فقال حمزة وهو ينظر بتفحص :
-لأ بجد ايه اللي حصلك
-حادثة وعدت على خير الحمد لله
-حادثة ايه؟!
نطقا بها ناهد وعبلة وهما يخرجان من المطبخ فقال يونس وهو ينظر إلى والدته مندهشًا :
-هو انتي هنا يا ماما؟!
ولم يمر ثانية إلا وعلىٰ صياح عبلة وهي تتفقد ابنها بخوف أمومي وكل ثانية تتطرح عليه سؤال عن حاله، وما يؤلمه، ومتى حدث هذا، وكيف لم يخبرها بالأمر
واستمرت على هذا إلى أن سحبها يوسف لعلمه أن يونس لا يحب كثرة الإهتمام من هذا النوع، الدلال المفرط يشعره حينها وكأنه طفل وليس رجل في نهاية العشرينات :
-خلاص يا ماما هو كويس رأسه اتخبطت وخيطناها وعنده كام كدمة بس
نظرت عبلة إلى ابنها بقلق شديد ثم تساءلت :
-هو ممكن اللي حصل ده يكون بفعل فاعل بسبب القضية اللي هو مسكها؟!
نظر جميع الموجدين إلى يونس في انتظار إجابة ليقول يوسف بخوف على أخيه :
-يونس الموضوع له علاقة بالقضية؟؟
نفى الآخر بسرعة هذه الظنون قائلًا :
-لا يا جماعة ملهوش علاقة انا كنت تعبان ومطبق وشوفت واحدة واقفة في الطريق وسط المطر فحودت بالعربية وخبطت في عمود، وعلشان مكنتش لابس حزام الأمان راسي اتخبطت جامد في الدركسيون :
-وانت مش رابط الحزام ليه ها
نطقت بها والدته بنبرة أقرب للصراخ فقال الآخر مقلبًا عينيه :
-يا ستي الحمد لله جات على كده كان ممكن اخبط في الإزاز
-طب والبنت حصلها حاجة
تساءلت بها ناهد ليقول إسماعيل نافيًا الأمر :
-لا معتقدش علشان هي وصلت يونس للمستشفى واتصلت بالإسعاف
-وسرقت التليفون ومفاتيح العربية الجذمة
هتف بها يونس بغضب فقال يوسف بقنوط :
-يا ابني متظلمش البنت مش طلبنا من صاحب المحل اللي حصلت قدامه الحادثة يفرغ الكاميرا بتاعته وهو قالك بكرة الصبح هيبعتهالك، متحكمش بقى قبل ما تشوف الحقيقة
-بس يلاه انت طيب متعرفش الدنيا عاملة ازاى
لوى الآخر شفتيه بحنق ليرن جرس الشقة في هذه الدقيقة فذهبت رحمة وفتحت الباب وإذ بها تُذهل من رؤيتها لشاب وسيم يمتلك بشرة قمحية وأعين سوداء ضيقة نوعًا ما وشعر أسود مصفف بعناية
ابتسم هذا الشاب لها بإعتذار وهو ينظر إلى باب الشقة الذي يقبع خلفه :
-آسف شكلي غلطت في رقم الشقة
ابتسمت الأخرى بإتساع وقد علمت من لهجته أنه صعيدي بل لا عجب أن يكون قريب الفتيات :
-ايه العسل ده هو كل إنتاج الصعيد حلو كده
نظرت إلى إسماعيل منادية عليه :
-يا إسماعيل واحد قريبك من الصعيد
وقف إسماعيل بسرعة متجهًا إلى الباب بينما قالت غادة عاقدة حاجبيها :
-هو فيه ايه كل شوية حد يظهر من قرايبه اللي في الصعيد ثم ايه اللي جابه هنا مش المفروض يطلع علطول عند مرات عمي
نظرت إليها ناهد بإستنكار شديد لحديثها الأشبه بالحنق لتواجد هذا الضيف أمام منزلهم، وقبل أن تعنفها على هذا الأسلوب كان حمزة يمسك غادة من فكها ضاغطًا على خديها بقوة ليهمس بعدها بتحذير شديد :
-حطي لسانك جوا بوقك يا غادة واقفلي عليه ميطلعش لا بكلمة حلوة ولا وحشة
دفعها بخفة ناحية والدته ثم أضاف :
-شوفي بنتك يا ماما بدال ما تجيب مشكلة تانية من وراء لسانها وانا عارف انه هيحصل
اتجه ناحية الباب حيث كان يدعو إسماعيل قريبه هذا بحفاوة وترحيب شديد ليقول حمزة مندهشًا وهو يرى هوية هذا الشاب :
-انت؟ استنى انا فاكرك اسمك ياسر صح!؟
ابتسم الآخر يومئ برأسه بخفة فهو يعلم أبناء أعمام إسماعيل نظرًا لتواجده كل عام في الإسكندرية عندما يأتي من والده واعمامه في زيارة إلى عمتهم أسماء، ولأنه في نفس سن حمزة وأخيه وأبناء اعمامه استطاع خلق نوع من الصداقة معهم :
-كويس انك فاكر اسمي المرة دي ومتلخبطش فيه زي كل سنة
دعاه الآخر للدخول مردفًا بإحراج فهم يخطئون في اسمه بالفعل لتشابه حروفه مع أسماء أخرى :
-معلش بقى من سنة لسنة بنشوفك بس بنعتبرك واحد مننا والله ميغركش اننا بنغلط في اسمك ده فقدان ذاكرة عادي عند كل البشر، اتفضل ادخل يا ياسر هو احنا أغراب
رفض ياسر الدخول متحدثًا برزانة ونبرة خشنة تليق برجال الصعيد :
-لا شكرًا انا كنت بوصل حاجة للبنات وغلطت في عنوان الشقة يمين ولا شمال
ابتسم إسماعيل وخرج معه حتى يسلم على بنات اخواله فهو لم يكن يحتك بهم كثيرًا لكونهم أربع فتيات بمفردهم وهو لم يكن يريد أن يفعل شئ يسئ بهم :
-طب استنى أجي معاك أسلم عليهم
استدار حتى يتجه إلى الشقة الأخرى ليطرق الباب ويرن الجرس لكن لا أحد يجيب فنظر إلى إسماعيل متعجبًا والآخر هتف بتساؤل :
-يمكن محدش جوا؟؟
-محدش جوا ازاي انا لسه مكلم براءة وهي اللي وصفتلي الطريق وقالت هي جاية في الطريق اطلع الشقة وهلاقي شروق ونور جوا
خرجت ناهد من شقتها مجيبة على حيرتهم هذا :
-مش هتلاقوا حد جوا تعالى يا ياسر استناهم عندنا
نظر إليها ياسر عاقدًا الحاجبين ليقول بنبرة خشنة متسائلة :
-ازاي مفيش حد جوا أومال نور وشروق فين
اجابته الأخرى رافعة منكبيها بحيرة مثله :
-والله يا ابني من ساعة ونص كده رجعت شروق لوحدها وقعدت يجي ساعة كده وبعدها خبطت علينا بتسأل على نور انا قولتلها اني شوفت نور في السوق بتشتري طلبات بس الكلام ده الساعة عشرة ونص الصبح انا قولت يمكن لسه بتشتري حاجات هناك
تحدث ياسر بإنفعال حاول كتمه فها هو ما يخشى فهو بالكاد وصل وها هي المشاكل ترحب به من خلف رؤوس هؤلاء الأربعة :
-حاجات ايه اللي بتشتريها من عشرة ونص الصبح لحد الساعة اتنين متصلتش عليها ليه ترجع وراحت فين شروق دلوقتي؟؟
-شروق اتصلت عليها فعلًا بس نور طلعت ناسية تليفونها فأخدت رقية وطلعوا السوق يشوفها اتاخرت ليه، استنى هخلي يوسف يتصل عليها
نظر ياسر إلى إسماعيل متسائلًا وعلامات الضيق بدأت تظهر على وجهه :
-مين رقية دي؟؟
-دي بنت عمي متخافش
دعاه حمزة للدخول وقد عقد حاجبيه بشئ من القلق على اختفاء نور هذا، فإن كانت لم تظهر حتى الآن فهي ليست مختفية من العاشرة والنصف صباحًا بل من التاسعة حين أعطاها المظلمة ومن التاسعة حتى الثانية وقت كبير على التسوق خاصةً وأنها بمفردها أي لن تشتري الكثير من الأشياء :
-تعالى يا ياسر استنى جوا
دلف ياسر محمحمًا بينما يخفض رأسه تحسبًا لوجود نساء، جلس على الاريكة مقابل يوسف الذي كان يرن على شقيقته ولكن لا رد وبعد المحاولة الثالثة اجابت ففتح المكبر قائلًا :
-ايوه يا رقية انتوا فين لقيتوا نور
اجابته الأخرى من السوق حيث كانت تسير بخطى سريعة هي وشروق المصابة بتوتر شديد لإختفاء نور الغير مبرر :
-لأ يا يوسف ملقنهاش بقالنا ساعة بندور ونسأل ومحدش عارف حاجة، استنى خليك معايا دقيقة
توقفت أمام أحد محلات العطارة تسأل عنها بينما عرضت شروق صورة لنور حتى يقول إن كان رآها، بينما على الناحية الأخرى زاد انفعال ياسر وظهر هذا بوضوح فقال إسماعيل :
-اهدى يا ياسر هنلاقيها هتروح فين
-ما هو ده السؤال هتروح فين انا لسه جاي وابويا وأعمامي وصوني عليهم علشان هبقى متواجد بحكم شغلي اللي اتنقل الإسكندرية تروح واحدة فيهم من أولها كده تتطلع تايهة
انتبه الجميع وصمتوا ما إن تحدثت رقية في الهاتف وكان صوتها قلقًا :
-ايوه يا يوسف فيه واحد عنده عطارة بيقول شافها ركبت تاكسي ومعاها كياس كتير بس بيقول الكلام ده من الساعة ١١
اتسعت أعين عبلة متوقعة شئ سئ إذ قالت :
-من الساعة ١١ لتكون اتخطفت ده فيه حالات خطف كتير في السوق ده بالذات
تحدث إسماعيل وهو يخرج هاتفه نافيًا التوقع الذي أتى برأسه فهناك بالفعل حالات اختطاف كثيرة في تلك المنطقة لكنه حاول تهدئة الوضع :
-اتخطفت ايه يا مرات عمي بشروا ولا تنفروا ممكن تكون راحت عند ماما
اتصل عليها بينما تحدث حمزة بضيق وتوتر وهو يسحب الهاتف من يوسف يحادث رقية من على الجهة الأخرى :
-رقية بقولك ايه العطارة اللي عندك دي فيها كاميرات؟؟
-ايوه فيها وانا بقول للراجل يفرغ أهو يارب تظهر نمر التاكسي
دقيقة من الصمت حلت على الجميع ليعود إسماعيل بعدما تحدث مع والدته فسأله ياسر رغم إدراكه الإجابة من ملامح الآخر الغير مُبشرة :
-قالتلك ايه عمتي
-مفيش عندها ومشفتهاش من إمبارح
شعر حمزة بالقلق يتزايد عنده بل عند أغلب الموجدين ليستمع إلى صوت رقية في الهاتف تنادي فقال :
-ايوه يا رقية انا معاكي نمر العربية بانت
-باينة ايوه وكتبتها في ورقة
سحب يونس ورقة من رحمة الممسكة بكتبها ليقول وهو يسحب منها أيضًا القلم :
-قولي يا رقية وانا هبعته لحد في القسم ويجيب صاحب التاكسي ده من قفاه
املته رقية الأرقام لتقول بخوف وهي تركز في تسجيل الكاميرات أمامها :
-يا شباب أعتقد اني صاحب التاكسي دي ناوي على نية مش تمام علشان المفروض لو نور هترجع البيت التاكسي يمشي يمين بس ده حود شمال ناحية سيدي بشر
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
المكان : سيدي بشر
الوقت : الرابعة مساءً
جلست هاجر على الاريكة تحدق في نور الممدة على الاريكة، متدثرة بغطاء ثقيل، غافية بعمق شديد لا تدري بالدنيا وما فيها
تنهدت بحيرة وهي تستند بذراعيها على فخذيها تفكر بصوت مسموع :
-وبعدين بقى البنت نايمة بقالها خمس ساعات ومش راضية تفوق ولا اكنها واخدة منوم
وضعت يدها أسفل وجنتها تتذكر عندما رأت نور أسفل المطر وحيدة ضائعة في الساعة الحادية عشر والربع صباحًا تقريبًا، كانت حينها لا تزال خارجة من العيادة البيطرية المتواجدة بالقرب من بنايتها، وكانت تحمل حينها هرتها الصغيرة المصابة بعدة جروح وكسر في الساق
وهذا بعد أن ألقى بها ذلك المدعو سفيان ناحية زجاج البناية الأخرى، لا تدري من أين له بكل هذه القوة التي جعلته يلقى بها ناحية بناية تبعد عن بنايتها بعدة أمتار لكن لما هي متعجبة فهو ضابط ولديه بُنية تساعده على هذا
مهلًا تبًا له ولبُنيته لقد كاد أن يقتل قطتها وكم هي حانقة عليه لما فعل، مسدت على هرتها بحنان هذه الهرة التي تؤنس وحدتها فهي الرفيق لها الآن
رفعت رأسها تمسك بالمظلة جيدًا تسير أسفل الأمطار التي لا تحبها فهي تشعرها بالبؤس والحزن ورغبة عارمة في البكاء الشديد، عقدت حاجبيها وضيقت عينيها تبصر صديقتها نور تسير أسفل المطر دون مظلة ويبدو أنها تائهة
اسرعت بالخطى إليها ونادت عليها فرفعت الأخرى رأسها لتسألها هاجر مذهولة من الحالة التي هي بها :
-نور بتعملي اي هنا؟؟ ماشية ليه كده في المطر من غير شمسية!؟
وما كان من الأخرى غير أنها ضمتها بقوة وكأنها وجدت طوق النجاة بعدما كانت تغرق في وسط المحيط لتتفاجأ بها تبكي وتحمد ربها بصوت مرتفع فقالت مذهولة وهي تبتعد عنها قليلًا :
-انتي كنتي تايهة ولا ايه؟!
آماءت الأخرى بسرعة وهي تحاول أن تجمع الكلام من بين بكائها لكن تلعثمها في هذه الحالات لم يساعدها ابدًا فعادت تبكي مرة أخرى، اشفقت عليها هاجر كثيرًا وشعرت أنها ستبكي معها :
-طب خلاص اهدي اهدي تعالي معايا
سارت معها نور واتبعتها ناحية إحدى المباني لتقول بقلق وهي تدخل معها :
-إحنا رايحين فين؟؟
ضغطت هاجر على زر المصعد حتى يهبط لتجيبها بنبرة هادئة مطمئنة :
-اهدي انا ساكنة في العمارة دي ومش معايا حد ساكن، انا يتيمة ومليش حد في الدنيا دي غير ربنا وقطتي المكسورة دي فمتخافيش
صعدت نور معها ودلفت إلى شقتها لتقول هاجر بقلق تحدق في ملابسها المبتلة من الأعلى إلى الأسفل :
-نور لبسك كله مبلول دقيقة اجيبلك لبس من عندي
والأخرى نفت بقوة أجل هي تعلم هاجر وليس لديها أحد يساعدها هنا غيرها لكن في هذا الزمن لا يُوثق ابدًا في أحد :
-لا لا انا مش عايزة اغير هدومي انا تمام كده
-يا بنتي تمام ايه ده انتي بتتنفضي من البرد
ونور كانت مُصرة على الرفض الشديد فتنهدت الأخرى مستسلمة تدرك خوفها وحرصها الشديد حتى في حالتها السيئة هذه :
-طب علي الأقل غيري الخمار مبلول خالص دقيقة هجيبلك خمار من عندي وغطاء تقيل
تحركت هاجر إلى الداخل بينما نظرت نور حولها بقلق لكن لم تعد مرعوبة كما كانت بالأسفل وجودها مع هاجر يطمئنها قليلًا، تحسست ملابسها الداخلية لتجدها ابتلت أيضًا وهذا سيزيد نزلة الانفلونزا عليها هذا ان لم تنقلب إلى إلتهاب حاد في رئتيها، لكن لا لن تغير ملابسها في منزل غريب لا تعرفه
استندت على الحائط تشعر بدوار شديد وثقل في رأسها لتجلس على الاريكة متناسبة أنها مبتلة، تذكرت الحبوب التي أخذتها للبرد يبدو أن بها مفعول منوم كما أغلب دواء أعراض البرد ولكن ليس عليها أن تنام الآن لن ينفع
عادت هاجر ومعها خمار وغطاء ثقيل وضعته على كتفي نور لكن لن يجدي معها نفعًا طالما هي لا تزال ترتدي هذه الملابس المبلولة، غيرت نور خمارها المبتل وارتدت الذي احضرته هاجر فتساءلت الأخرى عن الذي حدث معها
وعندما قصت الأخرى عليها انقبض قلب هاجر وفكرت لوهلة أن يكون هذا السائق هو السفاح وقد أحضر نور هنا ليقتلها فكما قال سفيان السفاح موجود هنا، نفت هذا ونظرت إلى نور الخائفة قائلة :
-خلاص يا حبيبتي اهدي انتي في أمان والحمد لله ربنا حفظك منه
آماءت الأخرى حامدة ربها ثم اضافت :
-انا عايزة ارجع البيت بس مش عارفة الطريق ومستحيل أركب تاكسي تاني ومش معايا تليفوني ارن على أي حد يجي ياخدني
-طب تركبي مشروع
-ايه مشروع دِه؟؟
نطقت بها نور متعجبة فشرحت لها هاجر قائلة :
-ميكروباص يعني بس معتقدش إنك هتلاقي دلوقتي علشان المطر شديد أوي والعربيات خطر تمشي على الطريق في الوقت ده علشان كده مفيش مشروع هيخاطر بنفسه ويطلع
-طب اعمل ايه مينفعش استنى هنا
ابتسمت الأخرى متفهمة خوفها لتقول :
-نور انا عارفة إنك خايفة مني ومش واثقة فيا وده حقك علشان الدنيا دي فعلًا مبقاش فيها أمان بس انا والله ووالله تاني عمري ما هأذيكي انا بنت زي زيك واللي مش هرضاه على نفسي عمري ما هرضاه على غيري
اطمأنت نور قليلًا من حديثها هذا فأكملت الأخرى :
-استني شوية يمكن المطر يوقف ولو موقفش انا هطلب أوبر أو تاكسي وهاخدك بنفسي واوصلك البيت وارجع تاني
ابتسمت نور براحة مرددة :
-شكرًا يا هاجر هتعبك معايا
-مفيش تعب الدنيا لسه بخير يا نور بس انا عايزة تغيري هدومك المبلولة دي بدال ما تاخدي برد شديد في صدرك الجو تلج زي ما انتي شايفة
رفضت نور مرة أخرى فتنهدت هاجر مستسلمة لتقف حتى تعد لها شيئًا ساخنًا :
-هعملك حاجة سخنة تشربيها طيب
دلفت إلى المطبخ وغابت به عشر دقائق وعندما عادت وجدت رأس نور متدلي على الاريكة وغافية تمامًا وهذا بعد أن تغلب النعاس على نور، تأوهت مشفقة عليها لتعدلها على الاريكة وكادت أن تغطيها لكن نظرت إلى ملابسها المبتلة بتردد
هل تغير لها ملابسها أم ستتضايق نور لفعلها هذا وهي نائمة، هي لا تنوي لها بنية سيئة ورغم هذا غطتها ولم تفعل شئ، لقد طلبت منها ثلاث مرات وهي رفضت
وها هي تجلس على الاريكة بعد خمس ساعات من نوم نور لا تدري كيف تصل إلى أهلها الآن والأخرى لا تفيق وكأنها قد شربت قرص منوم
أستمعت إلى شرفة سفيان تُفتح فركضت إلى شرفته حتى تخبره بما دار في خلدها عن سائق سيارة الأجرة الذي كان سيختطف نور، وعندما خرجت وجدت سفيان يمسك بقطتها ويرفعها إلى الأعلى وعلى وجهه علامات التهكم :
-قطتك دي مش بتحرم تدخل بيتي اعمل فيها ايه
سحبت الأخرى قطتها منه بسرعة ضاممة إياها بخوف :
-حرام عليك ماسكها كده إزاي دي رجلها مكسورة
رفع الآخر حاجبه لا يدري لما خوفها مبالغ به ناحية هذه الهرة، أجل اوصانا سبحانه وتعالى برحمة مخلوقاته لكن خوف هاجر مبالغ به :
-انتي خايفة اوي على القطة دي كده ليه؟ يا ستي حتى لو ماتت ما فيه قطط كتير غيرها
اجابته هاجر وهي تضم الهرة وكأنها جزء من عائلتها وكم كانت نبرتها حزينة بائسة اشفق عليها سفيان وهو من تعلم من عمله عدم الإشفاق على أحد :
-علشان انا مليش حد في الدنيا غير القطة دي لا أب ولا أم ولا زوج ولا ابن ولا أهل ولا حد يسأل عليا مليش غير القطة دي بتكلم معاها أحسن ما اكلم نفسي والحيطان
ازدرق سفيان لعابها بصعوبة بسبب غصة الندم التي استحكمت حلقه وكاد أن ينسحب لولا أنها نادت عليه قائلة :
-سفيان باشا في حاجة عايزة اقولهالك تخص السفاح
انتبه لها الآخر بكل حواسه فقالت هاجر وهي تنظر إلى نور الغافية :
-انا صاحبتي كانت هتتخطف النهاردة في تاكسي والسواق جابها على هنا بس هي عورته في رقبته ونزلت قبل ما يعمل فيها حاجة
-انا مش فاهم عايزة تقولي اني السواق ده هو السفاح وكان جايب صاحبتك على هنا علشان يقتلها
آماءت له الأخرى بسرعة فقال سفيان مستبعدًا هذا الأمر :
وليه متقوليش كان عايز يخطفها فعلًا، اصل مفيش حد في سكان المنطقة دي معاه تاكسي
-وليه ميطلعش هو، انت عارف لو هو، صاحبتي هتبقى هي الوحيدة اللي عارفة شكل السفاح
فكر سفيان في الأمر قليلًا، كل شئ وارد ولن يخسر شيئًا إن أتى بهذا السائق من خلال صديقتها التي تعرف شكله لربما يكون هو السفاح بالفعل :
-طب صاحبتك دي فين؟؟
-اهي نايمة ثواني بتتكلم شكلها فاقت
دلفت هاجر بينما ظل سفيان يقف في الشرفة مستندًا بذراعيه على السور يفكر في الأمر بشكل جدي، بدأت هذه المهمة تأخذ وقتًا أكثر من اللازم وهو يجب أن ينهيها في أسرع وقت
عادت هاجر متسعة العينين فقال سفيان متوقعًا كارثة قد حدثت :
-ايه البنت ماتت ولا ايه؟!
-لا دي سخنة نار جسمها بيتنفض من السخونة
-خلاص اعملي كمادات ليها مالك مخضوضة كده ليه؟؟
صاحت به الأخرى لا تفهم بروده هذا :
-انت اللي مالك بارد كده ليه بقولك البنت بتموت جوا وانا أقول دي بقالها خمس ساعات نايمة ليه اتراي البنت بتفيص مني
قلب الآخر عينيه مجيبًا عليها إذ قال :
-خلاص خديها المستشفى
-ماشي بس اخدها ازاي مش هعرف اشيلها
-اشيلهالك انا يعني!؟
-لأ برضو مش هينفع حرام
صاح بها سفيان وقد بدأ يفقد اعصابه منها :
-طب اعملك ايه انا دلوقتي
وعندما صاح بها بهذه الطريقة صاحت به بشكل لا إرادي :
-متزعقش فيا بقولك البنت بتموت جوا المفروض تتصرف مش انت ظابط والشرطة في خدمة الشعب
اصمتها الآخر بسرعة ينظر حوله قِلقًا من أن يسمعها أحد :
-اسكتي يخربيتك هتفضحينا
وضعت الأخرى كفيها على فمها خوفًا من نظرته المخيفة هذه ليقول الآخر وهو يعود إلى الداخل مسلمًا الأمر :
افتحي الباب هاخدها المستشفى
عاد بسرعة قبل أن يدلف متسائلًا عن هوية الفتاة :
