رواية عملتان لوجه واحد الفصل السادس عشر 16 بقلم آية الطري
١٦- بطعم الطفولة
"وفي كل ليلة، هناك بابٌ لا يُغلق، وربٌّ لا ينام، وعطاءٌ لا ينفد. مهما ضاقت بك الدنيا، وتكاثرت الهموم، تذكّر أن الله أقرب إليك مما تظن، يسمع أنين قلبك قبل أن تنطق، ويعلم حاجتك قبل أن تسأل. فلا تحزن، فإن باب الرجاء مفتوح، والرحمة واسعة، والله كريمٌ لا يرد من طرق بابه متضرعًا."
+
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
+
------------☆☆☆
+
_" ما تقولوا أنكم حمير ومش عارفين تعالجوا ابني وأنا هسفره لأكبر مستشفيات العالم حالًا " يصيح بسخط وجنون في منتصف الجناح الراقد جسد ابنه في إحدى غرفه، بينما الأطباء أمامه في حالة من الضجر المكنون داخلهم
+
فبادر أحدهم بهدوء وعملية:
_" أستاذ كمال سبق وفهمت حضرتك إن اللي بنعمله هنا هو اللي هيعملوه الدكاترة في أي مكان في الدنيا، حالته مستقرة ومش مستدعي السفر أبدًا "
+
كأي أب يتمنى الإطمئنان على وحيده لكن لكمال الصيفي أسلوب محمل بالإستعلاء لا يمكنه تركه حتى في منتصف أزمته:
_" فين الاستقرار ده بقاله خمس أيام في غيبوبة من غير أي إستجابة وتقولي مستقر؟؟ "
+
استمر الطبيب في محاولة لطمأنته خشية من سلطته أكثر من الإشفاق عليه...
+
على بعد صغير من الجدال القائم هناك أعين تراقب بفتور دون أن تبدي أي تعبير، و أي انتقام يعيد ما كُسر بالفعل، ما الذي يريح فؤاده وقد سكنته نقطة سوداء لا تُمحى...
+
_" هيعيش حياته عاجز بيلعن اليوم اللي فكر يئذيها فيه! ما تدخلش مع الناس دي في صراعات يا شادي وسيبهملي، اتفرج من بعيد وبس " صوت خارج من هاتفه الموضوع على أذنه، اعتاد التواصل معه في الفترة الأخيرة، يجهل صاحبه وليس لديه طاقة لمعرفة هويته التي يرفض البوح بها،
4
حرك شفتيه بسؤال حمل نبرة منطفئة:
_ " مش هسألك تاني عن نفسك وليه بتعمل كدة؟! بس قولي ليه اختارتلي أشيل الوجع ده وماخترتش سيف؟ "
+
_" هجاوبك بس مش دلوقتي، ويمكن بعد فترة تعرف الإجابة لواحدك، خد بالك من سلمى "
+
كان هذا رده الهادئ قبل أن يُغلق المكالمة، بينما تراجع شادي للخارج بعقل من كثرة وقسوة الأفكار به صمت تمامًا...
+
----------
+
_" وبعد ما أمه ماتت، ما استحملش العيشة معايا وسافر، بقى ليه حياته هناك وأسرته.. زوجة وأولاد "
+
كان يتحدث بأسى واضح، يحاول إخفاءه بمزاح خفيف، لكنها فهمته جيدًا، رفعت يدها وأشارت له بسؤال صامت، فابتسم سكر ابتسامة باهتة وأجاب، وهو يرتشف قهوته:
+
_"لأ، مش بكلمهم خالص.. هو أنا أتمنى يعني، مفيش جد ما نفسوش يكلم أحفاده ويشوفهم، بس أبوهم مش فاضي ربنا يعينه عليهم"
+
ارتجفت شفتاها قليلًا، وكأنها تحبس دموعها تأثرًا بنبرته المشتاقة، لكنه ضحك بخفة ليخفف الأجواء:
_"إنتِ هتعيطي ولا إيه؟ هي مجدة أختي لحقت تعديكِ؟"
+
ضحكت رغمًا عنها، وهي تزيل قطرات الدموع من عينيها، فأشار إليها مشيدًا:
_"أيوة ياختي، امسحي بدل ما تقولي هقوم أغسل وشي والفاتورة تجيلي الضعف آخر الشهر، مش ناقص"
+
وهنا انفجرت في الضحك، فقد اعتادت بخله، ولا يحلو لها الحديث سوى معه...
2
_"اممم.. يعني بتضحكي أهو؟"
+
التفتت بسرعة إلى مصدر الصوت المتظاهر بالضجر، وما إن رأته حتى تهجمت ملامحها وأدارت وجهها بضيق،
+
أما سكر فزم شفتيه بحنق قائلًا:
_"مش عايزها تضحك كمان! يا بجاحتك يا أخي!.... وبعدين تعالى هنا قولي مزعلها ليه إنت وأختك وبنت خالتك.. وشادي كمان؟"
1
عقد سيف حاجبيه باستغراب، ثم تقدم وجلس جوار سكر من الجهة الأخرى، بينما ظلّت بتول متجهة بعينيها بعيدًا عنه، فسأل بجهل حقيقي:
_"طب أنا زعقتلها عشان مصلحتها، ما هي متنفعش تنزل الشارع، بس ايه حكاية الباقي عملناها ايه ؟!"
+
قبل أن يرد سكر، نهضت بتول بانفعال، وبدأت تحرّك يديها بسرعة مشيرة بغضب، تعبر عن ضيقها الشديد، كانت إشاراتها سريعة ومليئة بالمشاعر، حتى إن أنفاسها اضطربت قليلًا من التوتر.
+
كان سيف يراقبها بأعين لا ترفّ حتى انتهت من كلامها الصامت، ثم نطق ببلاهة:
_"انزل بالترجمة يا خالي لو تعرف!"
1
اغتاظت من سخريته وحدّقت به بنظرة معاتبة جعلته يشيح بوجهه للحظة، وكأنه أزعجه أنه أزعجها، ثم استدارت متجهة للخارج
+
نظر سكر في أثرها وهو يناديها لكنها لم تتراجع فوجه حديثه لسيف شارحًا مقصدها:
_"بتقول مزعليني من الباب للطق وأنا معملتش حاجة خالص.. يا ناس يا ظَلَمة!"
+
ظهرت الصدمة على وجه سيف وهو يستوضح بتعجب:
_"هي قالت (يا ناس يا ظَلَمة)؟!"
1
أومأ سكر برأسه مؤكدًا، فضحك الآخر بخفة متذكرًا ملامحها المنزعجة واشاراتها اللولبية، الفتاة أصبحت خطر مؤكد عليه منذ متى وهو يهتم بحزن إحداهن غير أمه وأخته!!، قاطعه خاله وهو يسأل بجديّة نادرة:
_"ما تريحني يا سيف وتقولي.. دي بنت مين؟ وأهلها فين كل ده وسايبنها؟"
+
كأن السؤال جاء في الوقت المناسب ليوقظه من غفلته، ليجعله يدرك حجم الورطة التي دخل فيها، تنهد بقوة ثم زفر بضيق وهو ينهض عازمًا الخروج:
_ "الموضوع كبير يا خالي والله، ادعيلي يخلص على خير وأنا هجاوبك على كل أسئلتك هلحقها قبل ما توصل بيتنا، مجدة لو لقيتني لسة ماصالحتهاش مش هتدخلني"
+
أومأ له سكر وهو يمدّ يده بجدية مبالغ فيها:
_"طب سيب مكانك ٢٠٠ جنيه بقى قبل ما تمشي، مش هشتغلكم مترجم ببلاش!"
+
رمقه بعدم تصديق وهو يردد:
_" بيقولوا الخال والد يا سكر! "
+
رد عليه ساخرًا وهو يشيح بيده:
_" الخال ذكر مابيولدش يا جاهل، حط الفلوس واتكل على الله "
2
---------
+
بعد دقائق كان بالشارع وقد لمحها تقترب من مدخل العمارة فصاح بتلقائية:
_" بتول "
+
كأنها سمعت اسمها منه للمرة الأولى أو بالفعل هذه الحقيقة استدارت عاقدة يدها حول صدرها تحتفظ بجمود وجهها بينما هو أقبل عليها حتى أصبح أمامها وقال بجدية:
_" حقك عليا ماتزعليش "
+
رفعت عينيها له برهة ثم أنزلتهما واستدارت دون رد، لكنه تأفف يوقفها بإحراج فهو غير معتاد على مراضاة أحد:
_" طب وبعدين هتفضلي لاوية بوزك كتير! "
+
نظرت له مرة أخرى بنفس الصمت المبهم فقلب عينيه بضيق طفيف وسأل:
_" اممم لازم أصالحك ها؟ "
+
ظلت ساكنة لحظة قبل أن تظهر في سوداويتيها شبح ابتسامة متحمسة ثم أومأت بتأكيد، تلقائيًّا ابتسم نابسًا:
_" اطلبي "
+
رفعت كتفيها كأشارة أنها لن تتحدث وتركت له أمر التخمين فعقد حاجبيه يتظاهر بالضيق قائلًا:
_" لا ما أنا مش عايش معاكِ قصة عشق من عشر سنين عشان أخمن بتتصالحي ازاي؟!، شكلك ناسية إني خاطفك أصلًا "
+
استحلت حيرته بل وضحكت بخفة كأنها سعيدة بإهتمامه فسايرها نابسًا بمسكنة مزيفة:
_" بتضحكي! حسبي الله في اللي ماتريحش دكتور غلبان زيي"
1
تهجمت ملامحها فجأة بل وظهر عليها الاستهزاء ففهم ما يدور برأسها نحوه ثم قال:
_" مش مقتنعة! اممم ما هو بعد الشو وضرب النار اللي حصل بقيت زعيم عصابة في نظرك "
+
أومأت بتأكيد فضحك هو ضحكة صغيرة وبادر عازمًا:
_" ماشي يا ستي فكري فيا زي ما انتِ عايزة، المهم، ليكِ في الأكل! "
+
لم تفهم مقصده فأضاف موضحًا:
_" سلمى بتتصالح بالأكل "
+
ضحكت وهزت رأسها نافية فأعاد التخمين:
_" هدايا طيب؟! "
+
نفت أيضًا فتأفف قائلًا:
_" برضو لأ، دا انتِ مخطوفة بجحة بجد، طب اركبي ياختي "
2
قالها وهو يشير على دراجة نارية قد استعارها من شادي، لم تفهم مقصده فأردف بضحك:
_ " ما تخافيش مش هخطفك مرتين "
+
-----------
+
_" كان معاك حق الواد مظلوم ومالوش في الحوار ده " قالها مصطفى بجدية وهو يشرح لعز ما توصل له في أمر نوح
+
فسأله الأخير بإهتمام:
_" يعني هتعرف تخرجه منها ولا صعب؟!"
+
نفى مصطفى قائلًا ببساطة:
_" مش صعب ولا حاجة خصوصًا إن البلاغ كان عن اللي اسمه عرفة جوز عمته وقبضهم على نوح ده غباء أصلًا، هتعامل ما تقلقش، المهم انت متأكد من اللي بتعمله دلوقتي؟!"
+
تنهد عز بهدوء يُنزِل مشروبه عنه فمه وقال:
_" ده أنسب حل، نور ما ينفعش تفضل هنا يوم واحد بعد ما كشفوها "
+
اقترب منه مصطفى ونظر له بمغزى سائلًا:
_" يا باشا انت فاهم قصدي، نور قاتلة وأبوها... "
+
اوقفه عز بجدية كأنه يهرب من حقيقة ما:
_" نور مريضة يا مصطفى "
+
_" قصدك ايه؟! دا بجد الموضوع أكبر من مجرد مصالح متبادلة! " قالها مصطفى بإنفعال
+
قابله عز بإنفعال أكبر:
_ " أنت مش هتفهمني شغلي! نفذ الأوامر وبس، البنت دي لازم تسافر لأبوها في المقابل هو هيوصلني للي أنا عايزه، ولا دي مش مصالح؟ "
+
كاد مصطفى يبرر موقفه هو يعلم طبيعة عز جيدًا وصعوبة اعترافه بوجود مشاعر داخلية في قراراته الأخيرة لكن صوتها المصدوم قاطعهما حينما صاحت بجدية خطيرة:
_" بنت مين دي اللي هتسافر مافهمتش؟! "
+
ما أن سمع صوتها حتى أغمض عينيه بإرهاق ثم استدار يرمق ملامحها الباهتة قائلًا:
_" نور ما ينفعش تفضلي هنا أ... "
+
قاطعه صراخها وانفاعلها المفاجئ:
_" وانت مين عشان تحدد؟! أنا مفيش مخلوق يقدر يجبرني على حاجة ولا عشان سيبتك تتدخل في حياتي شوية صدقت نفسك! "
+
لاحظ مصطفى توتر الجو فانسحب من الغرفة بهدوء بينما اقترب منها عز يمتص غضبها، أو للحق يمنع غضبه عنها:
_" احنا كان بينا اتفاق وسفرك أول خطوة في تنفيذه "
+
استكملت صراخها بوجهه واعتراضها:
_" مش هسافر ومفيش بينا اتفاقات، أنا أصلًا ماعرفش انت مين؟ في الأول مثلت عليا انك تبع عارف الديب وبتحميني، بعد كدة اكتشفت انك عايز تسلمني لأعداؤه وشوية تتفق معاه وأبقى أنا وأخويا مقابل حبيبتك، بتتحكم في كل حاجة على مزاجك وكله في خدمة مصلحتك، أوعى تكون فاكرني غبية ومصدقة انك أنقذتني من ايديهم عشان أنا أهمك، انت اللي يهمك مساندة عارف الديب ليك سواء في انتقامك من المافيا أو حتى وصولك لبتول، مش اسمها بتول برضو؟! "
+
لم يبدى أي انفعال فقط استمع لها بهدوء، سلط عينيه عليها قليلًا يراقب أنفاسها السريعة وعينيها الدامعة رغم حدة نظراتها ثم نطق ببرود:
_" خلصتي! "
+
نفت برأسها وأكملت بقوة:
_" لأ ما خلصتش..... قولتلي قبل كدة انك عمرك ما كدبت عليا في أي كلمة صح؟! "
+
استغرب قليلًا لكنه أومأ بتأكيد فصعقته بردها:
_" طب لسة ماقبضتش عليا ليه يا حضرة الظابط؟؟ "
1
تجمد مكانه بعد جملتها وعينيه ثبتت على ابتسامتها الساخرة فأضافت تردد إحدى جمله السابقة:
_ " أصلي لما بزهق من المافيا بميل يومين على المخابرات وأهي ماشية "
+
أغمض عينيه زافرًا ونطق بجدية:
_" بلاش تخاريف وكفاية تضييع وقت امشي معايا "
+
دفعته في صدره بعنف لتبعده عنها وقالت:
_ " دي مش تخاريف ده التفسير الوحيد لكل اللي انت بتعمله، ازاي واحد عايش طول عمره في ظلام الجرايم برا وأول مرة ينزل مصر يكون عنده كل العلاقات دي!! ، مسيطر على كل كبيرة وصغيرة، حتى لما اتضرب علينا نار والعربية اتقلبت بينا ودخلنا المستشفى مفيش أي إجراء قانوني اتعمل ولا حتى خبر نزل على النت ولا في جريدة، ولما كنت مخطوفة مين طلب البوليس وازاي سابونا نمشي من غير ما يحاولوا حتى يمسكونا واتقفل الحوار على كدة، بتسافر وترجع على مزاجك وبالهوية اللي تعجبك ما بتخضعش لأي قوانين ولا .... أاااه "
+
صرخت فجأة وما لبست ثوانٍ وسقطت بين يديه التي لحقتها في اللحظة الأخيرة، ليظهر أليكسي من خلفها وهو يرمي بالسيرنج في حاوية القمام بعدما أفرغ محتواياتها برقبتها فصرخ فيه عز المذهول من فعلته:
_" ايه اللي عملته ده يا زفت؟! "
+
رد بعدم اكتراث وهو يرمي بقطعة جيلي كولا بفمه:
_" صرعتني بثرثرتها، هيا خُذها لوالدها، هناك عمل يجب أن نتفرغ له أم نسيت المهمة المكلفون بها من الزعيم؟! "
+
غضب عز من تسرعه وانتوى ضربه لا محالة قبل أن يقاطعه مصطفى الذي صاح عليه بقلة حيلة:
_" عز الواد وضعه باظ خالص "
+
التفت له يستوضح بتشتت:
_" واد مين؟ فيه ايه؟! "
+
_" نوح؛ لسة عارف دلوقتي انه لبس في قضية تحريض على انقلاب النظام، لقوا منشورات على صفحته بتأكد ده، كدة دخل في سكة غامقة، أعمل ايه؟! "
1
-----------
+
_" دي صفحتك ولا بنتبلى عليك؟! " صاح بها وكيل النيابة بسخط في نوح المذهول من التهمة الجديدة التي وقعت على عاتقه
+
أومأ بتأكيد أنها بالفعل صفحته الشخصية على تطبيق فيس بوك لكنه أكمل بصدق:
_" بس والله العظيم ما أنا اللي نشرت الكلام ده، أنا أصلًا بقالي أسبوع مافتحتش نت والله العظيم ما بكدب "
+
ناظره المحقق من أعلى لأسفل بتقييم ثم سأل:
_" انت ايه مبهدلك كدة! "
+
حاول ضبط قميصه التي تمزق من كل الشد والجذب الذي حدث معه وهو يرد بارتباك وغصة بكاء تلاحقه رغمًا عنه:
_" في القسم هما.. ماكانوش مصدقني و... "
+
صمت لا يعرف ماذا يقول وهل يشتكي الظلم للظالم!!! أخذ نفس قصير و غيَّر اجابته بإجابة اخرى أيضًا صادقة:
_ " اتخانقت... مع.. جوز عمتي.. كان فيه سوء تفاهم.... عشان يعني... "
+
مرة أخرى توقفت الكلمات في حلقه بعدما كانت تخرج منه بطيئة مؤلمة، عندها ابتسم المحقق بسخرية وأكمل عنه:
_" عشان اتحرشت ببنته مش كدة؟ طب ومكسوف ليه فيه من عينتك كتير! "
+
اعتصام يديه ببعضها يحارب انهيار يداهمه وهو ينفي التهمة عنه بقوة واهية:
_" والله العظيم ما حصل أنا عمري ما أعمل كدة وربنا شاهد عليا"
+
" بُص يا نوح أنا لا معاك ولا ضدك بس انت دلوقتي متهم في ٣ قضايا أسوأ من بعض ياريت تشوف محامي شاطر يقف معاك " قالها بعملية وأخذ يستكمل التحقيق ونوح ينكر كل ما يرموه به حتى خارت قواه تمامًا وشعر بروحه تكاد تزهق.....
+
حبس أربعة أيام على زمة التحقيق إلى الآن هي النتيجة النهائية أمامه، ألم روحه طغى على آلام جسده، رغمًا عنه يستند بظهره لأحد حيطان ذلك المكان المظلم كظلام أيامه رائحة الغدر التي يشعر بها الآن تغطي على الروائح الكريهة حوله، الدماء متجمدة على شفتيه أثر صفعات عديدة لا يتذكر زمانها وفاعليها فهناك صفعة أقوى يقبض وجعها على صدره، آخر ما توقعه أن ترميه بمثل تلك التهمة، يقسم أن كلماتها قسمت ظهره، ماذا جنى بحق الله لينال هذا المصير؟!، ما خطأه ليتلقى عقابًا كهذا؟!، اختنق بالبكاء الذي يحرص على كتمه فلم يجد سوى كلمات مُرتلة تخرج من بين شفتيه كأنه يداوي قلبه بها:
_" "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرٍّۢ وَءَاتَيْنَٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَٰبِدِينَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ كُلٌّۭ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ وَأَدْخَلْنَٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ"
2
استكمل يرتل ما يُشفي فؤاده حتى غرق في سكون النوم من شدة التعب، اعتزل العالم بأسره عله يفيق ليجد كابوسه قد رحل وتركه يداوي ما تبقى فيه....
2
-------------
+
كعادة تواجدهما معًا، تؤنسهما شمس الغروب وهي تتوارى خلف الأفق، بينما الشوارع تكاد تكون فارغة إلا من تلك الدراجة النارية التي تنطلق بجنون، تعكس تهور سائقها، كانت خلفه كفراشة خرجت حديثًا من شرنقتها، تنظر إلى العالم بدهشة مشوبة بالخوف، لكنها رغم ذلك، تستمتع بالحرية التي تحملها لها نسمات الهواء، فتغمض عينيها، تاركة خصلاتها السوداء تتطاير خلفها كأمواج متلاطمة.
+
أما سيف، فكان مشغولًا بأفكاره، مترددًا في فتح موضوع عز معها وما اكتشفه من التشابه بينهما، راوده تساؤل حول طبيعة العلاقة بين بتول وذلك الشبيه، ومن تعاملها معه، بدا واضحًا أن بينهما صلة قوية.
+
أفاق من شروده على يدها تضرب بخفة على كتفه، ليرسم ابتسامة خفيفة قبل يحرك الدراجة يمينًا ويسارًا كأنه يداعبها ثم قال:
"قربنا نوصل"
+
بعد دقائق، توقف في مكان بدا وكأنه أحد أحلام طفولتها الضائعة، نظرت حولها بذهول، قبل أن يقطع دهشتها بقوله، محاولًا إخفاء إحراجه:
"بصي، أنا ما جبتكيش هنا عشان شايفك عيلة... بس ده مكاني المفضل الصراحة "
+
كانت عيناها تجوب المكان بإنبهار، حتى انتبهت لكلماته الأخيرة، فنظرت له بتعجب زاده احراجًا لكن ردد بتأكيد:
"آه والله، أنا مُقيم هنا!"
+
لم تستطع تمالك نفسها وانفجرت ضاحكة، غير مصدقة أن لديه عادة طفولية في المجيء للملاهي، لكن سرعان ما تأكدت حين اقترب منه مراهق بالكاد يبلغ الخامسة عشرة يعمل بالمكان، قائلاً بحماس:
"عاش من شافك يا دوك! ألف سلامة عليك، إيه الجبس ده؟!"
+
ظهور الفتى المفاجئ جعلها تتراجع بخوف، تمسك بيد سيف لا إراديًا، وتتواري قليلًا خلفه، تفهم سيف ذلك تمامًا، فهي لم تعتد الاختلاط بالعالم الخارجي، بعد أن قضت ثلثي عمرها سجينة بين الجدران، لكنها للحق ليست جبانة، فهي تتأقلم سريعًا بمجرد أن تشعر بالأمان.
+
نظر لها بدفئ طمأنها ثم ابتسم للفتى، ورد عليه بمرح:
"حادثة على الماشي كده يا أحمد، إنت عامل إيه؟"
+
"تمام يا باشا، ها، هتركب إيه النهاردة؟ النحلة الطايرة ولا قطر الفراشات؟"
1
قطبَت بتول حاجبيها، تحاول استيعاب الأسماء، لكنها حين نظرت إلى سيف ورأته يشيح بوجهه محرجًا، ازدادت دهشتها، انتبه إلى نظرتها، فحاول التظاهر باللامبالاة وهو يغمغم هامسًا لها:
"بلاش تبصيلي كده... مش ذنبي إني تافه!"
+
للمرة الثانية ضحكت بشدة مما دفعه للتبسم قائلًا بمشاكسة:
"بتضحكي! حسبي الله في اللي تتريق على دكتور غلبان زيي"
+
كتمت ضحكتها واستمرت تشاهد استمتاع الأطفال حولها بمختلف الألعاب حتى سقطت عينيها على لعبة القنص فأشارت لسيف نحوها بشغف فقال بتعجب:
_" يعني سبتي كل ده ومسكتي في النشان، أنا عايز أتمرجح مالناش دعوة بلعب الكبار دي "
+
ضيقت عينيها بغيظ منزعجة من كذبه ثم جذبته نحو اللعبة فتأفف يتظاهر بالسخط قائلًا:
_ " سبحان مَن صبرني عليكِ أهو كله بثوابه "
+
دفع أموال المشاركة للرجل وأعطاها السلاح البلاستيكي قائلًا:
_" صيبي كويس لو مارجعتليش الفلوس اللي دفعتها الضعف هسيبك هنا وأمشي "
+
بتلقائية لكزته في صدره وأخذت مساحتها وهي تستهدف نقاط معينة على بعد مترات، أطلقت بحماس آملة في إصابة نقطة المنتصف لكن ذهب أملها أدراج الرياح حينما خرج السهم بعيدًا تمامًا عن مكان التصويب، وكالطفلة المذنبة رفعت عينيه بخجل لسيف الذي تظاهر بالضجر مما أخافها من تنفيذ ما قاله...
+
فاستعطفته بنظراتها فهز رأسه بإبتسامة خرجت رغمُا عنه قائلًا بغرور:
_" هاتي واتفرجي على بابا المجال "
+
بيده السليمة امسك السلاح البلاستيكي بمهارة، وحدد الهدف ثم نظر لعينيها التي تشع حماس واصبعها محتجز أسفل أسنانها دليل على ترقبها القاتل لا اراديًا ابتسم لها بإتساع ولم تمضِ لحظات حتى سقط الهدف في وسط التصويب، ليصاحبه صوت تهليل من الجمع حولهما بينما هو غرق في تصفيقها الحار وهي تتقافز بخفة كأنها هي من أصابت، احم... هي بالفعل أصابت يا رِفاق.... يبدو أن سهما استقر في قلبه وقُضيَ الأمر...
+
_" انت دفعت عشرين وكسبت ميَّة اتفضل يا عم اعزم الكتكوتة على غزل بنات بقى " قالها صاحب اللعبة بمرح وهو يعطي لسيف الأموال التي ربحها،
+
بالفعل أخذها وشكره ثم استدار يقدمها لبتول نابسًا بمراوغة:
_" اتفضلي يارب تكوني مرضِية "
+
لا اخفيكم سرًا كل ما تفعله الآن هو للمرة الأولى حتى حصولها على مثل هذا المبلغ الزهيد، تنفست بعمق توزع مشاعرها ببطء على كافة أجزاء جسدها، ثم وجدت نفسها تجذبه خلفها كالأم الممسكة بيد طفلها ذو الخمسة أعوام تحت تعجبه الشديد لكنه تركها تفعل ما تشاء،
+
وقفت عند بائع غزل البنات وابتاعت بكل المبلغ وهو يراقب بصمت حتى سأل بفضول:
_" انتِ هتاكلي ده كله لواحدك؟! "
+
لم تجيبه وحمّلته بعض الأكياس معها ثم بدأت تتحرك في كل مكان توزعها على الأطفال فضحك بخفة عليها وهي تتعامل معهم كأنها تعرفهم منذ زمن بل وتحزن إن رفض أحدهم هديتها المتواضعة....
+
انضم لها بحب يوزع هو أيضًا ما بيده حتى نفذت الكمية كلها إلا من واحدة بقيت معها
+
_" دي أكيد للغلبان اللي تعباه معاكِ وواخدة اللي في جيبه " هكذا سألها بلطف وأعين قططية لكنها صدمته بعدما فتحت الكيس ووضعت كل الكمية بفمها دفعة واحدة ثم أشارت على البائع بمعني إن أردت اذهب واشتري لنفسك...
2
_" آه يا بت الطفسة هستغرب ليه ما عمك واكلها والعة" هكذا تمتم بغيظ لم تكترث له
+
قضوا وقت رائع بالمكان وشعوره بالرضا نحو ما يفعله معها يتضاعف بسعادتها البادية في كل تصرفاتها وضحكاتها ولأول مرة يغفل فامبير عن مثل تلك الأعين التي تراقبهما بل والهاتف الذي رُفع يلتقط لهما صور خفية....
1
------------
+
تأفف بجزع فكل أجهزة التجسس التي سبق ووضعها في قصر سلمان منصور لن تفيده في شيء، نزع السماعة من أذنيه وأشعل سيجار يخرج به كبته، اخذ يراقب المنظر الزراعي من الشرفة أسفل الغروب وسرح قليلًا، يتذكر حديثه مع المدعو سعد
+
فلاش باك
+
وقف سعد أمام أعين مشككة أخافته حتى بادر صاحبها بنبرة ترغم من أمامه على قول الحقيقة:
_" انت عارف مسك وضعها ايه؟! "
+
تظاهر سعد بالجدية وهو يجيب:
_" آه طبعًا يا راجح أنا حتى مستغرب ازاي دي تبقى خطيبتك يعني أخلاقها غيرك و... "
+
_" اخرس " هكذا قاطعه راجح ببوادر غضب وأضاف بصرامة:
_" كلنا بنغلط مش ملايكة ومش معنى أنها غلطت تبقى أخلاقها مش كويسة "
+
ابتلع ماء حلقه وتراجع يقول:
_" مش قصدي يا راجح انت فهمتني غلط "
+
تجاهله راجح ونبس وهو يراقب ملامحه جيدًا:
_" غلط صح مش ده موضوعنا! أنا عايز أفهم ازاي لسة موقفة الهباب ده وازاي طبيعية كدا؟؟، أنا مش دارس بس عارف أعراض الانسحاب كويس "
+
بلغ التوتر بسعد مبلغًا قبل أن يدعي العملية شارحًا:
_" هي قعدت أول يومين نايمة طول الوقت بفعل المهدئات اللي كنت بديهالها وبعد كدة بدأت تتحسن عادي ده دليل ان جسمها ماكانش في مرحلة صعبة من الادمان، فيه ناس كدة ما تقلقش "
+
شعر بألم في موضع جرحه يبدو أن مفعول المسكن قد زال فظهر عليه التعب وهو يسأل بإختصار:
_" يعني متأكد أن وضعها طبيعي؟ "
+
_" عيب عليك هو أنا ببيع جزر "
+
بعدها أعطاه راجح مبلغ كبير يضمن به سكوته واتفق أن يحفظ السر
+
بااااااك
+
عاد من شروده على كأس من الحليب يمتد له فرفع نظره ليجدها أمامه حيث أردفت بضيق:
_ " جدتك بعتالك دي "
+
_" وفين كاسك؟ " قالها بهدوء لا يخلو من الجدية وشيء من التحكم التي تبغضه
+
لذا تجاهلته وهمت لتخرج فأوقفها بنبرة أكثر صرامة:
_" هتفضلي لحد امتى تكرهي مصلحتك!؟ "
+
توقفت لكنها مازالت توليه ظهرها ثم قالت بحنق:
_" وانت هتفضل لحد امتى حابسني هنا؟! "
+
_" لحد ما أرضى عن تصرفاتك، ولا عايزاني أسيبك تروحي تضربي حقن المرة دي! "
+
قالها بسخرية لاذعة أوجعتها فتقدمت منه تصك أسنانه بمزيج من الحزن والغضب تصيح في وجهه:
_" وانت ربنا مكلفك تصحح أخطاء الناس وكمان تحكم عليهم على مزاجك!؟ "
+
الرجفة في صوتها أشعرته بقسوة كلماته فحاول تصليح الأمر لكن دون أن يتنازل عن الجمود في صوته:
_" صدقيني كل ده عشانك "
+
جن جنونها من إصراره على ذلك المبرر فهتفت بحدة ووتيرة سريعة:
_" اللي هو ازاي عشاني! وليه عشاني؟! افهم أنا ماعرفكش، انت كدة خاطفني يا بني آدم، مستوعب؟! انت كذبت على بابي وقولتله أني مسافرة عشان المسابقة وانت أصلًا حارمني من كل السوشيال ميديا ومش عارفة اتواصل مع حد من التيم وحلمي بيضيع بسببك "
+
كان صدرها يعلو ويهبط بعنف حتى أنهت كلامها مع تجمع دموع واضحة بزرقاوتيها، شعر بحرقتها في قلبه فهز رأسه بنفي وقال بهدوء مفاجئ وغريب عليه:
_" ده مش حقيقي، أنا بحميك من نفسك، لو ناسية فانتِ من كام يوم بس قررتي تنهي حياتك! كان فين حلمك وقتها؟! كان فين عقلك يا مسك "
+
أغمضت بألم ترفض اللوم من أحد حتى ولو أخطأت، أما هو تفاءل بسكونها لأول مرة تتنازل عن استكمال جدال لكن ضاعت فرحته حينما فتحت عينيها فجأة وتحولت تصيح بسخط:
_"على فكرة بقى مش أنا بس اللي بغلط انت كمان قذر "
+
رفع حاجبيه بصدمة من اهانتها له وسرعان ما انفعل مرة أخرى وهو يصيح باستنكار:
_" قذر!؟ أنا سكتلك على الكلمة دي كتير وبقول بتحدف أي حاجة من ضيقها بس مش هسمحلك تتمادي كل شوية! وغلط ايه اللي انت شايفاني بعمله؟!"
+
بادلته الانفعال تجيبه بصوتها الحاد:
_" كتير جدًا، كفاية انك مش سايبني أتواصل مع فريقي ونكمل التصميمات وكمان بتقول عليا خطيبتك يا كذاب.... كمان جايبلي هدوم شبه العواجيز ومش عارفة أتحرك فيها ... و... وفيه حاجة تانية أوحش من كل ده ماقدرش حتى أقولها "
+
همهم بسخرية وردد بتهكم:
_" تقولي ايه تاني بقى دا انتِ طلعتيني أبو لهب وأنا واقف، بس تمام يا مسك اخبطي دماغك في أقرب حيطة، واجري خدي علاجك وغيري على جرحك واتخمدي... يلا " صرخ عليها في آخر كلمه مما جعلها تنتفض في مكانها
+
اهتزت شفتيها تهدد بالإنهيار لكن استجمعت شجاعتها وعاندت قائلة:
_" مش هخرج قبل ما أعرف هترجعني امتى!؟ "
+
_" ربنا يسهل " قالها بعدم اكتراث مفاجئ وهو يقرأ تلك الرسالة المشفرة التي وصلته بينما يهشها عن رأسه لكن استمرت على عنادها:
_" لا عايزة أعرف دلوقتي وكمان عايزة تليفوني أنا زهقانة جدًا "
+
_ " اتفرجي على التليفزيون " قالها واستدار للشرفة لكنه صُدم حقًا حينما صرخت باكية:
+
_" مش بحبه " ثم انفجرت في بكاء دون هوادة كأن الأمر فاض بها، جفلت ملامحه من هذا التحول وما زاد ذهوله صراخها المترجي له:
_" انت ليه بتجبرني على حاجات كتير؟!، تحكماتك خنقاني، مش من حقك تعمل كدة معايا.... بتقول انك كدة بتساعدني بس أنا مش عايزاك تساعدني، ابعد عني ياخي، ولو شايف ان ده شغلك انت ممكن تستقيل وبابي مش هيعترض صدقني، ايه جابرك تفضل؟!!! "
+
زفر بقوة وقد فاض كيله هو أيضًا والتفت لها بعنف يهتف بما يحتويه قلبه من حيرة:
_ " معرفش!... معرفش ايه جابرني على كدة؟، أنا مش عارف ماأساعدكيش، مش عارف أتخلى عنك، ياريت أقدر بدل ما بقيت شايف نفسي عيل مراهق مش قادر يسيطر على مشاعره "
+
نطق بكلامه دفعة وحده ثم عم الصمت بعده حيث انقطع بكاؤها أيضًا ونظرت له تستوعب كلماته بل ونظراته المرهقة نحوها التي تحمل شيء مبهم وهو يستكمل:
_" أنا شغلي في خطر بسببك، سايب الدنيا مكركبة فوق دماغي ومش عارف أبطل تفكير فيكِ وفي علاجك، لو أنا حابسك في البيت ده فانتِ سارقة أفكاري كلها لحسابك، أنا كنت بموت وشايل همك انتِ، انت ازاي مش حاسة بحاجة؟! "
+
لم تترجم كلامه جيدًا فقط همست بتخبط:
_" مش ذنبي إني صعبانة عليك، أنا مش عايزة كدة رجعني لبيتي وسيبني لو سمحت وقتها هترتاح وأنا هرتاح "
+
اغضبه تفسيرها الغريب فصاح بسخط:
_" انتِ غبية يا مسك، غبية و متعبة قوي، ليه مش قادرة تفهميني! أنا مش عايز أشوفك بتعاني "
1
_" وأنا مش عايزة أتعلق بيك " هكذا قاطعته بحقيقة مخاوفها مما ألجم لسانها بينما قلبه سارع يسمعها تستكمل:
_" ماينفعش أتعود ان فيه حد يهمه تعبي ومعاناتي، مش عايزة أوهم نفسي إني مش لواحدي وبعد كدة تبعد وتسيبني.... راجح أنا مش بكرهك..... أنا خايفة أتعود على وجودك "
+
ترددت الجملة الأخيرة بعقله أكثر من مرة، للمرة الأولى تبوح بمثل هذا الاعتراف الذي يدل على كثرة تعرضها للخذلان، فنطق بدعم:
_" صدقيني انتِ قوية من غير حد "
+
نفت على الفور تستفيض ببكاء:
_" لا مش قوية خالص، هي كمان كانت فكراني قوية، بس لا، ماكانش ينفع تفكر كدة ولا تمشي وتسيبني، أنا كنت صغيرة ومحتاجاها معايا، هو أنا ماصعبتش عليها؟... ليه سابتني؟ "
+
فهم أنها تتحدث عن والدتها الراحلة فحاول احتوائها بكلمات ينتقيها جيدًا:
_" أكيد ماكنتش عايزة تسيبك، اللي يحبك عمره ما هيتخلى عنك ويبعد بإرادته "
+
هزت رأسها يمينًا ويسارًا تستنكر كلامه وهي تردد بهيستيريا:
_" مفيش حب، ما ينفعش نآمن بالحب، هو كمان كان بيقول انه بيحبها بس خانها وسابها تموت.... حتى مالك قال انه بيحبني وبرضو طلع كذاب ومخادع، طب تعرف يا راجح، مش انا بكره تحكماتك؟.... بس مطمنة إنك واضح معايا مش بتكذب ولا بتتظاهر بحاجة وفي قلبك حاجة تانية "
+
ابتسم لها بهدوء وتنهد يقول بمهاودة:
_" طب ممكن تهدي وتتنفسي براحة، أنا معاكِ حتى لو كل دقيقة طلبتي مني أسيبك مش هسيبك "
+
تعمد قول ذلك ليغيظها وبالفعل لوت فمها بضيق وهي تمسح دموعها بينما تغمغم:
_" عارفة انك لازقة "
+
امتص الأهانة دون أن يغضب بل قال بمرح:
_" سمعتك على فكرة "
+
أشاحت برأسها بعدم اكتراث ثم هدأت تمامًا وأردفت بهمس:
_" أنا عايزة أمشي من هنا "
+
ارتسمت على وجهه ابتسامة متعبة ونبس بقلة حيلة:
_" برضو؟! "
+
-------------------
+
دخلت لها الغرفة بسرعة وهي تضع حقيبتها جانبًا بينما سها في وضع صعب من البكاء والارتجاف وما أن رأت صديقتها حتى ارتمت في أحضانها وهي تقول:
_" قبضوا على نوح، ماكانش يستاهل كدة والله، أنا السبب! "
+
صاحت فيها شهد بهمس:
_" خلاص بقى انتِ من امبارح ما بطلتيش الكلمة دي!!، هو يعني انتِ اللي قولتي له يحط مخدرات تحت مخدته؟! "
+
نفت بقوة:
_" قولتلك مظلوم يا شهد أبويا آخر واحد كان في أوضته متأكد ان الحاجات دي بتاعته..... لو ماكنتش دخلت أسرق من الاول ماكانش كل ده حصل "
+
بسرعة كتمت شهد فمها بيدها وهي تنهرها بسخط:
_" اكتمي يخربيتك ماشافهومش وهما بيسرقوا هيشفوهم وهما بيتقاسموا، اياكِ تجيبي سيرة الموضوع ده خالص، اللي حصل حصل ولا عايزة أمك تقتلك لو عرفت انك كدابة "
+
لطمت خديها بندم شديد وهي تردد:
_" ياريت تقتلني، يارب أموت بس هو يخرج يا شهد دا أبويا ماكفهوش اللي حصل ورفع عليه قضية تانية بيتهمه انه اتحرش بيا، بيبعد الشبهات عن نفسه عشان المخدرات تلبس في نوح "
+
هنا صمتت شهد كأنها تخبئ شيء ما وهذا ما لاحظته تلك الغبية فسألت بتوجث:
_" مالك هو فيه حاجة؟! "
+
أخرجت الأخرى العلكة من فمها وقالت بحزن مزيف:
_" الصراحة كدة يا سها نوح كدة كدة رايح في داهية... "
+
خفق قلبها بعنف وهي تسأل:
_" يعني ايه؟! "
+
_" سمعت انه دخل في سكة السياسة وصفحته مليانة منشورات اعتراضات على الحكومة والنظام ودي بقى قضية ماتمنهاش لألد أعدائي فبطلي تشيلي نفسك الذنب هي خربانة من غيرك "
+
ارتخت ملامح وجهها بصدمة أكبر وهي تهمس:
_" يعني ايه؟! نوح عمره ما هيعمل كدة مين قالك الكلام ده؟! "
+
_" الحارة كلها بتتكلم، المهم الفلوس معاكِ؟! "
+
طالعتها سها بشدوه ثم سألت بتوهان:
_" فلوس ايه؟! "
+
_" هتكون فلوس ايه! اللي انتِ أخدتيها، فكرك رامي هيستناكِ تخلصي مصايبكم دي!، لا فوقي لنفسك كدة كله إلا الفضايح "
+
_" وهو كان مين سبب الفضايح دي من الاول مش كلامك وتشجيعك الأسود ليا " هكذا صرخت فيها بقهر
+
فعنفتها شهد بتهكم:
_" كل شوية هتقولي انتِ السبب، والله ياختي ماضربتكيش على ايدك ولا ربطك انتِ ورامي في بعض وقولتلك اديله الأمان وقضيها مكالمات معاه وصور! "
+
للمرة الأولى شعرت بتقزز نحوها فابتعد عنها بإشمئزاز قائلة:
_" دلوقتي بتطلعي نفسك منها وأنا كنت اتعلمت أعمل كدة من مين مش منك؟!، مين اللي فضلت تقولي عادي والكل بيعمل كدة وسيبك من عقد نوح مش انتِ؟! "
+
هنا تخلت شهد عن قناع المحبة وتشدقت بضجر:
_" لا ياروح أمك شوفي حد تاني تعلقي مصايبك على شماعته، وخلينا حلوين مع بعض عشان مصيرك تحتاجيني "
+
_" أيوة بأني على حقيقتك يا شهد ما أنا اللي بنت كلب هابلة " قالتها وقلبها يعتصره الندم وهي تشير للباب:
_" اطلعي برا وسيبيني أنا مش عايزة اعرفك تاني "
+
صُدمت شهد من كلامها وحضر شيطانها وهو تقول:
_" ماشي يا سها تمام أوي كدة بس هتيجي تعيطيلي قريب ما اصلك لسة فيه حاجات واقعة منك ابقي اشحني الداتا "
1
قالتها بمغزى ثم خرجت بغضب وغيظ شديد بينما انهارت سها بالأرض تستكمل جلد ذات.....
1
-------------
+
وقف بها أمام مول فخم، كانت عيناها تتأمل الواجهة الضخمة بذهول طفولي، الأضواء اللامعة، الزجاج العاكس، والأبواب الدوّارة... كل شيء كان يبدو كأنه جزء من عالم لم يُسمح لها بلمسه من قبل،
+
التفتت إلى سيف بابتسامة مترددة، وكأنها تسأله إن كان هذا حقيقيًا، فضحك وهو يخرج من جيبه علبة صغيرة بلون كريمي، فتحها ببطء ليكشف عن ساعة أنيقة بسوار جلدي رقيق.
+
رفعت حاجبيها باستغراب، فأمسك معصمها بلطف وثبّتها حول يدها قائلًا:
_" مبدئيًّا ماتخلعيش الساعة دي من ايدك، ثانيًّا عايزك تجيبي كل اللي نفسك فيه وانا هراقب من بعيد عشان تعرفي اننا خطافين ولاد ناس وعندنا ذوق "
+
ضحكت وتأملت الساعة بعينين لامعتين، ثم نظرت له بابتسامة ممتنة، لم تتحدث، لكن عينيها كانتا تقولان كل شيء.
+
بعد لحظات كانت تندفع للداخل كنسمة هواء حرة، بينما لحق بها بهدوء،
كانت بتول تشعر بنشوة الحرية وهي تخطو داخل المول لأول مرة في حياتها، كل شيء يبدو ضخمًا، متلألئًا، ومبهرًا، عينيها كانت تلمع بالحماس وهي تتنقل بين الواجهات الزجاجية، تلمس الأقمشة، وتضحك بلا صوت كطفلة تكتشف العالم لأول مرة.
+
وهو على بعد ليس صغير منها لكن يراقبها بابتسامة دافئة، يراقب اندفاعها الطفولي وهي تتنقل بسرعة من متجر لآخر، كانت أشبه بزهرة تتفتح بعد سنوات من العزلة.
+
للحظة وقفت أمام فستان خطف قلبها فنظرت لسيف كأنها تستأذنه، أشار لها بأصابعه غامزًا مشيدًا بجمال ذوقها مما أفعمها بالسعادة
+
فزعت قليلًا من صوت عاملة من خلفها تقول:
_" ذوقك تحفة يا فندم تحبي تجربيه؟! "
+
أومأ لها سيف من بعيد فأومأت للعاملة التي قالت بنفس الابتسامة العملية:
_" اتفضلي البروفة في آخر الطرقة دي، خدي راحتك "
+
للحظة انقبض قلبه كأنه ينبهه بخطر ما لكنه تجاهل الأمر وظل يبتسم لها وهي تتجه لغرفة قياس الملابس،
+
سرح في تفاصيل يومه معها يفكر في الخطوة القادمة بينما فضوله نحو عز يقتله، مرت دقائق قبل أن يتقدم من العاملة قائلًا:
_" استعجليها معلش "
+
نظرت له بعدم فهم فاوضح:
_" قصدي البنت اللي دخلت تقيس دريس بيبي بلو دلوقتي "
+
ظهر التوتر على السيدة وهي تسأل:
_" حضرتك جيت هنا مع بنات ؟! "
+
شك بأمرها لكن أجاب بجدية:
_" آه بس كنت واقف بعيد شوية عشان تاخد راحتها "
+
استجمعت ثباتها وانكرت بكل غباء:
_" لا يا فندم مش واخدة بالي يمكن في قسم تاني أنا ماشوفتهاش هنا "
+
_" انتِ شاربة حاجة ولا ايه؟! بقولك كانت لسة هنا واتكلمت معاكِ وبعدين دخلت تجرب الدريس " كان يتحدث ببطء مثير للرعب بعدما تحولت نظرته لتلك الخاصة بفامبَيَر
+
_" وأنا بقولك يا فندم مافيش حد جه القسم ده من ساعتين تقريبًا "
+
كانت تتحدث بإرتباك وتوترها بلغ أقصاها وهي تتراجع نحو زر إنذار لكنه توقع فعلتها قبلما تفكر بها حتى،
+
في لحظة كان يقبض على عنقها لتجحظ عينيها برعب زاد مع صوته المخيف:
_" دا أنا احرقلكم المكان باللي فيه! أنا عيني عليها طول الوقت وبقولك دخلت تقيس زفت جوة "
+
ثم رماها أرضًا وهو يركض للمكان التي دخلت الصغير إليه وهو يصيح باسمها بجنون يزداد كلما لم يصله ردها وأخذ يفتح أبواب كل غرف القياس فوجدها جميعها كلها فارغة...
+
----------------
+
عاد بعد فترة شاقة قضاها بجوار أم خطيبته في المشفى، يود الإطمئنان على والده يتمنى أن يكون أخذ أدويته وخلد للنوم، كان يسرع في خطواته نحو شقته، وضع المفتاح في الباب وكاد يدخل قبل أن تصله صرختها المكتومة، تجمد في مكانه للحظة قبل أن يتجه لباب شقتها الصغيرة حيث طرق بلهفة وهو يهتف:
_" نعمان! نعمان انت كويس؟! "
+
لم ينتظر أكثر وهو يخرج نسخة من مفتاحها وما هي إلا ثوانٍِ واندفع للداخل وذهبت يده لإشعال الإضاءة بينما يصيح :
_" نعمان انت فين؟! "
+
جاءه صوتها المنهار وهي تردد ببكاء عنيف:
_" أنا ماليش غيره، مش عايزاه يسيبني هو كمان "
+
توجه لمصدر الصوت حيث يخرج من غرفة نومها المضاءة وهنا احكم عقله واقترب ببطء وهو ينادي حتى جزعَ وصرخ فيها:
_" ليلى اطلعي كلميني فيه ايه؟! "
+
أخيرًا وعت لصوته فاتسعت عينيها حينما أدركت اسمها منه، تكذب مسامعها، لكنه أكد لها وجوده وهو يكمل بأنفاس عالية:
_" اخرجي يا ليلى مش عايز أدخلك "
1
-------------
+
بفكر أوقف الرواية عشان الدراسة فمتأسفة لو الفصول اتأخرت، مش هقدر أحدد مواعيد
5
اللهم النصر لأهلنا واخواننا في فلسطين،
اللهم حرر المسجد الأقصى واجبر كسرهم واشف مرضاهم وتقبل شهدائهم برحمتك
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين.
+
