رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الخامس عشر 15 بقلم صابرين
15- انتي اتسخطي قطة ولا ايه!؟
زفرت بغيظ للمرة التي لا تعلم عددها، تطرق بأصابعها بخفة على الطاولة الموضوعة أمامها والتي تحمل عددًا كبيرًا من صناديق الحلوى المعروضة للبيع، وكل دقيقة والأخرى تنظر إلى نور بجانبها تنتظر إشارة واحدة حتى تنقض على صاحب هذه البقالة تخنقه بين يديها ساببة إياه بكل لغات العالم
لكن الأخرى تمنعها بهذه النظرات التحذيرة بألا تفتح فمها، فأسلوب نور المسالم يمنعها من فعل المشاكل حتى أنها تمنعهن من هذا مذكرة إياهن أنهن الآن في بلد غريب ولا يجب أن يخلقوا مشاكل أو يتدخلوا بها مهما كان السبب
أشارت لها نور بأن تهدأ قليلًا لتقول بصوت هامس مستغلة أن صاحب البقالة مشغول في البحث عن الطلبات التي طلبوها :
-شروق اهدي ومترديش عليه خالص اعملك نفسك خرسة وطرمة
نقلت الأخرى نظراتها من عليها إلى ذلك الأخرق والذي عاد ومعه الطلبات مبتسمًا لهما تلك الإبتسامة السمجة التي يرمقهما بها منذ أن دلفا، ووالله لولا أنها البقالة الوحيدة التي تفتح في مثل هذا الوقت من ظهر الجمعة ما كانا ليأتيا إلى هنا :
-أدي الشيف كيك والفانيليا والبيض والكاكاو، انتوا ناويين تعملوا كيكة ولا ايه؟ بس إن شاء الله هتكون حلوة لو انتوا اللي هتعملوها
ضغطت شروق على كفيها تحاول بكل قوتها عدم إمساك أي صندوق من صناديق الحلوة الموضوعة أمامها هذه وإلقائها في وجهه المفلطح هذا الذي يشبه اليقطين
أخرجت نور من حقيبتها النقود مرددة بجدية :
-بكام دول؟
-من غير فلوس على حسابي المرة دي، ده انتوا أول مرة تشرفونا
-لا شكرًا بكام قول يلا
هتفت بها شروق بصوت حاد فنظر إليها الآخر متحدثًا بنبرة لعوب اثارت غضب الأخرى :
-والله صعايدية ما تقول منين انا عندي قرايب في الصعيد علفكرة
ألقت نور النقود فوق الطاولة وسحبت حقيبة المشتريات من يده وباليد الأخرى جرت شروق معها وخرجا من البقالة، وما إن ابتعدا حتى قالت شروق بغضب شديد :
-يخربيته برميل غتاتة لأ وعنده كرش اومال لو كان حلو شوية كان عمل ايه
هزت الأخرى رأسها مبتسمة بقلة حيلة وهي تجرها معها إلى البناية التي تسكن بها عمتهم، تقول كما عادتها :
-الله يسهل لعبيده يا شروق ادينا طلعنا من عنده
-علشان كده عمتي مرضيتش تنزلي لوحدك وقالت خدي واحدة من البنات معاكي، علشان الحيوان اللي هناك ده، صحيح انتي ادتيه كام؟؟
-خمسين جنية حلو عليه لو فيه باقي مش عايزينه
تركت ذراعها بسرعة عندما سقط شئ من الحقيبة البلاستيكية فمالت والتقطته ليتبين أن هناك مكون مفقود رغم أن ذلك الرجل ذكره :
-اقفي يا شروق اقفي فين الكيك شيف مش احنا اشتريناه
سحبت الأخرى الكيس منها وتفقدت الموجود به لتلاحظ أن به قطع فصاحت مغتاظة :
-ده الكيس مقطوع يعني رغاي وكياسك مقطوعة ده ايه الوكسة دي
نظرت نور حولها على الأرض لتبدأ في البحث عنه هي وشروق من خلال الخطوات التي ساروا عليها، وإذ بنور تنتفض بسرعة على صرخة شروق باسمها تزامنًا مع وقوف سيارة من خلفها بشكل مفاجئ افزعها حقًا فشهقت عائدة للخلف بشكل لا إرادي
ركضت شروق عليها بينما أخرج سائق السيارة رأسه من النافذة صائحًا بصدمة :
-يخربيتك كنت هدوسِك!!
خرج من كانوا بالسيارة والسيارة التي خلفها ليتضح أنهم رجال العائلة المدعوين على الغداء فقد أتى النساء منذ التاسعة صباحًا لإعانة أسماء بينما الرجال قالوا أنهم سيأتون من بعد صلاة الظهر
تحدث إسماعيل بقلق مقتربًا منهما بعدما تبين هويتهما :
-انتوا كويسين؟! مين خبطتها العربية؟؟
خرج يونس من السيارة وقد كان هو من يقود ليقول وهو ينظر إلى كلاهما بنظرة متفحصة سريعة :
-مفيش حد خبطته العربية انا فرملت قبل ما اخبطها
نظر محمد إلى ابنه وكريم ابن أخيه بغضب ليقول بصوت حاد :
-قولت بلاش تهزروا وانتوا سايقين كنتوا هتموتوا البنت
-ما هي لسه حية يا بابا أهو يبقى براءة
هتف بها يونس وهو يدلف إلى السيارة مجددًا حتى يركنها على جنب، وكذلك فعل حمزة مع سيارته بعد أن اطمأن أن السيارة لم تصطدم بأحد
بينما جرت نور شروق معها من أمامهم حتى يذهبوا فقالت الأخرى وهي تنظر إلى الشارع :
-طب والكيك شيف الكيكة مش هتظبط من غيره
-ما احنا رايحين نجيب غيره
جرت شروق يدها منها عندما رأت أنهم سيتوجهوا بالفعل إلى تلك البقالة مرة أخرى :
-لا يا ماما استني مش هاروح تاني هناك أنا
استوقفهما إسماعيل عندما أبصر أنهما متوجهتين إلى بقالة معينة :
-استنوا عايزين ايه انتوا علشان رايحين عند الراجل ده
حدقت نور به لوهلة قبل أن تقول بإقتراح يشوبه بعض الحرج :
-معلش يا إسماعيل تيجي معانا عند السوبر ماركت ده نشتري طلب، الراجل اللي فيه رخم شوية
-ليه اشتريتوا من عنده أساسًا كنتوا قولتوا للؤي ينزل
وقبل أن تجيبه أحداهن كان هناك زامور سيارة يصدح من خلفهما جعلهما ينتفضان لتصيح شروق قائلة :
-فيه ايه العربيات كلها عايزة تدوسنا ما الشارع فاضي أهو
نظر اسماعيل إلى صاحب السيارة وقد كان ابن عمته توحيد وهي معه في السيارة، أشار إلى نور بينما تقدم اهو أمامها ثم قال :
-ماشي تعالي شوفي هتشتري ايه
سارت خلفه نور بينما كانت شروق ستتجه إلى البناية لكن انفتح الباب واستمعت إلى صوت توحيد تنادي عليها قائلة :
-انتي يا بنت يا أم نضارة خدي تعالي
أشارت شروق إلى نفسها بمعنى هل تقصدين أنا وكل هذا يحدث أمام الجميع متابعين ما ستفعل توحيد هذه المرة إذ قالت توحيد وهي تنظر إليها دونًا عن الجميع :
-ايوه انتي تعالي اسنديني علشان اطلع من العربية
تحدث ابنها وهو يخرج من السيارة حتى يساند هو والدته :
-تعالي يا ماما اسندك انا
وما كان من الأخرى غير أنها ضربته على وجهه هاتفة بغيظ :
-امك مين جاتك مَو انا اخلف شحط قدك
-شحط قدي؟ ده انتي عندك سبعين سنة يا ماما، ده انتي مخلفة وعندك أحفاد
اقترب عثمان من شقيقته حتى يساندها هي قائلًا :
-تعالي يا توحيد اسندي عليا انا
-ولا انت اوعى انا معرفكش انا عايزة تسندني البنت دي انا عرفاها
لوى كريم شفتيه بتهكم قائلًا :
-يعني انتي يا عمتي ناسية اولاد واخواتك وأولاد اخواتك وفاكرة دي اللي مشوفتهاش غير مرة
عدلت شروق نظارتها واقتربت من توحيد حتى تسندها فقالت توحيد وهي تنظر إلى يدي شروق الممسكة بكفها :
-إيدك ناعمة؟!
-اها شكرًا
-انا برضو ايدي كانت ناعمة زمان بس مش عارفة عملت كده ليه؟!
تحدثت شروق وهي تصعد الدراجات الأولى أمام باب البناية الرئيسي قائلة :
-معلش حكم السن بقى
-سن مين يا بنت انتي ده انا أصغر منك
ضمت الأخرى شفتيها تكتم ضحكتها قائلة :
-فعلًا انتي أصغر مني وأحلى مني مبسوطة كده؟؟
دفعتها الأخرى بعنف ناحية الحائط قائلة :
-جاتك ضربة انتي بتتعاملي مع عيلة ولا ايه؟؟
التصقت شروق بالحائط مذهولة فاقترب منها ابن توحيد معتذرًا منها :
-معلش يا آنسة انا آسف والله بالنيابة عنها
هزت شروق بأنه لم يحدث شئ بينما قالت توحيد مشيرة إلى المصعد أمامها :
-تعالى يا أحمد شوف البتاع ده بيشتغل ازاي عايزة اطلع لمحفوظ
فتح أحمد أبنها المصعد ودلف مع والدته وأخيه الثاني وخالهم عثمان وهكذا اكتفت الحمولة وصعد المصعد بينما شروق كانت تدلك ذراعها الذي اصطدم في الحائط فقال محمد متسائلًا :
-معلش يا بنتي شكلها جات شديدة
-لا عادي محصلش حاجة بس هي عايزة حد يسندها وهي فيها القوة دي، ده انا لصقت في الحيطة حسيت دراعي اتخلع!؟
ابتسم محمد ليقول مغيرًا الموضوع بينما يشير إلى حقيبتها :
-هو انتي لقيتي شنطتك؟؟
نظرت الأخرى إلى الحقيبة التي معها ثم قالت :
-لا دي واحدة غيرها
نظرت إلى يونس الذي كان يقف كما البقية في انتظار المصعد فاضافت :
-صحيح لقيت الشنطة بتاعتي صح؟؟
هز الآخر رأسه بلا فحبطت ملامح الأخرى ذاممة الشفتين :
-ولا هتلاقيها شكل اللي بيروح فعلًا مبيرجعش
تحدث يوسف مشيرًا إلى نفسه مستعجبًا أنها علمت يونس بسهولة :
-هو انتي ازاي عرفتي إني ده يونس؟ ده نادرًا ما حد بيعرف يفرق ما بينا
نظرت الأخرى إلى كلاهما بحيرة لترفع منكبيها مرددة :
-مش عارفة بحس إنك شخص محترم متربي وذوق وابن ناس
أكمل يونس خلفها مشيرًا إلى نفسه وعلى شفتيه ابتسامة متهكمة :
-وانا دبش ومشوفتش ريحة التربية وابن كلاب
امتلأ المكان بالضحكات بينما رفعت شروق حاجبيها بإندهاش من هذا الرد لتقول بصوت مذهول اختلط بالغضب :
-علفكرة انا مقولتش كده!؟
تحدث حمزة ضاحكًا وهو يشير باصبعه ناحية يوسف ويونس :
-هو حرفيًا ده الواقع واحنا مش بنفرق بينكم غير كده
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جلست في شرفة شقتها بعد أن أدت فريضة الظهر وفي يدها لوحة وبعض الأقلام وكل دقيقة تنظر إلى الشرفة التي بجانبها والتي تعود إلى جارها الذي كانت تظنه سفاح ليتضح إليها لاحقًا أنه ضابط وليس أي ضابط بل ضابط أمن دولة
حسنًا لتكن صريحة أراحها أنه ليس سفاح وفي نفس الوقت ارتعبت أكثر لأن وجوده في هذه البناية لأن هناك شك أن سفاح الإسكندرية يسكن هذه المنطقة والآن باتت تريد الذهاب من هنا لكن لن تستطيع الطلب من عادل أن ينقلها
على الأقل الضابط يكون جارها وستكون في حمايته، هذا إن كان يطيقها من الأساس نظرًا لمعاملته الأمس أثناء عودتهم من القسم، فأصر أن يأخذها معها ويوصلها وهذا ليس لطيبة قلبه وإنما لإلقاء أوامر عليها طوال الطريق إذ كان يقول :
-محدش يعرف اني ظابط ومحدش يعرف إنك بتتعاملي معايا أساسًا ولو شوفتيني معدي من جنبك مترميش عليا السلام حتى
استدار إليها حيث كانت تجلس في المقعد الخلفي للسيارة هاتفًا بصوت حاد :
-انتي مبترديش ليه؟؟
تحدث مساعده والذي كان يقود السيارة مشفقًا على الفتاة التي تبدو وكأنها قطعة بسكويت لا تتحمل حتى درجة السخونة :
-يا سفيان باشا كفاية على البنت حاسس إنها هتعيط والله
رفعت هاجر رأسها تحدق في السائق بتعجب لتعيد نظرها إلى ذلك الغاضب متسائلة :
-هو انت اسمك سفيان؟!
-عند جنابك إعتراض؟؟
هتف بها بسخرية فقالت هاجر معترضة على هذه المعاملة :
-هو انت بتتعامل معايا كده ليه ما انت اللي كنت بتأكدلي إنك قتال قتلة اعمل ايه يعني؟؟
-تروحي تبلغي عني والبوليس يجي ياخدني وتبقى فضيحة ارتاحتي انتي كده
-ما بصراحة البنت معاها حق انا لو في مكانها هاعمل كده
هتف بها مساعده فنظر إليه الآخر نظرة مخيفة اسكتته ليظل صامتًا إلى أن وصل أمام باب البناية فهبطت هاجر من السيارة وقبل أن تقل أي كلمة وجدت عادل ابن زوجها يقترب من البناية وقد ابصرها تترجل من سيارة غريبة فقال متعجبًا :
-هاجر بتعملي إيه في الساعة دي؟ وعربية مين دي اللي نازلة منها
نظر إلى داخل السيارة فأبصر رجلين يجلسان في المقدمة فنظر إلى هاجر منتظرًا الشرح لتقول الأخرى كاذبة وهذا لأن أن سفيان حذرها من كشف هويته لذا قالت :
-ده أوبر يا عادل انت اللي بتعمل ايه هنا
-جيت اطمن عليكي بما إنك بطلتي تسألي كأنك صدقتي ما خلصتي منا
ابتسمت الأخرى ابتسامة ساخرة ثم قالت :
-انا فعلًا صدقك ما خلصت منكم مش هنضحك على بعض
حك الآخر خصلات شعره ثم قال مغيرًا الموضوع وهو ينظر إلى السيارة وقد تذكر أن بها رجلين وليس السائق فقط :
-صحيح ازاي أوبر فيه شخصين غير السواق؟؟
نظرت الأخرى إلى سفيان ومساعده حائرة لتقول بسرعة بأول شئ خطر إلى بالها :
-ما ده شخص معرفة للسواق باين طريقه نفس طريق رحلتي فيعني اخده معاه وكده
نظر عادل إليها بعدم اقتناع ثم قال متنحيًا عن الأمر :
-تمام دفعتي ولا ادفع انا؟
-لأ لأ دفعت وهو هيمشي دلوقتي
ختمت حديثها تنظر إلى سفيان فأشار الآخر إلى مساعده بأن يتحرك لتستقر السيارة بعيدًا نوعًا ما لكن لا يزال سفيان يراهما إذ كانا يتحدثان أمام البناية لوقتٍ ما فسأل مساعده قائلًا :
-مين الواد ده؟؟
-ده عادل الدخيلي ابن حاتم الدخيلي جوزها
عقد سفيان ذراعيه أمام صدره ولا تزال عينيه معلقة بهما :
-علفكرة المعلومات اللي جبتهالي عن البنت دي قليلة أوي
-فعلًا ده انا لقيتها بصعوبة أساسًا، بنت يتيمة لا اب ولا أم ولا قرايب ملهاش غير حاتم الدخيلي وأولاده واللي عرفته يعني إنها مكنتش عايشة متهنية مش عارف ايه يجبر واحدة صغيرة زيها تتجوز واحد قد ابوها وعنده خمس عيال
-أكيد إجبار مش انت قولت ملهاش حد ثم ليه بعد ما مات سابت كل حاجة وجات هنا أكيد ما صدقت خلصت منهم وده يأكد إنها مكنتش طمعانة في فلوسه مثلًا
آماء له الآخر مقتنعًا بهذا الحديث ليقول بسرعة ما إن تذكر شيئًا :
-صحيح يا باشا عرفت معلومة تانية عن البنت دي ومش هتصدق بجد، عرفت إنها من خمس سنين كده كانت بتتعالج من أمراض نفسية زي الهلاوس والصرع ده جالها دكاترة من برا علشان يعالجوها، حتى مدخلتش مصحة اتعالجت بشكل متكتم
عقد سفيان حاجبيه بإندهاش قائلًا :
-هلاوس وصرع؟! علشان كده بتصرخ وتبكي كل ليلة لحد ما صرعتني انا
نظر إلى مساعده ثم أضاف :
-انا عايزك تعرفلي عن حالتها النفسية وتعرفلي معلومات أكتر يا أمين عنها حتى لو هنضطر ناخدها نستجوبها في أمن الدولة
-فيه ايه باشا مالها البنت دي شاغلة دماغك؟؟
-مش شاغلة دماغي قد ما انا محتاج منها حاجة بما إنها من عيلة الدخيلي
أشار إلى المباني حوله من ثم أكمل :
-العمارات اللي في المنطقة دي كلها من استثمارات الدخيلي للعقارات حتى الكاميرات اللي موجودة كلها تحت ايديهم علشان كده مش عارفين نفرغ ولا كاميرا لحد دلوقتي
-يا باشا ما قولتلك نطلب منهم انت قولتي لأ
هز الآخر رأسه نافيًا ثم هتف بذكاء :
-مش عايز نلفت انتباه إني أمن الدولة شاغلين على الموضوع، السفاح ده ذكي وذكي فوق المتوقع كمان علشان كده السرية لازمة
نظر الآخر إلى هاجر التي ودعت عادل ودلفت إلى البناية ليقول :
-والله خايف يكون السفاح مش ساكن هنا ولا حاجة انت عملت تحريات عن كل اللي ساكنين في المنطقة ومفيش حد مشكوك فيه
-لأ فيه وشاكك فيهم بنسبة كبيرة بس محتاج الكاميرات علشان اتأكد
نظر الآخر له سريعًا ثم قال :
-مين؟؟
لم يريحه الآخر وهبط من السيارة قائلًا :
-تجيب معلومات أكتر عنها يا أمين وتحاول في موضوع تفريغ الكاميرات ده بس زي ما قولتلك من غير شوشرة
خرج سفيان من ذكرياتها لتجده يقف في الشرفة مستدعيًا انتباهها ليقول ما إن رآها جالسة :
-ينفع اطلب منك خدمة؟
ركزت الأخرى معه بينما أكمل سفيان ولا يدري كيف يبدأ الموضوع فقال متنحيًا عن الأمر تمامًا حتى لا يضع نفسه في موقف محرج بسؤاله عن خصوصياتها فهو الآن ليس في تحقيق رسمي معها :
-خلاص انسي الموضوع
كاد أن يدلف فاستوقفته هي بصوتها :
-سفيان باشا بالنسبة لموضوع السفاح ده ليه متأكدين أنه موجود في المنطقة دي محدش عارف يمسك عليه حاجة أصلًا
-مش المفروض اجاوبك على السؤال ده لإنها معلومات خاصة وسرية ايه اللي يضمنلي إنك مش السفاح
ابتسمت الأخرى ابتسامة ساخرة يشوبها بعض الحزن لتقول :
-انا لو اعرف اقتل فرخة بس كان زماني قتلت سعاد وعيلتها من زمان
تساءل الآخر سريعًا وقد وجدها فرصة ليسأل عن تلك العائلة دون إحراج نفسه فهي من بدأت :
-ليه عملوا ليكي ايه؟؟
-عملوا ايه؟؟ قول معملوش ايه بس، ده مفيش حاجة بشعة متعملتش سبوها
نطقت بها بشرود وهي ترسم اللوحة أمامها لكنها أخطأت في شئ بها بسبب شرودها هذا فزفرت بضيق وهي تلقي بالاقلام على جنب لذا قال سفيان وهو لا يرى ماذا تفعل :
-انتي بتعملي؟؟
-برسم
-بترسمي ايه؟؟
أدارت هاجر اللوحة له فنظر إليها الآخر رافعًا حاجبيه بإندهاش :
-طبق مكرونة؟؟ قاعدة ترسمي طبق مكرونة، انتي جعانة ولا ايه!؟
ضحكت هاجر تميئ برأسها ثم قالت :
-آه والله جعانة ونفسي في مكرونة أوي بس مش موجود جوا ومحدش فاتح تحت علشان ضهر الجمعة
-انا عندي مكرونة مش عارف حاططها أمين ليه جوا اجيبهالك؟؟
هزت الأخرى رأسها بحسنًا ثم وقفت بسرعة مردفة :
-ثواني اجيبلك فلوس
-لأ فلوس ايه مش عايز حاجة هي موجودة بقالها كتير جوا وانا مش بعرف اطبخ أساسًا فخديها عادي
دلف حتى يأتي بها وعندما عاد وجد في مكانها بالضبط تجلس قطة تنظر إليه بتركيز فقال مذهولًا :
-انتي اتسخطي قطة ولا ايه!؟
خرجت هاجر من الداخل لتقول بهدوء وهي تمد يدها حتى تأخذ الكيس :
-وكمان اسباجتي شكرًا بجد
أعطى لها الآخر الكيس ثم قال :
-ليا نصيب فيه ماشي
حمحمت هاجر محرجة منه لتمئ برأسها بهدوء، نظرت إليه بتعجب وهي تراه ينظر إلى قطتها والأخرى تحدق به وكأنهما عدوان :
-هو فيه ايه بتبص للقطة بتاعتي كده ليه
-هي دي قطتك؟؟
-اها
-طب حيث كده قولي لقطتك متجيش تاني عندي بدال ما ارميها من فوق المرة الجاية
رفعت هاجر حاجبيها بإندهاش قائلة :
-هي بتروح عندك وانا اقول بتختفي فين؟؟
-آه بتجي عندي وتفضل تنونو لحد ما تفقعلي نافوخي، وتنحة بشكل، بفضل فاتح الباب علشان تمشي وهي أبدًا قطعت نفسي تلات مرات وانا بلف وراها في الشقة علشان تطلع وآخر مرة من تلات أيام اديتها فوق نافوخها ومجتش تاني
كانت الأخرى تستمع إليه بتعجب فما هذه اللهجة المريبة التي يتحدث بها فهو من شكله وعمله يجب أن يكون شخص راقي في حديثه لكن طريقته ووقاحته هذا لا تعود إلا لرجل تربى في حواري هذا إن كان تربى من الأساس
وما إن استمعت إلى آخر جملة بأنه ضرب قطتها حتى صاحت به غاضبة، مذهولة :
-هو انت اللي ضربت القطة خليتها تمشي وهي بتعرج؟! حرام عليك ليه كده
قطب الآخر جبينه هاتفًا بقنوط من صياحها هذا :
-ايه الانفعال ده كله، دي قطة؟!
-ايه يعني قطة مش روح زيها زيك ترضى انت حد يضربك بالجذمة
-ويضربني بالجذمة ليه هو انا صــرصــار!؟
صاح بها غاضبًا فقالت هاجر وهي تنظر حولها خيفةً من أن يخرج أحد من شرفته على صياحهه هذا :
-علفكرة انت إنسان مفيش في قلبه رحمة وانا همشي
أخذت قطتها من على المقعد تزامنًا مع قول الآخر :
-أحسن برضو يلا اتكلي على الله انتي وهي وعارفة لو لمحت قطتك عندي هدبحهالك من غير ما أسَمي
جحظت أعين الأخرى بصدمة لترفع القطة أمام ناظريه هاتفة :
-حرام عليك ويجيلك قلب تدبح العسل دي
أعاد الآخر رأسه للخلف بضيق ومد يده حتى يبعدها تزامنًا مع قوله :
-يا عمة ارجعي لوراء مش بحب القطط أنا
وقبل أن يكمل حديثه كانت القطة تتعلق بكفه بمخالبها الصغيرة فصاح الآخر وكرد فعل لا إرادي منه أشاح بيده بعنف حتى يبعدها فسُحبت من بين يدي هاجر إلى ناحية الشارع لتصطدم في البناية الأخرى وبالتحديد في زجاج إحدى الشقق لتكسره وتستقر بالداخل
يليها صراخ هاجر الفزعة والتي ركضت بسرعة حتى تلحق بقطتها :
-منك لله حرام عليك القطة مــاتـــت
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
من منا لم يجرب هذا الشعور العائلي الذي ورغم صخبه إلىٰ أنه يبث لنا الشعور بالسعادة والألفة حيث يجلس الجميع على طاولات الطعام مستعدين لتناول الغداء
هناك من يضع الطعام، وهناك من ينادي بإحضار بعض الملاعق، وهناك من ينادي على البقية حتى يأتون قبل أن يبرد الطعام
كان الجو صاخبًا بشدة ومزدحمًا، الجميع يتحدث والجميع يتحرك، بالكاد تستطيع أن تتحرك من بينهم وتستمع إلى أحد وكما كان البهو مزدحمًا كان المطبخ أكثر ازدحامًا بالإضافة إلى الحرارة التي كان يبثها الموقد وبخار الطعام
مسحت براءة العرق المتصبب منها وهي تعطي آخر الأطباق إلى لؤي حتى يضعهم على الطاولة في الخارج :
-يا لهوي أخيرًا خلصنا
اجابته شروق بسخرية وهي تبحث عن بعض الملاعق الزائدة :
-خلصنا ايه ده هيبقى فيه جبل مواعين ربنا يعين اللي هيغسلهم
- يشوفوا حد منهم يغسل بقى، هو هيبقى غسيل مواعين عزايم بحري وقبلي
هتفت بها براءة وهي تغسل يديها إستعدادًا لتناول الطعام لتقول عائشة وهي تدلف من الخارج قائلة :
-بقولكم ايه الدنيا زحمة قوي برا وانا مش هطلع بصراحة
-ومين قالك اني احنا طالعين إحنا هناكل هنا مش ببقى مرتاحة وانا معاهم
هتفت بها نور وهي تغرف الطعام لها ولهن فقالت شروق وهي تعطي لهن الملاعق التي وجدتها :
-تفتكري هيقولوا حاجة زي اننا متكبرين أو مقروفين نقعدوا معاهم
صمتت نور مليًا تفكر في الأمر لتمد رأسها إلى الخارج وقد لاحظت أنه بالكاد يوجد مكان فنادت على عمتها هاتفة :
-عمتي هاكل انا والبنات هنا ماشي
لم تنتظر أن تسمع اجابتها وعادت إلى المطبخ لتجد عمتها بعد دقائق فوق رأسها مرددة بقنوط :
-وتاكلوا هنا ليه اطلعي يا بنت منك ليها قدامي
امسكت بذاع براءة حتى تجرها معها لكن الأخرى عادت للخلف قائلة :
-عمتي عمتي مفيش مكان أصلًا برا خلينا قاعدين هنا أحسن
-تعالوا هنفضيلكم مكان
تحدثت نور مختصرة الأمر لعمتها :
-عمتي بإختصار كده إحنا محرجين نقعدوا معاهم اعفينا بقى وخلينا هنا
وبعد عدة محاولات عادت أسماء للخارج بعدما يئست منهن فقالت رحاب ناظرة ناحية المطبخ :
-ايه يا ماما فين البنات؟
-مرضيوش يجوا قالوا هياكلوا في المطبخ
وقفت رقية من مكانها بسرعة ساحبة طبقها :
-طب تمام أروح انا اكل معاهم
-قصدك تكملي نميمة معاهم، بلاش تتعاملي معاهم كتير هيفسدوكِ يا رقية
هتفت بها أسماء مصححة لها فقالت الأخرى وهي تتخطى طاولة النساء ماررة بطاولة الرجال :
-مرات عمي انا فاسدة أساسًا مش محتاجة حد يفسدني
امسك بها يونس من طرف ملابسها عندما مرت من جانبه ليقول من أسفل أسنانه وهو يرجها كما علبة المياه الغازية :
-اوعي تفتكري علشان هربتي على هنا اني نسيت يا رقية انا مش بنسى ومستني نروح علشان اطلع عليكي القديم والجديد
حاولت الأخرى جذب نفسها منه محذرة إياه بخفوت :
-طب اوعى يا يونس عيب كده الناس قاعدة
اجابها حمزة وهو يجذب قطعة لحم من الطبق الموضوع في المنتصف :
-لا عادي يا رقية خدوا راحتكم إحنا عارفين إنك مهزقة أساسًا ونصيحة مني مترجعيش بيتكم خليكي هنا عند عم محفوظ قد تلات أربع أسابيع
سحبت رقية نفسها من بين يده لتقول نافخة نفسها بثقة زائدة :
-بس اتكلم على قدك انا مش طالبة دلوقتي انا صحافية وصحافية ليها صوت يعني بعملي حساب قبل ما يتكلم بدال ما اشرده على الجريدة
-انتي قد الكلام ده؟؟
نطق بها يونس بهدوء زائف فقالت الأخرى مؤكدة :
-قده واللي عندك اعمله يا يونس
ختمت حديثها بتحدى لتصرخ هاربة إلى المطبخ ما إن رأته أخرج سلاحه ليكمل من خلفها قائلة :
-بتجري ليه ما كنتي عاملة فيها رضوى الشربيني من شوية
اخفض يوسف سلاح الآخر بسرعة مردفًا بصدمة :
-انت يا عم انت ايه اللي مطلعه ده فيه عيال قاعدة
-عيال مين بس هو فيه عيال الأيام دي، ولاه رجع الطبق يا كريـــم
صاح بها يونس بغضب عندما رأي كريم يهم بسرقة طبق الأرز الموضوع أمامه فقال الآخر بفزع وهو يعيد الطبق :
-آسفين يا يونس مكنتش اعرف انه انت
حرك يده بإتجاه طبق يوسف فوضع الآخر يده عليه هاتفًا بذهول :
-ايه ده هو انت مقدرتش عليه هتسرق مني انا
-يعني هي أول مرة هات الطبق يا يوسف انت أصلًا مش بتحب الرز
تحدث يونس وهو ينظر إلى أخيه بسخرية :
-مش بقولك من طيبتك بتاخد على قفاك اديك بتتسرق أهو
شُحن الآخر من كلامه هذا بينما قال كريم معترضًا :
-فيه يا باشا انت بتولعها ليه هو أصلًا مش بيحب الرز
تمسك يوسف بطبقه قائلًا :
-لأ انا عايز أكل رز اوعى سيبه
ورفع الآخر حاجبه رغم أنه من العادي أن يتركه له ويطلب من زوجة عمه طبق آخر لكنه عاند قائلًا :
-شحنك عليا يا بطة؟! طب ايه رأيك هاخده واولع انت واخوك
سحب منه الطبق فوقف يوسف واستعاده منه لكن الآخر تمسك به قائلًا :
-سيب الطبق يا يوسف انت مش بتطيق الرز يا جدع
-وانت مالك انت جه على مزاجي أكله هو طبقي ولا طبقك
نكز محفوظ ابنه قائلًا :
-إسماعيل هات الطبق اللي معاهم ده
والآخر نفذ دون كلمة وسحب الطبق منهما واعطاه لوالده والذي بدوره أخذ يأكل منه هاتفًا بإستفزاز :
-لا انت ولا هو كلوا فاصوليا من غير رز
أما بالداخل وعند الفتيات كانت بالفعل النميمة هي المنتشرة رغم كون نور كل دقيقة تقول لهم توقفوا فهذا لا يجوز ولكن لا حياة لمن تنادي فهذا طبع يجري في أغلب جنس حواء
وكان الموضوع المتحدثين به يخص الصعيد وكانت رقية منبهرة بالأمر لتقول بينما تبتلع الطعام :
-يعني بيتاجروا في المخدرات في الصعيد كده عادي جدًا ويبيعوا والحكومة نايمة على ودانها
اجابتها شروق وهي تضع الشاي على الموقد كما وصتها أسماء :
-مش عارفين يمسكوا عليهم حاجة الصعيد فيه مخابئ كتير خاصةً في الجبل وكده، ومش كل القرى فيها تجار يعني بلدنا إحنا صغيرة فيها ايوه بس سُكيتي كده عند واحد بس اسمه عم سوسو باين
تحدثت نور مذهولة من معرفة شروق كمعلومة كهذا :
-وانتي عارفة حاجة زي دي ازاي يا شروق!؟
-ما البلد كلها عارفة الموضوع
شهقت رقية بذهول قائلة :
-البلد كلها عارفة اني فيه ديلر مخدرات وعارفين اسمه ومحدش مبلغ
-يبلغوا ايه بس صلي على النبي ده لو القسم اتحرك من مكانه ألف واحد يقولوا الحكومة جاية على البلد، بلدنا صغيرة وكله فيها بيتكشف بسرعة
اعتدلت رقية في وقفتها نافضة دقيق الخبز بعدما انتهت من طعامها :
-صحيح فيه حاجات عايزة اعرفها عن الصعيد وكده علشان انزلها مقال في الجريدة بتاعتي
نظر إليها الأربعة بتركيز فقالت رقية متسائلة :
-أول حاجة جواز القاصرات هل لسه الموضوع موجود في الصعيد
-آه فعلًا واحدة صاحبتي اتجوزت وهي عندها ١٤ سنة
هتفت بها براءة بجدية شديدة فأفرغت رقية فمها متسعة العينين :
-بجد والله اتجوزت وهي عندها ١٤ سنة؟! ازاي؟
ضحكت براءة بعدما لم تستطع التمثيل أكثر من هذا فقالت رقية مشيرة إليها :
-هي بتهزر ولا ايه؟؟
-أكيد طبعًا بهزر مفيش حاجة اسمها كده الموضوع قل بشكل كبير جدًا مفيش غير الناس المتخلفة بس هي اللي بتجوز بناتها وهما صغيرين، أصلًا بالنسبة ليا أقل من ٢٠ سنة مش هتعرف تشيل مسؤولية
آماءت رقية بإقتناع لتسأل سؤالًا آخر :
-طب والتار لسه موجود
اجابتها نور وهي تقلب الشاي قائلة :
-لأ خلص بس قاعد في مناطق ومناطق انا عن نفسي مشوفتش تار خالص في بلدنا
-طب والورث صحيح البنات ملهاش ورث في عرفكم
صمتن الفتيات قليلًا لتقول شروق وهي تعطي لها أكواب الشاي :
-مش عارفة بصراحة عن الموضوع ده كتير اطلعي بالشاي ده للرجالة واسألي عمتي أسماء اخدتي ورثك ولا لأ
اوقفتها نور سريعًا رافضة الأمر :
-لأ يا رقية متسأليهاش ممكن تتضايق اطلعي بالشاي يلا، وانتوا تعالوا نلموا الأكل
اعترضت شروق على هذا لتقول بقنوط :
-من الصبح بنطبخوا ما يلموا هما الأكل برا
تركتهن رقية وخرجت بالشاي لكن الأمر لم يخرج من عقلها وبطبيعتها الفضولية سألت أسماء دون الاكتراث لتحذير نور، وضعت الشاي على منضدة الضيافة الصغيرة الموجودة في غرفة الضيوف لتخرج وسألت أسماء قائلة :
-مرات عمي هو انتي خدتي ورثك؟؟
استدارت لها الأخرى متعجبة من هذا السؤال حتى عبلة تضايقت من الأمر لتوبخ ابنتها قائلة :
-ليه بتسألي انتي مالك بالموضوع خدت ورثها ولا لأ
نظرت أسماء إلى رقية بتركيز :
-انتوا بتتكلموا عن ايه في المطبخ يا رقية
-بنتكلم عن حاجات تخص الصعيد وكده علشان هعمل مقالة عنه زي جواز القاصرات والتار وورث البنات فبسألك اخدتيه ولا لأ
-آه اخدته مكتوب باسمي بس انا مش عايزاه علشان كده سيباه لاخواتي وهما قالوا لو عايزاه موجود ومكتوب باسمك لو عوزتيه خديه
آماءت رقية بهدوء ثم سألتها سؤالًا آخر مستفسرة أكثر عن الأمر :
-يعني البنات بتاخد ورثها عادي
-لأ مش كله الأغلب بيتظلم وبيقولوا البنات ملهاش ورث وفيه اللي بتتنازل عنه أو تبيعه لاخواته بس انا اخواتي مش ظلمة علشان كده نصيبي في الأرض مكتوب باسمي وانا اديته لاخويا عبد الجواد بإيجار سنوي
تحدثت عبلة عاقدة ذراعيها :
-خلصتي يا اختي ياربي من فضولك ده اللي ملهوش آخر
تذمرت الأخرى قائلة :
-ايه يا ماما هو السؤال حرام ما تسيبونا ناكل عيش
عادت إلى المطبخ مجددًا وقد كانت رحاب تنقل الطعام رفقة شروق وعائشة فأخذت تنقل معهن وقد وقع اختيار غسل الأطباق على رحاب فقالت رقية وهي تعطي الأطباق لرحاب :
-أومال فين غادة مش المفروض تغسل معاكي
اجابتها الأخرى لاوية ثغرها بضيق :
-هربت مش عارفة فين؟
-استني هجيبها من قفاها دلوقتي
خرجت رقية بحثًا عن غادة تلك المدللة المتهربة لتجدها جالسة في غرفة الضيوف الموجود بها الرجال، ملتصقة بعمتهم توحيد وتمزح معها فوقفت أمام الباب واضعة يدها في خصرها قائلة :
-غادة هانم لو سمحتي تيجي تقفي مع رحاب في المطبخ علشان تغسلي المواعين
برمت الأخرى شفتيها بقنوط :
-وهي مفيش ولا واحدة يعني غيري ما فيه خمسة ستة واقفين في المطبخ
-والخمسة ستة دول من الصبح شغالين وانتي جيتي قبل الضهر بساعة حضرتك
مسح إسماعيل وجهه بضيق من زوجته ليقول كاظمًا غضبه :
-وفيها ايه يا غادة ما تقومي، اقوم انا يعني أغسل المواعين
-وتقوم انت ليه ما بنات اخوالك واقفين في المطبخ يساعدوها
وهذه المرة نظر إليها اسماعيل هامسًا بصوت حاد تحذيري :
-وهما بنات اخوالي جايين يشتغلوا ولا ضيوف!؟ قومي يا غادة احسنلك
وقفت الأخرى متكدرة تلحقها نظرات اسماعيل ليقول حمزة وهو ينظر إليها بعدما رحلت غادة :
-حاسس إنها غيرانة منهم لسبب معين
وأتته الإجابة من رقية عاقدة ذراعيها أمام صدرها :
-علشان مرات عمي مشغولة معاهم حاسة إنهم واخدينها منها
ضحك محفوظ موافقًا إياها، متذكرًا ما حدث أمس :
-هما واخدينها فعلًا، إمبارح سهرت معاهم للفجر ومرضتيش تنام علشان تقعد معاهم وهي مش بتحب السهر أساسًا
خرجت رقية بينما أذن العصر أثناء شربهم للشاي فذهب الكبار لتأدية الصلاة بالجامع بينما تكاسل أغلب الصغار وقالوا أنهم سيصلون هنا ولم يبقى في غرفة الضيوف غير إسماعيل وكريم وعمتهم توحيد وابنها
وبعد ذهابهم بدقائق اقتحم لؤي تجمع الشباب بسرعة شديدة وفي يده هاتف ليجلس بجانب أخيه عارضًا عليه الصورة التي بالهاتف، صائحًا بذهول :
-إسماعيل انت ده؟!
حدق الآخر في الهاتف مصدومًا يبصر نفسه عندما كان صغيرًا يرتدي جلباب صعيدي قصير بعض الشئ وفي يده عود قصب وهناك طفل في نفس عمره يقف بجانبه ويرتدي نفس الشئ
صاح إسماعيل بصدمة وعينيه تزداد اتساعًا كلما لاحظ شيئًا بالصورة :
-ده انا وانا صغير؟ ايه الصورة دي جبتها منين؟!
دلفت رحاب شقيقته وهي تقهقه بشدة على ملامحه المصدومة هذه :
-شايف نفسك عامل ازاي يا إسماعيل، لأ وعود القصب عامل شغل جامد، غادة شافت الصورة ومصدقتش أنه انت
نظر الآخر إليها فارغًا فاههه بينما سحب كريم وأحمد الهاتف حتى يروا تلك الصورة وما هي إلا ثواني وانفجرا ضاحكين ليقول كريم :
-ايه يا ابني العبث ده لابس جلبية وقصيرة عليك، ومتبت أوي كده ليه في العود هو خطيبتك؟!
نظر أحمد مشيرًا إلى الشخص الثاني في الصورة متسائلًا :
-مين اللي معاك في الصورة ده يا اسماعيل؟؟
-ده خالي ماهر
-خالك مين ده في سنك!؟
سحب الآخر منهم الهاتف محدقًا في الصورة بابتسامة :
-ما هو انا عندي سبعة منهم خال في نفس عمري وخال أصغر مني قد رحاب كده
أفرغ كريم فمه مصدومًا ليطلق صيحة مضحكة دليلًا على صدمته وهو يرفع كفيه مُظهرًا سبعة أصابع :
-عندك سبعة ومنهم كمان أصغر منك؟! ايه يا ابني جدك ده جاب منين الصحة دي
وما إن ختم حديثه حتى وجد كف عمته يصطدم في وجهه يليه صراخها :
-اهو قر الناس ده هو اللي خلى صفوان يموت قبل ما يشوف ابنه حتى
وضع كريم يده على وجهه مذهولًا أنها ضربته بينما ضحك ابنها بكل قوته قائلًا :
-يعني يا ماما فاكرة الراجل وفاكرة أنه مات قبل ما يشوف ابنه وتحت لميتي علينا امة لا إله إلا الله وعايزة البنت تسندك قال ايه واثقة فيها وفكراها واحنا اللي عايشين معاكي بقالنا خمسين سنة مش فاكرة حد فينا
جلست رحاب بجانب إسماعيل الذي كان يقلب في الهاتف وعلى الناحية الأخرى لؤي لتأتي نور ومعها براءة وعائشة بعد أن أنتهوا من المطبخ أو لنقول تركوه لغادة، مطمئنين أن لا يوجد في الغرفة الكثير من الرجال فقط ثلاث شباب
وضعت براءة يديها خلف خصرها ناظرة إلى إسماعيل بمزاح :
-شوفت نفسك وانت بالجلبية جمب عود القصب حاجة آخر عبث
نظر إليها اسماعيل مبتسم الثغر ثم قال :
-انتي جبتي الصور دي منين انا فاكر أننا اتصورنا كده واحنا صغيرين بس معرفش اني الصور دي موجودة
-صورتهم من ألبومات الصور اللي عندنا منها صور كده في أفراح عمامي حتى فيه صورة ليك وانت قاعد على رجلين عمي علي في فرحه وفي إيدك چزازة ساقع من القديمة دي
أخذت منه الهاتف وأخذت تقلب في الصور حتى أتت بها لتعرضهما أمامهم وإذ بالضحكات تملأ المكان حتى أن يوسف وحمزة وغادة ورقية أتوا على الأصوات ليجدوا إسماعيل ورحاب ولؤي جالسين على الاريكة وخلفها يقف أحمد وكريم وخمستهم يحدقون في هاتف وبالكاد يلتقطون انفاسهم من الضحك
تحدثت غادة بفضول وهي تجلس بجانب زوجها تمد رأسها إلى الهاتف :
-بتتفرجوا على ايه بيضحك أوي كده!؟
عرضت رحاب أمامها صورة لإسماعيل يقف مع ثلاث شباب آخرين وأربعتهم في أعمار الثانوية :
-شوفي جوزك عامل ازاي تحسيه اتغير مش هو ده خالص
حدقت الأخرى في الصورة بإندهاش بينما قالت براءة ضاحكة وقد رأت الصورة التي يتحدثون عنها :
-اتغيروا بس دول اتحولوا، اسماعيل وعمي ماهر وحسن وياسر كل واحد تشوفيه دلوقتي تقولي كاريزما أما في الصورة تحسيهم شلة صيع لسه ضاربين ترامادول
لكمتها نور في كتفها حتى تصمت فمن ناحية هي تتنمر عليهم، ومن ناحية أخرى بدأ المكان يزدحم بالشباب لذا يجب أن تصمت عن ضحكاتها المرتفعة هذه
بينما من وسط الجالسين ابتسم يوسف على ضحكتها وليكن صادق هذه أول مرة يراها تضحك ففي العادة تكون متذمرة، ضائقة، نافخة طوال الوقت بضجر وتعب وكأنه يعذبها معه وهذا بالفعل الواقع من وجهة نظرها هي
أبعد نظره عنها وجلس على الاريكة وقد تذكر ليلة أمس عندما ابصرها بخصلات شعرها من خلال الكاميرا وهي ابتعدت بسرعة خجلة، وهذه كانت صفة أخرى عليها فلم يراها من قبل خجلة فهي ذات شخصية جريئة باردة
رفع رأسه سريعًا كما البقية عندما استمعوا إلى شهقة قوية خرجت من إحدى الفتيات وقد خرجت من نور، وللعجب كان يقف خلفها حمزة متسع الأعين مصدومًا مثلهم وعندما توجهت الأعين له بنظرات مريبة له قال مدافعًا :
-والله كنت بسألها عن رحمة هي اللي اتخضت
عادت النظرات إلى نور والتي كانت تضع يدها على صدرها مغمضة العينين أثر الفزعة ليكمل قائلًا :
-ثم ايه ردت الفعل دي، انا ذات نفسي اتخضيت؟!
نظرت له الأخرى بنظرات حادة غاضبة التي التمعت في عينيها وقد ساهمت الإضاءة الطبيعية التي تصدح من النوافذ في بيان لون عينيها العسلي المائل للأخضر
أجل هذه ليست أول مرة يراها تحدق به في غضب هكذا فسبق وأن رأي هذه النظرة عندما ضربها فوق رأسها بالطبق لكن حينها لم يرى عينيها بوضوح من الإضاءة العادية للكهرباء، وشروده هذا جعله لم ينتبه لما تقول بالضبط :
-وهو لما حد يخض حد من وراء كده المرفـ المفر
بدأت تتلعثم كثيرًا حتى لم تستطيع أن تكمل كلمتها الأخيرة فقال إسماعيل بسرعة مهدئًا إياها :
-بس بس خلاص يا نور اهدي
وبالفعل صمتت الأخرى محرجة من تلعثمها هكذا أمام الجميع لتنظر أرضًا تدور بأعينها في خجل تشعر أن ردة فعلها كان مبالغ به قليلًا لكنها بالفعل شعرت بالفزع
تحدث حمزة مراعيًا خجلها واحراجها هذا إذ قال :
-آسف بس انا كنت بجد عايز اسأل عن رحمة وموضوع إمبارح
تحدثت غادة عاقدة حاجبيها :
-موضوع ايه؟ مالها رحمة؟!
ابتلعت نور لعابها تحاول التركيز هذه المرة فيما تقول :
-مملهاش حصلت مشكلة في المدرسة وانا هحلها إن شاء الله
تركت غادة الهاتف ووقفت أمامها مستفسرة عن الأمر :
-مشكلة من أي نوع يعني، مالها رحمة يا حمزة حتى ماما قالت إنها سخنت اوي إمبارح، فين رحمة أصلًا يا رحــمــة
نادت عليها فقلقت نور من أن يضغطوا على الفتاة والمشكلة التي حدثت حساسة بشدة لا تستطيع أي فتاة التحدث عنها لذا هتفت متسرعة دون التفكير في الأمر مرتين :
-فيه ولد اتنمر عليها
رفع كريم حاجبيه بعدم تصديق :
-اتنمر عليها؟! على رحمة؟
آماءت الأخرى وقد نظرت أرضًا لتفادي الأعين فقال حمزة بنبرة هادئة أكثر من اللازم متسائلًا بذكائه دون أن يتهمها بالكذب :
-وانتي ضربتيه علشان اتنمر عليها، معتقدش اني ده أسلوب كويس
-لأ انا مضربتوش علشان كده انا ضربته علشان هو قال لفظ زبالة ميصحش خالص إني طالب يقوله انا مش عارفة ازاي يعرف ألفاظ زي كده علشان كده ضربته
-مازال الضرب غلط كان المفروض تعلميه غلطه بهدوء، خاصةً السن ده مينفعش معاه الضرب
نطق بها يوسف بعقلانية فقالت نور بتشوش :
-اهو اللي حصل الكلام عصبني وفلتت اعصابي مني فضربته وبالنسبة ليا الكف ده هيعمله ينضف لسانه من اللي قاله ده
ووافقها كريم الرأي مردفًا بصوت شارد :
-أحيانًا فعلًا الضرب بيكون أفضل حل علشان يرجع الغلطان عن غلطه قبل ما يروح في سكة الغلط ويبقى الرجوع منه صعب
لم يكن حديثه مفهوم للجميع بل مبهم للبعض، المقربين فقط من كريم هم من فهموا فقالت غادة ممازحة إياه بمزاح ثقيل نوعًا ما :
-كنت تعالي ليا وانا اديك قلمين قبل ما تتجر في السكة دي
نظر إليها زوجها في تحذير شديد فبنات اخواله موجودات وهكذا ستحرجه أمامهم بينما كريم نظر إلى الجميع بخجل وسحب نفسه من بينهم فنظرت غادة إلى أثره بندم وقبل أن تعتذر وجدت حمزة يقف في وجهها وملامح الغضب مسيطرة على ملامحه
وقبل أن تقول شيئًا صرخ حمزة في وجهها بغضب شديد جعلها تتراجع بخوف منه :
-ليه كده يا غادة لــــيــه
وقف إسماعيل أمام زوجته يمنع حمزة من الوصول إليها، يدرك غضب حمزة في هذه اللحظة قد يصل به إلى ضرب غادة فقد فعلها من قبل وبسبب لسانها أيضًا :
-حمزة اهدي بس، هي مش قصدها كده
-مش قصدها ايـــه مش قصدها دلوقتي وقبل كده، دي مش أول مرة تكسفه فيها، اضربك على وشك زي المرة اللي فاتت علشان تخرسي يعني
اختبأت الأخرى خلف ظهر زوجها بينما قال الآخر بجدية شديدة :
-عارف لو رفعت ايدك عليها يا حمزة هيبقى الزعل بيني وبينك
أتى الجميع على الصوت ليقول عثمان وهو يرى أن المشادة بين أولاده فقد خرج كريم منذ ثواني ولم يرد على أحد إلى أين هو ذاهب والآن حمزة يصرخ في غادة والأخرى مختبئة خلف زوجها :
-فيه يا حمزة بتزعق ليه؟؟
وأجابه الآخر بغضب شديد نادر الظهور على حمزة لكون شخصيته هادئة شاردة معظم الوقت :
-بنتك مش هتعقل أبدًا وتعرف لسانها بيقول ايه؟ ارحمينا بقى يا شيخة قرفتيه وقرفتينا هو هيفضل ذنب ملاحقه طول حياته ولا ذنب علينا إنك اختنا
ادمعت عيني غادة بندم حقيقي لتخفي وجهها في ظهر إسماعيل متمسكة في ملابسه بينما سحب عثمان ابنه معه للخارج بعدما فهم أن الأمر عن كريم وكالعادة تسببت ابنته بمشكلة :
-بس خلاص كفاية فضايح تعالى
سحب حمزة نفسه منه وخرج من منزل عمه لاحقًا بأخيه الصغير وهذه الليلة لن تمر مرور الكرام عليه دون أن يجلده ماضيه بما اقترف في حق نفسه...
