اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الرابع عشر 14 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الرابع عشر 14 بقلم صابرين

14- ضحية جديدة للسفاح
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
ازدرقت لعابها، تهز قدمها بتوتر وهي تجلس على مقعد في مكتب رئيس المباحث بنفسه وهذا بعدما قدمت بلاغ في جارها أنه سفاح الإسكندرية الذي يبحث الجميع عنه بل وأنه تهجم على بيتها وحاول قتلها من قبل
لكن ما أصابها بالبلاهة حقًا هو عندما سألها عن اسمه، هي حتى الآن لا تعلم اسمه ولم تتجرأ من قبل وتسأله عن هذا رغم أنها كانت تراه بشكل شبه يومي
اكتفت فقط أنها قالت أنه يسكن أمامها واملته العنوان ورقم البناية والطابق وها هي الآن تجلس في القسم أمام رئيس المباحث منذ نصف ساعة تقريبًا تنتظر حضور ذلك السفاح حتى تشهد بأنه هو، وايضًا لأنها تخاف العودة الآن فيفعل ذلك المختل لها شيئًا فهي الآن في اعتقادها بأمان
نظرت إلى رئيس المباحث هاتفة بتردد فسبحان من جعلها تدلف القسم وتسجل بلاغ وهذا بعد ساعات من التفكير والتردد :
-هو الموضوع هيطول؟ مينفعش ارجع البيت متأخر، انا عايشة لوحدي وده مش هيكون في مصلحتي أكيد فاهم
آماء لها الآخر محدقًا في بطاقتها خاصةً في الخانة المكتوب بها اسم الزوج :
-هو انتي مرات حاتم الدخيلي المستثمر اللي توفى من تلات أسابيع
جفلت الأخرى من هذا السؤال الغير متوقع لكنها آماءت بهدوء قائلة :
-ايوه بس انا ارملته دلوقتي
نظر إليها الآخر بطريقة مربية جعلتها تخفض رأسها، طالما رأت هذه النظرات من جميع من يعلم أنها وفي مثل هذا العمر الصغير تزوجت من رجل في عمر والدها، وبالطبع الجميع يحكم على أنها تزوجته طمعًا في أمواله
لا أحد يعلم الحقيقة ولا أحد يهتم بالبحث عنها بل يكتفوا بتأليف الأسباب على هواهم هم دون مراعاة أنها قد لا تكون حقيقية
طرق الباب فسمح رئيس المباحث بدخول الطارق ليدلف أحد العساكر متسع العينين وكأنه يحمل خبرًا كارثيًا وهو بالفعل كذلك :
-يا باشا جابوا السفاح
وقف المأمور بسرعة تزامنًا مع وقوف هاجر كذلك لكن بحالة معاكسة فقد كانت هي تشعر بالخوف والرهبة، بينما الآخر كان يشعر بحماس شديد وشئ من التفوق لكونه أول من سيعلم ذلك السفاح الذي أرهق شرطة إسكندرية لأشهر :
-جابوه!؟ اوعى الصحافة تشم خبر لحد ما نحقق معاه
-متقلقش يا فندم إحنا أصلًا دخلناه القسم من غير دوشة وهو دلوقتي في مكتب النقيب يونس هواري بس هو حاليًا مش موجود لسه ماشي من ساعة نبعت نجيبه؟
اجابه الآخر وهو يسحب هاتفه المحمول من فوق المكتب قائلًا :
-لأ هحقق انا معاه
نظر إلى هاجر ثم أكمل :
-وانتي تعالي يلا علشان تتعرفي عليه
ابتلعت الأخرى لعابها بتوتر وهي تهز رأسها بحسنًا لتتبعه بخطوات مترددة وكل خطوة تخبرها أن تخرج من هذا القسم، لا تريد رؤيته لكن ما باليد حيلة يجب أن تشهد أنه هو حتى تنتهي من هذا الأمر الذي بدأ يورق راحتها التي ظنت انها ستنعم بها بعد رحيلها من سجن آل الدخيلي
فتح المأمور أحد الأبواب ودلف فدلفت هي خلفه بتوتر وخوف وما إن وقعت عينيها عليه وجدته يجلس على المقعد الأمامي للمكتب بكل أريحية رغم كونه مكبل بأصفاد حديدية وهناك خمس عساكر تقريبًا يحرسونه
وعندما دلف المأمور لم يلقي له بالًا بل اتجهت أنظاره لها هي بالتحديد هاتفًا بنبرة ساخرة :
-كده يا لوزة تبلغي عني
ضمت الأخرى كفيها بالحقيبة إلى صدرها بخوف وهي تختبئ خلف المأمور فقال الآخر وهو ينظر إليه بتفحص يبصر أمامه شاب في منتصف الثلاثينات، يمتلك خصلات شعر سوداء تتخلل ببعض الشعيرات البيضاء، وعيون من نفس اللون وجسد معضل نتيجة لتدريبات شديدة وقاسية وهذا ظاهر من ضخامته :
-انت بقى سفاح إسكندرية اللي مدوخنا عليك، مكنتش متخيلك كده بصراحة
-وهو من امتى الإجرام بالشكل ما ياما حرامية وتجار مخدرات من كبار البلد وعدو البلطجية في الإجرام
كانت نبرته هادئة باردة لا تتناسب أبدًا مع الموقف الذي هو به الآن، وهذا ما آثار استفزاز المأمور فصرخ به قائلًا :
-قوم أقف يلا ده انت هتطلع عين أمك بس اصبر
وقف الآخر ولم يعطي للمأمور فرصة للإستيعاب إذ كان في ثواني يقف أمامه فتراجع الآخر من عنصر المفاجأة تزامنًا مع رفع العساكر لأسلحتهم عليه ليقول بصوت مخيف :
-لأ يا باشا تجيب سيرة امي ازعل وانا لما ازعل بزعل الكل معايا علشان بيصعب عليا نفسي لو زعلت وحدي
ارتعدت هاجر خلف المأمور تلعن نفسها انها أبلغت عنه، ليتها تركت البناية بأكملها وطلبت من عادل أن ينقلها إلى مكان آخر وتخلصت من المشكلة دون إيقاع نفسها مع سفاح
وفي هذا الوقت دلف نفس العسكري الذي أبلغ المأمور أن السفاح قد وصل وهذه المرة كانت ملامحه مرتعبة بشدة ليقول صادمًا الآخر :
-باشا فيه واحد من أمن الدولة برا
-ايه؟ أمن الدولة!؟
ولم بتشرب المأمور صدمته إلا ووجد رجل طويل يرتدي ملابس رسمية يقف أمام الباب ليلاحظ هاجر الشبه ملتصقة به فقال رافعًا إحدى حاجبيه :
-هو انتي بلغتي عنه؟! والله كنت حاسس
أبعد نظره عنه ناظرًا إلى المأمور ثم هتف بنبرة شديدة الجدية :
-انا موظف من أمن الدولة فين المسؤول هنا
أشار المأمور إلى نفسه ثم هتف متمالكًا نفسه :
-انا هنا المأمور خير فيه حاجة حصلت علشان أمن الدولة بنفسهم يكونوا عندنا هنا
-آه طبعًا فيه بس الأول العساكر دي كلها تطلع برا
نظر المأمور إلى العساكر مشيرًا إليهم بالخروج فخرج الجميع حتى هاجر كادت أن تخرج معهم لولا صوته الذي هتف بنبرة باردة تشوبها السخرية كما العادة :
-لا يا كتكوتة انتي مش خارجة، اسمعي اللي هيتقال علشان لما اطلع عليكي حق المرمطة دي مبقاش غلطان
نظرت هاجر للمأمور بإستنجاد لكن الآخر كان تركيزه مع موظف أمن الدولة هذا والذي رفع له بطاقة وما إن ابصر الآخر الصورة والمكتوب بها نظر إلى ذلك الرجل الذي قام بسبه بأمه للتو، معتذرًا له بشدة :
-سفيان فياض أبو المجد ظابط أمن دولة؟! يا نهار أبيض يا باشا والله زي ما بيقولوا اللي ما يعرفك يجهلك، بس والله باين عليك الشكل ده شكل ظباط أمن دولة فعلًا
رفع الآخر يده المقيدة بالأصفاد وعلى شفتيه ببسمة باردة ففهم الآخر وبحث عن المفتاح في جيوبه بينما قال ببرود شديد :
-هفضل كتير مستني، علشان انت راجل كبير بس مش هردهالك وأقولك أنجز بدال ما اطلع عين أمك، اصل امي علمتي اني الناس الشيبة اللي زيك ليهم احترام حتى ولو هو مش عندهم
ابتلع الآخر هذه الإهانة وخرج بحثًا عن العسكري الذي يمتلك المفتاح بينما نظر "سفيان" ضابط أمن الدولة هذا إلى هاجر بأعين الشرار يتطاير منها هامسًا بهدوء مخيف :
-انا اركب بوكس قدام الناس ويتحط الكلبشات في ايديا من وراء راسك طب تعالي واسألي كنت هكدب عليكي يعني
صاحت هاجر به بغيظ شديد فمنذ أن أتى هذا الرجل إلى البناية وهو يؤكد لها كل يوم عن الآخر انه سفاح وقاتل متسلسل :
-وانا هعرف منين مش انت اللي قولت انا لسه قاتل واحد جوا، مش انت اللي قولت اجيبلك كبدة مغاوري تعمليها
اقترب منها الآخر بسرعة مخيفة جعلتها تلتصق بالحائط ليقول بعدها بغضب :
-هو انتي ليكي عين تبرري كمان، ده انا هنفخك
دلف المأمور واقترب منه حتى يفك الأصفاد فقال وهو ينظر إلى هاجر بنفس النظرات الغاضبة :
-يلا يا لوزة اوصلك ما انتي جارتي بقى والجيران لبعضها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وطأت قدمها إلى هذا المطعم الفخم وقد أغلقت مظلتها، نظرت حولها بحثًا عن الرجل المطلوب وأخيرًا وجدته يجلس بجانب زجاج النافذة يحدق في الخارج حيث تتساقط الأمطار بغزارة لكنه لا يبدو شاردًا في المطر بل في شئ آخر
اقتربت من طاولته وسحبت مقعد لتقول بصوت رقيق به لمحة توتر :
-بتفكر في مين يا دكتور
انتبه الآخر فنظر إليها نظرة متفحصة من الأعلى إلى الأسفل، امرأة جميلة في منتصف العشرينات بملامح جذابة وشعر أسود مسترسل، ترتدي فستان أزرق قصير بالكاد يصل إلى ركبتيها وفوق كتفيها سترة من الفرو الأبيض الناعم
كان كل شئ بها يوحي إلى الثراء الفاحش، ملابسها، حقيبتها، تصفيفة شعرها، حتى مستحضرات التجميل
وقف بإنتصاب ومد يده مصافحًا يدها الناعمة بلباقة :
-ازيك يا مروة عاملة ايه
آماءت الأخرى وهي تبعد يدها عن يده بعدما صافحته :
-الحمد لله يا دكتور اديني جيت اهو مع اني مستغربة اني الجلسة تبقى هنا مش في العيادة
ابتسم لها بهدوء وهو يجلس دارسًا كل حركة منها فنظرت إليه الأخرى بتركيز ولمحة من الإعجاب فهو طويل وعريض المنكبين يمتلك ملامح وسيمة لفتت نظرها منذ أن دلفت بشعر أسود شديد النعومة وأعين زرقاء تلتمع أسفل إضاءة المطعم
حمحمت تبعد نظرها عنه بعدما نظر إليها مباشرةً لتكف عن النظر إليه :
-احم هنبدأ الجلسة دلوقتي ولا ايه
كان الآخر هادئًا بشدة حتى أنه لم يجب على ما قالت بل أشار إلى النادل بأن يأتي ليقول بابتسامة هادئة :
-شوف الآنسة تطلب ايه لو سمحت
نظرت مروة إلى النادل مبتسمة بهدوء تملي عليه ما تريد بينما الآخر كان ينظر إلى هاتفه أسفل الطاولة حيث كان مفتوحًا على منشور منذ شهر يتمثل في صورة لرجل يشبه هذه المرأة التي تدعى مروة واسفلها مكتوب
"وقد تم إلقاء القبض على ثروت الشامي متهمًا بقضايا تزوير ونصب وزوجته متهمة بإدارة شبكات دعارة كبيرة"
نظر إلى مروة والتي قالت بشئ من التوتر :
-ها يا دكتور هنبدأ ولا ايه انا بصراحة تعبت شهر وانا بتعالج، نفسي ارتاح بقى
آماء لها الآخر هامسًا بنبرة غامضة :
-متخافيش يا مروة هريحك، هريحك من الدنيا وما فيها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كان يهز قدمه بنفاذ صبر وهو يستمع إلى شقيقته التي تتحدث معه من خلال مكالمة فيديو وهذا بعد أن علم أنها في بيت عمه محفوظ وستبات هناك وبالطبع خوفًا من أن تعود إلى المنزل ويونس موجود هنا
صاح بها وقد حاول أن يجعل صوته منخفضًا حتى لا يسمعه يونس رغم كونه يجلس في الشرفة والآخر في المرحاض :
-وبعدين ها بعد المبررات دي كلها هترجعي أمتى بقى إن شاء الله
-لما أخوك يهدي ويصفي النية
ضحك الآخر بسخرية شديدة ثم قال :
-يهدي ويصفي النية الأتنين مع بعض، ده عدى ست سنين على اللي حصله من عايدة ولحد دلوقتي نيته مصفيتش ناحيتها ولو طال يحطها في الحجز ويسلط عليها النسوان يضربوها هيعملها، وانتي بقى لو يمسكك هيعملك كيس ملاكمة على اللي كتبتيه عنه
تحدثت الأخرى تزدرق لعابها بتوتر مبتسمة له ابتسامة متسعة بدت له بلهاء بشدة :
-الله طب ما ده شغلي أعمل إيه يعني ثم ما أخوك زيهم كلهم محدش عرف يمسك على السفاح غلط واحد، حتى الفيديو الوحيد اللي نزله للواد اللي رماه في كليوباترا محدش برضو عرف يوصله به مستني اكتب ايه يعني؟ انزل للشرطة قلوب حمرة وكل أسبوع والتاني حد يتقتل
-طب كنتي خلي حد تاني من الجريدة يكتب المنشور روحتي انتي نزلتيه بنفسك خليتي المأمور يهزقه
رفع إحدى حاجبيه متسائلًا :
-على كده لو المستشفى اللي انا شغال فيها بتاجر في الأعضاء هتخديني في الرجلين ولا هتعملي حساب اني اخوكي
اتسعت عيني رقية بإندهاش لترتسم على شفتيها ابتسامة شديدة الإتساع هاتفة بحماس :
-هي المستشفى بتاجر في الأعضاء بجد!؟
-يخربيتك هتلبسيني مصيبة!؟ انا بقول لو
-لا يا يوسف لو دي وراها إنة انت متقولش الخبر وتسبيني متعلقة، قول قول بالله عليك خلي اختك تاكل عيش
هز يوسف رأسه بيأس فأصبحت شقيقته مدمنة أخبار بعد أن عملت في تلك الجريدة، عقد حاجبيه يستمع إلى صوت براءة تتحدث مع شقيقته قائلة :
-رقية تيجي تتفرجي معانا على فيلم جومانجي؟
اخفضت رقية الهاتف على الفراش تنظر إليها متسائلة :
-جومانجي الجزء الكام؟؟
-هنسهر على السلسلة كلها بما اني بكرة الجمعة، انتي بتعملي ايه؟؟
مدت رأسها تنظر إلى الهاتف وكادت أن تسخر منها لأنها تشاهد فيديو مسجل لأخيها، لكن أعادت نظرها إلى الهاتف سريعًا وعندما أدركت أن هذا ليس فيديو انتفضت متراجعة للخلف تخفي خصلات شعرها أسفل زونت منامتها الشتوية هاتفة بفزع تزامنًا مع سحبها لخمار الصلاة الذي احضرته نور معها :
-يخربيتك مش تبعدي التليفون، مش شايفاني واقفة جنبك بشعري
امسكت الأخرى الهاتف بسرعة واخفت الكاميرا قائلة :
-هو انا يعني اللي قولتلك حطي وشك في الكاميرا أجري بعيد يلا انا هقفل وجاية
ابعدت رقية يدها عن الكاميرا لتجد أن يوسف بدوره أبعد الهاتف عنه فقالت مبتسمة لعلمها أنه عندما رأي براءة بشعرها غض بصره وابعد الهاتف :
-خلاص يا يوسف مشيت ها قولي موضوع الأعضاء ده جد ولا هزار
حمحم الآخر معيدًا الهاتف أمام وجهه يحاول إبعاد مشهد براءة بخصلاتها السوداء عن رأسه فهو لمحها وهذه اللمحة أظهرت له ما تخفيه هي أسفل خمارها الواسع فقد كانت تمتلك شعر أسود ترفعه للأعلى وهناك خصلات قصيرة أمامية تعيديها خلف اذنيها :
-انا هقفل علشان دلوقتي يونس يطلع من الحمام وعلفكرة جايين بكرة كلنا بيت عمك محفوظ شوفيلك حجة تهربي بيها
-يا عم ربنا يخليك ليا انت وابويا مش هتخلوه يقربلي ولو فيه حاجة شمال في المستشفى عندك تقولي فورًا، انا اختك حبيبتك مش هتستخسر فيا خبر حلو كده ناكل بيه عيش يلا سلام
أغلقت هاتفها وخرجت إلى بهو شقة عمها محفوظ حيث كان يجلس على الاريكة بجانب زوجته أسماء بينما على الأرض يجلس لؤي وبراءة وعائشة يعبثون في الحاسوب المحمول الخاص برحاب والذي تركته لأخيه بعد أن انهت هي دراستها
جلست بجانب عمها قائلة :
-معلش يا عمي هنتقل عليك في البيات النهاردة وما شاء الله اتضح اني في ناس كتير هتبيت عندك النهاردة
-آه ولسه بكرة ده هيبقى مارثون والله
نظرت أسماء إلى شروق ونور الخارجات من المطبخ بعد أن اعدوا طبق كبير مليئ بالفشار لتقول وهي تلاحظ أن الفتيات الأربعة يجلسن بخمارات فوق مناماتهم الشتوية :
-يا بنات ما بلاش الخمارات دي مفيش حد غريب لؤي اخوكم الصغير وعمكم محفوظ زي ابوكم
اجابتها نور وهي تجلس على الأرض بجانب البقية :
-بس لؤي عنده ١٥ سنة يعني كبير مش صغير وعمي محفوظ ايوه في سن ابويا بس هو مش من محارمنا ثم أصلًا الجو برد يا عمتي يعني الخمار هيدفي أكتر
نظرت أسماء إلى رقية لتنكزها في جانبها بخفة قائلة :
-اسمعي واتعلمي يا بنت محمد يارب تتعظي وتبطلي تطلعي بشعرك زي المسيحيين
ذمت الأخرى شفتيها ولم تكن من الحقد الذي يجعلها تغضب لمقارنة أسماء بينها وبين بنات أخواتها بل قالت بنبرة فلسفية وبنفس الجملة التي تقولها كلما تحدث معها اخوتها ووالدها في الأمر :
-انا مش هلبس الحجاب غصب لازم اقتنع بيه، انا شخصيتي كده ربنا خلقني كده لو مقتنعتش بالحاجة مش هعملها غصب عني
وهذه المرة اتتها الإجابة من براءة إذ قالت وهي تعقد حاجبيها بعدم رضا عن هذا الحديث :
-لا إله إلا الله اهي دي آخرة الحرية اللي ادوها للنساء يا ماما الحجاب فرض فرض مش اختيار
أكملت نور على حديثها وكم ودت أن تحدث رقية في الأمر لكن شخصيتها الخجولة منعتها من التدخل في شيءٍ لا يخصها :
-بصراحة انا مستعجبة عليكي إزاي بتطلعي بشعرك كده، انا لو طلعت مترين برا بيتنا وانا لابسة بونية بس بقعد اتلفت يمين وشمال أخاف لو حد شافني، انا لو هطلع وامشي في الشارع كده زيك هحس نفسي عريانة
انقلب وجه رقية بشدة لتقول غاضبة :
-بس انا لبسي واسع ومفيش فيه أي حاجة غلط ولا بكشف حاجة من جسمي
تحدثت شروق عندما رأت أن رقية بدأت تغضب لذا وجهت حديثها إلى بنات عمها قائلة :
-خلاص يا بنات هي حرة محدش هيشيل وزر حد
أبت نور أن تصمت إلا عندما توجه نصيحتها كاملة فقالت بعد دقيقة من الصمت :
-هو انتي جربتي ولبستي الحجاب قبل كده يا رقية؟؟
-أكيد ايوه
-طب ايه اللي معجبكيش فيه
حدقت بها رقية لوهلة لتقول حائرة :
-حاسة نفسي وحشة بيه وبتخنق بسرعة منه ولو لبست الحجاب عايز إلتزام وانا شخصية غير ملتزمة بصراحة
استدارت عائشة لها لتربع قدميها محدقة بها بجدية :
-لو على انك وحشة بيه فهو أصلًا بيخبي جمالك، ليه بقى لليستحقه مش كل اللي رايح وجاي يبص على شعرك عادي كده ببلاش ولو على إنك بتتخنقي بيه ومش هتلتزمي فهو تعود مرة في مرة هتلاقي نفسك لو حد خبط قبل ما تفكري مين على الباب علشان تفتحي هتتلافي أول طرحة علشان تستري نفسك بيه
أكملت نور على حديثها عندما رأت بوادر اقتناع على وجه رقية :
-تعرفي يا رقية لو فيه كام شعرة طالعة من الحجاب بتاخدي عليهم وزر كل واحد شاف الشعرة دي، فما بالك بقى باللي بتطلع بشعرها واللى بتلبس نص طرحة وتقول انا لابسة حجاب وهي نص شعرها باين
أكملت شروق ساخرة من الفتيات اللواتي تراهن في الكلية إذ سحبت حجاب قصير بجانب عمتها وقامت بلفه فوق خمارها إذ وضعته على راسها وأعادته للوراء، والقت بطرف للخلف والآخر لفته حول عنقها :
-واللي بتلف طرحتها كده ببقى عايزة امسكها كده من زمارة رقبتها وأقولها أمثالك عار على المسلمين، دي مش كفاية واخدة ذنب شعرها اللي باين لا وكمان رقبتها اللي باينة
زادت براءة في حديث الأخرى قائلة :
-واللي بتعملها كده وتروحي مدخلة الطرحة جوا هدومها، حضرتك الطرحة بردانة ولا ايه؟ حتى مكلفتش نفسها تحط دبوس لا ومبينة رقبتك والسلسلة كمان اللي لبساها، ما تطلع بشعرك أحسن ما هي كده ذنوب وكده ذنوب
ضحكت رقية مشيرة إلى نفسها :
-انا خايفة ألبس الحجاب اعمل كده مش هطيق حد يتريق عليا بجد
-انتي لو عملتي كده هتاخدي تريقة وذنوب جارية
هتفت بها عائشة ساخرة ثم عادت تبحث عن الفيلم في الحاسوب بينما عوجت أسماء شفتيها ذاكرة غادة والتي لا ترتدي حجابها إلا على الطريقة التي شرحتها شروق :
-نفسي تقولوا الكلمتين دول لغادة مرت ولدي يمكن ربنا يهديها
اجابتها براءة وهي تاخذ بعض الفشار حتى تأكله :
-قولنا ليها كده آخر مرة كنا عندك كانت مبينة جزء من شعرها وشروق قالتلها شعرك باين فقالتلها البونية بيتزحلق، حضرتك فيه اختراع كده لو ممرش على حياتك اسمه دبابيس وهي سمعت كده من هنا وقامت قالت بصوت مسرسع انا مش بلبس على مزاج حد ويلا يا اسماعيل وديني عند ماما
ختمت حديثها مقلدة صوت غادة فقال محفوظ مذهولًا :
-هو انتوا قولتوا ليها كده بجد؟ وانا أقول مشيت ليه واصرت تمشي ومكنتش طيقاكم يوم ما كنا معزومين عند عثمان، اتراي انتوا علمتوا عليها
-ايه علمنا عليها دي؟! كنا بننصحها لوجه الله مش أكتر
هتفت بها شروق بنبرة متهكمة فقالت رقية بوجه ضاحك :
-ما هي غادة بتعتبر النصيحة من الجهة دي تدخل في حياتها وتعديل عليها وهي موتها وسمها إني حد يعدل عليها في حاجة أو يتدخل في حياتها مش بتقبل اي كلام بسهولة
صفقت نور بصوت مرتفع صائحة :
-لا إله إلا الله الكلام كان على نصيحة لرقية قلبتوه على غيبة ونميمة، دعوا الخلق للخالق خلتوا القعدة كلها ذنوب
وافقها محفوظ الرأي قائلًا :
-والله معاكي حق أي قعدة فيها ستات وبنات لازم تتقلب نميمة
تحدثت أسماء رافعة إحدى حاجبيها :
-وانت ايه اللي مقعدك معانا ما تروح تنام على الأقل البنات ياخدوا راحتهم
-طب أروح انام وحدي!؟ أهون عليكي يا أسماء تسيبيني أنام وحدي
ابتسمت له الأخرى ابتسامة مصطنعة بشدة ثم قالت :
-تصبح على خير يا محفوظ
استقام الآخر بعدم رضا ثم اتجه إلى غرفة النوم قائلًا :
-أريح الساعة أصلًا تسعة والجو بدأ يبرد أوي تصبحوا على خير
رحل دون إضافة شئ آخر فقالت شروق وهي تنظر إلى عمتها :
-روحي نامي يا عمتي انتي كمان
-وانا جايباكم تباتوا هنا علشان اروح انام شغلي يا بت الفيلم ده
-يا عمتي ما تسيبيش الراجل ينام زعلان منك المرأة التي يبات زوجها غاضبًا منها لعنتها الملائكة
رفعت الأخرى حاجبيها تفكر في الأمر لتنادي على زوجها بصوت مرتفع قائلة :
-يا محفوظ انت زعلان؟؟
واتاها صوت الآخر غير مبالي من الداخل :
-لأ مش زعلان خلي بنات اخواتك ينفعوكي
-آه طبع هينفعوني مش هيساعدوني بكرة، يلا يا بت شغلي الفيلم أهو قال مش زعلان يبقى محدش هيتلعن النهاردة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
رمشت بأهدابها تحاول تبين المكان من كم هذا الظلام لكن لم يكن الظلام يساعدها ولا حتى شعورها الشديد بالخمول والألم الشديد الذي يلفح رأسها وكأنها مخدرة
أعادت رأسها للخلف وحاولت رفع يدها لكنها لم تستطع ليتبين لها أنها مقيدة اليدين، ابتلعت لعابها الجاف وحاولت تذكر ماذا حدث لتأتيها آخر الذكريات حيث كانت تجلس مع طبيبها النفسي في أحد المطاعم
وبعد أن انتهت الجلسة النفسية وانتهى الطعام طلب منها أن يقلها إلى المنزل وهي لم ترفض، لكن لا تذكر أنها قد عادت للمنزل آخر ما تذكره انها كانت تتحدث معه في سيارته ولا تتذكر شيئًا آخر
ربما هي غفت داخل السيارة لكن لما هي مقيدة الآن؟؟
فُتح الضوء بشكل مفاجئ فأغلقت عينيها بسبب تأذيهما من هذا الضوء بعد أن اعتادا على الظلام لتبدأ في فتحمها رويدًا رويدا واذنيها تلتقط اقتراب خطوات منها، وأول شئ رأته هو الطبيب المعالج لها والذي طلب منها أن يوصلها للمنزل
حاولت أن تتكلم لكن صوتها لم يخرج بسبب شريط لاصق موضوع فوق فمها، سحب هذا الطبيب أحد المقاعد المتواجدة في الغرفة وقد تبين لها بعد أن أُضئ المكان أن هذه غرفة معيشة في احد الشقق تقريبًا
راقبته بتوتر تراه يخلع سترة حلته ويضعها على ظهر المقعد ثم جلس عليه متكئًا بذراعيه على فخذيه :
-هشيل اللصاق بس مش عايز صوت صريخ
آماءت له بسرعة وما إن نزع عنها الشريط حتى تنفست بخوف قائلة :
-دكتور انت جايبني هنا ليه؟ ورابطني كده ليه!؟
-انتي هنا علشان ترتاحي
-ارتاح من ايه؟؟
ابتسم لها ابتسامته الهادئة هذه ثم أضاف :
-من الألم النفسي اللي انتي بتعيشي فيه، فضيحة الست الوالدة والسيد الوالد اللي عاملة ليكي عقدة نفسية مش عارفة تعيشي بيها حتى مش عارفة تشوفي أصحابك ولا تكلمي الناس ولا ترجعي شغلك مش كنتي بتقولي كده طول الشهر اللي فات في كل جلسة
تحدثت الأخرى بتلعثم قائلة :
-و... وانت هتريحني ازاي؟؟
-ايه هي الراحة الوحيدة اللي ممكن تيجي للبني آدم من وجهة نظرك؟
-ايه!؟
-الموت يا مروة
اتسعت عينيها بصدمة لتنتفض فوق المقعد مرتعبة، تردد بتلعثم شديد :
-أنت... انت هتقتلني!؟
آماء الآخر وهو يستقيم من على المقعد متجهًا إلى إحدى الخزانات المرتكنة إلى جانب الحائط وأخرج منها قفازين بلاستكيين ليقول تزامنًا مع ارتدائهما :
-ايوه هريحك من الدنيا دي، تموتي دلوقتي وانتي لسه نضيفة أحسن ما تتعقدي من الدنيا بسبب ابوكي وأمك وتبقي زيي
صرخت الأخرى بملئ صوتها لتجده أسرع إليها وكتم فمها بقوة آلمتها ثم همس بصوته الهادئ ولا تعلم من أين له بكل هذا البرود :
-كده يا مروة انا بقولك هقتلك علشان اريحك وانتي تصرخي علشان تلمي علينا الناس
بكت الأخرى واهتزت أسفل يديه فنزع الآخر يده عنها ببطء منتظرًا ما ستقول فقالت الأخرى بنحيب :
-انا مش عايزة أموت سيبني في حالي
-ليه مش انتي قولتي قبل كده انا بفكر انتحر يا دكتور علشان ارتاح من الدنيا انا هريحك من الدنيا أهو
أغلق فمها بذلك الشريط اللاصق مرة أخرى وسحب من الخزانة سلاح بارودي به كاتم للصوت، سحب الأمان فسالت دموع الأخرى وهي تهز رأسها وجسدها المقيد بهستيريا فقال بنفس النبرة الهادئة وكأنه ليس على وشك قتل روح :
-صدقيني ده أفضل ليكي، انتي لسه نضيفة الدنيا موسختكيش زيي، لو فضلتي فيها هتبقي لعنة كارهة حتى نفسك واللي حواليكي، بلغي بقى سلامي لأبويا لما تروحي جهنم
رفع السلاح ووجهه ناحيتها فزادت هستيريتها وصراخها المكتوم لينتهي كل هذا بطلقة خرجت من السلاح واستقرت في منتصف رأسها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
رفع أصابعه من فوق حاسوبه الخاص بعد أن شعر بإنقطاع مفاجئ في أفكاره على غير المعتاد، ليس لأنه فقد الشغف أو ما شابه بل لأن هناك شئ آخر غير روايته الجديدة يشغل أفكاره
أغلق الحاسوب وأسنده فوق قدميه سارحًا في الفراغ أمامه حتى أنه لم يلحظ شقيقه الذي دلف إلى الغرفة وأخذ يعبث في التلفاز بحثًا عن قناته المفضلة
بينما هو أخذته أفكاره إلى تلك الفتاة التي لم يرى في خجلها من قبل، أجل سمع أن فتيات الصعيد يتميزن بالخجل وبالطبع ليس الجميع وإنما أغلبهم، لكنه لم يسبق له وأن تعامل مع إحداهن أو مع فتاة تتميز بهذا الطبع شديد الخجل على أي حال
لاحت على وجهه ابتسامة أخذت تتسع شيئًا فشئ كلما تذكر شيئًا يخصها
شغفها في التحدث عن الكتب والروايات وهذا أول ما جذب انتباهه لها، تقديمها للإعتذارات والتبريرات السريعة وكأنها قد اقترفت خطأ فظيع تحاول تبرئة نفسها منه
خجلها طوال الوقت وإخفاض نظرها عندما تتحدث مع أحد سواءً كان رجلًا أو امرأة وخاصة مع الرجال، خجلها اليوم وانتفاضها عندما وضع يده بدون قصد على يدها
وأكثر شئ لاحظه بها بجانب خجلها هذا هو تلعثمها في الحديث خاصةً عندما تتحدث كثيرًا، إن قالت جملة أو اثنين تخطئ مرة واحدة أو اثنين بالكثير لكن إن تحدثت كثيرًا أو تحاورت مع أحدهم كاليوم وعندما تحدثا عن الكتب
حينها تتلعثم في كل جملة كما أنه لاحظ ان وجهها ينقلب كلما تلعثمت وكأنها تحاولت تفادي الأمر ولكنها لا تستطيع، وفي النهاية وعلى حسب ما استنتج تلجأ للصمت
لا يستطيع أن يقول أن لديها رهاب إجتماعي فهي وكما لاحظ تحب مساعدة الآخرين بل وتبادر بالمساعدة قبل أن يطلب أحدهم منها عكس الثلاثة الأخريات
هز رأسه وقد اتسعت بسمته لدرجة بوادر الضحك ظهرت عليه ولم يلاحظ كريم الذي كان يحدق به مرتبكًا إذ قال :
-حمزة انت اتلبست ولا ايه؟! آه انت بتسرح بخيالك الواسع ده كتير بس مكنتش بتضحك زي المجانين كده
أدار حمزة رأسه له ولا تزال الابتسامة مرتسمة على ثغره ليسأله بسؤال لا علاقة له بما قال الآخر :
-غريبة أوي البنت دي مش كده؟؟
-مين دي؟!
-نور
رفع الآخر منكبيه قائلًا :
-نور؟؟ لأ مش غريبة عادية أوي، بنت محترمة ومحدش بيسمع صوتها خالص لدرجة بينسى الواحد إنها عايشة معانا في نفس العمارة، من النوع الكيوت كده ومش مصدق بصراحة إني البنت دي عارفة تتعامل مع طلاب إعدادية
فرقع الآخر اصبعه وكأنه أدرك شيئًا مهمًا آخر في شخصية نور فقال :
-صح معاك حق البنت دي إزاي عارفة تتعامل مع طلاب الإعدادية والمعروف عنهم التمرد ورحمة بتقول اني أول ما بتدخل الفصل محدش بيعرف يفتح بوقه خوفًا منها، الكلام ده محتاج حد عكس شخصيتها تمامًا
-انت مالك يلاه مهتم بالبنت دي كده ليه
لم يجبه حمزة وإنما ظل سارحًا يحدق في سقف الغرفة بينما هو متكئ على ظهر الفراش لينتفض فجأةً على صوت التلفاز الذي ارتفع بشكل مفاجئ على أحد المبارات التي يفضلها كريم
صاح بشقيقه وهو يلقي عليه أحد الوسائد قائلًا :
-كريم اطفي التليفزيون ده انا صدقت ما بطلت تفتحه وتسهر عليه
نظر له الآخر برفض شديد قائلًا وهو يرفع الصوت :
-لأ ده انا ما صدقت البنت دي مش موجودة النهاردة، عايز اتفرج على شاشة واسعة بقى زهقت من التليفون
-انزل اتفرج في أي كافية انا عايز أركز في الكتاب ده علشان يوم السبت هروح دار النشر
أشاح له الآخر بيده فزفر حمزة وهو يفتح الكومود مخرجًا سدادات للأذن يستخدمها طوال الوقت ليستطيع التعايش مع هذه الضوضاء في الغرفة، لكن مؤخرًا كان قد استغنى عنها بسبب منع والده لكريم أن يفتح التلفاز مرة أخرى
عاد وفتح حاسوبه يكمل الكتاب الذي سوف ينشره هذا العام ليستمر على هذا لمدة ربع ساعة قبل أن يشعر بقلم اصطدم في ذراعه فرفع رأسه إلى كريم وهو يخلع إحدى سدادات الأذن تزامنًا مع قول كريم :
-يا اسطا انزل هات لأمك مضاد حيوي وابرة سخونية من الصيدلية اللي تحت
-ليه هي أمك تعبانة ولا ايه؟؟
-لأ اختك شكلها داخلة على دور سخونة فأنزل هات الدواء بدال ما تنزل على اتنين بالليل
رفع حمزة حاجبه ثم هتف بشك :
-بصدق كده أمك قالت اروح انا ولا تروح انت؟
ارتفعا حاجبي كريم بإندهاش مصطنع :
-هو انت صغير يا حمزة على الكلام ده ما تنزل يا عم هو انت هتتخطف
-يبقى قالتلك انت وبتلبسها ليا وانا مش نازل علشان مش فاضي
أعاد بصره للحاسوب فقال كريم محاولًا استعطافه :
-يا حمزة بقى ما الماتش ده مهم ونازل مباشر والاعادة بتاعته تلاتة الفجر
-مليش فيه قالتلك انت يبقى تنزل انت، ولا خايفة تتشقطي يا بيضة!؟
ختم حديثه بنبرة ساخرة فقال كريم مطلقًا زفرة مستسلمة :
-طب بص انزل انت وانا يا عم هعملك اللي انت عايزة لمدة ساعتين اشطا
-اللي انا عايزة اللي انا عايزة؟؟
-ايوه يا عم روح بقى
استقام حمزة ساحبًا سترته واتجه إلى الصيدلية محضرًا الدواء وعندما عاد اتجه إلى غرفة شقيقته التي أصيبت بحمى دون سابق إنذار ووالده ووالدته يجلسان معها
وضع الأدوية على الكومود ثم دنك إلى مستوى شقيقته النائمة وقبّل جبينها بحنان أخوي ممسدًا على وجنتها المُحمرة من السخونة لينظر إلى والديه متسائلًا :
-عاملة ايه دلوقتي الحرارة نزلت شوية
آماء عثمان ناظرًا إلى ابنته بحاجبين معقودين فقد حاول أن يفهم من زوجته ماذا حدث بالمدرسة معها لكن الأخرى لم يكن لديها أي معلومة غير أن هناك فتى ضايقها ولؤي ابن أخيه تشاجر معه وكلاهما حصلا على استدعاء ولي أمر :
-الحمد لله نزلت شوية يارب بس متعلاش مرة واحدة بالليل
-طب بقولكم ايه روحوا انتوا ناموا، انا وكريم سهرانين هدخلها كل شوية اقيسلها الحرارة
نفت ناهد هذا الاقتراح جالسة بجانب ابنتها على الفراش فأي أم تنام وابنتها مريضة :
-لأ انام ده ايه مفيش نوم هيجيلي ورحمة تعبانة روح انت شوف وراك ايه انا هسهر جنبها
حاول حمزة معهما لكنه فشل فعاد مجددًا إلى كريم وقد وجده على وضعيته فقال بقنوط :
-هو انت مفيش دم خالص؟ اختك سخنة مولعة جوا وانت قاعد على قلبك مراوح!؟
نظر له الآخر عاقدًا الحاجبين ثم قال :
-هي تعبانة أوي كده!؟
خلع حمزة عنه سترته وحذائه مجيبًا على سؤاله :
-لأ مش اوي بس تعبانة برضو، انا بس هموت واعرف الواد ده عملها ايه
ضيق كريم عينيها هاتفًا بشك :
-ممكن يكون عملها حاجة كده ولا كده
رفع الآخر رأسه سريعًا نافيًا هذا التوقع تمامًا :
-كده ولا كده ده ايه!؟ دول أطفال يا كريم تلاقيه اتنمر عليها ولا حاجة بس لأ متوصلش للي في دماغك
هز الآخر رأسه يحاول أن يقنع نفسه ليقول حمزة بعد تفكير لدقيقة :
-ولا ممكن يكون عملها حاجة بجد دي البنت من كتر الخوف مكنتش عايزة تتكلم حتى مع أمك، دي جالها حمى من الخوف
-لا بقولك ايه متوغوشنيش بدال ما أروح امسك رقبته اكسرها في إيدي، انا أختي محدش يبصلها علشان يلمسها
هتف بها كريم بإنفعال ليرده حمزة وهو يتمدد على فراشه :
-سيب الموضوع ده انا هشوفه ويوم الأحد هاروحلها المدرسة
عاد كريم يركز في المباراة بينما الآخر شرد في الأمر إن كان تنمر ذلك المدعو سليم عليها ما كانت لتكون مرتعبة باكية كما رآها، حتى نور رفضت أن تفصح عن الأمر واكتفت بقول أنها ستحل المشكلة بما إنها معلمتهم
حسنًا سوف يسألها مرة أخرى عن الأمر غدًا ولن ينتظر ليوم الأحد، رفع رأسه إلى كريم الذي يلقي بإنتباهه للمباراة أمامه فابتسم مقررًا استفزازه فقال وهو يلقي بالقلم على ظهره بعنف نوعًا ما :
-كريم، انت يلاه
حرك الآخر كتفه هاتفًا بعدم إهتمام بينما تركيزه مشغول بما يرى :
-عايز ايه يا حمزة؟ عايز ايه؟
-أطلع هاتلي مياه
لوى الآخر شفتيه بقنوط ولم ينظر إليه حتى :
-ماشي عندك أمك
-لأ عندك انت مش قولت هتعملي أي حاجة لمدة ساعتين خلاص بدأت الساعتين وانا عايز مياه
-يا حمزة إبدأ الساعتين بعد الماتش مش دلوقتي
-لا انا عايز دلوقتي
لم يرد عليه فألقى حمزة عليه قلم آخر اصطدم سنه في رأس كريم فصرخ مغتاظًا وهو يمسك بالوسادة يلقيها في وجهه :
-يا اخي بقى أبو شكلك
ضحك حمزة بشدة وعندما أتى وقت مستقطع ما بين الشوطين ذهب كريم إلى المطبخ واحضر كوب ماء ووضعه بغيظ أمامه هامسًا من بين أسنانه :
-اتفضل اطفح
-ايه الأسلوب ده، مش أسلوب عبده لسيده
-عبد ايه؟؟ هو انت هتسرح بخيالك بعيد ناقص تقول خسئت وتبًا لك
شرب حمزة من الكوب وقبل أن يجلس كريم قال حمزة آمرًا إياه :
-بقولك يا كريم الشنطة اللي على المكتب دي فيها صبعان بُقسمات هاتهم
امسك كريم الحقيبة وألقاه ناحيته بغيظ شديد فصرخ الآخر بحنق وهو يمسك بها :
-يا جذمة البُقسمات مش هتستحمل همجيتك دي يا غوغائي
رفع الآخر اصبعه في وجهه صارخًا :
-بقولك ايه الشوط هيبدأ مسمعش صوتك
جلس في مكانه متابعًا المباراة ولم يلبث حمزة دقيقة واحدة إلا ونادي عليه قائلًا :
-كريم
وضع الآخر رأسه بيد يديه، ممسكًا بخصلات شعره بقوة، هامسًا بصوت نادم :
-ايه اللي انا عملته في نفسي ده ما كنت نزلت انا جبت الدواء ولا الذل ده
استدار إليه راسمًا بسمة متهكمة على وجهه ثم استرسل :
-عايز ايه أقوم ارقصلك؟؟
-يا ريت والله وحشني رقصك يا كراميلا قومي هزي شوية
ضحك كريم بعدم تصديق ولم يرد عليه بل تابع مباراته هامسًا بغيظ :
-فعلًا كُلها حاف ولا تتذل للخسيس الواطي
-كريم
وهذه المرة انتفض كريم من مكانه هاجمًا على الآخر، ممسكًا بتلابيب ثيابه وهو يهزه فوق الفراش وحمزة يضحك من أسفله وسط صراخ الآخر :
-عايز ايه عايز ايــــه، ده ايه الليلة المش معدية دي، يا اخي كان يتقطع لساني قبل ما اقولك هعملك اللي انت عايزه
حاول الآخر التقاط انفاسه من الضحك ثم قال :
-خلاص والله دي آخر حاجة هطلبها
-عايز ايه قول؟
-هات بوسة
اذبهلت ملامح كريم فارغًا فاهه مرددًا مرة أخرى لظنه أنه أخطأ السمع :
-عايز ايه؟!
-بوسة يا كراميلا كده
رفع الآخر ذراعيه وادعى أنه سيحاوط عنقه فانتفض كريم من فوق الفراش تاركًا له الغرفة بأكملها :
-يخربيتك هو انا علشان قولتلك هعملك اللي انت عايزه هتوصل لكده!؟ والله ما أبات معاك النهاردة
انفجر حمزة بالضحك وقد استقام وأغلق التلفاز بل وأغلق الغرفة من الداخل ثم عاد إلى فراشه ممسكًا بحاسوبه :
-كويس إنها جات من عنده وساب الأوضة علشان ميقولش طردني منها


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close