رواية في مدينة الاسكندرية الفصل السادس عشر 16 بقلم صابرين
16- حادث على طريق ماطر
هبطت على درجات السلم متناسية أن هناك مصعد لكن غيظها طغى على تركيزها حيث كان هاتفها في يدها تقرأ محادثات الأمس على جروب دفعتها للمرة التي لا تعلم عددها وكلما تقرأ يزداد غضبها
كانت المحادثة عبارة عن أن البعض يريد شرح مكثف لإحدى محاضرات المعيد عاصم ولكن الآخر كان قد قال آخر مرة أنه لن يعيد شرح المحاضرة بسبب عدد الغياب الكبير
ولأن المحاضرة مهمة يريدون أن يعيدها، وليس هذا الأمر المهم بالنسبة إليها وما يثير غيظها، وإنما كانت إحدى الرسائل التي أرسلتها إحدى الفتيات قائلة
"شباب طيب ما نقول لشروق تقولوه أكيد مش هيقولها لأ يعني، ده دخلها الامتحان غصب عن دكتور صالح وبيهتم اذا كانت فاهمة ولا لأ وبيعيد بعض الجزئيات مخصوص علشانها تحسوا مش مهتم بحد غيرها"
بالطبع ما كانت ترمي إليه تلك الحقيرة هو أن بينها وبين المعيد شئ لذا هو يهتم بها، ووالله هي ليس في نيتها شئ ولا تراه من الأساس سوى أستاذ لها فلما رمي المحصنات هذا
وقفت أمام البناية تنظر إلى الأجواء الممطرة حيث كانت تمطر لكن ليس بغزارة شديدة ولكن إن تحركت أسفل المطر ستبتل ثم يلي هذا نزلة انفلونزا حادة وهي ذات مناعة ضعيفة
نفخت بضيق وهي تتقدم للأمام نادمة على عدم شراء مظلة رغم نشرة الأخبار أمس التي كانت تؤكد أن الأمطار ستكون غزيرة هذه الأيام، فها قد بدأ فصل الشتاء المعروف في الإسكندرية بأمطاره الغزيرة
سارت بخطوات سريعة وهي تضع يدها على رأسها خوفًا من ابتلال الخمار ويصل إلى رأسها فتصاب سريعًا بنزلة برد، نزعت نظارتها حتى تضعها داخل حقيبتها بعدما ابتلت
وفي هذه الدقيقة رأت أمامها سيارة ظهرت من العدم وكانت على وشك ان تصدمها لولا أن سائقها غير مسارها بسرعة مخيفة حتى يتفاداها لينتهي به الأمر مصطدمًا في عمود الإنارة
ارتعش جسد شروق ولولا أنها تمالكت نفسها لخرت أرضًا من الرعب، لا يوجد أي شخص بالشارع فالساعة الآن السادسة والنصف صباحًا أي بعد الفجر وهذا لأن محاضرتها الأولى ستبدأ في السابعة والنصف لذا خرجت مبكرًا حتى قبل عائشة
وكما أن الأمطار ساعدت في عدم وجود أي كلب يمر حتى بالشارع لذا لم يسمع أحد بإصطدام السيارة بالعمود
نظرت إلى السيارة ببطء وتقدمت نحوها بخطى مرتعشة لتضع يدها على الزجاج تحاول النظر إلى الداخل لكنه كان معتم فلم تستطع رؤية أحد، دقت على الزجاج بقوة تنادى لعل من بالداخل لم يمت ويسمعها :
-يا أستاذ يا اللي جوا، انت حي ولا ميت
امسكت بمقبض الباب وفتحته فسقط جسد السائق هذا عليها ولولا أنها امسكت به لكانا سقطا معًا أرضًا وسط الماء، امسكت به بقوة حتى لا يسقط من يديها فهو كان فاقد الوعي كما أن رأسه تنزف الدماء
أعادته للخلف واجلسته مرة أخرى على المقعد لتتسع عينيها عندما ابصرت أنه يوسف او ربما يونس ففي هذه الحالة لا تستطيع أن تفرق بينهما، شعرت بالذعر لتنظر حولها بحثًا عن أي مخلوق في الشارع لكنها لم تجد ولا حتى سيارة واحدة تمر
نظرت إليه بحيرة وخوف لتجده يفتح عينيها ويرمش بصعوبة فقالت بسرعة :
-انت كويس سامعني طيب؟؟
وضع يونس يده على رأسه النازفة يشعر أن ما حوله أصبح أسود لا يذكر سوى أنه كان يقود ويشعر بالدوار لعدم تناوله للطعام وسهره على القضية ليلة أمس وهذا بعد أن اتاه خبر أن هناك جثة جديدة
لذا تحرك من العصر من منزل عمه محفوظ ولم يفكر في العودة إلى المنزل إلا الآن وهذا بعد أن شعر أنه سيفقد وعيه حقًا من شدة التعب، والاسوء من هذا أنه لم يرى بشكل جيد وهو يقود وقد زاد المطر الأمر سوءًا
حتى أنه كاد أن يصدم أحدًا لولا أنه تفاداه ولكن لم يستطع أن يوقف السيارة فاصطدم في شئ وقد اصطدمت رأسه في عجلة القيادة وهذا لأنه نسى وضع حزام الأمان
والآن زاد الدوار عليه وبالكاد يسمع صوت فتاة تتحدث معه وتحاول أن تجعله يقف، أما شروق فكانت تلعن في هذا الحظ الرسائل، المطر، هذا الحادث، ولا يوجد أحد يساعدهم حتى
وضعت يدها على رأسها تفكر في العودة إلى البناية واخبار عائلته لكن البناية بعيدة قليلًا وستتركه هكذا بمفرده لكن لا حل آخر، وقبل أن تتحرك أبصرت رجل يسير أسفل المطر بسرعة فنادت عليه بصوت مرتفع حتى يسمع :
-يا أســـتـاذ، لو سمحت
اقترب منها ذلك الرجل فقالت شروق برجاء :
-لو سمحت قريبي عمل حادثة ينفع بس تسنده معايا نرجعه البيت، العمارة قريبة من هنا مش بعيدة قوي
نظر الآخر إليها ثم نظر حوله وعندما لم يجد أحدًا هز رأسه ببطء وفي عينيه نظرات مريبة لم ترها شروق بسبب المطر، مد الآخر جسده إلى الداخل يبصر رجل ما بين الوعي واللاوعي، لم يهتم به بل نظر إلى أرجاء السيارة الفاخرة وعندما أبصر هاتفه ملقى على أرضية السيارة امسك به، وقبل أن يضعه في جيبه سُحب منه لتقول شروق بغضب وهي تأخذه منه :
-أنت بتعمل ايه انت كمان؟!
استقام الآخر وأخرج ماديته من جيبه وفتحها أمام وجهها ففزعت الأخرى وأطلقت شهقة تزامنًا مع عودتها عدة خطوات للخلف ليقول الآخر بتهديد :
-هاتي الموبايل يا بت اطلعي به
ضمت شروق الهاتف وحقيبتها إلى صدرها تهز رأسها برفض فتقدم الآخر منها والشر يلتمع في عينيه وقبل أن يفعل شيئًا سقط على وجهها بسبب تعثر قدمه بشئ ليتضح أن هذا الشئ هو قدم يونس التي مدها حتى يُسقطه
صرخت شروق متفاجئة تبصر الآخر يخرج من السيارة بضعف شديد لكنه يحاول حتى لا يتركها بمفردها فهرولت له حتى تحتمي به
وقف ذلك اللص وهو يمسح وجهه من الماء لتجحظ عينيه يبصر سلاح موجه ناحيته بينما قال يونس بصوت حاول جعله قوية ولا يظهر به التعب حتى لا يستضعفه الآخر :
-مفيش راجل يرفع سلاحه على واحدة ست ولا يستغل إنها محتاجة مساعدة
رفع سلاحه وأطلق طلقة في الهواء اندمجت مع صوت الرعد يخيفه بها وقد حدث بالفعل إذ ركض الآخر يلوذ بالفرار بينما يونس اخفض سلاحه وتهاوى جسده على الأرض، أجل المجهود لم يكن قويًا لكن تعب الحادث واصطدام جسده بالسيارة زاد بشدة وهو على شفا جرفٍ من فقدانه الوعي
هبطت شروق معه تحاول أن تجعله ألا يفقد الوعي حتى لا تصبح بمفردها فأصبح المكان حقًا مخيف وهذا البرق والرعد يجعل الأمر أكثر رعبًا :
-يا يونس باشا، يونس بالله عليك ما تموت دلوقت
حاول الآخر أن يمسح وجهه من الماء والدماء التي تنهمر من رأسه فقالت شروق بسرعة وهي تخرج منديل من حقيبتها :
-عايز تمسح وشك دقيقة دقيقة
رفعت الحقيبة فوق رأسه حتى تمنع المطر بينما بيدها الأخرى أخذت تمسح وجهه من الماء والدماء لتخرج منديل آخر وتضعه فوق الجرح تكتم الدماء بينما ماء المطر أغرق وجهها هي
نظر إليها يونس وبالكاد يستطيع أن يبصر فتاة بوجه مبلول تحدق به في قلق لتقول شروق وهي تترك الحقيبة وتمسك بهاتفها بينما وضعت هاتفه داخل حقيبتها
اتصلت على الإسعاف فلا حل آخر لديها، تحتاج لربع ساعة على الأقل لتعود إلى البناية وربع ساعة أخرى لتعود إليه ولن تستطيع تركه بعد هذا الموقف بالذات، قد تعود وتجده مسروقًا أو مقتولًا
استمعت إلى صوت الموظف في الهاتف فقالت بسرعة بينما تضغط بيدها على جرح رأس يونس والآخر لا يزال في حالة بين الوعي واللاوعي :
-الو، فيه حادثة حصلت في ميامي على البحر معلش تيجوا بسرعة الراجل بينزف قوي
-فين في ميامي بالظبط؟
املته شروق العنوان بالضبط ومن الجيد أنها تحفظه، أغلقت الهاتف ووضعته في حقيبتها ثم وضعتها مرة أخرى على رأسه وأخرجت منديل آخر وكتمت به الدماء لتقول بضيق شديد وهي تحدق في ملابسها المبتلة
وحمدًا لله انها ترتدي سترة جلدية طويلة لن تجعل الماء يصل إلى صدرها ولكن الجيب ابتل والخمار ابتل :
-لبسي اتبل والخمار اتبل وهتأخر على المحاضرة وانت بتموت جمبي وهو يوم باين من أوله، قوم يا عم معايا ادخل العربية من المطرة دي
نظرت إليه لتجده مغلق العينين فعلمت أنه فقد الوعي، خافت بشدة من أن تظل هكذا في الشارع بمفردها، الوقت مبكر حتى الشمس لا تظهر من الغيوم، والأمطار تزداد غزارة
وكل هذا لا يجعل أحد موجود غيرهما فخافت أن يأتي أحد آخر يحاول سرقتهم أو ربما أسوء، فهناك سفاح موجود في الاسكندرية يقتل الناس وآخرهم امرأة قتلها البارحة ووجدوا جثتها ملقاة في الشارع
انتفضت بسبب صوت الرعد الذي دوى في المكان فوقفت بسرعة وحاولت أن تجعله يقف معها لكنه ثقيل عليها كما أنها لم تعتد أن تلامس رجل هكذا لكن هذه حالة خاصة إن بقيا هكذا كلاهما سيصابا بنزلة برد، كما أنها لم تعد ترى بسبب المطر
رفعته من أكتافه وبصعوبة شديدة جعلته يجلس داخل السيارة حتى أنها وقفت تلتقط أنفاسها لتسحب مسدسه وتلقي به داخل السيارة
ابعدت قدميه قليلًا وجلست على أرضية السيارة وجعلت قدميها في الخارج بحيث أصبحت رأسها داخل السيارة بعيدًا عن الأمطار وهي ليست داخل السيارة معه
نظرت حولها وهي تمسح عينيها من الماء تدعو ربها أن تمر هذه المشكلة على خير، رفعت رأسها له لتجد أن الدماء لا تتوقف عن النزيف فأخرجت الكثير من المناديل ووضعتها على رأسه تحدق به في قلقٍ من أن يموت
ظلت على هذا الوضع لعشر دقائق تقريبًا قبل أن تستمع إلى صوت صفارة الإسعاف فقفزت بسرعة حتى توقفها رافعة يديها حتى يرونها من بين المطر، توقفت السيارة وهبط المسعفين واخذوا يونس بينما هي أغلقت سيارته بعدما سحبت مفاتيحه ه حتى لا يسرق أحد السيارة
-هتركبي معاه؟
هتف بها المسعف بينما نفت الأخرى برأسها فلا تستطيع أن تذهب معه وتترك محاضرتها فهي مهمة جدًا :
-لا مش هاجي، تقدروا تاخذوه لمستشفى ماري قريبة من هنا أخوه شغال فيها أكيد هيهتم بالموضوع هو من هناك
صمت لبرهة تعيد التفكير في الأمر قليلًا لتعود فيما قالت وهي تصعد معهم فقد تجد مواصلة من أمام المستشفى بدلًا من الوقوف هنا ولا يوجد كلب يمر حتى وتحتاج السير لعشر دقائق أخرى حتى تصل إلى موقف السيارات :
-ولا اقولكم خدوني معاكم بدال ما تحصل حاجة تاني وابقى انا وحدي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في التاسعة صباحًا
حركت قدميها بضجر شديد وعينيها معلقة بالنافذة حيث الأمطار تنساب بغزارة ومن الجيد انها أتت بمظلة معها، وضعت كفها على وجنتها وهي تقلب في هاتفها على موقع الجريدة حيث نشرت البارحة خبر مقتل إعلامية مشهورة تدعي مروة
أصبح هذا السفاح يهز الرأي العام حتى أن سكان الإسكندرية بدأوا يشتكون على مواقع التواصل الإجتماعي خاصةً بعد ذلك الفيديو الذي نشره السفاح وهو يلقي بشاب من فوق البناية وكأنه يقول للجميع أنه موجود ولا يخشى أحدًا
خرجت من الموقع وذهبت لموقع آخر لم تكن تعلم أنه يخص حبيبها حيث كانت المنشورات التي ينشرها عمر الأعلى مشاهدة لكنها قلقة عليه من هذا فهو يفضح أناسًا مهمين ولهم سلطة، تخشى أن يصيبه ضرر منهم إن كشفوا أمره
خرجت من التطبيق وذهبت إلى المعرض حيث كنت تخبئ ملف صور برقم سري، كان هذا الملف يضمن جميع الصور الموجود بها عمر وقد خبأتها في هذا الملف بعدما طلبت منها والدتها أن تمسح صوره وجميع ما يتعلق به
كانت أمها غاضبة وناقمة عليه لأنه تركها في يوم عقد القران ولم يأتي لكن لم يكن الأمر بيده لقد مات والديه في هذا اليوم وخسر هو جزء من ذكرياته وكانت هي جزء من هذه الذكريات
قلبت في الصور وعلى شفتيها ابتسامة حالمة لتزداد اتساعًا وهي تستمع إلى صوت المطربة الراحلة صباح يصدح في المقهى وهي تصف حبها لحبيبها من خلال مقطع وصف حالتها وعلاقتها مع عمر تمامًا
"قابلت كتيـــر... فرشولي علشاني الأرض حرير وشوفت كتيـــر... ولا شوفتش زي حبيبي أمير.... منيش رايداه ومنيش رايداه، منيش رايداه إلا هو منيش رايداه"
أحسنتي صباح وصفتي ما أشعر به فوالله لو عرضوا عليها رجال الأرض لن تقبل إلا بعمر، تتسألون ربما لما تحبه كل هذا الحب ومتمسكة به هكذا رغم انه لا يتذكرها ستقول وببساطة لأنها تعشقه
المرأة لا تعشق رجلًا بكل كيانها إلا في ثلاث حالات، إلا يكون حنونًا معها، لا تشعر بالأمان إلا معه، لا يرى غيرها ولا ينصف عليها أحد
وفي حالتها مع عمر فهي تختار الثانية فحبها لعمر بدأ بسبب شعورها بالأمان معه وهذا بعد موقفين جمعهما سويًا، أحدهما كادت تودي بحياة عمر في سبيل الدفاع عنها
وكانت تلك مقابلته الثانية معها بينما مقابلتها الأولى معه كانت منذ خمس سنوات، عندما اتجهت إلى كلية الحاسبات والمعلومات التي تدرس بها ابنة عمها رحاب في سنتها الأخيرة
كانت حينها لا تزال تبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا وكانت في عامها الأول في كلية الإعلام، لكن تواجدها في كلية الحاسبات والمعلومات كان لأن تذهب من رحاب إلى بيت عمها رفقة ابن عمتهم فقد كانت رحاب متزوجة منه انذاك
دلفت إلى الكلية وهي تضم كتبها إلى صدرها عاقدة شعرها الأسود على هيئة ذيل حصان وفي يدها هاتفها تحاول التواصل مع رحاب حتى تعلم أين هي
كانت تبدو غريبة عن الكلية وشكلها جذب انتباه بعض الشباب خاصةً بعدما انزلق هاتفها من يدها وعندما مالت حتى تأتي به سقطوا كتبها
زفرت بضيق تجمع الكتب وقبل أن تمسك بالهاتف امسك به شاب وعندما رفعت رقية رأسها له صفر الآخر بإعجاب صريح :
-ايه العيون دي؟! أموت انا في العيون السود
وقفت رقية بسرعة وحاولت أن تأخذ منه هاتفها لكن الآخر رفع يده إلى الأعلى هاتفًا بنبرة عابثة :
-ليه بس كده تحرمينا من عينيكي استني شوية
تحدثت رقية بغضب وهي تحاول أن تسحب منه هاتفها :
-انت بني آدم مش محترم هات
سحب شاب آخر كتاب من كتبها متحدثًا بتساؤل وهو يحدق في الكتاب :
-شكلك مش الكلية دي، هاتي كده نشوف
صاحت به رقية وهي تحاول أخذ كتابها فألقى به لصديقه قائلًا :
-ما براحة يا قمر العصبية مضرة ليكي
تحدث صديقه هذا وهو يقرأ عنوان الكتاب :
-شكلها كده صحافة وإعلام اسمك ايه بقى يمكن تكوني أشهر من مني الشاذلي في يوم من الأيام
ضحك الثلاثة ليسحب شاب رابع الكتاب بعنف من يده قائلًا وهو يدفعه ناحية صديقه :
-مش رجولة تتشطروا على واحدة
وقف المتحدث أمام رقية يخفيها خلف ظهره بعدما أعطى لها الكتاب بينما امسك الشاب بصديقه قبل أن يسقط ليقول الثالث وهو الذي يمسك بالهاتف :
-ايه يا عمر تخصك ولا ايه؟؟
-لأ متخصنيش بس بنت وشايف همج زيكم بيضايقوها، وانا بصراحة ابويا علمني اني لو شوفت بنت محتاجة مساعدة ووقفت اتفرج عليها ابقى ومن غير زعل من أشباه الرجال زيكم
اعتدل الآخر في وقفته مقتربًا منه بغضب :
-وليه بس الكلام اللي يزعل ده
اجابه الآخر بنبرة ساخرة وهو يشير إلى ثلاثتهم :
-كلامي يزعل إنكم أشباه رجال أومال مضايقتكم للبنت تعتبر ايه؟ ظرافة وخفة دم
مد يده حتى يأخذ منه هاتفها قائلًا :
-هات التليفون
-ولو مجبتهوش؟؟
نطق بها الآخر وهو يبعد يده ويلقي بالهاتف لصديقه بالخلف فقال عمر وهو ينظر إلى عينيه ببوادر غضب :
-هيبقى في كلام ده بس مش باللسان
ختم حديثه صادمًا رأسه في رأس الآخر فتراجع للخلف وهو يضغط يده على أعلى أنفه حيث أصيب بجرح وقد بدأ ينزف
تحدث أحد الشابين بالخلف وهو يجر صديقه معه :
-خلاص يا عمر خلاص
ألقى إليه بالهاتف وأخذ معه صديقيه بينما استدار عمر إلى رقية ماددًا لها الهاتف فقالت الآخر ممتنة :
-شكرًا أوي انت شخص خلوق بجد
آماء الآخر بهدوء ليسألها وهو ينظر إلى كتبها :
-انتي مش في الكلية دي بتعملي ايه هنا؟؟
-مستنية بنت عمي تيجي اسمها رحاب
نطقت بها وهي تتصل على رحاب والأخرى تضغط على زر عدم الإجابة فيعطيها مشغول بينما قال عمر يإنتباه :
-رحاب محفوظ هواري؟
آماءت له رقية سريعًا فقال الآخر وهو ينظر خلفها :
-اهي هناك جاية
واستدارت الأخرى بسرعة لتجد رحاب تتحرك بخطى سريعة حتى تصل إليها فقالت بضيق وصوت مرتفع :
-انا بتصل بتكنسلي ليه ما تردي
-وأرد ليه ما انا جيت اهو
نطقت بها بهدوء لتنظر إلى زميلها عمر ثم عادت بنظرها إلى رقية تنتظر شرحًا فقال عمر مجيبًا تساؤلها هذا :
-كان في كام واحد بيضايقوا بنت عمك بس انا حليت الموقف
اتسعت أعين الأخرى بذهول مردفة :
-احيه بجد!؟ طب شكرًا أوي يا عمر إنك مسبتهاش لحد ما جيت
هز الآخر رأسه وتركهما ورحل وكانت هذه المقابلة الأولى لها بعمر وحالها كحال من يحدث معهن مثل هذا الموقف يعجبن بالبطل الذي ينقذ الموقف وبما أنها كانت في أواخر مراحل المراهقة جذب الأمر عقلها
وعندما بدأت تتناساه ظهر مجددًا في حياتها لكن المرة الثانية كانت سيئة بشدة
افاقت من ذكرياتها الوردية هذه وأغلقت هاتفها عندما أتى من تنتظره، عقدت ذراعيه ولم تكلف نفسها وتقف حتى بينما قالت عايدة مبتسمة لها :
-صباح الخير يا رقية
-هنشوف هنشوف
عقدت الأخرى حاجبيها متعجبة إذ قالت :
-نشوف؟! نشوف ايه؟؟
-نشوف هيكون خير ولا لأ مع اني أشك بصراحة طالما اصطبحت بوشك ده
-علفكرة دي قلة ذوق؟!
هتفت بها عايدة غاضبة بينما ضحكت الأخرى ضحكة ساخرة بشدة :
-بلاش انتي يا عايدة تتكلمي عن قلة الذوق وقولي اللي عندك علشان انا مش فضيالك وجاية النهاردة بعد زنك الكتير علشان اقابلك فها عايزة ايه
جلست الأخرى على مضد تحاول ألا تدع الغضب يؤثر عليها لتقول :
-انا اصريت أقابلك علشان انا وانتي بنات زي بعض وأكيد هتفهميني انا ليه سبت يونس زمان
-علشان طماعة بنت كلب
اتسعت عينيها بصدمة شديد لتصيح بها قائلة :
-احترمي نفسك يا رقية وإلا والله هسيبك وامشي
أشارت الأخرى إلى باب المقهى متحدثة بكل برود :
-اتفضلي امشي هو انا مسكاكي
زفرت عايدة تضغط على نفسها فهي تحتاج إليها إذًا فلتتحمل وقاحتها رغم تعجبها من كم الوقاحة التي أصبحت تتحلى بها هذه العائلة :
-انا اتعرض عليا ابن راجل كبير أوي في البلد وغني وابوه تاجر دهب والكلام ده لما كنت مخطوبة لاخوكي أو نقول قراية فاتحة علشان دي مكانتش خطوبة، وانا طبيعي وزي أي بنت صغيرة في السن تفضل الأغنى والأحسن
قاطعتها رقية هاتفة بحدة :
-لا عندك أغنى آه بس مش أحسن، لإني لو كان أحسن مكنتيش اتطلقتي منه وراجعة دلوقتي تحاولي تجري ناعم تاني مع يونس
ضغطت الأخرى على شفتيها لا تدري متى أصبحت رقية بهذا النضج في الحديث والعقل، لقد تناست أنه قد مر أكثر من ست سنوات ولم تعد رقية الفتاة صاحبة السبعة عشر عامًا :
-رقية أي بنت كانت هتعمل كده حتى انتي لو مكاني كنتي هتعملي كده
-لأ لأ لأ دي مقارنة خسرانة انا مش واطية زيك يا عايدة ابيع الراجل اللي بيحبني وشاريني، واوعي تفتكري علشان انا قاعدة معاكي دلوقتي ابقى قابلة كلامك أو اني مثلًا ممكن اساعدك ترجعي ليونس، ده انا لو عرفت انه فكر، فكر بس انه يرجعلك هفكره بكل اللي عملتيه فيه وإنك رمتيه وراء ضهرك وبعتيه
وقفت من مكانها وجمعت اشيائها من فوق الطاولة مكملة :
-بصي يا عايدة من الآخر كده انتي لو بقيتي حورية من الجنة أو بقيتي آخر ست على وش الأرض يونس لا هيبصلك ولا هيرجعلك علشان البني آدم لو رمى زبالة مش هيرجع يبص عليها تاني
سحبت مظلتها ورحلت بينما حدقت عايدة في الفراغ، يبدو أن بعد رفض رقية لدعمها ستلجأ للعاقل في هذه العائلة فهي على حسب ما تتذكر يستطيع يوسف التأثير على أي أحد بكلامه الموزون...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
امسك بدفتر الحضور والغياب يمضي حضوره بينما يتحدث مع الممرضة قائلًا :
-هي براءة جات؟؟
-آه يا دكتور جات من ربع ساعة
رفع يوسف نظره مندهشًا ثم قال :
-جات من نص ساعة!؟ تتحسد جاية بدري
كاد أن يغلق الدفتر ويعطيه لها لكنه توقف ما إن قرأ حضور أحد الأطباء ومنذ فترة لم يرى حضوره موجود، رفع نظره للممرضة مرة ثانية وهذه المرة كان أكثر اندهاشًا :
-هو إسماعيل رجع!؟
آماءت الأخرى بهدوء وهي تأخذ منه الدفتر :
-آه دكتور إسماعيل رجع وهتلاقيه بدأ شغله كمان
ابتسم يوسف وأخذ يبحث عن إسماعيل ابن عمه والذي كان يعمل طبيبًا معه في المشفى لكنه أخذ أجازة بدون أجر لمدة ثلاثة أشهر وهذا بسبب مشكلة حدثت بسببه في غرفة العمليات
أجل لم تمت المريضة وانقذها لكن إسماعيل تعب نفسيًا من شدة الضغط الذي حدث في تلك الساعات القليلة في غرفة العمليات لذا أخذ إجازة بدون أجر وها قد عاد مرة أخرى
ازدادت ابتسامته إتساعًا وهو يبصره يتحرك في إتجاه عيادة النساء والتوليد فنادى عليه قائلًا :
-على رأي رقية البالطو هيزغرط عليك يا دكتور إسماعيل، كويس إنك رجعت زهقت من القعدة وحدي يا جدع
استدار إسماعيل رامقًا إياه بضحك ثم قال :
-هو انت فاضي علشان تقعد وحدك أصلًا، لو انت تقعد وحدك مين اللي يشتغل في المستشفى يا يوسف
ضحك الآخر وهو يقف معه في الممر قائلًا :
-ايه الحسد اللي عيني عينك ده بس تصدق ليك وحشة
-علفكرة إحنا لسه شايفين بعض إمبارح لو مش مستوعب
-لا قصدي على المستشفى وكده بس قولي عامل ايه
رفع الآخر منكبيه واضعًا كفيه داخل جيوب معطفه الطبي :
-عامل ايه من أنهى إتجاه؟ قصدك على حالتي عامةً ولا على اللي عملته غادة إمبارح
تنهد يوسف شاعرًا عليه بالأسى فدائمًا ما يتحمل إسماعيل نتائج مصائب غادة التي تحدث من خلف لسانها :
-إسماعيل كلنا عارفين غادة وشخصيتها الغريبة دي واني لسانها دايمًا سابق تفكيرها وأكتر من مرة تحصل مشكلة بسبب لسانها وانت كل مرة تعدل من وراها، غادة مش وحشة وإحنا عارفين مشكلتها بس اني اللي في قلبها على لسانها
مسح إسماعيل وجهه متنهدًا بتعب فربت الآخر على كتفه مشفقًا عليه من هذا الضغط الشديد :
-معلش يا إسماعيل نصيبك كده وبينكم طفل مش هينفع أبدًا انفصال
-يوسف انا عمري ما فكرت في انفصال بس مش عارف هتفضل لحد امتي مش بتاخد بالها من كلامها خاصةً وهي متعصبة، انا تعبت مش عارف امتى تكبر وتعقل بقيت أم وعندها تلاتين سنة
-إسماعيل اهدى احنا في المستشفى
ضغط الآخر على جسر أنفه ليصمت لثواني ثم قال من بعدها مغيرًا مجرى الحديث :
-صحيح أخبار كريم ايه؟؟ أكيد اتضايق
-كريم قلبه طيب ومش بيشيل من حد وعارف أخته كويس هو بس اتضايق جامد إنها جابت سيرة الموضوع قدام بنات اخوالك، وكويس إنها متكلمتش كتير وانت عارف موضوع اني كريم كان مدمن لحد دلوقتي لسه مأثر على نفسيته
آماء إسماعيل بتفهم ثم قال :
-لسه موصل غادة عند عمي علشان تصالح كريم وحمزة
ضحك يوسف بقوة على آخر كلمة معدلًا عليها :
-تصالح كريم آه بس حمزة لأ، لا هي بتطيقه ولا هو بيطيقها تحسهم أعداء مش اتنين مولدين فوق بعض، أعتقد لولا عارفين إنهم كبروا لكانت هتبقى معظم خناقتهم بالضرب زي زمان
ضحك كلاهما على تصرفات حمزة وغادة القديمة والتي لا تزال قائمة حتى الآن فالفرق بينهما سنتين فقط وفي هذه الحالة يكون الأخوان لا يطيقان بعضهما البعض
أبصر يوسف براءة تسير في تقاطع الممرات فنادى عليها بينما الأخرى كانت على وشك أن تشتري شيئًا تأكله بما أن يوسف لم يأتي بعد وهناك فرصة لتناول الإفطار، لكن ما إن نادى عليها حتى اغمضت عينيها ساببة إياه بصوت منخفض ثم قالت وهي تنظر ناحية الصوت مبتسمة بتهكم :
-طب أفطر الأول بدال ما اهبط منكم ثم هو حد لحق يدخل العمليات علشان تنادي عليا لسه بنقولوا يا فتاح يا عليم
-شوفت بنت خالك اهو ده حال كل يوم
نطق بها يوسف محدقًا في اسماعيل بينما استدار الآخر ناظرًا إليها بابتسامة واسعة فاقتربت الأخرى منه ما إن ابصرته يقف معه لتقول وهي تحدق في معطفه الطبي :
-هو انت دكتور هنا يا إسماعيل؟؟
-اها في قسم النسا والتوليد
نظرت براءة إلى يوسف متعجبة ثم قالت :
-بس انا مشوفتكش خالص وبقالي هنا شهرين ونص
-ما انا كنت واخد أجازة لتلات شهور
-ليه؟؟
هتفت بها بفضول فقال يوسف مانعًا الآخر من الإجابة :
-ايه الأسئلة الكتير دي مش كنتي عايزة تروحي تفطري روحي يلا وخمس دقائق وتكوني قدامي علشان نُمر على المرضى
برمت الأخرى شفتيها هاتفة بقنوط :
-خمس دقايق افطر فيهم!؟ وجاي على نفسك ليه ما أفطر واحنا بنمر على المرضى اللي مش هيطيروا علفكرة
أشار يوسف إليها محدثًا إسماعيل وكأنه يشكو منها :
-شايف اهو ده انا اللي باخده منها وأمك فكراني بعذبها
-ما بصراحة معاها حق ايه المعاملة دي ثم خمس دقائق ايه اللي تفطر فيهم ده انت متعملهاش اتقي الله شوية يا يوسف
اتسعت أعين الآخر من مدافعته الغير متوقعة هذه، بينما صاحت براءة وكأنها وجدت طوق النجاة من هذا الطبيب :
-قوله يا إسماعيل قوله مش بيديني فرصة أفطر ولا اقعد على حيلي دقيقة ورايح جاي في المستشفى يقول يا براءة
نظرت إلى يوسف ثم أكملت شكوتها والآخر مذهول من كم الاتهام هذا :
-هو مفيش إلا براءة في المستشفى؟ ما فيه وفاء فيه علا فيه ابتسام ولا هو لما تيجي تدخل عملية مفيش غير اسم براءة بيجي على لسانك، انت كل مادا بتكرهني أكتر في اليوم اللي دخلت فيه تمريض
-شايف اسلوبها يا إسماعيل هو انا يعني بعذبها؟! دي هي اللي رافعة ضغطي
نطق بها يوسف مستنكرًا كل هذه الاتهامات فقال إسماعيل ضاحكًا :
-خلاص يا يوسف بعفيك انا من الموضوع ده اتكلم مع المدير إنك هتسلمني تدريبها
-ايــه
هتف بها كلاهما في نفس الوقت لتقول براءة بشك :
-مش هتبقى زيه وتخليني ألف زي التور في الساقية علشان لو كده وفر على نفسك وانا هستحملهم التلات شهور دول
-لا يا ستي هراعي إنك بنت خالي
نظر إلى يوسف مسترسلًا :
-شوف الموضوع ده يا يوسف وهاتلي الملف بتاعها علشان التقييمات
-أشوف ايه؟؟
نطق بها يوسف غير مصدق أنه يتحدث بجدية فقال اسماعيل بهدوء :
-موضوع نقل تدريب براءة ليا
-بس... بس دكتور عبد السميع مش هيوافق علشان انا المسؤول عنها من لما وصلت
لا يعلم لما يرفض الأمر لكن شئ بداخله يرفض أن يعطي تدريب لبراءة لإسماعيل حتى تصبح ملازمة له طوال فترة العمل، والآخر كان يصر على الأمر إذ قال :
-اتكلم مع دكتور عبد السميع وهو أكيد مش هيرفض انت دكتور وانا دكتور برضو هيرفض ليه؟ أقولك انا هتكلم معاه
تحرك من مكانه حتى يذهب لكن توقف على صوت إحدى الممرضات وهي تحادث يوسف قائلة :
-دكتور يوسف أخوك عايز يشوفك
استدار يوسف متعجبًا وجود يونس في هذا الوقت :
-اخويا يونس؟ هو هنا؟!
-آه يا دكتور جابته الإسعاف الصبح وكان خارج من حادثة عربية
كان اسلوبها باردًا بعض الشئ ليس وكأنها تخبره أن أخيه وتوأمه متواجد في المستشفى بسبب حادث والآخر فزع بشدة صائحًا بها بغضب جعلها تجفل :
-وانتي بتتكلمي ببرود كده لــيــه؟ فين يونس!؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
طرقات مزعجة جعلته يلقي بالغطاء من فوقه صائحًا بغضب بينما بالكاد يرى من النعاس الذي يملأ عينيه :
-عايزة ايه يا رحــمــة غوري من هنا انا عايز أنــــام
فُتح الباب واطلت غادة من خلفه ماددة رأسها فقط للداخل :
-ده انا غادة يا كريم
مسح الآخر شعره ووجهه يطرد النعاس محدقًا في الأخرى بضيق :
-يا فتاح يا عليم على الصبح، عايزة ايه يا غادة واللي جابك على صباح ربنا كده
-ينفع ادخل
-ادخلي يا اختي هو انا منعتك
ما إن ختم حديثه حتى غطى رأسه بالوسادة حتى يعود للنوم بينما دلفت غادة وجلست على طرف الفراش مبعدة الوسادة عن وجهه ثم قالت :
-كريم انت زعلان مني؟؟
اعتدل كريم وجلس على الفراش أمامها قائلًا بهدوء أقرب لعدم المبالاة :
-لا عادي اتعودت على لسانك
-اومال ليه مردتش على مكالماتي بالليل
-علشان كنت متضايق يا غادة، وطبيعي اتضايق لما اختي قدام ناس غريبة تقول كنت جيتلي اديتك قلمين بدال ما تروح خالص في سِكتة الإدمان
تحدثت الأخرى مدافعة عن نفسها فهي لم تذكر كلمة إدمان :
-انا والله مقولتش إدمان وكنت عايزة أهزر، بس.... بس فعلًا زي ما ماما بتقول انا هزاري تقيل ومحدش بيقبله
نظر إليها كريم بأعين غائمة قائلًا :
-غادة مكنش ذنبي والله هما اللي ضحكوا عليا، كانوا بيحطوه ليا في العصير
سحب خصلات شعره بقوة ضاغطًا على شفتيه بقوة فهو لا يريد أن يبكي، وعندما رأته غادة في هذه الحالة سحبته إلى أحضانها مربتة عليه فدائمًا ما كان كريم الأقرب إليها في اخوتها :
-خلاص يا كريم انت سليم دلوقتي ومفيش فيك اي حاجة واللي عملوا كده يونس وحمزة ظبطوهم هما وأهاليهم
ابتعد عنها قليلًا فمسحت الأخرى على شعره مكملة :
-حقك عليا انا آسفة ليك والله
-خلاص يا غادة ما انتي اختي بقى ولازم استحملك، ربنا يكون في عون إسماعيل، صحيح هو فين
اجابته الأخرى وهي تجلس القرفصاء على فراشه :
-وصلني هنا انا ولؤي وراح هو المستشفى علشان رجع الشغل تاني
نظرت إلى فراش حمزة المرتب ثم تساءلت :
-صحيح فين الرخم أخوك؟؟
-علفكرة الرخم أخويا هو اخوكي انتي كمان لو مش واخدة بالك
نطق بها كريم وهو يرى حمزة يقف على باب الغرفة مبتسمًا في البداية على مصالحتهم لبعض لكن بدأت ملامحه تنقلب بحديث غادة الأخير وقد زادت الأخرى الطين بلة إذ عقدت ذراعيها رافعة انفها للأعلى ثم قالت :
-لا اخويا ولا اعرفه جاته ضربة في ايده المعقد الحقودي ده بيحقد عليا وبيكرهني من وإحنا صغيرين علشان انا الكبيرة وأحلى منه
وما إن ختمت حديثها حتى وجدت كف يهبط فوق رأسها مسقطًا إياها على وجهها ثم توالت الضربات بالوسادة مختلطة بصوت حمزة الغاضب :
-مين المعقد الحقودي ده يا سودة يا مقفشة، انا بحقد عليكي يا بت ولا انتي اللي قلبك أسود
صرخت الأخرى بصوت مكتوم بسبب التصاق وجهها بالفراش والآخر مهيمن عليها ويمنعها من رفع رأسها مكملًا وهو يحاول خلع حذائه حتى يضربها بها :
-ثم أحلى من مين ده انتي محدش عبرك غير إسماعيل وانا قولتله بلاش دي هتتعبك وتطلع عينيك الواد خد أكبر خازوق في حياته
دفعه كريم بقوة من فوقها صائحًا به :
-خلاص يا حمزة يخربيتك البنت هتفطس
سقط حمزة على فراشه وما ابتعد عنها حتى تنفست غادة بعنف ولم تلبث إلا وهجمت عليه ساحبة إياه من شعره لعلمه أنه نقطة ضعفه ويجن إن احد لمسه :
-ايوه حقودي وانت فاكر نفسك حلو يعني علشان مطول شعرك وسايح، والله لانتفه
والآخر ما إن سحبت شعره حتى امسكها بدوره من شعرها أسفل حجابها ساحبًا اياه بعنف فصرخت غادة بقوة :
-سيب شعري يا حــــمـزة
-سيبي انتي الأول
وقف كريم بسرعة وحاول فكهم عن بعض وما إن رأي رحمة تقف أمام الغرفة تشاهد وكأنها تتطلع على فيلم حتى صاح بها قائلًا :
-انتي بتتفرجي نادي بابا
ركضت الأخرى حتى تنادي أبيها الذي كان يسمع كل ما يحدث لكنه لا يحرك ساكنًا وكأنه أعتاد على هذا وهو بالفعل كذلك، بينما ابتعدت غادة عن حمزة عندما قطعت من شعره عدة خصلات ناظرة له بتشفي، بينما الآخر اتسعت عينيه بصدمة وأصبح كثورٍ هائج
وعندما رأي كريم هذه النظرة حتى سحب غادة بسرعة صارخًا :
-أجري يا غادة ليقوم ياكلك
ومن سرعة سحبها لها سقطت غادة وسقط هو معه أمام باب الغرفة حيث عادت رحمة مرة أخرى وعلى شفتيها ابتسامة متسعة لتقول وهي تمسك بمقبض الباب :
-بابا بيقول محدش فيكم انتوا التلاتة اتربى، وقالي اقفل الباب عليكم واسيبكم تقطعوا في بعض
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
-يا ابني انا كويس والله كويس
هتف بها يونس عندما كاد أن يقف من فوق الفراش الطبي في المشفى حتى يذهب إلى المرحاض فوقف يوسف بسرعة حتى يسانده أو لنقول انتفض
عقد يوسف حاجبيه وهو يسانده رغمًا عنه قائلًا :
-وانا عملت ايه مش بسندك ده انت طالع من حادثة
-يعني انت كمان شايفني طالع من العناية المركزة انا يا دوب عندي كام كدمة وراسي اخدت فيها غرزتين
سانده يوسف حتى المرحاض وأعاده مرة أخرى وما إن جعله يجلس على الفراش حتى نادى على براءة فقال يونس ضاربًا كف على الآخر :
-يا ابني يا ابني مفيش حد في الأوضة غيري انا وانت دي تالت مرة تنادي على براءة عايز منها ايه
ابتسم الآخر بإحراج فلسانه قد أعتاد على المناداة عليها، دلف إسماعيل إلى الغرفة مبتسمًا لهما ليقف أمام يا يونس مردفًا بتساؤل :
-مين البنت اللي جابتك هنا يا يونس؟؟
-بنت!؟ بنت مين؟
نطق بها بتعجب فقال الآخر :
-المسعفين بيقولوا اني واحدة اتصلت عليهم وكمان ركبت معاهم عربية الإسعاف ونزلت منها قدام المستشفى وركبت تاكسي ومشيت حتى مقالتش اسمها قالت أخوه دكتور يوسف موجود في المستشفى هيهتم هو به
نظر يوسف إلى يونس مندهشًا :
-طالما تعرفني وتعرف اني شغال في المستشفى دي تبقى أكيد عرفاك، بس
صمت لبرهة ثم قال :
-الدكتور النبطاشي اللي كان هنا قالي أنهم جابوك قبل الساعة سبعة ده كان لسه بدري أوي، مين البنت اللي هتبقى موجودة في الشارع في الوقت ده وفي عز المطر
رفع الآخر منكبيه بعدم اهتمام فهو لا يتذكر شئ من الأساس ولا يعلم من الذي أتى به إلى هنا :
-خلاص مش مهم كويس أصلًا إنها كانت موجودة في الوقت اللي عملت فيه حادثة ده ربنا بعتها نجدة
هز اسماعيل رأسه لينظر إلى يوسف متسائلًا :
-صحيح فين تقييمات براءة علشان آخد انا تدريبها
-انت كلمت دكتور عبد السميع؟؟
هتف بها يوسف بتوجس فنفى الآخر برأسه قائلًا :
-لأ بس قولتلك معتقدش أنه هو هيرفض
-لأ رفض
-انت روحتله؟؟
نطق بها الآخر رافعًا إحدى حاجبيه فقال يوسف بكذب :
-آه روحت وقالي كمل انت معاها طالما هتخصص جراحة عمليات
-طب ما انا برضو جراحة عمليات يا يوسف بس جراحة نسا وتوليد
نظر إليه الآخر مستمرًا في كذبه رغم أنها ليست من شيمه :
-خلاص يا إسماعيل قولتلك رفض ثم انا أو انت مش هتفرق ولا انا خايف عليها مني!؟
رفع إسماعيل منكبيه ينفي هذا قائلًا :
-لأ أكيد واثق فيك وعارف انك مش هتعملها حاجة وحشة ده كويس انها معاك مش مع مجدي الفلاتي ده، وخلاص تمام انا أو انت مش هتفرق
نظر إلى يونس ثم أكمل بابتسامة وهو يخرج شيئًا من جيبه :
-ألف سلامة عليك يا يونس أمشى انا بقى علشان عندي كشفات وصحيح المسعف عطاني محفظتك لقيوها في جيبك
أخذ منه الآخر المحفظة عاقدًا حاجبيه :
-المحفظة بس؟! طب والمسدس والتليفون
-مش عارف والله ممكن يكونوا وقعوا معاك في العربية أصل ملقيوش معاك غير المحفظة، بس اروح أسأل تاني لو عايز
تركهم إسماعيل ورحل فنظر يونس إلى أخيه رافعًا حاجب ومخفضًا الآخر فقال يوسف متعجبًا :
-ايه فيه ايه؟؟
-فيه إنك كدبت من شوية
-لأ مكدبتش
-لا كدبت يا يوسف في إنك روحت لدكتور عبد السميع ده، أولًا انت متحركتش من جنبي من ساعة ما دخلت عليا، ثانيًا انا اخوك وتوأمك لو كدبت على الدنيا دي كلها مش هتعرف تكدب عليا، انت كتاب مفتوح قدامي زي ما انا كتاب مفتوح قدامك
تنحنح يوسف وهو يعبث في ساعته مدعيًا الانشغال بها :
-وفرت عليه علشان دكتور عبد السميع مكنش هيوافق أصلًا
-عايزاها جنبك
اتسعت أعين الآخر عندما نطق يونس بهذا فضحك الآخر قائلًا :
-يا ابني بقولك كتاب مفتوح قدامي
-انا... انا مش عايزها تتشتت ما بين الجراحة العامة وجراحة النسا والتوليد، مادام بدأت تدريبها في الجراحة العامة يبقى تكمل
رفع يونس حاجبه غير مقتنع بكل هذا ليقول :
-وايه يعني الجراحة العامة وجراحة النسا والتوليد ما الاتنين فيهم سكاكين ومقصات ودم بيطرطش في كل حتة
-سكاكين ومقصات!؟
هتف بها الآخر مذهولًا فقال يونس بعدم إهتمام :
-حوَّر زي ما انت عايز في الآخر مسيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة، انت يعني هتحكي لمين غيري
