اخر الروايات

رواية دوبلير الفصل السادس عشر 16 بقلم فاطمة علي

رواية دوبلير الفصل السادس عشر 16 بقلم فاطمة علي

الفصل السادس عشر.

كان "أحمد" بمكتبه يتصفح روايات "أمجد الصواف" بتركيز شديد وهو ينفث دخان سيجارته بهواء الغرفة حتى دُق باب مكتبه وتبعه ولوج عسكري آخر _بعدما وُجهت تهمة التجسس على العسكري الخائن_ بتحية عسكرية مرددًا بجدية :
- "محمد" باشا بيستأذن يدخل المتهم يا فندم.

تحفزت جميع خلايا "أحمد" وتأهبت وهو يستقيم بجلسته في مقعده مُشيرًا للعسكري بيده مرددًا بصرامة :
- خليه يدخله يا ابني، وابعت لي حد يكتب المحضر يا ابني.

وفرك بقايا سيجارته بالمنفضة أمامه وهو يحدج باب الغرفة المفتوح والذي ولج من خلاله "أمجد الصواف" مُقيدًا بالأصفاد وعلامات الغضب تكسو ملامحه مرددًا بحدة :
- أعتقد إني مش مجرم عشان آجي بالشكل ده.

أشار "أحمد" برأسه للعسكري أن يحرر قيوده وهو يردد بنبرة متهكمة:
- هنشوف الموضوع ده دلوقتي.

وأشار ثانية للعسكري بالمغادرة مع دخول أحد أمناء الشرطة لكتابة المحضر والذي جلس بمقعده المخصص يمين "أحمد العباسي" الذي أشار نحو مقعد مقابل له مرردًا بصرامة :
- اتفضل اقعد يا "أمجد" بيه، وياريت بطاقتك ناخد بياناتها.

فرك "أمجد" يديه بغيظ شديد وهو يُخرج هويته من حافظة نقوده ويناولها إليه مرددًا بحدة :
- لما نشوف أخرتها إيه.

ابتسم "أحمد" ابتسامة جانبية متهكمة وهو يناول الأمين الهوية مرددًا بحزم :
- اكتب بياناته يا ابني.

واسترسل بكلماته مع "أمجد" مرددًا بثبات شديد :
- ندردش شوية كده على ما الأمين يظبط البيانات.. بقالنا فترة طويلة عندنا جرايم قتل كتيرة بنقيدها ضد مجهول بعد ما بنفشل في إيجاد القاتل.

قاطعه "أمجد" بنبرة ساخرة مرددًا :
- وجايبني أنا بقا عشان ألاقي القاتل ده!

ابتسم "أحمد" ابتسامة أكثر تهكمًا وهو يهز رأسه بنفي مرددًا بسخرية:
- أكيد لأ.. بس الجرايم كانت مرسومة بمعلمة، يعني مظبوطة بالميللي، القاتل مخطط لكل حاجة، وما سابش وراه خيط واحد يوصلنا ليه.

هز "أمجد" رأسه بنفاذ صبر وضيق صدر مرددًا : - أنا برضه مش فاهم إيه علاقتي بالموضوع ده.

مَدَّ "أحمد" يده بدرج مكتبه يتناول إحدى روايات "أمجد الصواف" يفتحها على صفحة مطوية من قبل ويقرأ كلماتها بتركيز شديد وبصوت مرتفع :
- أحد معامل تجهيز المخللات البلدية بمنطقة نائية بأطراف قرية صغيرة، ولج "حسن" كعادته أسبوعيًا إلى مخزنه الذي اختاره بتلك المنطقة البعيدة لبخس أجره، وقله تردده عليه، فهو يأتيه مرة واحدة أسبوعيًا يأخذ الطُرشي القديم ويصنع غيره معبأً هذه البراميل البلاستيكية الزرقاء اللون والكبيرة الحجم ويغلقها بإحكام شديد خشية تسرب الهواء إليها وفساد المنتج النهائي الذي يكتسب قوت يومه من بيعه وتوريده إلى محال المدينة، توقف "حسن" بباب المعمل مجعدًا أنفه باشمئزاز من الرائحة الكريهة التي عمت أرجاء المكان وهو يفتح بابي الغرفة على مصرعيهما مرددًا بامتعاض : - إيه الريحة المُقرفة دي، ليكون المخلل باظ، بس حتى لو باظ استحالة يكون بريحة الكلب الميت دي. وركض نحو براميل الطُرشي الممتلئة ينزع غطائها عنها واحدًا تلو الآخر وهو يدنو منها برأسه فاتحًا الكيس داخلها يشتم رائحته الطيبة ويلتقط إحدى قطعه يتذوقها بتلذذ كبير مرددًا بارتياح : - الحمد لله ده كويس.
ذهب إلى آخر يتفقده بقلق شديد ليجده هو الآخر طيب المذاق والرائحة، هكذا مع عشرة براميل كاملة ليتنهد برضا وسعادة مرددًا وهو يُشير نحو البرميل الأخير :
- لو جت على ده بس يبقى الحمد لله قوي.

وأمعن النظر إليه وهو يقترب منه مرددًا بدهشة من سوء تغطيته :
- مين اللي فتح البرميل ده؟

كلما اقترب كلما تضاعفت الرائحة الكريهة، ليجعد أنفه بامتعاض كاتمًا إياه بطرف قميصه مغمغمًا باستنكار :
- إيه الريحة دي؟!

نزع الغطاء بأطراف أنامله لتتسع أحداقه صدمة من تلك الجثة المنتفخة وسط مياه البرميل.

هنا توقف "أحمد" عن القراءة رافعًا رأسه نحو "أمجد" مرددًا بتساؤل :
- ده كلامك؟

هز "أمجد" رأسه بتأكيد وهو يردد بثبات :
- أه طبعًا.. دي روايتي، وده كلامي.

حرك "أحمد" رأسه بموافقة وهو يفتح آخر صفحات الرواية يقرأها بصوت مرتفع أيضًا :
- أخذ يراقبه لأيام وأسابيع طويلة حتى تسرب الملل إلى قلبه فاعتزم أن يكون هو المحرك الرئيسي للأحداث وقرر استدراجه إلى تلك المنطقة النائية القريبة من مزرعة أحد أصدقائه عن طريق إحدى بائعات الهوى مدفوعة الأجر والتي لم يصمد أمامها كثيرًا، مكالمة مصورة واحدة كانت تتلوى بها برقصات مثيرة جعلته عبدًا لها وتوسل لقائها ولو لمرة واحدة، استجابت له أخيرًا شرط أن يكون اللقاء بمزرعة صديقه بأطراف البلدة، وافق متلهفًا وهرول إلى المكان بالموعد المحدد، لتضرب دواليب سيارته قرب هذا المخزن ويغادرها متفقدًا الأمر وهو يزفر باستياء يسب ويلعن حظه التعس، لتُنير بارقه أمل مع تراقص ضوء هذا المصباح القريب. ركض مهرولًا نحو الضوء يتوسل المساعدة، ليجده معلقًا على أحد أغصان شجرة عتيقة، يتراقص مع تيارات الهواء الهادئة. توقف أمامه وهو يزفر زفرة قوية نافضًا يديه إلى أسفل مغمغمًا بيأس مستنكرًا :
- شجرة!

تذكر جواله بجيب سرواله فأخذ يتفقده بلهفة وَلَّدت شعاع أمل آخر ما أن رفعه أمام وجهه مُنيرًا شاشته لتُزيل الظلام حول وجه، ليستشعر لهيب أنفاس حارقه تلفح وجهه، استدار نحوها بحركة تلقائية فقد بها جواله الذي سقط أرضًا. برقت عيناه بفزع شديد وهو يجد يد هذا الرجل تقترب من العرق النابض بعنقه تضغطه بقوة للحظات طويلة فخر مغشيًا عليه بين ذراعي هذا الغامض.

حمله الرجل الملثم أعلى كتفه سائرًا بخفة نحو باب المخزن يدفعه بيده المُقفزة بقفاز مطاطي، ويلج إليه قاصدًا برميلًا كبيرًا بعدما أفرغه من محتواه ووزعه بين بقية البراميل العشرة. توقف أمام البرميل المعبأ بماء مالح ومال بجذعه نحوه يضع الشاب به ضاغطًا رأسه لدقائق طويلة حتى تأكد من إزهاق روحه، استقام بوقفته يسحب نفسًا عميقًا براحة كبيرة وهو يلتقط غطاء البرميل ويضغطه جيدًا لإحكام غلقه، واتسعت بثغره ابتسامة ظفر وانتقام جلية.

توقف "أحمد" مرة أخرى وهو يرمق "أمجد" بنظرات ذات مغزى مرددًا بثبات :
- وده برضه كلامك؟

زفر "أمجد" غاضبًا وهو يهب من مجلسه هاتفًا باستياء :
- لو حضرتك حابب تتناقش معايا في رواياتي كنا قعدنا في كافية نشرب قهوة ونتناقش براحتنا، أو حضرتك عملت ندوة وناقشتني فيها، لكن تجيبني هنا وبأمر ضبط وإحضار عشان تسألني عن رواياتي، ده مش هقبله.. بعد إذنك.

صفع "أحمد" سطح مكتبه بكلتا يديه وهو يهب من مجلسه صائحًا بصرامة :
- أنا مش جاي أهز معاك، ولا جاي أناقشك في رواياتك.. اتفضل أقعد مكانك عشان نفتح محضر.

زفر "أمجد" بقلة حيلة وهو يعود إلى مقعده ثانية مرددًا بحدة :
- اتفضل إفتح محضرك لما نشوف أخرتها إيه.

جلس "أحمد" ثانية وهو يردد بحزم شديد :
- اكتب يا ابني.. وبسؤال المتهم عن حقيقة كتابته لتلك المشاهد بالروايات المنسوبة إليه، أقر بمسئوليته التامة عن تلك المشاهد، وبسرد مشهد آخر برواية أخرى....

والتقط رواية أخرى يفتح صفحتها المطوية قارئًا إياها بجدية :
- ظل "عزيز" يفكر كثيرًا حتى هداه تفكيره إلى هدية مقدمة إلى "هنا" التي رفضت الارتباط به، وإلى هذا الوغد زوجها الذي فضلته عنه، وتزوجته أمام أعينه بكل جرأة ووقاحة، رفضت مجرد إفصاحه لأسرتهما بحقيقة مشاعره لها، معللة هذا بأنهما أخوة تربوا سويًا، وأنها لا تراه سوى هكذا، وحذرته من إعلان هذا الهذل لأحدٍ من الأسرتين حتى لا تتأثر العلاقات بهما فأيًا كان هما أولاد عم، ابتسم ابتسامة انتصار ماكرة وهو يغادر غرفته مغادرًا المنزل كله وسط زغاريد الفرحة وأغنيات السعادة التي تدوي أنغامها بشقة عمه، هيئتها وهي تتمايل راقصة بسعادة تتراقص أمام أعينه لتدفعه إلى تنفيذ ما يدور برأسه، غادر المنطقة سيرًا على الأقدام حتى توقف أمام بسطة خشبية صغيرة تبيع خطوط المحمول بدقائق هدية بمبلغ بخس عشرة جنيهات وبدون الحاجة إلى أي إثبات هوية، إبتاع أحدهم ووضعه بجواله متصلًا بإحدى القرى السياحية الشبه مهجورة يحجز بها غرفة منفصلة باسم زوج معشوقته، واتفقوا معه على إرسال قيمة الإيجار صباحًا لتأكيد الحجز.

عاد إلى بيته ثانية يلهو ويرقص بسعادة وسط الجميع، حتى تسلل بحذر وتمكن من سرقة هاتف "منة" إحدى صديقاتها وغادر الشقة متسللًا، تنفس الصعداء ما أن خرج إلى الشارع واستوقف سيارة أجرة مغادرًا المنطقة، توقف جانبًا، بعيدًا عن أحد محال الهواتف يطوف المكان بتمعن وهو يغطي رأسه بقبعة قميصه حتى استوقف طفلًا صغيرًا ودنا منه مربتًا على كتفه بابتسامة واسعة وهو يناوله بعض قطع الحلوى مرددًا :
- اسمك ايه يا حبيبي.

ابتسم الطفل وهو يردد بسعادة :
- "معاذ".

قدم "عزيز" له الحلوى مرددًا بحب كبير :
- ممكن أطلب منك طلب؟.. بس الأول تاخد الشيكولاتة دي.

التمعت عينا "معاذ" وهو يحدج أكياس الحلوى التي يعشقها مغمغمًا بسعادة:
- اطلب.

وأخذ منه الحلوى بسعادة يفتحها متناولًا إياها بتلذذ كبير، ليجد "عزيز" يناوله مبلغًا كبيرًا من المال وورقة صغيرة مدون أعلاه رقم هاتف هامسًا :
- عارف محل الموبايلات اللي وراك ده؟

التفت الطفل برأسه يرمقه بسعادة مرددًا وهو يلتفت نحوه ثانية :
- أيوة.. بتاع عمو "وليد"، أنا بشحن لبابا و ماما منه كتير، وهو عارفني كمان.

اتسعت ابتسامة "عزيز" وهو يتحدث بأريحية كبيرة:
- الله ينور عليك.. أنت بقا هتاخد الفلوس دي والرقم ده وتروح تقوله عمو بيقولك حول الفلوس دي كاش للرقم ده.. لو عملت كده هديك شيكولاته قد دي عشر مرات.

تقافز "معاذ" سعادة وهو يتناول المال والورقة هاتفًا بسعادة :
- بجد يا عمو؟

مسد "عزيز" رأس "معاذ" بحنو شديد مرددًا بود :
- بجد يا قلب عمو.. يلا روح بقا وأنا هستناك هنا.

غادر "معاذ" يتقافز بالطريق وأعين عزيز تتابعه بتركيز حتى حتى ولج إلى المحل وغاب دقائق قليلة تمكن خلالها "عزيز" من إلحاق شريحة "منة" بهاتفه الذي دوى لتوه برسالة استلام تحويل نقدي بالمبلغ الذي أرسله مع "معاذ"، برقت عيناه بسعادة وهو يلتفت حوله حذرًا ويغادر مهرولًا غير مبالٍ بعودة الطفل إليه.

استقل "عزيز" وسيلة مواصلات عامة وهو يلهو بشاشة جواله يُرسل النقود إلى إدارة القرية السياحية ومن ثم حادثهم مؤكدًا الحجز، أنهى اتصاله بسعادة وهو يحذف رسائل الاستلام والتحويل، وينتزع الشريحة مُعيدًا إياها إلى هاتف "منة" مرة أخرى وهو يتنهد براحة كبيرة. توقفت السيارة وترجل عنها "عزيز" مبتسمًا ابتسامة شيطانية تتوارى خلف ابتسامته المرحة وهو يلج إلى البيت متسلقًا درجات سلمه بثبات حتى ولج إلى شقة عمه وهو يهلل بسعادة، لتركض نحوه زوجة عمه مرددة بعتاب :
- كنت فين يا "عزيز"؟، ينفع تسيب أختك في يوم زي ده؟

ربت "عزيز" على كتفها بحنو وهو يطبع قبلة حانية أعلاه مرددًا بمشاكسة :
- معلش يا مرات عمي، نزلت مع واحد صاحبي أدور على بدلة للفرح، ما هو ما ينفعش أحضر من غيرها، ولا إيه؟

ربتت على يده بحنان أموي مرددة بسعادة :
- طبعًا يا حبيبي.. عقبال ليلتك يارب ، ألا صحيح ما شفتش تليفون "منة" بندور عليه من بدري ومش لاقينه، زهقنا رن عليه قولنا هنسمع رنته بس ما سمعناش، والبت روحت مع أخوها وقالت لنا ندور عليه.

هز "عزيز" رأسه بنفي مرددًا بعدم اكتراث: - ما شفتوش، بس ممكن يكون عيل خده يلعب بيه، ولا وقع منها هنا ولا هنا في الزحمة دي، لما الجو يهدى كده والناس تمشي هندور عليه، أكيد مش هنسمعه دلوقتي من الدوشة دي.

أماءت زوجة عمه برأسها وهي تردد بتفكير :
- ممكن برضه، هروح أشوف أنا الناس وأنت أدخل المطبخ هتلاقي طبقك متغطي على الترابيزة.

هز "عزيز" رأسه بموافقة وهو يتبع أثرها حتى اختفت وسط الجموع وذهب إلى الأريكة التي كانت تجلس عليها "منة" مخللًا هاتفها خلفها خلسة وهو يراقب الأرجاء حوله.

مضت التحضيرات بسعادة، كذلك يوم الزفاف كما أسبوع كاملًا يتعقبه، ليتفاجيء "محمود" بإتصال هاتفي يبشره بفوز رقمه بعطلة مدفوعة التكاليف لمدة ثلاثة أيام في إحدى القرى السياحية الهادئة. وبخ "محمود" المتصل على هذا المزاح السخيف ليؤكد له جدية الأمر ويرسل له استمارة الحجز برسالة مصورة.

تحضر هو و زوجته للسفر مودعين أسرتهم ليلحقوا بسيارة خاصة بأحد أصدقاء "عزيز" الذي اقترحه عمه عليهم.
في هذه الأثناء كان "عزيز" قد تسلل إلى القرية من ناحية البحر ومنها إلى الشالية الذي كان مفتوح النافذة للهوية استعدادًا لاستقبال النزلاء، توقف عزيز يطوف القرية الخاوية أمامه في مثل هذا الوقت من السنة بأعين خبيثة وهو يجلس بحرف نافذتها المنخفضة ويستدير بجسده إلى الداخل مطوفًا الغرفة بإمعان شديد حتى توصل إلى مبتغاه، مسمار بمستوى جسده يحاوط سلك التلفاز يثبته بالحائط، لمعت عيناه بسعادة وهو يخطو نحوه مهرولًا يتأمله بابتسامة ظفر وانتصار. زفر زفرة قوية وهو يضع يده بجيب سرواله يلتقط منه إسطوانة صغيرة يلتف حولها خيط معدني لين قوي أدق من شعرة الرأس، وأحد من حد السيف، جذب طرفه بحرص شديد يلفه حول هذا المسمار، ويسحبه على الحائط برفق مثبتًا إياه بشريط لاصق شفاف، ويهبط به أرضًا وهو يثبته بقطعة أخرى من اللاصق وهكذا حتى وصل إلى النافذة وقفز خارجها متواريًا خلف شباكها الخشبي متشبثًا بالطرف الآخر لهذا الوقت الذي ولج فيه "محمود" و"هنا" رفقة أحد عمال القرية والذي سلمهما الشالية متناولًا ورقة نقدية هدية من "محمود" الذي أوصد الباب خلفه بسعادة وهو يطوف المكان حوله.

كان "عزيز" يتابع كل هذا بأعين تقدح نيران الغضب والغيرة، حتى حان له الوقت المناسب فسحب طرف الخيط بقوة بقفازه القطني الأسود لحظة هرولة "محمود" نحو زوجته ليتخلل هذا الخيط رقبته وتتطاير رأسه بسقف الغرفة كما بركان دمه الثائر والذي لطخ سقف وجدران الغرفة، صرخت "هنا" صرخة مدوية ومن ثم سقطت فاقدة الحياة هي الأخرى. قفز "عزيز" مهرولًا يجمع أطراف خيطه بحذر متخطيًا جسد "حسن" المسجي أرضًا، ويركض ناحية النافذة قافزًا حاجزها ثانية.

توقف "أحمد" عن القراءة تمامًا وأحداقه تشتعل غضبًا من قسوة المشهد وهو يردد بصرامة محتدة :
- ده كلامك؟

سحب "أمجد" نفسًا عميقًا وزفرة بقوة مرددًا بجمود :
- أيوه حضرتك، ده برضه كلامي، ودي روايتي، ودي أحداثها.. ممكن أعرف بقا سبب وجودي هنا.

طوى "أحمد" الرواية بيده وهو يردد بجدية وحزم :
- موجود هنا لأن أحداث روايتك دي جرايم حقيقية موجودة في ملفاتنا و كلها مُقيدة ضد مجهول.

شعر "أمجد" بالأسى وهو يحرك رأسه مغمغمًا :
- لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني حد من القراء نفذ الجرايم دي بتفاصيلها؟

حرك "أحمد" رأسه بنفي مرددًا بغضب :
- مش حد من القراء، الكاتب بنفسه هو اللي ارتكب الجرايم دي، وبأدق تفاصيلها، وبأحرازها كمان.

جحظت عينا "أمجد" صدمة وهو يهب من مجلسه صائحًا باستنكار:
- إنت بتقول إيه حضرتك؟! .. كاتب مين اللي ارتكب الجرايم دي؟

صاح به "أحمد" بغضب شديد وهو يهب من مجلسه مستديرًا حول مكتبه حتى أصبح مواجهًا له:
- "أمجد الصواف".. وأنا في العرض الخاص بفيلمك واللي صدفة جاتني دعوة حضوره لفت نظري الجريمة بتفاصيلها، مع كل لقطة في المشهد كنت متأكد إني شفته ده قبل كده، تفاصيل الأوضة، شكل الجثة، هدوم القتيل، حتى تقرير الوفاة بأنها إسفكسيا إختناق، كل ده في ملفاتنا إحنا.. سيبت الفيلم وأنا بتمنى إني أكون غلط، نزلت اشتريت كل رواياتك الموجودة في السوق، قريتها كلها، كل تفاصيلها عندنا في الملفات، وكلها ضد مجهول.

كان "أمجد" يتابعه بجبين معقود وأحداق ثابتة، ليقاطعه بحدة:
- كل اللي بتقوله مش قرينة ضدي، ولا سبب في احتجازي هنا، لأن برضه ممكن حد من القراء ارتكب الجرايم دي.

مط "أحمد" فمه بتهكم وهو يردد بثبات :
- الجرايم دي كلها مرتكبة قبل نزول أي رواية ليك السوق، قبل دخولها أصلًا المطبعة بأسبوع تقريبًا، يعني ما كانش حد قرأ أساسًا، إلا قضية واحدة بس اللي كانت الرواية خرجت فيها من المطبعة ونزلت المكتبات.

اتسعت عينا "أمجد" صدمة وسمح لجسده بالتهاوي أعلى المقعد خلفه وهو يردد بذهول :
- يعني إيه؟

مال نحوه "أحمد" بجذعه مرددًا بصرامة:
- يعني حضرتك المتهم الأساسي بكل الجرايم دي، حضرتك المجهول اللي كنا بندور عليه كل الفترة دي.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close