رواية دوبلير الفصل الخامس عشر 15 بقلم فاطمة علي
الفصل الخامس عشر.
تأكد "عبد الرحمن" من انصراف زوجها الذي يظهر الحزن جليًا على قسماته وعلى
تقوس ظهره الذي يحاول به ضبط خطاه المترنحة، كما يتسند على جدار الممر البارد كما يديه المرتجفة. تابع كل هذا بغصة مريرة تقيد حلقه الجاف كصحراء قاحلة، استدار متغيبًا نحو زجاج الغرفة بقلب تصرخ دقاته وجعًا وهو يتلمس جسدها عبر الحاجز الزجاجي محررًا عبرة مُحرقة لوجنتيه، ليتحرك بخطى مهدلة دافعًا باب الغرفة بيد مرتخية وهو يخطو بخطوات تصارعه بها الجاذبية الأرضية، فكان يصارع ثقل جسده الذي خانه وتضاعف مرات كثيرة، حتى توقف تمامًا أمام سريرها المسجاة أعلاه بلا حول لها ولا قوة، تفرقت عيناه ما بين شاشات الأجهزة التي تظهر معدلاتها الحيوية البطيئة، وبين وجهها الشاحب شحوب الموت، مال نحوها بجذعه يتلمس بشرتها بيد مترددة اتخذت قرارها الأخير بأن تسكن فوق جبينها للحظات خفيفة تبثها بعض دفئها، ما أن تلاقت الخلايا وتلامست حتى ومضت الذكريات بعقله، ذكريات مرضه الشديد بنوبة حمى قوية دامت معه لثلاثة أيام متصلة، كانت والدته بها تواصل سهرها الدائم جواره في حالة من العزل الصحي له ولها خشية عدوى توأمه ووالده، كانت شفاهها هي المجس الحقيقي لدرجة حرارته التي أقسمت أن تحرقها بنيران غدرها وتحرق قلبها بنيران الخوف على فلذة كبدها، صور مشوشة لطفل لم يتجاوز الرابعة من عمره بعد، صور بطلها الأساسي والوحيد والدته واحتضانها لها، أدوية كثيرة تتخلل فمه برفق، وأخرى تتخلل أوردة ذراعه الرفيعة بخدر تام، تضرعات باكية للمولي بالشفاء حتى وإن أُصيبت هي بالبلاء، معادلة تمنيتها في تضرعها لربها فعُفى هو وابتلت هي بحمى شديدة أكلت جسدها لأسبوع كامل عزلت فيه نفسها تمامًا عن كامل عائلتها. تحررت دمعاته سيلًا جارفًا وهو يهبط بيده المرتجفة نحو يدها يحتضنها بقوة منكبًا عليها برأسه في صراع شرس مع كلمات أُسرت في حلقه وأبت أن تطاوعه لدقائق طويلة، تعالى نحيبه تدريجيًا كطفل يخشى فقدان أمه، وتعالت معها كلماته المتحشرجة أخيرًا :
- ماما.. وحشتيني قوي.. وحشني حضنك، ووحشتني ريحتك، وحشني الأكل من ايديك، وحشتيني ترقيني وقت تعبي.. قومي يا أمي، محتاج أسمع صوتك اللي لسه صداه في ودني، محتاج أفضفض واتكلم معاكي كتير قوي.. أنا ما شبعتش منك، ولا شبعت من حنانك، أنا جنبك، ومسامحك، قومي عشان تسامحيني لتقصيري معاكي، ورفضي إني أشوفك طول السنين دي كلها.. قومي احضنيني، دفيني.. أنا بردان قوي، قلبي إتجمد حاسس إنه هيقف من البرد.
أزال دمعاته المنهمرة بكتفه وهو يطبع سيل وافر من القبلات أعلى يدها الباردة مسترسلًا بوجع:
- محتاجك قوي، لو جرالك حاجة وانتي مش مسامحاني مش هسامح نفسي، والله ما هسامح نفسي.. يا أمي.. قومي بالله عليكي.. أنا لسه ما شبعتش منك يا ماما.. قومي.. هحكيلك على بنت شوفتها وحبيتها، عارفة حبيتها ليه، عشان شبهك، كأنها إنتي بالظبط.. بس حبيتها من بعيد، وكنت بعذب نفسي وأنا بشوفها من غير ما أكلمها، كنت دايمًا بوقعها في حاجات تضايقها عشان أنتقم منك فيها.. بس اكتشفت إني بحبها، والله بحبها.. والله بحبك يا أمي.. قومي بقا.
قطع حديثه هذا ولوج الممرضة تهمس بخفوت منكسة الرأس بأسى لحاله :
-لازم تخرج دلوقتي، الدكتور لو جه وشافك هنا هتأذي.. وأنا هطمنك عليها زي كل يوم.
حرك "عبد الرحمن" رأسه المنكسة على يد أمه ببطيء وهو يسحب نفسًا عميقًا معبأً بعطر مسامها، ملجمًا به دمعاته العالقة بأحداقه.
غادرت الممرضة ونهض هو بعدما وعد والدته بزيارة أخرى صُحبة شقيقته.
***********
غادر "أمجد" مطبخه الحديث الطراز كباقي شقته وهو يحمل بيده كوب من القهوة الفرنسية متجهًا نحو أريكته الوثيرة التي تتوسط غرفة المعيشة مقابلة لشاشة التلفاز التي تغطي نصف الحائط تقريبًا، جلس أعلاها يلتقط جهاز التحكم يبحث عن محطته المفضلة والتي تبث عبر أثيرها أغاني قديمة لكوكب الشرق التي يعقشها كثيرًا، ارتفع صوتها بالغرفة فخفضه قليلًا واضعًا الجهاز أعلى المنضدة أمامه ثانية والتقط كتاب في الطب النفسي يطوي صفحاته برفق حتى توصل لمبتغاه استعدادًا لروايته القادمة بعدما خرجت الأخرى من المطبعة وملئت رفوف المكتبات، ارتشف رشفة من قهوته يحلق بنظراته النهمة بين سطور وكلمات الصفحات واعتدل بجلسته مستندًا بظهره على مخدع الأريكة ممدًا ساقيه أعلاها وهو يحتسي قهوته ويأكل كلمات كتابه بتركيز تام، يُعيد الفقرات المعنية بالبحث لمرات عديدة حتى يستوعب جميع نقاطها بعقله ويطوي الصفحة مسترسلًا بقرائته.
طرقات قوية بباب الشقة جذبته من عالمه هذا، ليرفع رأسه نحوه بأنظار مستاءة وهو يضع كتابه أعلى الطاولة مُدليًا ساقيه أرضًا، يلتقط جهاز التحكم ضاغطًا زر الإيقاف تمامًا وهو ينهض متجهًا صوب الباب مرددًا بسخط من تلك الدقات العشوائية :
- مين؟
لم يأتيه الجواب حتى فتح باب الشقة بقسمات اعتراها التعجب والإستنكار حينما وجد رجال الشرطة أمامه وقائدهم يمد يده نحوه بورقة مطوية مرددًا بصرامة :
- فيه أمر ضبط وإحضار ليك، فياريت تتفضل تنزل معايا بهدوء عشان شكلك قدام الناس.
قطب "أمجد" جبينه بصدمة وهو يردد بإستنكار شديد :
- إيه!..ليه؟!
زفر الضابط زفرة قوية وهو يردد بصرامة شديدة :
- إيه وليه دي هتعرفها لما تيجي معانا، يلا.
دنى"أمجد" بأنظاره نحو ثيابه المنزلية مرردًا بضيق :
- طب ممكن أغير هدومي، ولا هنزل معاكوا بهدوم البيت دي.
أماء له الضابط برأسه بموافقة وهو يشير نحو أحد عساكره مرردًا بحزم :
- أدخل معاه يا بني، وخد بالك كويس.
اشتعلت عينا "أمجد" غضبًا وهو يردد بحنق شديد :
- يعني إيه يدخل معايا؟
أجابه الضابط بنبرة جافة وهو يُشير للعسكري بالتقدم ومرافقته :
- دي الأوامر اللي عندي، يا إما تنزل معانا زي ما أنت.
زفر "أمجد" زفرة قوية وهو يشير بيده نحو غرفة نومه مرددًا بغيظ شديد :
- اتفضل معايا.
وتقدم نحو غرفته مرافقًا العسكري لدقائق قليلة قد تمكن خلالها من إبدال ثيابه ومغادرة الشقة رفقة قوات الشرطة.
**********
ولجت "داليدا" إلى صالة تحرير المجلة وهي تغدق زملائها ببسمات خفيفة حتى توقف أمام مقعدها تضع حقيبة يدها أعلى طاولتها جالسةً تبحث داخلها عن جوالها في محاولة للمرة التي جهلت عددها التواصل مع "إياد" و الإعتذار له، إلا أن الفشل كان حليفها كسابق مراتها السابقة. رفزت زفرة قوية وهي تنتصب بجذعها مستندة بساعديها أعلى سطح طاولتها مغمغمة بحنق :
- وده هوصله إزاي بقا؟
ليقطع حديثها عامل القهوة يحمل قهوتها الصباحية ويضعها أمامها مرددًا بإبتسامة خفيفة :
- قهوتك يا أستاذة "داليدا".
حركت رأسها بعرفان وهي تردد بتساؤل :
- ما شوفتش "إياد" النهاردة؟
احتضن العامل صينيته الفارغة إلى صدره وهو يهز رأسه بنفي مرددًا :
- لسه ما جاش.. اتصل برئيس التحرير قاله إنه في المديرية.
تنهدت "داليدا" بقوة وهي تحرك رأسها بموافقة مرددة بجدية:
- تمام.. اتفضل إنت.
غادر العامل والتفت هي نحو حاسوبها تضغط أزراره مدونة بعض معلومات عملها بجدية ومهارة حتى تسلل إلى مسامعها صوت "إياد" المرتفع وهو يردد تحية الصباح على الجميع، رفعت أنظارها نحوه وهي تنهض من مقعدها، لتجده يتقدم نحوها مهرولًا فتردد بندم شديد :
- والله ما كنت أقصد، حقك عليا.
حرك رأسه بنفي وهو يستند بكفه على طرف طاولتها مرددًا بصرامة :
- مش وقت كلام من ده دلوقتي خالص، أنا عندي خبر صدمة بكل المقاييس.
قطبت جبينها بدهشة هاتفة بفضول شديد:
- خبر إيه؟
أجابها بصرامته التي لم تفقدها نبرته :
- "أمجد الصواف".
هتفت بلهفة لم تنجح في إخفائها :
- ماله؟
أجابها مسترسلًا :
- طلعت له مذكرة ضبط وإحضار، المفاجأة بقا في اللي ورا الموضوع ده.
حركت رأسها بصدمة، ليهتف هو بتعجب :
- "أحمد العباسي".
ألقت جسدها أعلى مقعدها بصدمة كبيرة مغمغمة بشرود:
- إيه!
تأكد "عبد الرحمن" من انصراف زوجها الذي يظهر الحزن جليًا على قسماته وعلى
تقوس ظهره الذي يحاول به ضبط خطاه المترنحة، كما يتسند على جدار الممر البارد كما يديه المرتجفة. تابع كل هذا بغصة مريرة تقيد حلقه الجاف كصحراء قاحلة، استدار متغيبًا نحو زجاج الغرفة بقلب تصرخ دقاته وجعًا وهو يتلمس جسدها عبر الحاجز الزجاجي محررًا عبرة مُحرقة لوجنتيه، ليتحرك بخطى مهدلة دافعًا باب الغرفة بيد مرتخية وهو يخطو بخطوات تصارعه بها الجاذبية الأرضية، فكان يصارع ثقل جسده الذي خانه وتضاعف مرات كثيرة، حتى توقف تمامًا أمام سريرها المسجاة أعلاه بلا حول لها ولا قوة، تفرقت عيناه ما بين شاشات الأجهزة التي تظهر معدلاتها الحيوية البطيئة، وبين وجهها الشاحب شحوب الموت، مال نحوها بجذعه يتلمس بشرتها بيد مترددة اتخذت قرارها الأخير بأن تسكن فوق جبينها للحظات خفيفة تبثها بعض دفئها، ما أن تلاقت الخلايا وتلامست حتى ومضت الذكريات بعقله، ذكريات مرضه الشديد بنوبة حمى قوية دامت معه لثلاثة أيام متصلة، كانت والدته بها تواصل سهرها الدائم جواره في حالة من العزل الصحي له ولها خشية عدوى توأمه ووالده، كانت شفاهها هي المجس الحقيقي لدرجة حرارته التي أقسمت أن تحرقها بنيران غدرها وتحرق قلبها بنيران الخوف على فلذة كبدها، صور مشوشة لطفل لم يتجاوز الرابعة من عمره بعد، صور بطلها الأساسي والوحيد والدته واحتضانها لها، أدوية كثيرة تتخلل فمه برفق، وأخرى تتخلل أوردة ذراعه الرفيعة بخدر تام، تضرعات باكية للمولي بالشفاء حتى وإن أُصيبت هي بالبلاء، معادلة تمنيتها في تضرعها لربها فعُفى هو وابتلت هي بحمى شديدة أكلت جسدها لأسبوع كامل عزلت فيه نفسها تمامًا عن كامل عائلتها. تحررت دمعاته سيلًا جارفًا وهو يهبط بيده المرتجفة نحو يدها يحتضنها بقوة منكبًا عليها برأسه في صراع شرس مع كلمات أُسرت في حلقه وأبت أن تطاوعه لدقائق طويلة، تعالى نحيبه تدريجيًا كطفل يخشى فقدان أمه، وتعالت معها كلماته المتحشرجة أخيرًا :
- ماما.. وحشتيني قوي.. وحشني حضنك، ووحشتني ريحتك، وحشني الأكل من ايديك، وحشتيني ترقيني وقت تعبي.. قومي يا أمي، محتاج أسمع صوتك اللي لسه صداه في ودني، محتاج أفضفض واتكلم معاكي كتير قوي.. أنا ما شبعتش منك، ولا شبعت من حنانك، أنا جنبك، ومسامحك، قومي عشان تسامحيني لتقصيري معاكي، ورفضي إني أشوفك طول السنين دي كلها.. قومي احضنيني، دفيني.. أنا بردان قوي، قلبي إتجمد حاسس إنه هيقف من البرد.
أزال دمعاته المنهمرة بكتفه وهو يطبع سيل وافر من القبلات أعلى يدها الباردة مسترسلًا بوجع:
- محتاجك قوي، لو جرالك حاجة وانتي مش مسامحاني مش هسامح نفسي، والله ما هسامح نفسي.. يا أمي.. قومي بالله عليكي.. أنا لسه ما شبعتش منك يا ماما.. قومي.. هحكيلك على بنت شوفتها وحبيتها، عارفة حبيتها ليه، عشان شبهك، كأنها إنتي بالظبط.. بس حبيتها من بعيد، وكنت بعذب نفسي وأنا بشوفها من غير ما أكلمها، كنت دايمًا بوقعها في حاجات تضايقها عشان أنتقم منك فيها.. بس اكتشفت إني بحبها، والله بحبها.. والله بحبك يا أمي.. قومي بقا.
قطع حديثه هذا ولوج الممرضة تهمس بخفوت منكسة الرأس بأسى لحاله :
-لازم تخرج دلوقتي، الدكتور لو جه وشافك هنا هتأذي.. وأنا هطمنك عليها زي كل يوم.
حرك "عبد الرحمن" رأسه المنكسة على يد أمه ببطيء وهو يسحب نفسًا عميقًا معبأً بعطر مسامها، ملجمًا به دمعاته العالقة بأحداقه.
غادرت الممرضة ونهض هو بعدما وعد والدته بزيارة أخرى صُحبة شقيقته.
***********
غادر "أمجد" مطبخه الحديث الطراز كباقي شقته وهو يحمل بيده كوب من القهوة الفرنسية متجهًا نحو أريكته الوثيرة التي تتوسط غرفة المعيشة مقابلة لشاشة التلفاز التي تغطي نصف الحائط تقريبًا، جلس أعلاها يلتقط جهاز التحكم يبحث عن محطته المفضلة والتي تبث عبر أثيرها أغاني قديمة لكوكب الشرق التي يعقشها كثيرًا، ارتفع صوتها بالغرفة فخفضه قليلًا واضعًا الجهاز أعلى المنضدة أمامه ثانية والتقط كتاب في الطب النفسي يطوي صفحاته برفق حتى توصل لمبتغاه استعدادًا لروايته القادمة بعدما خرجت الأخرى من المطبعة وملئت رفوف المكتبات، ارتشف رشفة من قهوته يحلق بنظراته النهمة بين سطور وكلمات الصفحات واعتدل بجلسته مستندًا بظهره على مخدع الأريكة ممدًا ساقيه أعلاها وهو يحتسي قهوته ويأكل كلمات كتابه بتركيز تام، يُعيد الفقرات المعنية بالبحث لمرات عديدة حتى يستوعب جميع نقاطها بعقله ويطوي الصفحة مسترسلًا بقرائته.
طرقات قوية بباب الشقة جذبته من عالمه هذا، ليرفع رأسه نحوه بأنظار مستاءة وهو يضع كتابه أعلى الطاولة مُدليًا ساقيه أرضًا، يلتقط جهاز التحكم ضاغطًا زر الإيقاف تمامًا وهو ينهض متجهًا صوب الباب مرددًا بسخط من تلك الدقات العشوائية :
- مين؟
لم يأتيه الجواب حتى فتح باب الشقة بقسمات اعتراها التعجب والإستنكار حينما وجد رجال الشرطة أمامه وقائدهم يمد يده نحوه بورقة مطوية مرددًا بصرامة :
- فيه أمر ضبط وإحضار ليك، فياريت تتفضل تنزل معايا بهدوء عشان شكلك قدام الناس.
قطب "أمجد" جبينه بصدمة وهو يردد بإستنكار شديد :
- إيه!..ليه؟!
زفر الضابط زفرة قوية وهو يردد بصرامة شديدة :
- إيه وليه دي هتعرفها لما تيجي معانا، يلا.
دنى"أمجد" بأنظاره نحو ثيابه المنزلية مرردًا بضيق :
- طب ممكن أغير هدومي، ولا هنزل معاكوا بهدوم البيت دي.
أماء له الضابط برأسه بموافقة وهو يشير نحو أحد عساكره مرردًا بحزم :
- أدخل معاه يا بني، وخد بالك كويس.
اشتعلت عينا "أمجد" غضبًا وهو يردد بحنق شديد :
- يعني إيه يدخل معايا؟
أجابه الضابط بنبرة جافة وهو يُشير للعسكري بالتقدم ومرافقته :
- دي الأوامر اللي عندي، يا إما تنزل معانا زي ما أنت.
زفر "أمجد" زفرة قوية وهو يشير بيده نحو غرفة نومه مرددًا بغيظ شديد :
- اتفضل معايا.
وتقدم نحو غرفته مرافقًا العسكري لدقائق قليلة قد تمكن خلالها من إبدال ثيابه ومغادرة الشقة رفقة قوات الشرطة.
**********
ولجت "داليدا" إلى صالة تحرير المجلة وهي تغدق زملائها ببسمات خفيفة حتى توقف أمام مقعدها تضع حقيبة يدها أعلى طاولتها جالسةً تبحث داخلها عن جوالها في محاولة للمرة التي جهلت عددها التواصل مع "إياد" و الإعتذار له، إلا أن الفشل كان حليفها كسابق مراتها السابقة. رفزت زفرة قوية وهي تنتصب بجذعها مستندة بساعديها أعلى سطح طاولتها مغمغمة بحنق :
- وده هوصله إزاي بقا؟
ليقطع حديثها عامل القهوة يحمل قهوتها الصباحية ويضعها أمامها مرددًا بإبتسامة خفيفة :
- قهوتك يا أستاذة "داليدا".
حركت رأسها بعرفان وهي تردد بتساؤل :
- ما شوفتش "إياد" النهاردة؟
احتضن العامل صينيته الفارغة إلى صدره وهو يهز رأسه بنفي مرددًا :
- لسه ما جاش.. اتصل برئيس التحرير قاله إنه في المديرية.
تنهدت "داليدا" بقوة وهي تحرك رأسها بموافقة مرددة بجدية:
- تمام.. اتفضل إنت.
غادر العامل والتفت هي نحو حاسوبها تضغط أزراره مدونة بعض معلومات عملها بجدية ومهارة حتى تسلل إلى مسامعها صوت "إياد" المرتفع وهو يردد تحية الصباح على الجميع، رفعت أنظارها نحوه وهي تنهض من مقعدها، لتجده يتقدم نحوها مهرولًا فتردد بندم شديد :
- والله ما كنت أقصد، حقك عليا.
حرك رأسه بنفي وهو يستند بكفه على طرف طاولتها مرددًا بصرامة :
- مش وقت كلام من ده دلوقتي خالص، أنا عندي خبر صدمة بكل المقاييس.
قطبت جبينها بدهشة هاتفة بفضول شديد:
- خبر إيه؟
أجابها بصرامته التي لم تفقدها نبرته :
- "أمجد الصواف".
هتفت بلهفة لم تنجح في إخفائها :
- ماله؟
أجابها مسترسلًا :
- طلعت له مذكرة ضبط وإحضار، المفاجأة بقا في اللي ورا الموضوع ده.
حركت رأسها بصدمة، ليهتف هو بتعجب :
- "أحمد العباسي".
ألقت جسدها أعلى مقعدها بصدمة كبيرة مغمغمة بشرود:
- إيه!
