اخر الروايات

رواية عديل الروح الفصل الخامس عشر 15 بقلم الكاتبة ام حمدة

رواية عديل الروح الفصل الخامس عشر 15 بقلم الكاتبة ام حمدة


 الفصل الخامس عشر - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة

*************
قالوا بحكايات العشق بأن القلوب تختار أحبائها، وكل روح تختار توأمها، وروحي اختارت وقلبي خفق لنصفه الآخر بنظرة حنونة، ولمسة كف بعثرت خصلاتي .
قالوا صغيرة!!.... قلت وما للحب من عمر.
قالوا طفله!!... قلت ألا أملك قلبا؟...
قالوا وما الحب؟... قلت هو قلب يرن طربا، ويرقص على نغمات أوتار الحب.
قلت هو عيون تهفوا تبحث عمن ملك جماح أفكارها، وأسهد لياليها، وجعل صورته تتوسد بدرها.
قلت هو قشعريرة تسري لتنعش روحا من همس حبيب يتغلغل بين ثنايا الأضلاع، فيظل حبيس سجنه، ويتملكه ويتربع عرش حكمه للأبد.
قلت هو عديل الروح، اختاره كياني، واستقبله قلبي، فمن أنا لأرفض من أوقع حكمه، ونصب نفسه فوق جميع الرجال .

" مريم "

تتمختر بفستانها الأبيض خارجة من غرفتها متجهه للخارج، وعيون الجميع تتطلع لتلك الفاتنة بانبهار وإعجاب لتلك الحورية التي خرجت من كتاب الأساطير كأفروديت، بشعرها الأسود الغجري الذي تركته منسدلا بحرية بعنفوان وتحدي بتموجاته الكبيرة وكللته بتاج من الزهور صنعته بيديها من زهور منزلها، توليفة رائعة من لون الطهارة ولون الشموخ، أما وجهها فكان النور يشع منه كالبدر زين بألوان هادئة ورقيقة يشابه هدوءها ورزانتها، وشفتيها المكتنزتين خطتها بلون وردي يظهر براءتها، أما فستانها فهذا شيء آخر.
فستان بسيط رقيق كما تمنته وحلمت به، بلون يشابه بياض الثلج، مكون من قطعتين متصلتين مع بعضهما بدأت بقطعة من الشيفون الشفاف المطرز ثم قطعه أخرى من الساتان الناعم أحاط بصدرها البارز ثم تتبعه قطعه أخرى من الشيفون المطرز يحيط بخصرها أظهر بياض بشرتها لشفافية الشيفون ثم قطعه أخرى من الساتان الذي انسدل على طول باقي جسدها مخلفا خلفه ذيلا متوسط الطول، وغطت ذراعيها بنفس قطعة الشيفون ولم تمنع الحاضرات من رؤية الحناء الحمراء التي زينت ذراعها بالكامل يصل لحدود كتفها بنقوش جميلة جدا رسمت على يد أمهر النقاشات في إمارة أبو ظبي، وكانت تمسك بوردتين من الزنبق الأبيض.

والجدة وأم سلطان تكبران وتقرآن عليها من العيون الحاسدة " فالعين حق " .
سارت بخجل ووجنتيها مضرجتان بحمرة خلابة زادتها فتنه.
لم تكن ترد كل هذا أرادت حفلة صغيرة عائلية وينتهي الأمر لكنه رفض بتسلط طلبها ولم يعرها أي اهتمام، فعاندت وابتعدت عنه تشاهده من بعيد وهو يمسك زمام الأمور.
رضخ لطلب واحد أو بالأصح لثلاث طلبات... رغبتها بالزواج في منزلها وليس بمكان آخر، و رغبتها بالسكن مع عائلته، فما كان منه سوى الموافقة على طلباتها وبدأ فورا بتجهيز جيش من المقاولين بسعادة لبناء ملحق خاص له بمنزل عائلته كما حلم بهذا من قبل، سينتهي البناءون بظرف أسبوعين فترة شهر عسلهم، والباقي قد رفضه رفضا قاطعا فأرادت أن تعاقبه بأن لا تقوم بما عليها من دور بالشراء وغيرها من الأمور وعندما سألها بأحد أيام زيارته المعتادة التي لم تنقطع منذ أن أعلن عن زواجهما كأنه فتى غر مقبل للزواج لأول مرة:
" لما تفعلين هذا؟ " .
فتجيبه:
" ألست أنت من أراد هذا الزواج، ورفضت كل طلباتي، إذا فلتقم بكل شيء، فيبدوا أن لا رأي لي بهذا الزفاف أنا فقط سأحضر الحفل ".
ناظرها بغموض ثم قال لها وقد تلونت كلماته بمكر لم تنتبه له:
" حسنا يا مريم، أنت من طلب هذا فلتتذكري هذا جيدا ".
رفعت كتفيها بلا مبالاة ثم أولته ظهرها مغادرة فناداها قبل أن تخرج:
" مريم.. لقد نسيت شيء لم تعطيه لي!! ".
قطبت بين حاجبيها بتساؤل ناحيته وقبل أن تسأله كان قد اقترب وهوى على شفتيها بقبلة سرقت روحها وأودتها بجسده ليتركها بعد فترة ضائعة، منتشية، مرتعشة من كم المشاعر التي سرت بداخلها وراغبة بالمزيد، كانت تلك هي لقاءاتهم، دائما تبدأ بمحاولة إغضابه وتنتهي بقبلاته المسروقة التي تتركها دائخة مغيبة عن العالم وتتوق للمزيد من تلك اللمسات التي أدمنتها بالرغم من مظاهر إنكارها، إلى أن داخلها يذوب رغبة بما يفعله بها.
خرجت من ذكريات قُبله المجنونة على هزة بيدها فرفعت رأسها ناحية والدته فشاهدت الفرحة تكاد تتشقق بوجهها لم ترها من قبل بهذه السعادة، وجدتها أيضا تقف هناك تستقبل النساء وملامحها تنم عن سعادة لا توصف، كل هذا لأنها تزوجت من سلطان .
تحركت للخارج كما أمرتها عمتها أم سلطان فوقفت مصدومة مما تراه كأنها تشاهد مكان خرافي، تطلعت بعيون دامعة للمكان، لقد صنعه من أجلها كأنه كان يقرأ رغباتها وأمنياتها من بداية الفستان الذي رفضت شرائه بحكم أنه حفل بسيط ولا يستحق فستان أبيض، ففاجأها بأحد زياراته بتقديم علبه كبيرة فتحتها على مهل وقلبها يطرق بقوة لما خمنته، وبيد مرتعشة رفعت الفستان لتشهق بصوت عالي وهي ترى تلك القطعة الفنية المذهلة، فهمس عند أذنيها:
" أنت تستحقِ الأبيض، فالأبيض يليق بك ".
عادت لواقعها وهي ترى ما حولها، كان قد أمرها بعدم الخروج من غرفتها وقد ساعده شقيقها وجدته بذلك فحبست بالداخل وهي ترغي وتزبد.
تأملت المكان المعد لجلوسهما... كان قد استغل البقعة التي فرشتها بالحشائش ليكون مكان لجلوسهما، صنع تعريشة جميلة جدا محاطة بورود مختلفة الألوان، وضع بوسطها كرسي طويل مطلي بالذهب، وكراسي وطاولات توزعت بالأرجاء زينت أيضا بالزهور لتتناسب مع التعريشة.
أمسكت بكف عمتها وشدت عليها بقوة والتفتت ناحيتها وقد ترقرقت عيناها بالدموع وهمست بصوت باكي:
" هذا من أجلي أنا؟! ".
اقتربت منها وبحنانها الذي غمرته بها دائما قالت لها:
" أنت تستحقي الأفضل حبيبتي، فأنت جوهرة غالية علينا، والأفضل هو ما يناسبك".
قبلت جبهتها بأمومة افتقدتها مريم بهذا اليوم، وتمنت من كل قلبها أن تكون والدتها هي من تقودها لكرسيها، وأن تكون هي من تستقبل النساء، لكن من هي لتعترض لحكم الله.
استغفرت الله وأخذت أنفاسا طويلة كما طلبت منها عمتها وفردت هامتها وتحركت لمكان جلوسها، وتربعت عرشها كملكة متوجة للحكم، وابتسامة ضفر بما تمنته دائما تألقت على ثغرها .
بالطبع تتساءلون كيف غيرت رأيها بهذه السرعة.... فلنعد للزمن للوراء قليلا.....

بعد أن بزقت بكلمة الانفصال بوجهه لم تعرف كيف اجتاحتها موجة من الهلع والخوف من توحش عيناه، فما كادت أن تتراجع للخلف هاربة حتى أمسك بها بقوة وهمس ببرود يخالف شرر عيناه ووعيده الذي يطفح من مقلتيه.
" عليك أن تحذفي هذه الكلمة من قاموسك للأبد، فأنت لي إلى أن ينقطع هذا النفس، ويتوقف هذا من النبض!! ".
لم تعرف ماذا اعتراها من فكرة رحيله عنها فرفعت أصابعها بسرعة ووضعتها على شفتيه وقالت بهمس تغالب نفسها من البكاء:
" لا تقل هذا الكلام بعد عمر طويل إن شاء الله!! ".
أرادت فعلها، أرادت منعه من قولها، أرادت حث يدها للارتفاع لكن لم تستطع، لم تقدر على الإتيان بأي حركة، وهي تنظر لعينيه المشتعلة بنار حارقة، فأحرقها بشفتيه بقبلة متوحشة رقيقة، غاضبة عاتبة، ثم تركها ورحل بعد أن قطع الهواء من رئتيها، وتركها تستجدي إكمال ما بدأه ولم يرى تلك النظرة العاشقة التي شيعته، فقد غادر تطارده شياطينه وسمعت صفق الباب لتنهار بعدها باكية ناقمة بعده، حبه، عشقه، زواجه من أخرى.
بكت أمنياتها، بكت أحلامها، بكت قربه وارتباطه بها، بكت ذلك الحاجز الذي يقف بينها وبين محبوبها، فدخلت كما شعاع الشمس المنير كما فعلت طول حياتها وجلست بالقرب منها وربتت على كتفها المهتز من شدة بكائها بحنان، فرفعت لها عينان باكيتان فابتسمت بحب ورفعت ذراعيها تدعوها لترتمي بأحضان وجدتها دائما في أحلك أيامها.
احتضنتها بالقرب من صدرها وتركتها تفضي ما بداخلها فبكت وبكت كل ما يعتصر قلبها من هم إلى أن هدأت قليلا، فأبعدتها الجدة ومسحت دمعها وحادثتها بحكمة امرأة عاصرت السنون، وحاكت مطبات الحياة، حدثتها من امرأة لامرأة، ونصحتها بكيف السبيل للعيش مع زوجها، نعم كررتها أمامي عدة مرات كأنها تنبهني بأنني قد تزوجته وانتهى الأمر ولا مجال للتراجع، وهنا استيقظت.. زوجي سلطان صار لي ولكن.....
وكأنها علمت أين مفتاح صندوقي الضائع لتجده وتفتحه وتفتحت أنا وأشرقت بسعادة حصولي على أمنيتي التي حلمت بها منذ زمن بعيد، نعم لا يهم بأنه متزوج من أخرى، فيكفي أنه صبر على عنادها ورفضها الدائم له ولم يستسلم أبدا من أجل أن تكون زوجته، والمرأة الذكية هي من تجعل رجلها كأنه لا يرى غيرها ما أن تطأ قدمه منزلها، عليها أن تنسيه سواها، عليها هي فقط من تتألق أمامه ولا وجود لغيرها.

*********

أصوات الرزفة الحربية تعلوا بالخارج تعلن اقتراب دخول العريس فوقفت باستعداد استقباله وقلبها ينبض بكل الحب لرؤيته، وأيضا بكل الخوف من أن يراها بهذا الشكل العاري، تعرف بأنها أصبحت جميلة لكن مازال يوجد ذلك الهاجس الخفي بأنها لا تليق به.
نفضت رأسها تزيح تلك الترهات فهو قد اختارها بما كانت عليه بالسابق وقد ارتضى بما حباه الله بها .
تحركت بندقيتيها بآلية ناحية الباب كأنها استشعرت قدومه فتلاقت العيون، وأبحرت الأشواق والشجون واختفى كل ما حولهم كأن بالعالم لم يخلق سواهما.
سار إليها بغير هدى فقد سلبته حرية إرادته، تحرك ناحيتها وقد شعر بأنه يتخطى البحار والمحيطات ليصل للؤلؤته النفيسة، نعم.. فقد اكتشف وأخيرا بل اعترف لنفسه التي كانت تماطل وتتهرب مما عرفه، نعم يعترف بأنه قد...
" وقع بحب ابنة عمه ".
وقف أمامها يتأملها بانبهار لهذا الجمال الذي امتلكته، جرت عيناه عليها من رأسها لأخمص قدميها بتأني يلتهم فتنتها الظاهرة، فشعرت بأنها عارية من تحديقه بها بهذه الطريقة فهمست تطحن أسنانها بغيض منه:
" أقسم إن لم تبعد عيناك عني سوف أرحل!! ".
رفع رأسه ناحيتها وخرجت تنهيده حارة ساخنة محملة برغبة شعرت بها تتسلل لجسدها بتوعد ما أن يكونا بمفردهما.
صرخت تداري خجلها من أفكاره وأفكارها التي شطحت لما سيحصل بعدها.
" سلطان... ".
" إذا أنت حقيقة ولست بخيال؟! ".
مال ناحيتها وقبل جبهتها وطال التصاق شفتيه على بشرتها، ابتعد مجبرا من نحنحة ابن عمه وحدق بها وشعور بالتملك ناحيتها يحده بأن يخفيها عن الأعين، وجنون الرغبة تطيح بعقله ليسرقها ويدخلها لعالمه ليذيقها من طعم حبه الوليد
" ماذا تريد يا محمد؟؟ ".
" تأدب يا ولد وتمالك نفسك!! ".
انتفض من صوت والده كأنه لسع، وسعل يبعد ما أصابه برؤيتها وابتعد ليقف بجانبها، ليترك المجال للآخرين كي يباركوا لها.
اقترب والده ليقبل رأسها ويدعوا لها بالسعادة مع ولده، ونبهها إن فعل بها شيء ما أن لا تتوانى بإخباره، هزت رأسها بالموافقة وابتعد ليقترب شقيقها وهنا لم تقدر سوى أن تحتضنه بقوة ليفعل هو بالمثل، تمسك بها بقوة كطفل رضيع يخشى ابتعاد والدته عنه، ضربات خفيفة على كتفه تنبهه بمكانه، ابتعد عنها ليتطلع للرجل الواقف بحنق وعيونه الغاضبة تنصب عليه فسأله ببراءة:
" ما بك يا سلطان؟! ".
فجز على نواجذه يمنع نفسه من الصراخ بوجهه، وقال:
" ابتعد عن زوجتي بالحال ولا تحتضنها بهذه الطريقة أبدا!! ".
" أنت تمزح بالتأكيد؟!... إنها شقيقتي!! ".
استنكر قوله ليسكت بعدها لثواني ثم تألقت على زاوية شفته ابتسامة ماكرة ونظر لابن عمه وهو يرفع حاجبيه للأعلى والأسفل بمعرفة، فأجابه سلطان وقد شعر بأنه قد كشف أمره:
" لا تنظر إلي هكذا!! ".
ازدادت ابتسامته اتساعا لمعرفة أن سلطان يغار على شقيقته منه، قاطعته مريم دون أن تعرف ما دار أمامها وقالت رافضة ما يطلبه:
" لا عليك منه، فأنت شقيقي قبل أن يكون هو زوجي ".
أعاد محمد تحريك حاجبيه للأعلى والأسفل بشماتة ناحية ابن عمه وبداخله شعور بالراحة اجتاحه بأن شقيقته ستكون على ما يرام.

سارت الأمور بعدها بسرعة من استقبال التهاني، لقطع الكعك، ثم شرب العصير، وبعدها حانت لحظة المغادرة فقد قررا أو قررت عدم السفر بالخارج والاكتفاء بالتجول بأنحاء إمارات الدولة وقد وافقها الرأي .
ركبت السيارة مع زوجها بعد عناء وبكاء من جدتها التي تمسكت بها بشدة ومنها هي، وشقيقها اكتفى بحضنه قوية وهمسه لها بأن تعيش بسعادة وتستمتع برحلتها.
انطلقت بها السيارة وهي تتطلع للخلف إلى أن اختفوا عن مجال رؤيتها لتعتدل بجلستها وتنظر للأمام بعيون غشتها دموع الفراق، لم تتوقع أبدا أن تشعر بهذا الإحساس المريع بابتعادها عنهم.
لمسة خشنة حنونة حطت على كفها وشدد بضغطته على أصابعها لترفع رأسها باتجاهه وشاهدته من خلف ستار دموعها وهو يرفع كفها ناحية شفتيه ليطبع قبلة ليست بشهوانية ولا معاقبة، وإنما كانت مطمئنة آمنة، وشعرت بالغرابة عندما تطلعت لعينيه بأنها لم تبتعد عن منزلها فهي بوطنها وبأمان، ولم تبتعد عن محيطه أبدا، وكلماته التي نطق بها عززت من ثقتها به فكأنه أعطاها وعده بعدم البعد .
" لا تقلقي سيكونون على ما يرام، سنغيب فقط لأسبوعيين، وستحادثينهم متى ما أردت ".
ثم عاد ولثم أصابعها بحب شع من عينيه، فابتسمت بخجل وأشاحت بوجهها عن نظراته الحادة التي تخترق دواخلها، حاولت سحب كفها من يده الضخمة فلم تقدر، فصدح صوته الأجش المحمل بطياته مشاعر متفجرة لا يعرف إن كان سيستطيع احتواءها .
" هنا مكان يدك وإياك أن تبعديها ".
هزت رأسها مسلوبة الإرادة، ونظرت للأمام بشرود، وغامت بصورة أخرى مختلفة وتساؤل هل قال لها نفس الكلمات؟!... هل عاهدها كما عاهدني؟!... هل....شكوك ووساوس بدأت تشتعل برأسها وغيرة نهشت قلبها بأن أخرى قد سبقتها إليه صوته الرخيم، أخرجها من بحور شعرت بها تعتصر فؤادها:
" إياك وأن تفكري...إياك والذهاب بتلك الناحية...هل تفهمين ما أقوله؟! ".
التفتت ناحيته بشدة وتوسعت عيناها بصدمة وهمست متلعثمة:
" كـ... يـ.. ف... عـ..لـ..مـ..ت؟! ".
" وجهك فضح أفكارك ".
تنهد بمعرفة أن هذا سيحدث وعليه أن يقطع الشك باليقين لينعم بالراحة معها، تحرك رأسه بعدة اتجاهات كأنه يبحث عن شيء ما بالشارع، لحظات ليجد ضالته وحرك سيارته الفخمة باتجاه موقف السيارات، أوقف السيارة ثم أدار جسده باتجاهها وقال:
" اسمعيني يا مريم ولن أعيد حديثي هذا مرة أخرى ".
رفعت أحد حاجبيها بتعجب لكلماته المغرورة فضيق عينيه وقال:
" أتعرفين... كم أمقت حركتك تلك؟! ".
أشار ناحية حاجبيها وأكمل:
" عندما ترفعين إحدى حاجبيك كأنك تخبريني: يا رجل هل تسمع ما تقوله؟! ".
ثوان هي فقط لتطلق ضحكاتها الرنانة التي طالما سلبت عقله بصوتها، ظلت تضحك وهو يتأملها بشغف وانبهار لمدى تحول ملامح وجهها فأصبحت أكثر جمالا بابتسامتها الخلابة، نظر إليها وشاهد أمامه طفله تغيظه برفع حاجبيها للأعلى والأسفل، حسنا خمن أن هذه الحركة ستقوم بها للأبد، لم يهتم فلتغيظه للأبد، فلتشاكسه كما كل لقاءاتهم للأبد لا يهم، فالمهم هو بقائها بجانبه، ولعن نفسه وغبائه لإهداره الوقت الثمين من سنين حياته ببحثه عن المرأة المناسبة له، وهي كانت أمامه باعتزازها وشموخها فعاد يبرر بأنه كان أعمى البصيرة كما قالت له من قبل .
" توقفي عن الضحك بهذه الطريقة، فلم أعد قادرا على كبح نفسي!! ".
فتساءلت من بين قهقهاتها التي هدأت قليلا، وتساءلت باستغراب و ببراءة فتاة لم تختبر ولم تدخل عالم الرجال:
" ما الذي تقصده يا ابن العم؟؟"
هز رأسه كمن يرى مخلوق فضائي، وقال بحنق يغالب نفسه بأن يحملها ويضعها على قدمه ويقوم بضربها حتى تنطق باسمه جيدا:
" ألم ننتهي من مشكلة نطقك لاسمي الصعب؟؟.. والغريب بالأمر أنني أصبحت زوجك وما زلت تناديني بابن العم!! ".
رفعت كتفيها بقلة حيلة وقالت:
" لا تغضب!!... هي العادة فقط، لم أعتد نطق اسمك، كما أنك ما زلت ابن العم ولم يتغير شيء ".
سحبها من عضدها برفق ناحيته ثم أحاط بوجهها بكفيه، وقال وعيناه تجريان على صفحة وجهها بنهم وشوق كبير فخرج صوته محمل بعواطف عنيفة تجتاح جسده و تودي بتعقله:
" لا يا مريم لقد تغير الوضع فأنا الآن زوجك....زوجك يا مريم، وعليك أن تعتادي قول اسمي، سأعلمك نطقه بأبجديه حروفه، سأعلمك كيف تهمسين به بشوق، سأعلمك يا زوجتي كيف تقولينه بحب ولهفة امرأة لرجلها ".
وهنا قد انتهى تماسكه فهوى على شفتيها ينهل من تلك القبلة التي أرادها منذ أن رآها بفستانها الأبيض الذي جمح بمخيلته كيف سيخلعه عنها، قبلها كما لم يقبلها من قبل، فكل قبلة لها مذاقها الخاص، لها نكهتها المختلفة، كأنه يقبل عدة نساء بامرأة واحدة .
ابتعد عنها رحمة بها فقط، كما أن المكان ليس المناسب ليكمل ما يريده فقال يغالب نفسه بالعودة ليقطف من تلك الشفاه الحمراء المنتفخة من أثر قبلته:
" هذا ليس بالمكان المناسب لأكمل ما أريده، عندما نصل يا زوجتي سنبدأ بأول درس ".
فهمست وهي تبعد وجهها عنه وتعض على شفتيها لاستسلامها لقبلته التي أدمنتها على شفتيها كأنها كانت تنتظرها بفارغ الصبر ليحط برحاله عليها ليعطيها جرعتها من الأفيون الخاص به:
" وهل هناك دروس علي أن أتعلمها؟! ".
" آه يا عزيزتي!!.... بل الكثير من الدروس التي أنا مستعد لتعليمك إياها بكل رحابة صدر ".
فانطلق بسيارته بسرعة ونسي ما كان يريد الحديث عنه يسابق الرياح للوصول قبل أن يفقد الباقي البقية من عقله الذي يأمره بالتريث قليلا وكبح جماح نفسه كي لا يخيفها، فحبيبته عذراء....عذراء الجسد والفكر .
وصلا للفندق وترجلا من السيارة، تقدم منهم عامل الفندق ليحمل عنهم الحقيبتين ودلفا للداخل يده بيدها وعلى ملامحه الاعتزاز والفخر، وقف عند الاستقبال وسأله عن حجزه.......
استقلا المصعد بعد انتهائه من الإجراءات متجهين لغرفتهم يرافقهما العامل ليرشدهما للطريق، فتح لهما الباب وتركهم يتقدمانه بالدخول، تجولت مريم منبهرة بكم الفخامة والروعة الذي شملته الغرفة، فقد كانت مكونة من جناح غرفتين مع حمامان واحد داخلي والثاني يتبع غرفة الجلوس، ومطبخ صغير اتجهت للغرفة الأخرى وهي تتساءل لما الغرفة الثانية فتحتها لتقف فاغرة فاهها فهي لم تكن غرفة بمعنى الكلمة، بل كانت غرفة توسطها حوض سباحة خاص بالجناح، كانت تنظر للمياه الزرقاء المتلألئة بانبهار، وشعرت كأن المياه تنادي بلهفة لمن يغوص بين زرقتها.
ابتسمت بسعادة وحبور، وصفقت بيديها بمرح كطفلة صغيرة شاهدت أجمل مكان بالعالم .
التفتت تبحث عنه ولم تكن تدرك بنظراته المصوبة ناحيتها تراقبها بكل خطوة والتفاته تقوم بها، صرخت باسمه بسهولة دون أن تشعر به:
" سلطان... ".
اقتربت منه ممسكة بكفه كأنها اعتادت إمساكها ملايين المرات، تطلع لكفها ثم لظهرها وقلبه ينبض بكل الحب والشوق لتلك المخلوقة العجيبة والغريبة، لم يكن يعلم بأنها ستشعر بكم الفرح لرؤيتها لحوض السباحة، ولا بمدى فرحتها لجمال الفندق، فتساءل بداخله لو أحضر سلمى لهذا المكان ماذا سيكون رأيها؟!.. فابتسم بتهكم يعرف ما سيكون ردة فعلها لهذا المكان، فهو أخذها لأفخم فندق بفرنسا ولم يعجبها بل أمرته بأن يغير المكان.
تحركت نظراته إليها وهمس بشجن ووله لم يداريه، فأخيرا أصبحت له ملكه ولوحدهما لن يقاطعهما أي مخلوق .
أدارها ناحيته وأمسك بوجهها المشع بسعادة حقيقية نابعة من أعماق قلبها ونظر لعينيها الصادقة " ألا يقال أن العيون منبع الحقيقة ".
ومقلتيها كانت تنطق بحقيقة شعورها، ترك وجهها وأحاط بخصرها بتملك يدنيها من جسده المشتاق والراغب لتلك الأنثى التي أصابته بلوثة من الجنون بسبيل حصوله عليها
لثمها دون تردد بقبلة... بقبلة وضع به أشواقه ورغباته، بلهفته للشعور بها كما حلم دائما وتخيلها بين أحضانه تناغيه وتناديه بكل الحب والغرام، ولم يكن كما تخيل بل كان كالمتفجرات عندما التحم جسديهما ليكون ككيان واحد.
احتضنها بالقرب من دقات قلبه الهادرة كالرعد بليلة ماطرة، وأنفاسه لاهثة من شدة مشاعره العنيفة التي أفلتت من سجنها، أمطرها بقبلاته ولم يترك انش بوجهها إلا وقد ترك بصمته عليها .
مغمضة العينين، مرتعشة الجسد من الطوفان الجارف الذي اجتاح روحها وجسدها، تشعر بنفسها تطير بين السحاب من عواطفها التي أشعلها فتيل لمساته وقبلاته، ارتخت قدميها من عدم قدرتها على الاحتمال من موجة المشاعر التي صعقتها بقوة، فاستشعرت ذراعيه تحيطها بإحكام وانسحاب شفتيه لتضربها بروده بعد نار أشعلت بجسدها، وكلمات الأسف أحست بها دون أن تسمعها فنبضات قلبها الهادرة كانت تطرق بأذنيها كما السنديان العملاق، وعينيها غامت بشبه إغماءه، وبعدها بالفعل شعرت بنفسها تطير بالهواء فهي لم تعد تشعر بالأرض أسفل قدميها.
حملها بخوف بعد أن شعر بجسدها يرتخي بين ذراعيه سارع بوضعها على السرير وعلامات الفزع ظهرت على ملامحه، واحتار بماذا يفعل وهو يراها بهذه الحالة، هل يطلب لها الطبيب؟!....
شد على شعره، ولعن تهوره واندفاعه بصب كل ما يعتمله من شوق ورغبة دفعة واحدة دون أن يراعي قلة خبرتها.
انطلق ناحية الحمام وأمسك بمنشفة بللها بالماء ثم اتجه ناحيتها ومسح على وجهها برقة وناداها بهمس أن تفتح عينيها، فتحت عيناها بعد فترة ورمشت تجلي الغشاوة فشاهدت الهلع بمقلتيه، وتساءلت:
" ماذا حدث؟! ".
احتضنها بقوة على صدره ثم ابتعد عنها وعاد ينطق بأسفه لما حدث، تذكرت ما جرى وتلون وجهها بالخجل لإدراكها بأنه قد أغمي عليها من قبلاته ولمساته، وهمساته التي غيبتها عن هذا العالم لتدخلها بعالم آخر، مهما حلمت به أو تخيلته لن يصل لحقيقة ما شعرت به بين يدي حبيبها.
رفعت كفيها بسرعة وأخفت وجهها، وعضت على شفتيها تداري خزيها مما حدث واضطجعت على جنبها تهرب من نظراته الحارقة.
علم ما يحدث لها فقهقه عند أذنيها والسعادة تملئ جوفه كأنه التهم للتو وجبة دسمة أشبعته لحد التخمة فهذا ما أراده وهذا ما تمناه، أن يكون هو القائد هو من يتحكم بزمام الأمور، أن يرى امرأته تتلون بالخجل، أن يرتعش جسدها بلمساته برهبة ورغبة بالتجربة، أن تداري عينيها كي لا يلاحظ ما يجول بداخلها.
أغمض عينيه يستنشق تلك الرائحة الذكورية التي طفقت تعلن عن نفسها عن تفردها بأنه أسد تلك اللبؤة التي تخفي نفسها منه لكن ليس لوقت طويل.
أدارها ناحيته وابتسامه حنونة تزين مبسمه وسألها يبعد خجلها:
" هل أنت بخير؟!... هل تشعرين بأنك قوية لتنهضي وتغيري ملابسك؟!... فعشاءنا يكاد أن يبرد ".
سكت ينتظر إجابتها لكن لا رد، فعض على شفتيه بجنون أفكاره التي انطلقت تتخيل وتتحكم بحروفه فأصبح كأنه فتى مراهق وقال يهمس بالقرب من وجهها والمكر يزين عينيه:
" إلا إذا أردت مساعدة مني لأغير لك ملابسك وأساعدك بالاستحمام!! ".
شهقت بصوت عالي وحدقت به بصدمه وهي تصرخ باسمه:
" سلطان... ".
نهضت من مكانها وبدأت بلكمه على كتفه وهي ترغي ولم تشعر بنفسها وهي تجلس على جسده
" أنت قليل التهذيب، كيف استطعت قول هذا الكلام لي؟!! ".
أمسك بيديها يحمي نفسه من هجومها وهو يضحك بصوت عالي على جنونها فقاومته راغبة بالإفلات، أعجبه ما يحصل وانتفضت روحه تعلن عن حياتها، ناظرها وهي تحاول أن تفلت يدها من قبضته ويعرف علم اليقين بأنها لا تدرك أين تجلس؟!!
شعر بجسده يصرخ بشدة، يصرخ برغبة امتلاكها وترويض ذلك العنفوان تحت لمساته وقبلاته، فصرخ به قلبه يحذره من مغبة فعلته بأخذ ما يريده منها بتلك الطريقة فهي ليست بسلمى الخبيرة بأمور الرجال، هذه مختلفة رقيقة، حنونة، بريئة لم تختبر من قبل لمسة رجل أو قبلة رجل فكيف بـ.....
بحركة سريعة انقلب الوضع فأصبحت بالأسفل وهو يعلوها وناظرته بخوف ونطقت بسرعة:
" أنا أعتذر لم أقصد .....".
قاطعها بشفتيه بلمسه حطت كالفراشة وابتعد عنها فإن أطال بقبلته لن يكون مسئولا عما سيحدث بعدها.
" إياك وأن تعتذري، وافعلي بي ما شئت، فأنا زوجك وأنت زوجتي فيحق لي كما يحق لك ما تريدين فعله، والآن انهضي بسرعة قبل أن أغير رأي وأفعل ما أريد ".
فزت من مكانها ودخلت للحمام تطاردها قهقهاته العالية، اتكأت على الباب مغمضة العينين ويدها على قلبها تهدئ من وتيرة دقاته، كأنها تستطيع فهو ما ينفك يهدئ حتى يعود ويرتفع يكاد أن يتفجر من شدة ما يحمله من عواطف جياشة، وسعادة كأنها ملكت الكون .
استحمت ولفت جسدها بالمنشفة واتجهت للحقيبة التي سحبتها معها بسرعة بخضم هربها من سلطان، فتحتها لتفاجأ بنوع الملابس التي تحتويها الحقيبة، فضربت جبهتها ولعنت غباءها فقد أخذت حقيبة سلطان بدل من حقيبتها. احتارت بما ستفعله، فيستحيل أن تخرج هكذا عارية فقط تلف جسدها بمنشفه وهنا أخفت وجهها بخجل لما سيحصل فيما بعد، فقد جلست مع عمتها أم سلطان وحادثتها عن كل ما يحدث بالزواج، تتذكر عيونها الجاحظة مما تسمعه وبما سيحصل مع زوجها من تقارب فقفزت تعلن عن رفضها بإتمام هذا الزواج، وبأنها لن تتزوج أبدا طول حياتها، طال حديثهما، وطال إقناعها فالأمر قد انتهى وولى أمر الهرب وهذه هي سنة الحياة والطريقة التي خلقنا من أجلها.
فتحت باب الحمام تتلصص على المكان مثل اللصوص، طالعها الفراغ وخرجت تمشي على أطراف أصابعها وعينيها تبحث عن ضالتها.
" في الحقيقة ما ترتدينه أفضل بكثير مما جهزته لك!! ".
التفتت بسرعة لتتطاير خصلات شعرها الرطبة حول وجهها مصدومة من وجوده بالغرفة، تعثرت أثناء تراجعها فتقدم بسرعة ناحيتها وأمسكها بإحكام ومنعها من السقوط، حدجها بنار استعرت بجسده ستحرقهما كلاهما بلا هوادة.
ازدرد ريقه بصعوبة وهو ينظر لجسدها برغبة لن يصمد طويلا بكبحها وهو يراها بهذا الشكل المغري، فقد كانت ترتدي إحدى تشيرتاته.
ابتعد عنها قليلا دون أن تتركها ذراعيه وتأمل شكلها ليختزنه بذاكرته للأبد، فقد كان القميص يصل لما فوق الركبة، ويظهر سيقانها الناصعة البياض والتي تحاول عبثا إخفاءها بشد القميص للأسفل، وقبة القميص واسعة أظهرت الغور العميق لنهديها ومدى امتلائهما، أمسك بذراعيها العاريتان فقميصه كان بدون أذرع، وهنا انتهى الأمر فقد اتخذ قراره وقد أزف اتحاده بامرأته.
غيبها بعناق آخر ولكن هذه المرة ببطء لذيذ كأنه يتذوق إحدى أنواع الحلوى النادرة التي وجب أن يستمتع بها بتأني ليتعرف على ما تحتويه من نكهات.
حملها بخفة ليضعها على الفراش دون أن يترك شفتيها ليأخذها لعالم آخر تخطو إليه للمرة الأولى مع من اختارته منذ زمن طويل ليكون هو فارس أحلامها .

**************


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close