رواية أصل وصورة الفصل السادس عشر 16 بقلم صافيناز يوسف
الفصل السادس عشر
أنا أحبك يا سيفا أسال دمي
يا قصة لست أدري ما أسميها
أنا أحبك حاول أن تساعدني
فإن من بدأ المأساة ينهيها
وإن من فتح الأبواب يغلقها
وإن من أشعل النيران يطفيها
نزار القباني
وقفوا جميعا امام بوابة غرفة العمليات ينتظرون خروج ماري.. قال هاشم لليان: اذهبي الى ليلى حتى لا تقلق..
هزت ليان رأسها وذهبت الى غرفة ليلى .، وما ان اقتربت منها حتى رآها عاصم الذي كان يمكث مع ليلى..
فاقترب من ليلى وهو يقول بلطف: حسنا يا صغيرتي اريدك ان تكوني قوية لاجلي..
نظرت له ليلى بتعب .. وهمت بالكلام ولكن عاصم اشار لها خفية ان ليان تسمع ما يقولونه.. فصمتت وهي تمط شفتيها غاضبة.. كانت تشعر ان كلمات عاصم المعسولة لها ذنب وخيانة لسامر وليان رغم علمها ان هذا تمثيل.، منذ ان احبت سامر وهي تمقت كلمات الغزل من اي رجل غيره..
دخلت ليان الغرفة وعيناها تشتعل بالغيرة.. الغيرة التي دفعتها لتقول لشقيقتها: هل نسيت سامر بهذه السرعة..
امتتق وجه ليلى .. ونظرت بتردد لعاصم.. همت ان تفضح السر لتريح اختها من هذا العذاب ولكنها صمتت عندما قام عاصم بالرد بدلا منها: انا الآن خطيبها .. كيف تجرؤين على ذكر رجلا اخر امامي..
رفعت ليان حاجبها بتحد وقالت : لم اوجه لك اي كلمة يا سيد عاصم .. انا احدث اختي واعرف تماما انها تستطيع التحدث..
عقدت ذراعيها امام صدرها .. ووجهت نظرات متحدية لهما.. فقال عاصم بحزم: الا ترين ان هذا ليس وقت هذا الحديث.. ليلى سيتم تحضيرها لنقل النخاع وهذا يتطلب دعمنا جميعا..
اعادتها كلماته الى رشدها .. فقد نسيت في غمرة الغيرة الحارقة وضع اختها الصحي. .
قالت باستسلام: انت محق. . لقد تهورت كالعادة..
ثم اقتربت من ليلى وعانقتها بحب وهي تعتذر: انا اسفة يا ليلى.. والان يجب ان تفرحي ففي غضون ساعة ستنتهي الامك..
نزلت دموع ليلى التي كانت تحبسها .. وقالت في نفسها " اه لو تعلمين "
قالت ليان لعاصم: سأتركك معها واخرج قليلا..
خرجت من الغرفة تلوم نفسها على تهورها.، تهورها واندفاعها الذي دائما يؤذي ليلى. .
اما ليلى فالتفتت الى عاصم ودموعها تنساب وتقول: ارجوك يا عاصم الامر صعب.. لا استطيع خداع اختي اكثر من هذا.. اخرجني انا من هذه اللعبة..
ربت عاصم على كتفها وهو يقول: لا تقلقي لن يكون هناك مشاهد اخرى..
سمعا صوتا من خلفها فالتفتا سريعا ليصيح عاصم : ما الذي اتى بك.
...............................
عن،ما عادت ليان لهاشم امام غرفة العمليات وجدت الغرفة تفتح ويخرج منها السرير المتحرك الذي يقل ماري.، كانت ماري مغمضة العينين في تعب.. فسبقوا الممرضات الى الغرفة بادرت ليان بفتح باب الغرفة.. حمل الممرضات ماري ووضعوها على فراش المشفى..
قال لهم هاشم بذعر: لماذا لم تفق..
قالت الممرضة ببرود: لقد تمت افاقتها في غرفة الافاقة هي فقط متعبة..
وخرجن جميعا من الغرفة .. جلس هاشم بجوار ماري .. امسك يدها يعانقها بيده .. وهمس لها: ماري حبيبتي هل تسمعيني..
انتظر قليلا بلا ردة فعل منها.. وحينما فقد الامل وهم بالهمس مرة اخرى .، شعر بضغطة خفيفة على يده.. فدق قلبه فرحا وهمس مرة اخرى : عودي الي يا حبيبتي انا بدونك لا شيء.. شعر بقبضتها تضغط على يده..
فقال بحب: هيا افتحي عينيك حتى يطمئن قلبي.، رف جفناها رفات متتالية وشعر انها تقاوم لتفتح عينيها وبردت يدها بين يديه.. فتسارعت دقات قلبه والتفت ليجد ليان تجلس بتعب تراقبه وهو يحاول افاقتها فهتف بها: استدعي الطبيب بسرعة..
خرجت ليان بسرعة وقلبها يدق بخوف على والدتها.. قابلت الممرضة فشرحت لها الحالة.. فاسرعت الممرضة بأخذ جهاز الضغط .. وركضت الى الغرفة.. وضعت جهاز الضغط حول ذراع ماري وضغطت بعض الازرار .. لتتوالى بضع ارقام على الشاشة ثم تظهر القراءة 60/30 .. شهقت الممرضة ثم قامت بخفض مستوى الفراش من عند الرأس ورفعه من عند الساقين .. وخرجت مسرعة لتعود حاملة محلول ملحي ليرتفع الضغط حتى لا تدخل ماري في غيبوبة وقامت بتركيبه بسرعة وكفاءة..
اتى الطبيب اخيرا.. فامسك يد ماري وحاول قياس نبضها.. ثم قال لهاشم : لا تقلق يا سيدي دقائق ويرتفع الضغط وتستطيع فتح عينيها.. وهذا طبيعي بالنسبة لحالتها..
تساءل هاشم: حالتها؟ تقصد سنها..
قال الطبيب بهدوء: لا يا سبدي اقصد انها حامل في ثلاثة اسابيع.. وقد اخبرتها صباحا وهي التي اصرت على اجراء العملية في موعدها..
فقد هاشم اعصابه وصاح في وجه الطبيب: كيف تجرؤ على فعل هذا .. اذا حدث شيء لها او للجنين فسأحملك المسؤولية كاملة..
قال الطبيب بهدوء من اعتاد على مثل هذه المواقف: اهدأ يا سيد هاشم.. انا كنت رافض ان تدخل غرفة العمليات بحالتها هذه ولكنها كانت مصرة بشدة لتنقذ ابنتها..
نظر له هاشم نظرات نارية وامسك بتلابيبه وهو يقول: لو حدث لها شيء سأقتلك..
هتفت ليان وهي تبكي: ارجوك يا ابي اتركه .. ارجوك يا ابي امي تحتاجنا بجوارها في هذا الوقت..
قاطعهم تأوه ضعيف صادر من ماري خلفهم.. فترك هاشم الطبيب بسرعة والتفت لها وامسك يدها بشوق وهو يقول بلوعة: ارجوك يا حبيبتي عودي الي..
كانت ماري تسمعهم.. وتود ان تتحدث وتفتح عينيها لتهدئ من روع هاشم .. ولكنها كانت تشعر انها فقدت السيطرة على على شفتيها ولسانها فلم تعد تستطيع تحريكهم لتتكلم.. وشعرت ان هناك حمل ثقيل على جفنيها فلم تعد تستطيع فتحهما.. عندما بظأ المحلول الملحي يسري في اوصالها شعرت انها تتحرر .. شعرت ان صوتها تحرر فتأوهت لتلفت نظر هاشم.. وبالفعل سمعته يهمس لها .. فتسارعت دقات قلبها .. وشعرت بانها تستطيع فتخ عينيها بسهولة.. فرفت جفنيها ثم فتحت عينيها بهدوء .. وهمست له : لا تقلق يا حبيبي انا بخير..
رفع هاشم رأسه وقال فرحا: حمدا لله يا حبيبتي .. لماذا فعلت ذلك؟ لماذا ؟ كنت ستقتلين نفسك وتقتلين طفلنا؟
قالت ماري بتعب: انا لست مهمة واما طفلنا هذا فهو الان مجرد كتلة من الدم لم يصبح طفلا بعد.. ليلى اهم منه .. لو خيروني بين طفل لم يأت بعد وبين شابة كبيرة كادت ان تصبح عروس لاخترت الفتاة بلا تردد..
ضغط هاشم كفها وهو يقول : لقد خفت عليك بشدة..
راقبت ليان همساتهما .. دمعت عيناها وهي تتساءل هل يمكن يوما ان يحبها عاصم هذا الحب.. انسحبت بهدوء تاركة اياهم يتناجون سويا كالعصافير وخرجت لتلقي نظرة على ليلى لتشرف على تجهيزها..
.........................
وقف عاصم وهو يراقب الممر بتوتر.. ثم التفت الى سامر وليلى وهويقول لائما: هلا انتهيت يا روميو.. ليان ستأتي وستنكشف اللعبة..
فالت ليلى بتذمر: فلتنكشف يا عاصم.. كفى عذابا.. ليان لا تستحق منا هذا..
وقال سامر : انا ايضا تحرقني الغيرة عندما اتصور انك تغازل ليلى..
قال عاصم بحدة: ستنتهى اللعبة قريبا لا تقلقوا..
وخارج الغرفة وقفت ليان متجمدة وهي تستمع لحديثهم..
سمعت ليلى تقول: ارجوك سامحها يا عاصم انها تحبك. . وانت ايضا تحبها..
لتسمع عاصم يرد بحدة: نعم أحبها. . بل اعشقها .. ولكن..
صاح سامر: لا يوجد لكن.. انه هذا الوضع يا عاصم..
قال عاصم وهويزفر بحدة: حسنا .. حسنا والان هيا اخرج قبل مجئ احد..
تراجعت ليان واخفت نفسها خلف احد الديكورات.. خرج عاصم مع سامر .. فقال سامربقلق: اريد ان اظل حتى تبدأ عملية النقل..
قال عاصم وهو يربت على كتفه: اهدأ يا صديقي العملية ليست خطيرة .. فسيقوم الاطباء بنققل النخاع لها مثلما تتم عملية نقل الدم تماما .. ولكن ستكون في غرفة معزولة ومعقمة وقت النقل وايضا بعده باسبوعين لانهم يقومون بتخفيض مناعتها تماما حتى لا تقوم مناعتها بطرد النخاع الجديد.. فلا تقلق.. ستكون بخير..
تزمر سامر قليلا ولكنه قال باستسلام: حسنا .. سأغادر الان ولكني سآتي غدا في ميعاد الزيارة..
اختفى صوتيهما تدريجيا .. وخرجت ليان من مخبأها وهي تبتسم بمكر.. لقد سمعت بأذنها اعترافه بعشقها.. تأكدت انه لها وانه فقط يعاقبها.. قالت في نفسها: " حسنا يا حبيبي .. لن اتوانى حتى تقولها لي بنفسك.. "
نظرت لغرفة شقيقتها وابتسمت .. تود لو ذهبت لها وعانقتها..ولكن هذا سيفسد خطتها.. دخلت الغرفة لتجد ليلى في حالة من الحزن الشديد.. اقتربت منهاوهي تقول: ماذا بك يا ليلى..
نظرت لها ليلى وهي تكاد تبكي: لا شيء. .
كانت تشعر بالذنب.. تريد ان تصارح ليان بخطة عاصم ولكنها تفضل ان يأتي الامر منه.. تنهدت وقالت وهي تحاول صرف الموضوع عن ذهنها: من الذي تبرع لي بنخاعه.. هل هو شخص غريب ام..
ثم نظرت حولها بحيرة وقالت: اين امي .. لماذا لم تأت اليوم ولماذا لم تعودي للبيت ككل يوم..
صمتت ليان فقد وعدت ماري الا تخبر ليلى انها المتبرعة..
قالت ليلى بالحاح: اين امي يا ليان؟ هل هي ..
صمتت وقد اتسعت عيناها من هول الفكرة.. ربتت ليان على كتفها وهي تقول: اهدأي يا ليلى..
قاطعها دخول ممرضتين مبتسمتين واحداهما تقول: هيا بنا يا انسة ليلى..
قالت ليلى بتوتر: امهلوني ثواني..
ثم توجهت لليان وقالت: امي هي التي تبرعت لي بالنخاع .. صحيح..
هزت ليان رأسها بتردد.. فصاحت ليلى : ولكن سنها لا يسمح..
خرجت من الغرفة مسرعة وخلفها ليان تصيح بها: ليلى انتظري ارجوك..
صاحت ليلى وهي تبكي: لابد ان اطمئن عليها ..
اسرعت ليان من خطواتها حتى سارت بمحاذاتها وقالت: حسنا.. سأوصلك لها .،
كانت ليان تعرف ان ليلى لن تهدأ حتى ترى ماري وتطمئن انها بخير.. فآثرت ان توصلها بنفسها بعد ان اعتذرت للممرضتين واخبرتهما انها ستأتي بها بعد دقائق..
ساروا في ممر المشفى وليلى تشعر انه بلا نهاية.، كانت تشعر بالخوف على والدتها.، دعت الله ان تكون بخير.. فقد وجدتها للتو.. همست " يا الهي .. لا اريد ان افقدها"
قالت لليان وهي تلهث: اين الغرفة ..
اشارت لها ليان على الغرفة .. فركضت بتعب اليها .. وقفت برهة على باب الغرفة تستعيد انفاسها ثم دخلت .. ارتمت على صدر ماري وهي تهتف باكية: امي .. امي.. لماذا فعلت ذلك وانت تعرفين خطورة سحب عينة النخاع عليك..
فتحت ماري عينيها ببطء ونظرت لليان التي كانت تقف عل باب الغرفة بلوم. . ربتت على كتف ليلى وهي تقول: حبيبتي لا تقلقي انا بخير تماما..
رفعت ليلى رأسها وتحسست وجه والدتها وما زالت الدموع في عينيها وقالت: تبدين تعبة..
قالت ماري كاذبة : فقط اثر المخدر وسيزول قريبا..
ضمتها لصدرها بحنان وهي تملس على شعرها وتهمس لها: حبيبتي اذهبي الان لتبدأ عملية الزرع..
هزت ليلى رأسها بتردد .. وضمت ماري ضمة أخيرة افرغت فيها توترها وقلقها.. ثم قامت وقالت لليان بوجه مبتسم: هيا يا ليان..
تأبطت ليان ذراعها بدون اي كلمة.. والقت نظرة اخيرة على ماري التي اغمضت عينيها بتعب فقد عاد الدوار يلفها..
.............................................؟.؟.......
في احد المناطق البعيدة عن الشركة .. وقفت سيارة سلوى .. وجلست هي خلف المقود مرتدية نظارة سوداء كبيرة.. وتدق على مقود السيارة بتوتر.. تنظر الى الطريق خلفها عن طريق المرآة الخلفية .. ثم تعاود النظر امامها.. بدا انها تنتظر احدهم.. تنفست الصعداء عندما رأته اتيا من خلفها .. كان سعيد المدير المالي لشركة هاشم .. اقترب بسيارته من سيارتها .. وتوقف على مقربة منها.. ثم خرج ومعه حقيبة اوراق صغيرة.. عدلت نظارتها ووفتحت باب السبارة فركب بجوارها..
قالت بلهفة: ها.. هل حصلت على كل المعلومات؟
قال بغرور: بالطبع يا سبدتي..
ثم اشار بحقيبة الاوراق.. واستطرد: في هذه الحقيبة صورة من الاوراق المقدمة في المناقصة.. انا بنفسب راجعتها ووضعتها في المظروف تمهيدا لارسالها..
ابتسمت وهي تمد يدها لاخذ الحقيبة.. ليبعدها عن يدها بسرعة ويقول بمكر: عمولتي اولا..
ابتسمت بسخرية،. فقد كان ككثير من الفاسدين.. ممن يسكتون ضمائرهم بتغيير مسمى الاشياء .. فالزنا علاقة او نزوة .. والرشوة عمولة او اكرامية .. وخيانة العهد والكذب مجاملات واعمال خاصة..
فتحت درج السيارة واخرجت منه رزمة نقود.. سال لعاب سعيد عليها .. اخذها منها بسرعة وهو يحاول عدها بعينيه.. وقال بجشع: كم هذه؟
قالت : عشرة آلاف جنيه..
قطب حاجبيه بضيق وهو يقول: والباقي يا سيدتي.، لاحظ اني كنت سأضحي بمستقبلي الوظيفي لاجلك.. اتدرين ماذا سيفعل بي السيد هاشم اذا علم بفعلتي..
رفعت حاجبها وهي تقول بكبرياء: لا تنسى انها شركتي أيضا. . انما اريد فقط ان اضغط على عاصم وهاشم لتعود حصتي لما كانت عليه بعد ان تقلصت عقب توسيع الشركة وزيادة رأس المال من قبل عاصم..
ثم نظرت اليه وهي ترف بجفنيها بدلال: لا تقلق يا عزيزي .. ستأخذ باقي عمولتك بعد اتمام الصفقة .. وعندما تعود الامور لنصابها الصحيح وتعود لي مكانتي في الشركة سأقوم بترقيتك .. فانا لا انسى المخلصين معي..
ابتسم سعيد في جشع.. وقال وعيناه تلمعان: حسنا يا سيدتي. .
ثم فتح باب السيارة واستطرد: سأغادر انا الآن ..
هزت رأسها وادارت محرك السيارة .. وعندما خرج من السيارة واغلق بابها انطلقت بسيارتها بسرعة تسابق الريح الى حيث ينتظرها فهمي السمري في شقة صغيرة بجوار الشركة.. كانت تبدو انه يتخذها مكانا لممارسة نزواته بعيدا عن عين زوجته.. اذ وجدت فيها المرة السابقة مجموعة مختلفة من ملابس النوم الحريمي ومنشطات وغيرها من لوازم السهرات المشبوهة.. صعدت في المصعد وهي تبتلع غصة في حلقها.. كان يلتقيها هنا كما العاهرات التي اعتاد ملاقاتهن في هذا المكان الذي تفوح من اركانه رائحة الرذيلة النتنة.. نظرت لنفسها في مرآة المصعد.. وقالت في نفسها: ها انت يا سلوى تساويت بالعاهرات..
بالاخير لقد تزوجها بورقة عرفية وقع عليها شاهدين لا تعرفهما .. اهذه الورقة هي التي تنفي عنها صفة العهر التي تلبستها منذ ان عرضت عليه هذه الصفقة الحقيرة..
وصل المصعد اخيرا الى الطابق المطلوب.. فالقت نظرة اخيرة على هندامها في المرآة .. وخرجت من المصعد متجهة الى الشقة.. طرقت الباب .. فلم يعطيها مفتاحا.. لم يعتد الثقة بالعاهرات..
انتظرت قليلا ثم فتح فهمي الباب مرتديا رداء من الحرير يغطي حسده المترهل العاري تحته.. ارتسمت ابتسامة لزجة على وجهه وهو يقول بصوت كالفحيح: لقد تأخرت.. انتظرتك طويلا..
ثم شدها ليدخلها ويغلق الباب .. وهو يأخذ منها حقيبة الاوراق ويلقيها بأهمال على احد المناضد ويقول بمكر: لقد انهيت الجزء الخاص بك من الصفقة وهذا يستحق الاحتفال..
ثم امسك يدها وسحبها الى حيث غرفة النوم .. ليتصاعد مجددا احساسها بانها بالنسبة له مجرد.. عاهرة...
..................................
مر حوالي اسبوع بعد ان تم زرع النخاع لليلى،. وضعت بعده في غرفة عزل.. ممنوع زيارتها الا من خلال الزجاج.. حيث كانت غرفة العزل عبارة عن غرفة ذات نافذة كبيرة من الزجاج تستطيع ليلى ان تراهم ويروها ولكن بدون تلامس واختلاط تجنبا للعدوى.. فقد تم خفض مناعة جسدها للغاية حتى لا تحارب مناعتها النخاع الجديد.. كان هذا الاجراء يستبغرق اسبوعين..
كانت ليلى تشعر بالضجر الشديد.. فهي لا ترى سوى الاطباء والممرضات وجميعهم يأتون وهم يرتدون عدة التعقيم كاملة من قناع وقفاز وواقي حذاء..
صحيح ان ليان احضرت لها بعض الكتب والروايات التي تعرف ان ليلى ستلتهمهم التهاما.. فهي عاشقة للقراءة وخصوصا الروايات الرومانسية الحالمة.. ولكنها ملت من كل شيء من البياض حولها ومن الاطباء وحتى من الكتب..
سمعت طرقات على الزجاج.. فالتفتت والتمعت عيناها عندما رأت سامر.، جاء في موعده كالعادة .. قبل ان تأتي ليان حتى لا تنكشف لعبة عاصم .. ورغم رفضهم للامر الا ان ليلى كانت مندهشة من برود ليان.. وتشعر الأمر به شيء ما..
وضع يده على الزجاج.. فوضعت يدها الصغيرة في الجهة المقابلة ليده .. ثم نفخت على الزجاج وكتبت.. افتقدتك كثيرا..
فحرك شفتيه وهو ينظر لها بعشق: وانا ايضا..
ابتسمت عندما قرأت حركة شفتاه.. وامسكت الهاتف تبعث له رسالة وتقول: انا ضجرة هنا للغاية يا حبيبي..
فرد عليها برسالة اخرى: لم يعد امامنا الكثير مر اسبوع وباقي اخر وتخرجي معافاة بإذنالله. .
مطت شفتيها بضيق وهي تنظر له .. فابتسم لها وكتب بسرعة: لا تنظري كالطفلة الغاضبة هكذا والا هدمت كل الاسوار بيننا وقفزت الى داخل الحجرة لاصالح طفلتي الصغيرة الحزينة،..
قرأت الرسالة وابتسمت عابثة وهي تقول: ايها المجنون..
كتب : مجنون بحبك..
نظرت له ووجنتاها تتوردان خجلا.. لتشتبك نظراتهما معا.. ويغوصا في عالم الحب الوردي لثواني قليلة.. انتزعهما منه طرقات على الزجاج.. فالتفتا في حدة ليجدا عاصم يصفر باحد الاحان الرومانسية.. فقال سامر بضيق: اهلا..
ابتسم عاصم وهو يقول: اشعر اني متطفل..
ليرد سامر بسخرية: تشعر فقط..
قهقه عاصم وهو ينقل بصره بتسلية بين ليلى المتوردة خجلا وسامر المستشيط غضبا.. ثم نظر في ساعته وهو يقول: حسنا يا سيد روميو وقتك انتهى فليان على وشك الحضور،.
قال سامر بتأفف: لا ادري كيف اقنعتني بقبول هذه اللعبة..
ليرد عاصم ساخرا: لدي سحري الخاص.. ثم نظر في ساعته وهو يقول هيا الآن.. فقال سامر حسنا سأغادر.. ولكني جلبت بضع ادوات للرسم لليلى.. فقد شعرت انها ضجرت والرسم هو الشيء الوحيد الذي تستغرق فيه وتنسى تعبها.. رفع ادوات الرسم امامها.. ففرحت كثير فلطالما كان الرسم متنفسها الذي تفرغ فيه مشاعرها السلبية من خوف والام الفقد الاحباط والآن الضجر..
اشار لها بيديه وغادر ببطء وكانما لا يريد ان يغادرها. . يريد لو بقى بجوارها طول العمر..
وقف عاصم بمفرده في الممر وجلست ليلى على فراش المشفى.. تضع ذقنها على ركبتيها اللتين تضمهما بيديها.. ساد الصمت على الممر فترة قصيرة لتقطعه ليان التي دخلت في صخب.. لتشتعل عينا عاصم وهو يراها تتأبط ذراع شاب ما وعيناها تتراقصان جزلا..
........
أنا أحبك يا سيفا أسال دمي
يا قصة لست أدري ما أسميها
أنا أحبك حاول أن تساعدني
فإن من بدأ المأساة ينهيها
وإن من فتح الأبواب يغلقها
وإن من أشعل النيران يطفيها
نزار القباني
وقفوا جميعا امام بوابة غرفة العمليات ينتظرون خروج ماري.. قال هاشم لليان: اذهبي الى ليلى حتى لا تقلق..
هزت ليان رأسها وذهبت الى غرفة ليلى .، وما ان اقتربت منها حتى رآها عاصم الذي كان يمكث مع ليلى..
فاقترب من ليلى وهو يقول بلطف: حسنا يا صغيرتي اريدك ان تكوني قوية لاجلي..
نظرت له ليلى بتعب .. وهمت بالكلام ولكن عاصم اشار لها خفية ان ليان تسمع ما يقولونه.. فصمتت وهي تمط شفتيها غاضبة.. كانت تشعر ان كلمات عاصم المعسولة لها ذنب وخيانة لسامر وليان رغم علمها ان هذا تمثيل.، منذ ان احبت سامر وهي تمقت كلمات الغزل من اي رجل غيره..
دخلت ليان الغرفة وعيناها تشتعل بالغيرة.. الغيرة التي دفعتها لتقول لشقيقتها: هل نسيت سامر بهذه السرعة..
امتتق وجه ليلى .. ونظرت بتردد لعاصم.. همت ان تفضح السر لتريح اختها من هذا العذاب ولكنها صمتت عندما قام عاصم بالرد بدلا منها: انا الآن خطيبها .. كيف تجرؤين على ذكر رجلا اخر امامي..
رفعت ليان حاجبها بتحد وقالت : لم اوجه لك اي كلمة يا سيد عاصم .. انا احدث اختي واعرف تماما انها تستطيع التحدث..
عقدت ذراعيها امام صدرها .. ووجهت نظرات متحدية لهما.. فقال عاصم بحزم: الا ترين ان هذا ليس وقت هذا الحديث.. ليلى سيتم تحضيرها لنقل النخاع وهذا يتطلب دعمنا جميعا..
اعادتها كلماته الى رشدها .. فقد نسيت في غمرة الغيرة الحارقة وضع اختها الصحي. .
قالت باستسلام: انت محق. . لقد تهورت كالعادة..
ثم اقتربت من ليلى وعانقتها بحب وهي تعتذر: انا اسفة يا ليلى.. والان يجب ان تفرحي ففي غضون ساعة ستنتهي الامك..
نزلت دموع ليلى التي كانت تحبسها .. وقالت في نفسها " اه لو تعلمين "
قالت ليان لعاصم: سأتركك معها واخرج قليلا..
خرجت من الغرفة تلوم نفسها على تهورها.، تهورها واندفاعها الذي دائما يؤذي ليلى. .
اما ليلى فالتفتت الى عاصم ودموعها تنساب وتقول: ارجوك يا عاصم الامر صعب.. لا استطيع خداع اختي اكثر من هذا.. اخرجني انا من هذه اللعبة..
ربت عاصم على كتفها وهو يقول: لا تقلقي لن يكون هناك مشاهد اخرى..
سمعا صوتا من خلفها فالتفتا سريعا ليصيح عاصم : ما الذي اتى بك.
...............................
عن،ما عادت ليان لهاشم امام غرفة العمليات وجدت الغرفة تفتح ويخرج منها السرير المتحرك الذي يقل ماري.، كانت ماري مغمضة العينين في تعب.. فسبقوا الممرضات الى الغرفة بادرت ليان بفتح باب الغرفة.. حمل الممرضات ماري ووضعوها على فراش المشفى..
قال لهم هاشم بذعر: لماذا لم تفق..
قالت الممرضة ببرود: لقد تمت افاقتها في غرفة الافاقة هي فقط متعبة..
وخرجن جميعا من الغرفة .. جلس هاشم بجوار ماري .. امسك يدها يعانقها بيده .. وهمس لها: ماري حبيبتي هل تسمعيني..
انتظر قليلا بلا ردة فعل منها.. وحينما فقد الامل وهم بالهمس مرة اخرى .، شعر بضغطة خفيفة على يده.. فدق قلبه فرحا وهمس مرة اخرى : عودي الي يا حبيبتي انا بدونك لا شيء.. شعر بقبضتها تضغط على يده..
فقال بحب: هيا افتحي عينيك حتى يطمئن قلبي.، رف جفناها رفات متتالية وشعر انها تقاوم لتفتح عينيها وبردت يدها بين يديه.. فتسارعت دقات قلبه والتفت ليجد ليان تجلس بتعب تراقبه وهو يحاول افاقتها فهتف بها: استدعي الطبيب بسرعة..
خرجت ليان بسرعة وقلبها يدق بخوف على والدتها.. قابلت الممرضة فشرحت لها الحالة.. فاسرعت الممرضة بأخذ جهاز الضغط .. وركضت الى الغرفة.. وضعت جهاز الضغط حول ذراع ماري وضغطت بعض الازرار .. لتتوالى بضع ارقام على الشاشة ثم تظهر القراءة 60/30 .. شهقت الممرضة ثم قامت بخفض مستوى الفراش من عند الرأس ورفعه من عند الساقين .. وخرجت مسرعة لتعود حاملة محلول ملحي ليرتفع الضغط حتى لا تدخل ماري في غيبوبة وقامت بتركيبه بسرعة وكفاءة..
اتى الطبيب اخيرا.. فامسك يد ماري وحاول قياس نبضها.. ثم قال لهاشم : لا تقلق يا سيدي دقائق ويرتفع الضغط وتستطيع فتح عينيها.. وهذا طبيعي بالنسبة لحالتها..
تساءل هاشم: حالتها؟ تقصد سنها..
قال الطبيب بهدوء: لا يا سبدي اقصد انها حامل في ثلاثة اسابيع.. وقد اخبرتها صباحا وهي التي اصرت على اجراء العملية في موعدها..
فقد هاشم اعصابه وصاح في وجه الطبيب: كيف تجرؤ على فعل هذا .. اذا حدث شيء لها او للجنين فسأحملك المسؤولية كاملة..
قال الطبيب بهدوء من اعتاد على مثل هذه المواقف: اهدأ يا سيد هاشم.. انا كنت رافض ان تدخل غرفة العمليات بحالتها هذه ولكنها كانت مصرة بشدة لتنقذ ابنتها..
نظر له هاشم نظرات نارية وامسك بتلابيبه وهو يقول: لو حدث لها شيء سأقتلك..
هتفت ليان وهي تبكي: ارجوك يا ابي اتركه .. ارجوك يا ابي امي تحتاجنا بجوارها في هذا الوقت..
قاطعهم تأوه ضعيف صادر من ماري خلفهم.. فترك هاشم الطبيب بسرعة والتفت لها وامسك يدها بشوق وهو يقول بلوعة: ارجوك يا حبيبتي عودي الي..
كانت ماري تسمعهم.. وتود ان تتحدث وتفتح عينيها لتهدئ من روع هاشم .. ولكنها كانت تشعر انها فقدت السيطرة على على شفتيها ولسانها فلم تعد تستطيع تحريكهم لتتكلم.. وشعرت ان هناك حمل ثقيل على جفنيها فلم تعد تستطيع فتحهما.. عندما بظأ المحلول الملحي يسري في اوصالها شعرت انها تتحرر .. شعرت ان صوتها تحرر فتأوهت لتلفت نظر هاشم.. وبالفعل سمعته يهمس لها .. فتسارعت دقات قلبها .. وشعرت بانها تستطيع فتخ عينيها بسهولة.. فرفت جفنيها ثم فتحت عينيها بهدوء .. وهمست له : لا تقلق يا حبيبي انا بخير..
رفع هاشم رأسه وقال فرحا: حمدا لله يا حبيبتي .. لماذا فعلت ذلك؟ لماذا ؟ كنت ستقتلين نفسك وتقتلين طفلنا؟
قالت ماري بتعب: انا لست مهمة واما طفلنا هذا فهو الان مجرد كتلة من الدم لم يصبح طفلا بعد.. ليلى اهم منه .. لو خيروني بين طفل لم يأت بعد وبين شابة كبيرة كادت ان تصبح عروس لاخترت الفتاة بلا تردد..
ضغط هاشم كفها وهو يقول : لقد خفت عليك بشدة..
راقبت ليان همساتهما .. دمعت عيناها وهي تتساءل هل يمكن يوما ان يحبها عاصم هذا الحب.. انسحبت بهدوء تاركة اياهم يتناجون سويا كالعصافير وخرجت لتلقي نظرة على ليلى لتشرف على تجهيزها..
.........................
وقف عاصم وهو يراقب الممر بتوتر.. ثم التفت الى سامر وليلى وهويقول لائما: هلا انتهيت يا روميو.. ليان ستأتي وستنكشف اللعبة..
فالت ليلى بتذمر: فلتنكشف يا عاصم.. كفى عذابا.. ليان لا تستحق منا هذا..
وقال سامر : انا ايضا تحرقني الغيرة عندما اتصور انك تغازل ليلى..
قال عاصم بحدة: ستنتهى اللعبة قريبا لا تقلقوا..
وخارج الغرفة وقفت ليان متجمدة وهي تستمع لحديثهم..
سمعت ليلى تقول: ارجوك سامحها يا عاصم انها تحبك. . وانت ايضا تحبها..
لتسمع عاصم يرد بحدة: نعم أحبها. . بل اعشقها .. ولكن..
صاح سامر: لا يوجد لكن.. انه هذا الوضع يا عاصم..
قال عاصم وهويزفر بحدة: حسنا .. حسنا والان هيا اخرج قبل مجئ احد..
تراجعت ليان واخفت نفسها خلف احد الديكورات.. خرج عاصم مع سامر .. فقال سامربقلق: اريد ان اظل حتى تبدأ عملية النقل..
قال عاصم وهو يربت على كتفه: اهدأ يا صديقي العملية ليست خطيرة .. فسيقوم الاطباء بنققل النخاع لها مثلما تتم عملية نقل الدم تماما .. ولكن ستكون في غرفة معزولة ومعقمة وقت النقل وايضا بعده باسبوعين لانهم يقومون بتخفيض مناعتها تماما حتى لا تقوم مناعتها بطرد النخاع الجديد.. فلا تقلق.. ستكون بخير..
تزمر سامر قليلا ولكنه قال باستسلام: حسنا .. سأغادر الان ولكني سآتي غدا في ميعاد الزيارة..
اختفى صوتيهما تدريجيا .. وخرجت ليان من مخبأها وهي تبتسم بمكر.. لقد سمعت بأذنها اعترافه بعشقها.. تأكدت انه لها وانه فقط يعاقبها.. قالت في نفسها: " حسنا يا حبيبي .. لن اتوانى حتى تقولها لي بنفسك.. "
نظرت لغرفة شقيقتها وابتسمت .. تود لو ذهبت لها وعانقتها..ولكن هذا سيفسد خطتها.. دخلت الغرفة لتجد ليلى في حالة من الحزن الشديد.. اقتربت منهاوهي تقول: ماذا بك يا ليلى..
نظرت لها ليلى وهي تكاد تبكي: لا شيء. .
كانت تشعر بالذنب.. تريد ان تصارح ليان بخطة عاصم ولكنها تفضل ان يأتي الامر منه.. تنهدت وقالت وهي تحاول صرف الموضوع عن ذهنها: من الذي تبرع لي بنخاعه.. هل هو شخص غريب ام..
ثم نظرت حولها بحيرة وقالت: اين امي .. لماذا لم تأت اليوم ولماذا لم تعودي للبيت ككل يوم..
صمتت ليان فقد وعدت ماري الا تخبر ليلى انها المتبرعة..
قالت ليلى بالحاح: اين امي يا ليان؟ هل هي ..
صمتت وقد اتسعت عيناها من هول الفكرة.. ربتت ليان على كتفها وهي تقول: اهدأي يا ليلى..
قاطعها دخول ممرضتين مبتسمتين واحداهما تقول: هيا بنا يا انسة ليلى..
قالت ليلى بتوتر: امهلوني ثواني..
ثم توجهت لليان وقالت: امي هي التي تبرعت لي بالنخاع .. صحيح..
هزت ليان رأسها بتردد.. فصاحت ليلى : ولكن سنها لا يسمح..
خرجت من الغرفة مسرعة وخلفها ليان تصيح بها: ليلى انتظري ارجوك..
صاحت ليلى وهي تبكي: لابد ان اطمئن عليها ..
اسرعت ليان من خطواتها حتى سارت بمحاذاتها وقالت: حسنا.. سأوصلك لها .،
كانت ليان تعرف ان ليلى لن تهدأ حتى ترى ماري وتطمئن انها بخير.. فآثرت ان توصلها بنفسها بعد ان اعتذرت للممرضتين واخبرتهما انها ستأتي بها بعد دقائق..
ساروا في ممر المشفى وليلى تشعر انه بلا نهاية.، كانت تشعر بالخوف على والدتها.، دعت الله ان تكون بخير.. فقد وجدتها للتو.. همست " يا الهي .. لا اريد ان افقدها"
قالت لليان وهي تلهث: اين الغرفة ..
اشارت لها ليان على الغرفة .. فركضت بتعب اليها .. وقفت برهة على باب الغرفة تستعيد انفاسها ثم دخلت .. ارتمت على صدر ماري وهي تهتف باكية: امي .. امي.. لماذا فعلت ذلك وانت تعرفين خطورة سحب عينة النخاع عليك..
فتحت ماري عينيها ببطء ونظرت لليان التي كانت تقف عل باب الغرفة بلوم. . ربتت على كتف ليلى وهي تقول: حبيبتي لا تقلقي انا بخير تماما..
رفعت ليلى رأسها وتحسست وجه والدتها وما زالت الدموع في عينيها وقالت: تبدين تعبة..
قالت ماري كاذبة : فقط اثر المخدر وسيزول قريبا..
ضمتها لصدرها بحنان وهي تملس على شعرها وتهمس لها: حبيبتي اذهبي الان لتبدأ عملية الزرع..
هزت ليلى رأسها بتردد .. وضمت ماري ضمة أخيرة افرغت فيها توترها وقلقها.. ثم قامت وقالت لليان بوجه مبتسم: هيا يا ليان..
تأبطت ليان ذراعها بدون اي كلمة.. والقت نظرة اخيرة على ماري التي اغمضت عينيها بتعب فقد عاد الدوار يلفها..
.............................................؟.؟.......
في احد المناطق البعيدة عن الشركة .. وقفت سيارة سلوى .. وجلست هي خلف المقود مرتدية نظارة سوداء كبيرة.. وتدق على مقود السيارة بتوتر.. تنظر الى الطريق خلفها عن طريق المرآة الخلفية .. ثم تعاود النظر امامها.. بدا انها تنتظر احدهم.. تنفست الصعداء عندما رأته اتيا من خلفها .. كان سعيد المدير المالي لشركة هاشم .. اقترب بسيارته من سيارتها .. وتوقف على مقربة منها.. ثم خرج ومعه حقيبة اوراق صغيرة.. عدلت نظارتها ووفتحت باب السبارة فركب بجوارها..
قالت بلهفة: ها.. هل حصلت على كل المعلومات؟
قال بغرور: بالطبع يا سبدتي..
ثم اشار بحقيبة الاوراق.. واستطرد: في هذه الحقيبة صورة من الاوراق المقدمة في المناقصة.. انا بنفسب راجعتها ووضعتها في المظروف تمهيدا لارسالها..
ابتسمت وهي تمد يدها لاخذ الحقيبة.. ليبعدها عن يدها بسرعة ويقول بمكر: عمولتي اولا..
ابتسمت بسخرية،. فقد كان ككثير من الفاسدين.. ممن يسكتون ضمائرهم بتغيير مسمى الاشياء .. فالزنا علاقة او نزوة .. والرشوة عمولة او اكرامية .. وخيانة العهد والكذب مجاملات واعمال خاصة..
فتحت درج السيارة واخرجت منه رزمة نقود.. سال لعاب سعيد عليها .. اخذها منها بسرعة وهو يحاول عدها بعينيه.. وقال بجشع: كم هذه؟
قالت : عشرة آلاف جنيه..
قطب حاجبيه بضيق وهو يقول: والباقي يا سيدتي.، لاحظ اني كنت سأضحي بمستقبلي الوظيفي لاجلك.. اتدرين ماذا سيفعل بي السيد هاشم اذا علم بفعلتي..
رفعت حاجبها وهي تقول بكبرياء: لا تنسى انها شركتي أيضا. . انما اريد فقط ان اضغط على عاصم وهاشم لتعود حصتي لما كانت عليه بعد ان تقلصت عقب توسيع الشركة وزيادة رأس المال من قبل عاصم..
ثم نظرت اليه وهي ترف بجفنيها بدلال: لا تقلق يا عزيزي .. ستأخذ باقي عمولتك بعد اتمام الصفقة .. وعندما تعود الامور لنصابها الصحيح وتعود لي مكانتي في الشركة سأقوم بترقيتك .. فانا لا انسى المخلصين معي..
ابتسم سعيد في جشع.. وقال وعيناه تلمعان: حسنا يا سيدتي. .
ثم فتح باب السيارة واستطرد: سأغادر انا الآن ..
هزت رأسها وادارت محرك السيارة .. وعندما خرج من السيارة واغلق بابها انطلقت بسيارتها بسرعة تسابق الريح الى حيث ينتظرها فهمي السمري في شقة صغيرة بجوار الشركة.. كانت تبدو انه يتخذها مكانا لممارسة نزواته بعيدا عن عين زوجته.. اذ وجدت فيها المرة السابقة مجموعة مختلفة من ملابس النوم الحريمي ومنشطات وغيرها من لوازم السهرات المشبوهة.. صعدت في المصعد وهي تبتلع غصة في حلقها.. كان يلتقيها هنا كما العاهرات التي اعتاد ملاقاتهن في هذا المكان الذي تفوح من اركانه رائحة الرذيلة النتنة.. نظرت لنفسها في مرآة المصعد.. وقالت في نفسها: ها انت يا سلوى تساويت بالعاهرات..
بالاخير لقد تزوجها بورقة عرفية وقع عليها شاهدين لا تعرفهما .. اهذه الورقة هي التي تنفي عنها صفة العهر التي تلبستها منذ ان عرضت عليه هذه الصفقة الحقيرة..
وصل المصعد اخيرا الى الطابق المطلوب.. فالقت نظرة اخيرة على هندامها في المرآة .. وخرجت من المصعد متجهة الى الشقة.. طرقت الباب .. فلم يعطيها مفتاحا.. لم يعتد الثقة بالعاهرات..
انتظرت قليلا ثم فتح فهمي الباب مرتديا رداء من الحرير يغطي حسده المترهل العاري تحته.. ارتسمت ابتسامة لزجة على وجهه وهو يقول بصوت كالفحيح: لقد تأخرت.. انتظرتك طويلا..
ثم شدها ليدخلها ويغلق الباب .. وهو يأخذ منها حقيبة الاوراق ويلقيها بأهمال على احد المناضد ويقول بمكر: لقد انهيت الجزء الخاص بك من الصفقة وهذا يستحق الاحتفال..
ثم امسك يدها وسحبها الى حيث غرفة النوم .. ليتصاعد مجددا احساسها بانها بالنسبة له مجرد.. عاهرة...
..................................
مر حوالي اسبوع بعد ان تم زرع النخاع لليلى،. وضعت بعده في غرفة عزل.. ممنوع زيارتها الا من خلال الزجاج.. حيث كانت غرفة العزل عبارة عن غرفة ذات نافذة كبيرة من الزجاج تستطيع ليلى ان تراهم ويروها ولكن بدون تلامس واختلاط تجنبا للعدوى.. فقد تم خفض مناعة جسدها للغاية حتى لا تحارب مناعتها النخاع الجديد.. كان هذا الاجراء يستبغرق اسبوعين..
كانت ليلى تشعر بالضجر الشديد.. فهي لا ترى سوى الاطباء والممرضات وجميعهم يأتون وهم يرتدون عدة التعقيم كاملة من قناع وقفاز وواقي حذاء..
صحيح ان ليان احضرت لها بعض الكتب والروايات التي تعرف ان ليلى ستلتهمهم التهاما.. فهي عاشقة للقراءة وخصوصا الروايات الرومانسية الحالمة.. ولكنها ملت من كل شيء من البياض حولها ومن الاطباء وحتى من الكتب..
سمعت طرقات على الزجاج.. فالتفتت والتمعت عيناها عندما رأت سامر.، جاء في موعده كالعادة .. قبل ان تأتي ليان حتى لا تنكشف لعبة عاصم .. ورغم رفضهم للامر الا ان ليلى كانت مندهشة من برود ليان.. وتشعر الأمر به شيء ما..
وضع يده على الزجاج.. فوضعت يدها الصغيرة في الجهة المقابلة ليده .. ثم نفخت على الزجاج وكتبت.. افتقدتك كثيرا..
فحرك شفتيه وهو ينظر لها بعشق: وانا ايضا..
ابتسمت عندما قرأت حركة شفتاه.. وامسكت الهاتف تبعث له رسالة وتقول: انا ضجرة هنا للغاية يا حبيبي..
فرد عليها برسالة اخرى: لم يعد امامنا الكثير مر اسبوع وباقي اخر وتخرجي معافاة بإذنالله. .
مطت شفتيها بضيق وهي تنظر له .. فابتسم لها وكتب بسرعة: لا تنظري كالطفلة الغاضبة هكذا والا هدمت كل الاسوار بيننا وقفزت الى داخل الحجرة لاصالح طفلتي الصغيرة الحزينة،..
قرأت الرسالة وابتسمت عابثة وهي تقول: ايها المجنون..
كتب : مجنون بحبك..
نظرت له ووجنتاها تتوردان خجلا.. لتشتبك نظراتهما معا.. ويغوصا في عالم الحب الوردي لثواني قليلة.. انتزعهما منه طرقات على الزجاج.. فالتفتا في حدة ليجدا عاصم يصفر باحد الاحان الرومانسية.. فقال سامر بضيق: اهلا..
ابتسم عاصم وهو يقول: اشعر اني متطفل..
ليرد سامر بسخرية: تشعر فقط..
قهقه عاصم وهو ينقل بصره بتسلية بين ليلى المتوردة خجلا وسامر المستشيط غضبا.. ثم نظر في ساعته وهو يقول: حسنا يا سيد روميو وقتك انتهى فليان على وشك الحضور،.
قال سامر بتأفف: لا ادري كيف اقنعتني بقبول هذه اللعبة..
ليرد عاصم ساخرا: لدي سحري الخاص.. ثم نظر في ساعته وهو يقول هيا الآن.. فقال سامر حسنا سأغادر.. ولكني جلبت بضع ادوات للرسم لليلى.. فقد شعرت انها ضجرت والرسم هو الشيء الوحيد الذي تستغرق فيه وتنسى تعبها.. رفع ادوات الرسم امامها.. ففرحت كثير فلطالما كان الرسم متنفسها الذي تفرغ فيه مشاعرها السلبية من خوف والام الفقد الاحباط والآن الضجر..
اشار لها بيديه وغادر ببطء وكانما لا يريد ان يغادرها. . يريد لو بقى بجوارها طول العمر..
وقف عاصم بمفرده في الممر وجلست ليلى على فراش المشفى.. تضع ذقنها على ركبتيها اللتين تضمهما بيديها.. ساد الصمت على الممر فترة قصيرة لتقطعه ليان التي دخلت في صخب.. لتشتعل عينا عاصم وهو يراها تتأبط ذراع شاب ما وعيناها تتراقصان جزلا..
........
