اخر الروايات

رواية انتصر قلبي الفصل الرابع عشر 14 بقلم قسمة الشبيني

رواية انتصر قلبي الفصل الرابع عشر 14 بقلم قسمة الشبيني


ابع عشر

كاد عقل جاد أن يفقد صوابه مع رؤيته قرب استسلام ياسر وتملك سموم هاني الفكرية من إسقاطه فى دوامة المخاوف لكن سرعان ما أخلف ياسر ظنونه وقوض آمال هاني وهو يزيح كفيه عنه ببطء ، كان جاد قريب للغاية من أخيه الذى لا يشعر بوجوده ليرى مدى القوة التى طلت من عينيه وهو ينظر نحو هاني

_ انت فاكر انك هتقدر تبتزنى بتهديدك؟ انت جبان يا هاني لا هتقدر تقول لخالي حاجة ولا هتقدر تواجهه لأنك عارف انك غلط لو انت واثق انك صح زى ما بتقول ماكنتش استخبيت، انا بخاف على خالى وعلشان كده بدارى فضايحك ومش هسمح لواحد من اللى انت تعرفهم طول ما انا عايش يوصل لحد يهمنى ويجرحه بسببك لكن تسوق فيها وتفكر أنى هخاف منك تبقا غلطان انا اول واحد يفرح لما وباء زيك يبعد عن العيلة كلها وسايبك بس رحمة بأهلى مش بيك.
_ انت بتهددنى يا ياسر ؟
_ ايوه بهددك واعمل حسابك لو فى حد هيتأذى بسببك هعيشك كابوس ماتصحاش منه أبدا
_ انت بتعمل فيا كده ليه انا بحبك؟
_ وانا بقرف منك

سطعت صدمة الكلمات فوق ملامح هاني بينما ظلت القوة تظلل ياسر حتى انسحب هانى خارجاً يجر أذيال خيبته ، عاد جاد بناظريه نحو ياسر ليجد كفه فوق صدره كأنه يعانى لإلتقاط الأنفاس قبل أن يسقط على ركبتيه فيصرخ مناديا اسمه فيجد نفسه مجددا وحيداً في فراشه .

....................

أغلق هاني عينيه وهو يعيد أحداث الماضى كما يفعل كل ليلة منذ سنوات طويلة، لقد عمل على تغذية هذه الأحقاد ومد نيرانها بما يسمح لها بالمزيد من الاستعار حتى يأتى يوم حسابه للجميع على ما لاقاه من ألم بفضل ياسر وهبة وقد أصبحت الأقدار بصفه الآن وحان الوقت الذى سينال فيه من هبة عليها أن تدفع نصيبها ونصيب ياسر من الألم.

عودة للوراء،

فتح باب غرفة ياسر بهدوء فقد أخبرته عمته أنه يتحمم ولا بأس أن ينتظره بغرفته، تقدم بهدوء ليتجه فورا إلى الفراش ، جلس يتلمس الوسادة قبل أن يحملها ويستنشق عبيرها بنهم ثم يعيدها وهو يتطلع إلى الصورة المجاورة للفراش والتى تجمعه مع ياسر وبعض رفاقهما ممن يسعى للتفرقه بينهم وبين ياسر .
فتح باب الغرفة ليدخل ياسر مرتديا سرواله الداخلى فقط فتتعلق به عينا هانى بلهفة لم ينتبه لها ياسر أو يهتم فقد كان غاضبا منه بالقدر الكافي.

وقف هانى فورا
_ ياسو انت لسه زعلان مني؟
_ وهو اللى انت عملته شوية يا هانى؟ انا نفسى افهم بتستفيد ايه لما توقع بينى وبين حد من اصحابى؟
_ يا ياسر العيال دول مايستهلوس يبقوا اصحابك وبعدين انا اولى بيك من اى حد
_ أولى!! انت عبيط يا بنى هو انا ملكك وأنا مااعرفش؟

اقترب هانى وهو تحت تأثير رؤية ياسر بهذه الهيئة المثيرة
_ ياسر انا بحبك
_ طيب ما انا كمان بحبك يا هانى انت غير كل اصحابى افهم بقا احنا اخوات
_ لا إحنا مش اخوات

تعجب ياسر حدة هانى غير المبررة بنظره ليهز رأسه بأسف وهو يعجز عن فهمه متجها نحو خزانة ملابسه فيلحق به هانى ، التقط سترة وهم بإرتدائها ليسحبها هانى منه بنفس الحدة
_ بقولك بحبك افهم بقا

وقبل أن يتحدث ياسر تحكم تهور هانى ليقترب بغتة مغتنما قبلته الأولى بلهفة اعجزت ياسر لوهلة عن دفعه أو إدراك ما يقوم به، امتد ذراعه يحيط خصر ياسر الذى انتفض للخلف مع دفعه بنفس اللحظة ليفصل هذا التقارب المخزى
_ انت اتجننت؟؟ ايه اللى انت عملته ده!
_ عملت ايه! ما انت مش عاوز تفهمنى
_ افهم ايه انت عقلك فوت خلاص، هو ده الحب اللى عمال تقول عليه؟ ده مش حب يا هانى فوق لعقلك ده مرض واختلال

تراجع هانى خطوة واحدة وهو يعقد ذراعيه مدافعا عن نفسه

_ انا مش هرد عليك دلوقتي، انا مقدر موقفك مع الأفكار اللى اتزرعت جواك، بس قبل ما تحكم على مشاعرى حاول تقدرها، قبل ما تحكم على ميولى حاول تفهمها وتتقبلها، انا عارف كل اللى هتقوله ومش عاوز اسمعه انا اخترت حياتى وسعيد بها جدا، انا بحبك يا ياسر وانت حقى اللى مش هتنازل عنه

اتجه إلى الباب ليلحق به ياسر فيجذبه بحدة اجفلته

_ مش فاهم، يعنى ايه اخترت حياتك؟ انت عملت كده مع حد غيرى؟
_ بتغير عليا؟

دفعه ياسر بقوة زادت من تشبثه به
_ اغير ايه بلاش جنان! انت عارف انت كده بقيت إيه؟ فاهم انت اخترت إيه؟
_ قولت لك فاهم وعارف واخترت وعايش كده وهفضل كده ، صحيح انا ليا علاقات تانية بس ماحبتش غيرك

ارتفع كف ياسر إلى رأسه كمن تلقى ضربة قوية وهو بالفعل يشعر بألم ليتأوه فيسرع إليه هانى

_ انت تعبان يا ياسر خلينى اريحك، خلينى اعرفك يعنى ايه سعادة ويعنى ايه حب
_ ابعد عني، اياك تفكر تلمسنى مرة تانية يا مختل، امشى من هنا يلا ، اطلع برة

انتفض هانى وقد كللت الصدمة ملامحه فهو لازال رغم كل السنوات الماضية يتألم لذكر هذه الكلمة التى كانت أول مرات إقصاءه عن حياة ياسر وأول نوبات رفضه له .

اعتدل جالسا يزفر بضيق ، ما بال الليل لا ينتهى ؟
تفقد حاسوبه مرة أخرى على أمل اتصال من ألكس لكنه ليس متصلاً كما كان منذ ساعات، منى نفسه بليلة حافلة بالمتعة لكن عدم اتصال ألكس حطم آماله.

نظر إلى محادثاته وعلاء الذى يرجوه منذ الصباح أن يفتح هاتفه أو يتواصل معه بأى طريقة وهو يتجاهل الرسائل مدعيا عدم رؤيتها ليقرر أن لا ملجأ إلا هو حاليا، سحب هاتفه ليعيد تشغيله وكما توقع لم تمر دقائق وكان الهاتف يعلن عن اتصال من علاء.

أجاب الاتصال لتصرخ لهفة علاء عبر الأثير
_ هانى انت فين؟ مشيت وانا نايم وقافل موبايلك زعلان مني صح؟ انا اسف حقك عليا ماكنش قصدى ، هانى رد عليا ارجوك
_ عاوز ايه يا علاء؟
_ عاوزك يا هانى، تعالى وانا هتحكم فى نفسى مش هزعلك تانى أبدا

تنهد هانى موضحا حيرته ليبدأ علاء رحلة إقناعه وإغراءه لمتابعة علاقته معه ورغم أن هانى لا يحتاج لكل ما يقدمه إلا أنه لن يرفضه أيضاً فهو بحاجة لمكان يمكنه اللجوء إليه حين تتكشف الحقائق وتبدأ فاعلية انتقامه.

................

خرج عبد القادر من غرفته وقد اقترب موعد صلاة الفجر كعادته دائما، مر بصورة زفاف هبة وياسر التى أصر على الاحتفاظ بها ليقف أمام الصورة شاعرا بالمزيد من الحزن، يوم وفاة ياسر ظن أنه بلغ قمة أحزانه ليكتشف اليوم أن الحزن لا قمة له، بل هو تصاعد بلا نهاية وها هو يحصد المزيد منه .

تذكر اليوم الذى جاءه ياسر طالبا زواج ابنته هبة وكم كان سعيداً بهذا الطلب حتى نقله لأسرته الصغيرة ليتهلل وجه هبة فرحا ويهلل صوت هانى رفضا .
فتح باب غرفة هانى أيضا ليظهر بهيئة مبعثرة تغاضى عنها ابيه متسائلاً
_ مادام سهران تيجى تصلى معايا الفجر يا هانى؟
_ انا مش صغير يا بابا علشان تقولى اصلى ، انا هاخد دش وادخل انام تانى لو عاوز الحمام اتفضل قبل ما ادخل

نظر إليه عبد القادر وقد بدأ يعجز عن تحمل المزيد من ألمه، ابنه لن يقبل اى تغير أو نصح ورغم وضوح ذلك لا يمكنه إلا أن يحاول .

غادر أبيه لينظر هو إلى نفس الصورة التى تحمل الكثير من لمحات السعادة ليكفهر وجهه كمدا ويذكر اليوم الذى علم فيه بشأن هذا الزواج ليفقد كل أمل له في الحصول على ياسر فى يوم ما لقد كان ذلك اليوم هو الإعلان الرسمى لكراهيته لهبة التى لم تنتهى ولن تفعل.

...............

هلل وجه مرفت سعادة فاليوم هو الأول الذى تغادر فيه هبة فراش المرض وتقرر تناول الفطور خارج الغرفة لذا سارعت بتحضير الفطور وإضافة كل ما يمكنه أن يزيد من شهية هبة لتناول الطعام.

جلس جاد ملقيا رأسه فوق كفيه مجتمعين ووجهه يختفى تماما نحو الأسفل .
غادرت هبة الغرفة دون أن يختفى الوهن تماما عن خطواتها لكنها تبدو اقوى أو تحاول أن تكون كذلك.
كان هيثم يمسك كفها سعيدا بكونها تستند إلى خطواته الصغيرة حتى جلست ليجلس بجوارها فوراً

_ ماما خفت يا عمو

رفع جاد رأسه ينظر نحو مصدر الصوت قبل أن يبتسم بنفس رزانته المعروفة
_ الحمدلله يا حبيبي، تيجى معايا بقا نعمل اطعام النهاردة شكر لله
_ داووا مرضاكم بالصدفة يا جاد طلع يابنى كل اسبوع علشان ربنا يتم شفا هبة ويشفيك انت كمان

ظنت مرفت أن اقتراحها سيلاقى قبولا بصدر ابنها لكنها لم تر فوق ملامحه سوى صراع بين الألم والنكران
_ انا مش هخف يا ماما، انا بقيت عاجز ياريت نتعامل مع الحقيقة دى

ألجمت الصدمة لسان هبة التى ترى جاد لأول مرة بحياتها بهذه الصورة الضعيفة بينما استنكرت مرفت لتنهره بحدة

_ ماتقولش على نفسك كده
_ العجز مش عجز نظر أو إعاقة العجز بيبقا فى عقولنا

اتجه وجهه نحو هبة بعد جملتها التى من المفترض أن تربت فوق قلبه لكن هالة الحزن المحيطة به تحول دون وصول أى دعم لقلبه بينما عادت مرفت تتساءل

_ مين قال عنك عاجز ؟

انفرجت شفتيه وكأنه على وشك النطق وإخبارها أن ياسر فعل لكنه تراجع عن الفكرة متنهدا
_ مش لازم استنا الناس يقولوا يا ماما المفروض اواجه الحقيقة واتعامل معاها علشان لما تتقال فى وشى وجعى مايوقفنيش

نظرت مرفت إلى هبة وكأنها تطلب منها دعما لتمرير هذا الموقف المؤلم
_ لو انت شوفت نفسك عاجز هتبقا كده ولو شوفت نفسك قادر هتبقا كده

لم يتجه نحو هبة وكأنها لا تتحدث إليه بل هز رأسه بعدم اقتناع قبل أن يغادر الطاولة دون أن يمس طعامه فيلحق به الصغير ركضا دون أن تحاول اى منهما إيقافه.

.................

جلس في المطعم الذى أصبح يتابع إدارته عبر أنس، دارت عينيه فى أنحاء المطعم لا يصدق أنه يرى كل شيء ولا يعلم ما الذى اوقف لسانه عن البوح بهذه البشرى صباح اليوم بل على العكس منذ فتح عينيه صباحاً يشعر بثقل يجثم فوق أنفاسه ويكاد يزهقها إختناقا، يشعر بالفعل أنه عاجز ، نفس العجز الذى تحدثت عنه صباحاً العجز داخله هو لذا لم يفكر في التخلى عن نظارته السوداء او عصاه البيضاء، ربما يتمنى أن يرى ما يدفعه للمتابعة منها.

صدق أخيه حين نعته به فهو بالفعل يرى قلبه حالياً، عجزه الذى يقف بينه وبينها هو العجز عن تقبل الحياة، العجز عن مقاومة أفكاره التى تخبره أنها ليست له، أنها ليست حقه، أنها ليست هبة التى كان يحلم بها فى صباه.
بالطبع ليست كذلك فهذه النسخة منها تخص أخيه.

اقترب انس من مجلسه
_ المطبخ جهز طلب حضرتك، تحب اوزعهم ؟
_ لا يا انس اطلب لى مؤنس وحطهم فى العربية انا هروح اوزعهم بنفسى
_ بنفسك يا استاذ جاد؟
_ مؤنس معايا ماتخفش وهاخد هيثم كمان
_ زى ما تحب
_ قولى يا انس هو عبيد ابن عمى لسه بيجى هنا؟
_ مش بالظبط
_ يعنى ايه؟
_انا كنت عاوز اتكلم مع حضرتك فى الموضوع ده ومتردد.. فى واحد بقا له كام يوم بيجى يقعد يطلب غدا وقهوة الأول شكيت انى شوفته قبل كده بس لما سمعته وانا بحط له القهوة بيتكلم فى الموبايل وبيقول طيب يا عبيد جاى لك اتأكدت أنه هو
_ هو ؟ هو مين؟
_ اللى كان سايق العربية وخبط مدام هبة صحيح أوضح صورة للحادثة جانبية بس ملامحه ظاهرة جداً

انتفض قلب جاد لتسرى ببدنه رجفة اضطرب لها انس
_ انا اسف يا استاذ جاد علشان كده كنت متردد اتكلم، انا خايف عليك

صمت جاد لحظات يستجمع شتات نفسه واحترم انس صمته حتى تحدث ببطء
_ خلى عينك على هيثم، سيب المطعم وسيب كل حاجة وعينك على هيثم، انا كويس هدخل بس الحمام وجاى

تحرك يتخبط فعليا نحو الداخل لينظر انس فى أثره بندم .
اقفل الباب ليستند إليه محاولا إلتقاط أنفاسه

ما الذى يسعى إليه عبيد أيضاً بعد ما حدث؟

طالما أخبره قلبه أن له يد قذرة فى الحادث الذي تعرضت له هبة، يريد أن يتزوجها ومادام تذوق طعم الدماء فلن يتوارى عن متابعة الطريق حتى يحصل على مبتغاه.
هيثم!!
عليه حمايته بروحه فهو ما تبقى من روح أخيه ولن يتخلى عنه وإن كان الثمن حياة عبيد نفسه وحتى يتمكن من إنهاء مطامع عبيد سيظل متظاهرا بهذا العجز الذى يغريه ليتبعه دون توخى الحذر .

...................

أقبلت سندس بعد أن حملت بعض الفاكهة لغرفة هانى الذى لم يغادر غرفته هذا اليوم أيضاً، جلست قرب عبد القادر الذى لم يبرح فراشه رافضاً الطعام والمشاركة فى اى تفاعل يقربه من هانى
_ مالك يا عبد القادر؟ انت هتفضل واخد جمب زى العيال كده ليه؟
_ قولت لك يا سندس بقوله صلى قال انا مش صغير ومارضيش
_ طيب ادعى له ربنا يهديه وخلاص لكن تاخد لك جمب وماترضاش تاكل معاه كمان ليه هو كان كفر ؟

اتسعت عينا عبد القادر وانتفض عن الفراش لتشعر سندس بالفزع من هيئته الغاضبة
_ انت ايه يا ست انت ماعندكيش احساس؟ ماعندكيش عقل؟ هتفضلى لحد أمته تدارى عليه ؟ خلاص مابقاش فى خيبة اكتر من اللى هو فيها
_ يا اخويا بعد الشر عنه من الخيبة، بكرة ربنا يهديه ويصلح حاله ما ياما شباب زيه واكبر منه وربنا بيهديهم
_ ده لما يبقا فيهم خير
_ لا يا عبد القادر لا ماحصلتش كده! ده هانى كله خير هو بس الدنيا وخداه حبتين

ضرب عبد القادر كفيه بقلة حيلة
_ مفيش فايدة من الكلام معاكى ، انا سايب لك البيت وخليكى جمب المحروس ابنك دادى فيه وحايليه

امتعضت ملامح سندس دليلاً على عدم رضاها عن افتراء زوجها وقسوته غير المبررة تجاه ولدها الوحيد ، ظلت تراقب غضب عبد القادر وهو يبدل ملابسه ثم يغادر فما يثيره من أجواء كئيبة تجعلها تفضل مغادرته .

.................

اوقف مؤنس السيارة قرب سور المشفى كما طلب جاد الذى تساءل
_ الناس كتير جمب السور يا مؤنس؟
_ طبعا يا استاذ جاد، دول أهالى الولاد اللى فى المستشفى ربنا معاهم
_ طيب انزل وزع عليهم الاكل وانا هدخل المستشفى انا وهيثم ومش هغيب عليك

بعد ساعة واحدة من هذا الحوار كان جاد يجلس بالسيارة التى يقودها مؤنس وهو يشعر كم هو صغير داخلياً!
الحياة اقسى مما تراه الأعين، من الجيد توجهه للمشفى فحين رأى ابتلاءات غيره هان عليه ما يلاقيه،

كيف يتحمل أب أن يرى ألم صغيره لعدم قدرته على توفير حقنة واحدة؟
ياله من عذاب !!

اغمض عينيه وهو يضم هيثم إلى صدره وقلبه ينتفض هو بحاجة للعودة إلى نفسه القوية، هذا التخبط لن يساعد اى منهم، وهذا العجز لن يدافع عن هيثم وهبة ، هو بهذه الصورة لا يصلح لكونه مسئولا عنهما .

ليس عليه الاطاحة بعبيد كما كان يفكر ، بل عليه كشف مساعيه القذرة ، عليه أن يدفع ضريبة كل لحظة ألم مرت بهم جميعاً، هو لن ينتظر هجومه أو خطأه بل سيبادره ليتأكد أن يحصل على ما يستحق.

...............

ترك هيثم يركض إلى غرفة أخيه الراحل حيث تمكث هبة واتجه إلى غرفته ليغلق بابه كما أعتاد، وقف أمام المرآة يطالع صورته وكأنه ينظر لشخص آخر لا يعرفه، لم لا يشعر بالسعادة لعودة الحياة لعينيه بعد أن راودهما ظلام الموت؟
لم لا يهتم لنقل هذا الخبر إلى محبيه؟ ربما يخشى أن يرى نظراتهم التى ستواجهه بعجزه؟
ربما يشعر أن الرؤية لم تغير من إحساسه بالعجز؟
تنهد وهم بخلع نظارته السوداء ليمنعه الباب الذى فتح وعبرته أمه
_ جاد هبة عاوزة تتكلم معاك
_ هبة؟ خير حاجة تعباها؟
_ لا أبدا كويسة الحمدلله بس بعد ما نزلتوا انت وهيثم فضلت مسهمة يجى ساعتين وبعدين قالت لي لازم اتكلم مع جاد لما يرجع
_ حاضر يا ماما انا جاى علطول

غادرت لتتبعها نظراته المشتاقة لملامحها وسرعان ما تبعها نحو الغرفة التى أصبحت تضم كل ما بقى من ياسر.

كانت هبة تجلس فوق مقعد بجوار الفراش واهنة وشاحبة، ليته لم ير هذه الصورة لها
_ خير يا هبة عاوزة تتكلمى معايا فى إيه؟
_تعالى يا جاد اقعد جمبى فى كرسى

لم يحاول إخفاء دهشته واتجه إلى المقعد المجاور لها ليجلس فصمت
_ يوم ما سافرت اسكندرية انت وياسر الله يرحمه قولت الصبح على الفطار انك بدأت تفكر تتجوز، انا مش ناسية وعارفة أن طلبك الجواز منى بدافع احساسك بالمسئولية ناحيتى انا وهيثم، اتجوز يا جاد اللى بتحبها وانا هعتبر عرضك اخوية ، عارفة انك خايف علينا بس ماتخفش ولو يهمك اوى عقد جواز انا مستعدة وبردو كمل حياتك واعتبرنى مش موجودة انا عمرى ما هقف قدام سعادتك يا جاد، انت عشت كتير اوى لوحدك وانا ماارضاش انك فى الاخر تتجوز بأى دافع غير الحب

انتظر حتى صمتت تماماً معتمدا على عدم علمها بقدرته على رؤيتها لتتجه عينيه تحصى قسمات وجهها الهادئة وقلبه يتخبط بين أضلعه صارخا يطلب الرحمة من هذا الاحتراق الذى يعانيه

_ هو ده اللي عاوزة تتكلمى معايا فيه؟
_ ايوه، احساسك بالعجز ممكن يكون نابع انك مضطر تتخلى عن بنت بتحبها وانا مااحبش انك تحرم نفسك من السعادة، انا فى كل الأحوال حياتى انتهت بعد ياسر وهعيش بس علشان ابنه وانت من حقك

انتفض واقفاً لتنحسر الكلمات عن شفتيها وتنظر نحوه بدهشة لكنه تابع حدته وهو يتجه نحو الباب

_ عن اذنك

غادر دون أن تفهم سبب هذه الحدة التى أصبحت جزءًا من كيانه مؤخراً، لقد تذكرت هذا الصباح بعد حديثه الغامض ما تحدث عنه قبل الحادث، لا تظن أن رجلا ارتضى بالوحدة سنوات يتخلى عنها دون أن يكبله عشق أسلم له قلبه، أرادت أن تعفيه من تحمل المسؤولية التى لن تزيد حياته إلا هموما وقسوة.

تقدر له كل ما قام به لهيثم ولها وتتكتفى لكونه بالقرب منهما تحتمى به من مكائد أخيها وغيره لكنها لن تقبل أن تفسد حياته مقابل الإبقاء على استقرار حياتها ورغم ذلك لا ترى ما وراء هذه الحدة التى تصرف بها.



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close