رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثالث عشر 13 بقلم صابرين
13- كيف وصل كتابه إلى حقيبتها
هرولت في الممرات مستغلة أن المشفى الآن فارغ والجميع في الإستقبال ينتظرون مرور المحافظ فما إن علم المدير من ربع ساعة تقريبًا أن المحافظ على قدوم حتى قلب المشفى رأسًا على عقب
وهكذا حال أغلب المستشفيات والمنشآت الحكومية الأخرى فما إن يعلموا أن هناك مرور من المحافظ أو غيره حتى يسرعوا بإقاظ الغافل، والتحسين والتنظيف حتى لا يحصلوا على جزاء هم يستحقونه على الأغلب
وعندما اجتمع جميع العاملين بالمشفى من أطباء وممرضين وعاملين والمدير على رأسهم، بحثت حينها عن ذلك الذي لا يرتاح ابدًا ولا يريحها معه ولكنها لم تجده، حتى أنها سألت بعض الأطباء عنه ولا أحد يعلم أين هو
ربي عندما تتمنى أن يختفي ويدعها ترتاح قليلًا من العمل لا يحدث عنها، وعندما تبحث عنه لا تجده
وها هي تهرول إلى مكتبه على أمل أن تجده قبل أن يأتي المحافظ فهو للأسف الطبيب الجراح الوحيد المتواجد اليوم ولو علم المحافظ بتقصير من المشفى ولا يوجد جراح فقط متواجد سيحصل على جزاء وأولهم يوسف بالطبع
توقفت تلتقط أنفاسها بعدما تعبت من الركض في الممر، بالله هي لا تستطيع الركض بسبب نقص الحديد المزمن عندها ولكنها لا تريد أن يحصل يوسف على جزاء هو لا يستحقه، مسكين يعمل طوال الوقت على أكمل وجه وفي النهاية يحصل على جزاء لأجل اختفائه لدقائق
كادت أن تطلق صيحة سعيدة لأنها وصلت مكتبه أخيرًا ولم تمت في الطريق، طرقت الباب قبل أن تفتحه مرة واحدة وقد توقعت أنها لن تجده بالداخل لكن خالف توقعاتها ووجدته غافي على فراش الكشف ويضع معصمه أعلى عينيه
رفعت إحدى حاجبيها هاتفة بتشنج :
-ده نايم!؟ معقولة مسمعش قلبت المستشفى اللي حصلت ونايم عادي وفي الآخر يقولي اني انا الكسولة
دلفت إلى الداخل وتركت الباب مفتوحًا منادية عليه بصوت مرتفع :
-دكتور يوسف يا دكتور
امسكت جهاز قياس الضغط ونكزته به صائحة فوق رأسه بصوت مرتفع :
-يــوســـف
رفع الآخر معصمه ينظر حوله بحاجبين معقودين وأعين ناعسة لياقبله وجه براءة فوق رأسه تحدق به بنظرات غير راضية :
-فيه ايه؟ هو فيه عملية جديدة!؟
-لا صباح الفل المحافظ تحت
اعتدل الآخر مستندًا على كفيه ولازال النعس يلازم عينيه وصوته فقد سهر كثيرًا البارحة مع شقيقه وأبناء اعمامه :
-المحافظ عامل حادثة وهيدخل العمليات
-يا عم قوم يا عم ده انت اللي هتدخل العمليات لو المحافظ جه وشاف الجراح الوحيد الموجود في المستشفى نايم ولسه الساعة عشرة الصبح
رن هاتفها باسم واحدة من زميلاتها في العمل فابتعدت حتى تجيب تاركة الآخر يعبث في شعره ولا يزال النعاس متملك منه ولم يشعر إلا برأسه يسقط على الفراش وكاد أن يسحبه النعاس مرة أخرى ولكنه انتفض على أثر صوت براءة عندما هدرت به :
-انت هتنام تاني!؟ المحافظ طالع وجاي على مكتبك مع المدير قـــوم
توتر الآخر ولم يعلم ماذا يفعل فحتى معطفه الطبي لا يتذكر اين وضعته فظل يدور في المكتب دون جدوى لتقول حينها براءة وهي تتجه خارجًا :
-انا عملت اللي عليا علشان أرضي ضميري مع السلامة
وقبل أن تخطي للخارج وجدت المدير ونائبه برفقة رجل آخر في نهاية الممر متجهين إلى هنا فاستدارت إلى يوسف الذي كان يرتدي معطفه الطبي وقد وجده ملقًا خلف فراش الكشف فقالت براءة وهي تحاول أن تفكر في حل لهذه المعضلة :
-المحافظ كام خطوة ويبقى هنا شكلي هكمل تدريبي مع حد تاني
وقع نظرها على شئ موضوع في أحد أركان المكتب فقالت وهي تتجه نحوه :
-أو لأ هعرف احلها أنا
أما في الخارج كان يتحدث المدير مع المحافظ عن عدة أشياء يحتاجونها في المشفى والآخر يومئ له بتركيز وأثناء نظره حوله إلى الأرضية والغرف لاحظ أن أحد الغرف مفتوحة فأشار إليها قائلًا :
-مين موجود جوا مش المفروض الكل تحت
أسرع المدير متجهًا إلى تلك الغرفة تزامنًا مع قوله :
-ده يا فندم مكتب الدكاترة الجراحين و
توقف لسانه عن الحديث عندما رأي يوسف وتلك المتدربة التي تعمل معه في المكتب وعلى قدمي يوسف جهاز قياس الضغط موصله بذراعها فقال مشيرًا إليهما بتعجب :
-هو انتوا بتعملوا ايه هنا؟ مش المفروض تبقوا تحت!؟
دلف المحافظ منحيًا المدير على جنب يحدق فيما يحدث إذ قال يوسف وهو ينزع عن براءة الجهاز :
-براءة يا دكتور عبد السميع كانت بتقول راسي وجعاني وكانت عايزة تقيس الضغط
أشار المحافظ إليهما بعينيه محدثًا المدير المدعو عبد السميع :
-هما دول الدكاترة الجراحين في المستشفى
-لأ يا فندم ده دكتور يوسف محمد هواري جراح أساسي في المستشفى أما الدكتور التاني فهو أجازة النهاردة
-ودي
نظر إلى براءة ينتظر الإجابة فقال يوسف وهو يضع الجهاز على جنب :
-دي ممرضة تدريب وانا المسؤول عن تدريبها
-تدريب إزاي ودكتور عبد السميع قال مفيش حد عندهم تدريب السنة دي خالص لا ممرضين ولا دكاترة
-دي مش من إسكندرية أصلًا يا سيادة المحافظ
نطق بها يوسف بصدق جعل عبد السميع يطالعه بغضب فبراءة تعتبر خطأ هنا ولولا أن محمد هواري طلب منه بشكل شخصي تدريبها في المشفى على يد يوسف ما كان قبِل تدريبها هنا
تحدث المحافظ وهو يعقد يديه خلف ظهره منتظرًا إجابة هذا الخطأ الغريب فكيف لممرضة ليست من محافظة الإسكندرية أن تتدرب في مشفى داخل حدود المحافظة :
-اومال اتقبل تدريبها هنا على أساس ايه يا دكتور عبد السميع
أجابه عبد السميع هذه المرة شارحًا له الأمر وقد بدأ يشعر بالندم أنه قبل تدريب براءة في المشفى فهذا المحافظ يبحث في أدق أدق التفاصيل ولم يكن يتوقع أنه سيعلق على وجود هذه الممرضة :
-شهادة طلب التكليف منقولة لإسكندرية علشان كده وافقت
-منقولة إزاي يعني؟ انا أول مرة أسمع اني تكليف الممرضين بيبقى خارج حدود المحافظة
نظر إلى براءة ثم استكمل :
-انتي من محافظة ايه؟
-أسيوط
-أسيوط!؟ طب ايه اللي جابك هنا هي أسيوط مش موجود فيها مستشفيات ولا ايه؟؟
نظر يوسف إلى براءة ولتوه انتبه إلى الأمر، رغم أن براءة يكاد وجودها هنا يكمل الثلاثة أشهر إلىٰ أنه لم يسأل عن سبب تدريبها في الإسكندرية وليس في محافظتها الأصلية
اجابته براءة بهدوء وملامح جادة رغم لمحة السخرية التي ظهرت في عينيها :
-لا فيه بس مفيش ضمير تقريبًا عند البعض، العميد رفض يمضي ورقتي انا بالذات ونقل تدريبي هنا
-ليه؟ أكيد عملتي مشكلة مش كده!؟
-دخلت سن الحقنة في كف ايده خليته يطلع من الناحية التانية
اتسعت أعين جميع الموجدين حتى المحافظ نفسه، بل ويوسف كان أكثرهم اندهاشًا فلم يكن يتوقع أن براءة تحب المشاكل فهي وكما لاحظ عليها شخصية باردة لا تغضب بسهولة
تحدث نائب المدير مذهولًا من فعلها :
-دخلتي سن الحقنة في ايده!؟
-ولو كان معايا سكينة كنت قطعتها خالص راجل شيبة بيتجـ
قاطعها يوسف بسرعة جاعلًا إياها تصمت عم ما ستكمل فقد وصل المعنى لهم جميعًا فلا داعي لشرح تفاصيل ستحرجها لاحقًا :
-بس خلاص اسكتي يا براءة اسكتي
حدقت به الأخرى عاقدة الحاجبين ليس لجعلها تصمت بل لقولها شيئًا كهذا لكنها لم ترد أن يأخذ المحافظ أو أحد الموجدين فكرة سيئة عنها لتكون هي المخطئة أمامهم كما حدث أمام جميع دفعتها
فنحن في مجتمع ذو عقلية غريبة فإن دافع شخص عن المرأة في حالة كهذه وقال أن المخطئ هو الرجل ستجد عشرة يقولون أنها هي المخطئة متحججون بأي سبب يقنعون أنفسهم به كـ
"هي من اغرته بالتأكيد"
"لما دلفت إلى مكتبه بمفردها من الأساس وهي فتاة صغيرة وهو رجل"
"العيب عليها كيف تغرز السن في يده، هي من فضحت نفسها ما كان ليحدث كل هذا ان اتقت شر الفضائح وصمتت"
-انتي معهد ولا كلية؟ تقديرك كان كام؟؟
تساءل بها المحافظ مثيرًا تعجب المدير ويوسف كذلك فلما كل هذه الأسئلة بخصوصها، ورغم هذا اجابته براءة قائلة :
-انا كلية وتقديري إمتياز 98%
-طب ليه يا بنتي مقدمتيش شكوة بدال ما تترمطي في المحافظات كده
-هشكي لمين ياما هو العميد نفسه مين فوق أكتر من كده علشان أشكي، وزير التربية والتعليم يعني؟!
كانت اجابتها ساخرة رغم كونها مقنعة بشدة فقال المحافظ وهو ينظر إلى يوسف :
-فاضلها قد ايه هي وتخلص فترة التدريب؟؟
-تلات شهور وعشر أيام
-عاددهم علشان يعرف أمتى هيخلص مني
نطقت بها بصوت خافت سمعه يوسف فحدق بها بغيظ متمتمًا :
-بلاش ظن سوء
-تعالي انتوا ورايا
هتف بها المحافظ مشيرًا إلى براءة ويوسف فنظرت الأخرى إلى يوسف والمدير قلقة لكن مما ستقلق هي ليست موظفة هنا إذًا مما ستخاف، هبطت من على الفراش وتبعت المحافظ للخارج أسفل نظرات الترقب من الجميع لتجده ينتظرها على بعد صغير من الغرفة
اتجهت له بخطى هادئة موزونة وخلفها يوسف وما إن وصلا حتى قال الآخر مبتسمًا بجدية :
-بحب اتكلم مع المتدربين خاصةً في المستشفيات، ايه رأيك في المستشفى والدكاترة هنا فيه حاجة بتحصل غلط من وجهة نظرك
هزت براءة رأسها ببطء لا تتذكر أنها رأت شيئًا غريبًا هنا :
-لأ المستشفى حلوة والخدمة هنا حلوة بحس المستشفى كأنها خاصة علشان في منطقة راقية، خلو بالكم أكتر من المستشفيات الحكومية الخدمة هناك مش كد كده
آماء الآخر مبتسمًا ليقول بنبرة ذات مغزى :
-انا شوفتك وانتي بتجري ناحية السلم لما دخلت المستشفى كنتي رايحة فين بالظبط
دارت أعين الأخرى ونظرت إلى يوسف بجانبها والذي انتظر اجابتها هو الآخر فقالت براءة بهدوء شديد :
-من غير كدب كنت طالعة انادي الدكتور يوسف علشان مكنش موجود ومكنتش عايزاه ياخد جزاء على عدم وجوده
نظر المحافظ إلى يوسف مهمهمًا :
-امم واضح اني الدكتور مش بيشوف شغله
انعقدت ملامح يوسف بعدم رضا وقد هم بالتحدث لكن سبقته براءة بقولها :
-علشان كده طلعت انادي عليه مش علشان هو مش بيشوف شغله علشان حرام واحد زيه عنده ضمير في شغله يتجازى على حاجة زي كده
-ايه الدفاع ده كله!؟
-انا مش بدافع حضرتك انا بقول كلمة حق الدكتور ده انا موجودة معاه طول اليوم وعارفة تحركاته وهو عنده ضمير أكتر من أي حد بيشتغل هنا يمكن أكتر من المدير اللي أول ما عرف اني حضرتك جاي وقف المستشفى على رجل
آماء الآخر متفهمًا ليقول ببسمة صغيرة ارتسمت على ثغره :
-علشان كده بحب اسأل المتدربين علشان مش بيهمكم حاجة وبتقولوا الحق اصل ايه اللي هتخسروه
تحرك متجهًا إلى المدير الذي كان يتابع هذا صامتًا والغيظ في عينيه من قول براءة عنه، ولكن استوقفه يوسف قبل أن يصل عندما قال بجدية شديدة :
-حضرت المحافظ ينفع اتكلم معاك عن حاجة في المستشفى بما اني حضرتك هنا
آماء الآخر بحسنًا فأخذه يوسف بعيدًا عن براءة والمدير ونائبه بينما ظلت براءة ترمق المدير بحاجب مرفوع من نظراته هذه، لم تزح عينيها إلا عندما قال المحافظ موجهًا حديثه إلى المدير :
-دكتور عبد السميع انا عايز اشوف المشرحة والدكتور المسؤول عنها
وقف يوسف بجانب براءة يتابع ذهابهم فقالت الأخرى محدثة نفسها :
-دكتور عبد السميع شكله ناوي عن نية سودة على اللي قولته عنه
-مش هخليه يعملك حاجة انا هنا المسؤول عنك مش هو
نظر إليها بإمتنان حقيقي ثم أكمل :
-شكرًا على إنك جيتي علشان تقوليلي المحافظ هنا وعلى الكلام اللي قولتيه
اجابته الأخرى وهي تنظر إليه من خلف نظارتها :
-أنا قولت كلمة حق مش علشان حاجة، رغم إنك مطلع عيني في روحي وتعالي وكل شوية فين براءة بس يلا لله، انا كده ليا عندك خدمة
ابتسم لها يوسف ولازلت عينيه تنظر مباشرةً إلى عينيها وعندما لاحظت براءة هذا ابعدت عينيها سريعًا ورحلت تزامنًا مع قولها :
-خلي بالك يا دكتور تاني مرة علشان انا ماشية بعد تلات شهور وعشر أيام زي ما قولت ومتضمنش اني اللي بعدي هتروح تناديك علشان متاخدش جزاء
تابع يوسف خطواتها وهي ترحل وقد انقلبت ملامحه بعدما كان مبتسمًا، مذكرًا نفسه بكلماتها التي قالت :
-فعلًا هتمشي بعد تلات شهور وعشر أيام
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حدق حوله بأعين مرتابة قلقة يشعر أن الجميع ينظر إليه رغم أن لا أحد مهتم به فكلٌ يسبح في ملكوته الخاص، أرتكن إلى أحد الزوايا ولا تزال عينيه تدور بزوغان وكان السواد أسفلهما واضح بشدة
حك ذراعه بطريقة أشبه للجرب يشعر بحكة شديدة وخمول أشد وصداع يكاد يقسم رأسه إلى نصفين، انفرجت ملامحه عندما رأي ما يعالج كل هذا ويُذهب الألم من وجهة نظره
اقترب منه شاب يرتدي قبعة بلسان يحاول التخفي بها عن الأنظار، وما إن أصبح بجانبه حتى أخرج يده من جيبه بشريط حبوب وردية اللون فأخذها منه الآخر ومد له مبلغ مالي وما إن أصبح الشريط في يده حتى اخرج منه حبتين وابتلعهم دون مياه
وما إن اخفض رأسه مبتسمًا براحة أن الألم سيزول الآن تفاجأ بوجود شاب طويل أمامه لا يعتقد أنه رآه من قبل، قمحي البشرة، بخصلات بنية شبه مجعدة وأعين بنية تنظر إليه نظرات جامدة بها لمحة من الحسرة والخيبة
-انت فكرك اني كده هترتاح صح؟؟
عقد الآخر حاجبيه بتعجب من سؤاله المبهم هذا ليقول بتوتر :
-انت قصدك ايه؟ عايز ايه بالظبط!؟
اجابه الآخر بنبرة هادئة لم تستطع أن تخفي الحزن الواضح رغم ملامح وجهه الجامدة :
-عايز اقولك على حاجة مهمة أوي معتقدش انك هتسمعها من الكلب اللي جابلك الشريط ده، اللي في ايدك مش دواء راحة ده عذاب، سم بطئ هيفضل ينهش فيك واحدة واحدة لحد ما يخلص عليك وهتلاقي نفسك في مكان من اتنين ملهومش تالت، يا إما هتلاقي نفسك في اوضة مقفولة متعرفش ليل من نهار، يا إما هتلاقي نفسك في قبرك بعد ما تموت ومتفتكرش إنك هتدخل جنة بعد ما كنت بتشرب السم ده
زاغت أعين الآخر وبدأ جسده شبه يتراخى بسبب تلك الحبوب فقال كريم وهو يربت على كتفه :
-اتمنى تلاقي حد يرجعك عن اللي انت فيه دلوقتي زي ما أخويا رجعني عن اللي كنت انا فيه
استدار واعطاه له ظهره وقد انقشعت ملامحه من الجمود إلى الضيق الشديد وكأن هناك صخرة جثت فوق صدره، يأتيه هذا الشعور كلما رأي صورته في أي شاب اغوته هذه السموم وأصبح عبد لها
لذة فانية لو يعلم الإنسان نهايتها لضرب نفسه حتى يعيدها عن التي كانت تنتويه، نهايتها كما قال شيئان لا ثالث لهما ولو أن الأخيار الأول هو الأفضل له لكن سيكون عذاب حتى يستطيع التخلص من تلك السموم
رن هاتفه فأخرجه محدقًا في الاسم الذي اعتلى الشاشة "عم عيالي" ابتسم ابتسامة حزينة مجيبًا على الهاتف بصوت حاول قدر الإمكان أن يجعله طبيعيًا :
-الو يا حمزة
-ايه يا ابني مش قولت هتخلص محاضرات بدري النهاردة
-ايوه انا أصلًا خارج من الكلية أهو
-مالك يا كريم صوتك مش عاجبني
تنهد الآخر ماسحًا على خصلات شعره :
-مخنوق يا حمزة
-ليه كده بس طب تعالى ونفك الخنقة دي
-ماشي انا جاي انتوا فين؟؟
نظر حمزة بجانبه حيث كان يجلس رفقة يونس ويوسف أمام باب البناية على عدة مقاعد احضرهم حارس بنايتهم وقد أحضر لهم كوبان من الشاي :
-انا قاعد مع يوسف قدام باب العمارة بنحاول نقنع يونس أنه يسيب القضية دي اللي هتجيب أجله في يوم من الأيام
تحدث كريم بمزاح قائلًا :
-ايه ده هو السفاح قتل حد تاني مش كان الراجل كتر خيره بدال ما كان بيقتل كل يومين واحد بقى يقتل كل أسبوع
وصله صوت يونس الغاضب من الناحية الأخرى وهو يصرخ في أحد :
-يا عم اسكت يا عم ده قتل إمبارح بنت مساعد وزير ولحد دلوقتي محدش عارف يمسك عليه حاجة وانا كل يوم قرفيني بسبب الرأي العام واختك دي يا يوسف لو مسكتها هخنقها علشان هي اللي مولعة الرأي العام
صفر كريم ضاحكًا من الجهة :
-واضح اني يونس على آخره اربطوه ليعض حد
-طب أقفل انت دلوقتي واتصل على رقية قولها متجيش على البيت علشان لو مسكها يونس هيعضها فعلًا
أغلق كريم وبحث عن رقم رقية تزامنًا مع خروجه من باب الكلية واستماعه إلى أحد الشباب يغازل فتاة أو لنقول يقوم بمعاكستها قائلًا :
-انا نفسي في حلاوة طحينية من اللي قدامي دي
نظر إليه كريم بعدم إهتمام لولا أنه استمع إلى صوت يعلمه :
-لا يا بابا الحلاوة دي تبقي أمك يوم فرحها على أبوك وبعدها جابو خلقتك اللي فسدت المجتمع
نظر كريم إليها يراها تقف بقوة شديد وعلى وجهها علامات الغضب والسخرية في آنٍ واحد تنتظر أن يقول الشاب كلمة أخرى فتهبط على راسها بكتبها لكن كريم لم يدع الشاب يقول كلمة أخرى بل نظر إليه بنظرة حادة ثم قال :
-بلاش دي علشان عرق صعيدي ودول بالذات مش بيهزروا
نظر إلى عائشة بعد أن ذهب الشاب ملقيًا جملة ساخرة جعلت عائشة تشعر بالقهر رغم عدم وضوح هذا على ملامحها :
-أحسن برضو دي برميل طحينية أصلًا
-والله أحسن منك برص ماشي مش لاقي شبشب يلسعه على قفاه
استدار إليها الشاب وعينيه تقدح غضبًا وقبل أن يعود إليها وجد كريم يقف في وجهه هامسًا بتحذير :
-دي تخصني ارجع بدال ما ازعلك
تراجع الآخر بعدما فكر في الاشتباك لكن كريم ذو بنية رياضية عكسه لذا فليحفظ ماء وجهه وليذهب، استدار كريم إلى عائشة ليجدها تقف في مكانها ضاممة كتبها إلى صدرها ويظهر الغضب على وجهها أو ربما شئ آخر
أنفها أحمر اللون، عاقدة حاجبيها وذاممة شفتيها، لا يدري أهذا غضب أم كتم نوبة بكاء
وعلى الأرجح الاثنين معًا هي بالفعل سمينة قليلًا على فتاة في سن الثامنة عشر، لا تزال صغيرة على هذا الوزن لكن قول شئ كهذا جارح بشدة خاصةً للفتيات فهن مرهفات المشاعر وتضطرب مشاعرهن من أقل كلمة
أخرج علبة المناديل الخاصة به ثم قدمها لها فنظرت إليه الأخرى في حدة جعلته يبتسم فحتى في وضع مثل هذا لا تستطيع التخلي عن قوتها وحدة نظراتها التي لاحظ أنها لا تفارقها تقريبًا :
-خليها لنفسك هو انت فاكرني هبكي ولا ايه؟!
-خدي منديل احتياط هو ضروري يبقى المنديل للبكى، ينفع لحاجات تاني علفكرة، انتي أول مرة تكتشفي فايدة المناديل
اشاحت بوجهها الناحية الأخرى ولم تأخذ منه شيئًا فابتسم الآخر مثيرًا غضبها عندما قال :
-يلا وفرتي منديل أصل علبة المناديل بقيت غالية بصراحة
وضع العلبة في جيبه ليجدها تنظر إليه بملامح أكثر حدة لتقول :
-فعلًا وفرها لماتش النهاردة يمكن فريقك يخسر وتلاقي منديل يهون عليك واتفضل امشي من هنا وقفتك معايا ملهاش عازة
ضحك كريم على لهجتها تزامنًا مع عودته للخلف عدة خطوات :
-لأ صعيدية صعيدية مفيش جدال
أعطاها ظهره ورحل فسخرت الأخرى منه بعد ذهابه متنمرة عليه، متناسبة أنه دافع عنها منذ قليل، لكن من وجهة نظرها لم تكن تحتاج إلى دفاعه فوالله لو لم يكن منع ذلك الشاب من الاقتراب منها للقنت الآخر درسًا تتحاكى عليه الكلية لأسابيع :
-أبو ظُرفك غور هي ناقصة
عدلك من خمارها مكملة حديثها مع نفسها :
-وفين ست شروق مجاتش ليه دي كمان، قربت أتجمد في البرد ده
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قلب الصفحة مستمتعًا بكل كلمة يقرأها فقطعًا هذا الكتاب سيكون من المفضلات لديه بجانب أربعمائة كتاب آخر، ومن يراه يظن أنه في أفضل حالاته المزاجية وهو بالفعل كذلك فالجو غائم وعلى الأرجح ستمطر وفي يده كوب من بديل القهوة "النسكافية" وفي يده كتاب جميل يعجبه :
-هل هناك أجواء أجمل من هذه؟؟
هذا إن استثنى ابن عمه الغاضب والذي ينتظر أي نفس من أحدهم حتى ينفجر به فهو على هذا الحال منذ أن أتى من العمل، يجلس على باب البناية ينتظر رقية حتى يمسك عنقها ويخنقها بين يديه على ما كتبت في صفحة جريدتها
حمحم يوسف يحاول التحدث مع أخاه لكن ملامحه الغاضبة هذه تمنعه من هذا ولكن في النهاية عليه التحدث وتهدئته قبل أن تأتي رقية ويقتلها وهو غاضب هكذا :
-احم يونس
نظر إليه الآخر بملامح حادة مخيفة جعلته يتراجع فيما كان ينتوي قوله فقال يونس بتحذير صارم :
-عارف لو قولت حاجة فيها حرف الراء والقاف هطلع غيظ النهاردة كله فيك، ما هو مش السفاح من الناحية والمأمور من ناحية واختك من ناحية وانت كمان عليا
-ما انت لازم تهدى طيب ودي أختك أيًا يكن هي كتبت ايه ما هو شغلها يعني هو حد جه في يوم من الأيام وقالك انت بتقبض على المجرمين ليه
أخرج يونس هاتفه وفتحه على صفحة الجريدة التي تعمل لها رقية عارضًا إياها امامه، يقرأ المكتوب :
-وتستمر قضية السفاح الشهيرة في الإستمرار ولا يوجد دليل واحد يمكنه الوصول به إليه، فالشرطة فشلت فشل ذريع في هذا وحدث البارحة مقتل ابنة مساعد وزير الهجرة أثناء تنزهها على شاطئ الإسكندرية لتلقى حتفها على يديه مطعونة في صدرها بسكين والسؤال، هو هل ستستمر هذه السلسلة من القتل؟ وهل ستستمر الشرطة في فشلها على القبض عليه؟
اخفض الهاتف ناظرًا إلى يوسف ملامح تشع غضبًا حتى أن عروقه تكاد تنفجر من شدة نفرها :
-انا المأمور يقولي عاجبك اللي كاتباه اختك ده قبل ما تتكلم عن الشرطة بشكل عام فبتتكلم عنك، انا يقولي قدامك أسبوعين لو ممسكتش حاجة على السفاح يبقى تسيب القضية للي يعرف يحلها
أشار إلى نفسه صائحًا بالمزيد بينما انزعجا يوسف وحمزة من صراخه :
-ده انا بسيبها تدخل مسرح الجريمة في كل مرة علشان بتقولي سيبني آكل عيش وبتصعب عليا، في الآخر تكتب كده وتشعلل المأمور عليا من وراء كلامها
رفع يوسف كفيه محاولًا تهدئته داعيًا في سره على رقية التي ستبات الليلة مربوطة فوق سطح البناية في البرد على ما فعلت :
-طب صلي على النبي واهدى كده
-لأ مش ههدى متقوليش أهــــدى
نظر يوسف إلى حمزة ناكزًا إياه حتى يتحدث معه :
-يا عم اتكلم معاه بدال اللي بتعمله ده
نظر له الآخر بطرف عينه هامسًا ببرود وهو يقلب صفحة الكتاب القابع بين يديه :
-قول للتور اللي جنبك ده يوطي صوته علشان مش عارف أقرأ
نظر إليه يوسف ويونس في آنٍ واحد أحدهما بصدمة وذهول والآخر بملامح مشتعلة ليقف يونس مختطفًا كتابه، ناويًا تقطيعه، فالضرب لن يؤلمه قدر تقطيع أحد كتبه العزيزة
وحمزة ما إن رأي أنه امسك بكتابه حتى هب واقفًا محاولًا إراجعه عن الذي في رأسه :
-يونس يونس متستهبلش إلا الكتاب ده انا لسه مشتريه مش واحد يضيع والتاني يتقطع كتير عليا ده
والآخر كان على وجهه ابتسامة متهكمة يقول :
-ما هو انا مش قاعد بشيط وانت بكل برود قاعد تقرأ والله لأخليك تصرخ زي المجانين دلوقتي
امسك بطرفي الكتاب وقام بقطعه إلى نصفين ثم ألقى به أرضًا بكل برود أمام أنظار الآخر إذ ظل يحدق في كتابه الملقى أرضًا بصدمة ثم رفع رأسه إلى يونس ببطء، هامسًا بهدوء مخيف :
-انت قد عملتك دي؟؟
وقف يوسف بسرعة أمام أخيه يمنع شجار حاد على وشك النشب فهدوء حمزة هذا ما هو إلا هدوء ما قبل العاصفة :
-صلي على النبي يا حمزة انا هجبلك كتاب غيـ
ولم يكمل الآخر كلمته ودفعه يونس من أمامه مجيبًا حمزة بنفسه :
-ايوه قده هات اللي عندك وانا هقلبها خناقة ايه رأيك بقى
بدأت ابتسامة حمزة تتسع شيئًا فشئ ليخلع عنه سترته الشتوية هاتفًا بتوعد :
-ماشي يا ابن عمي طلبتها وهتنولها هو إحنا عندنا كام يونس يعني
-يا جدعان صلوا على النبي مش كده انتوا كبرتوا على الكلام ده
تدخل يوسف مرة أخرى حتى يفض هذا لكنه تلقى دفعة أخرى من يونس القته فوق المقعد ثم قال الآخر :
-ملكش فيه يا يوسف اقعد انت على جنب علشان تعالجه بعد ما اكسرله صوابعه علشان لا يعرف يكتب ولا يمسك كتاب
ضحك حمزة وهو يقترب منه ليقف أمامه مباشرةً كلاهما يحدقان في بعضهما بأعين تنبئ عن شجار محتد سيحدث :
-يا اختي كوتي وبتهددي كمان، ده انت ليلتك مش معدية النهاردة
اجابه يونس ضاربًا جبينه في جبين الآخر وكانت عينيه أكثر حدة :
-كده كده مش هتعدي ويا طلع غيظي فيك يا اطلعه في رقية
عاد حمزة خطوتين للخلف ولم يلبث إلا وتقدم بسرعة لاكمًا إياه في معدته بعنف :
-بلاش الوش يا جذمة هقابل صاحب دار النشر به بكرة
لم يصمت الآخر وردها له ويوسف يجلس مكانه بعد دفع يونس له وقرر المتابعة في صمت فوالله لن يتدخل بعد أن بدأت المشاجرة بل سيجلس هكذا إلىٰ أن ينتهيا ويضمد الجروح التي ستنتج عن هذا
تقدم حارس البناية وحاول فك هذا الشجار ولم يحصل شيئًا غير أنه أخذ لكمة من هذا وأخرى من هذا فاتجه إلى يوسف صائحًا بفزع فليس من عادتهم الشجار ابدًا :
-يا دكتور يوسف انت هتسيبهم كده فكهم عن بعض
-هعمل فيهم ايه يعني فرجوا علينا الناس سيبهم كده يعضعضوا في بعض لحد ما يتعبوا
وصل كريم أمام البناية بدراجته البخارية ليتفاجئ بهذا المشهد أمام باب البناية الداخلي فركن دراجته بعدم اهتمام وألقى بالخوذة راكضًا للداخل ليتدخل في الشجار صائحًا بذهول :
-يخربيتكم قطعتوا بعض وانت يا يوسف قاعد كده عادي
قلب الآخر عينيه وقرر التدخل بحضور كريم فعلى الأقل لن يأخذ الضرب بمفرده وما جعله يسرع في مساندة كريم علي فض كل هذا هو رؤيته لنور تقف على الباب الخارجي للبناية تحدق في هذا بذهول تام :
-كفاية بقى فرجتم علينا الناس منكم لله
أما عن نور ومنذ دقائق فقط كانت تسير في الشارع وخلفها رحمة ولؤي بعدما طلبت منها ناهد أن تأخذهما وبقيت هي للتفاهم فيما حدث وقد حضر محفوظ كذلك بعد أن اتصل به المدير بسبب ما فعله لؤي
كان وجهها مقلوبًا وحاجبيها معقودان، أجل لم يقل المدير شيئًا على ضربها لسليم لأنها قالت له عن اللفظ القبيح الذي نطق به سليم وقد شهدت معها هاجر لأنها سمعته أيضًا
لكن لا تشعر بالراحة أبدًا ولازلت متأكدة ان ذلك الحقير فعل شئ مشين لرحمة مثل لفظه، وما يجعله واثق كما بدا أن الأخرى مرعوبة من أن تقل شيئًا
استدارت لهما لتجدها على نفس حالتها وجهها أحمر من شدة البكاء بل وإن الدموع بدأت تلتمع مجددًا في عينيها بصمت، بينما لؤي يسير أمامها وهو يضع منديل على وجهه يحاول مسح به الدماء المتجلطة على وجهه :
-شدوا شوية في المشي وانت أنجز علشان اخلي براءة تعالج وشك اللي باظ ده بدال ما ترجع لعمتي متخرشم كده
امسكت بذراع رحمة وشبكته بذراعها ثم نظرت إليها بشفقة وحيرة هامسة بدعم حقيقي :
-متخافيش من حد أبدًا انا وانتي هنقعد مع بعض ونتكلم واعتبريني صحبتك مش مُدرستك انا وانتي أصلًا قريبين من بعض في الطول والجسم مع إني ده عار عليا علشان بيني وبينك تسع سنين بس معلش هعديها
نظرت رحمة لنفسها ولنور ولاحظت بالفعل أن كلاهما متقاربان في الطول والحجم رغم أن رحمة لا تزال تمتلك من العمر أربعة عشر عامًا لكنها طويلة عكس أغلب مَن في سنها ونور كانت ذات القامة القصيرة والجسد الضئيل
توقفت نور أمام باب البناية الخارجي ولم تطأ إلى الداخل بسبب رؤيتها لمشهد جعل عينيها تتسع بإندهاش فكان يونس في مظهر غوغائي يمسك بذراع حمزة بين ذراعيه ثانيًا إياه بقوة، بينما حمزة في مظهر أكثر غوغائية قابضًا مقدمة ملابس الآخر رافضًا تركه
وبين كل هذا كان كريم يحاول دفعهما عن بعض وقد تدخل يوسف فور أن رآها ليسحب حمزة بعنف من قبضة أخيه هاتفًا بغيظ :
-كفاية بقى فرجتم علينا الناس منكم لله
تحدث كريم مذهولًا وهو ينظر إلى لؤي الذي كان يقف بجانب نور بوجه تملؤه الكدمات :
-حتى انت التاني متخرشم!؟ مين عمل فيك كده يلاه؟؟
تراجع يونس وحمزة كذلك يبعد خصلات شعره عن وجهه حتى يرى من الذي يوجه كريم حديثه له ليشعر بنفس ذهوله من هذا المشهد خاصةً وأنه لاحظ وجه شقيقته الباكي
ربط كدمات لؤي التي على الأرجح نتجت عن مشاجرة، ووجه أخته، ووجود نور معهما ليستنتج أن هناك مشكلة قد حدثت في المدرسة لها علاقة بكلاهما
تقدم منهم سريعًا فعادت نور للخلف بطريقة تلقائية ووقفت خلف رحمة مثبتة كفيها على كتفي الأخرى تستمع لحمزة يقول بتوجس :
-فيه ايه؟؟ حصل ايه في المدرسة وليه راجعين في الحالة دي!؟
نظرت رحمة إلى الأسفل تعبث في اصابعها هامسة :
-مفيش حاجة يا حمزة
-لأ فيه هو ايه اللي مفيش حاجة راجعة معيطة والتاني مضروب أكيد حصل حاجة
تساءل بها كريم وهو يقف خلف حمزة فنظرت رحمة هذه المرة إلى نور حتى ترد هي عنها وعندما رأي جميع الموجدين هذا انتظروا إجابة نور والأخرى رغم غضبها منذ قليل إلىٰ أن في هذه اللحظة أصابها الحرج الشديد تنظر بعيدًا خاصةً وأن حمزة يقف أمامها مباشرةً الفاصل بينهما رحمة :
-مشكلة حصلت في المدرسة وانا هتكلم مع رحمة دلوقتي
نظرت إلى يوسف المتابع لهذا بصمت ثم أضافت :
-معلش شوف وش لؤي اعمل فيه حاجة بدال ما يرجع لعمتي كده وحد يجيبله لبس برضو علشان الزي بتاعه اتقطع
كادت أن تتقدم مع رحمة فأوقف حمزة شقيقته واضعًا يده على كتفها غير ملاحظ بتاتًا ليد نور فسحبت الأخرى يدها سريعًا حتى هو نفسه تفاجأ من رد فعلها السريع هذا لكنه ركن الأمر جانبًا ونظر إلى شقيقته ثم قال :
-بصراحة كده مين اللي ضايقك في المدرسة وأتخانق لؤي معاه فعملوا في بعض كده؟!
ضمت الأخرى شفتيها متمتمة بتردد :
-واحد في تالتة إعدادي
تحدث يونس مبتسمًا بتوعد :
-اسمه ايه ثلاثي وانا اجيبه من قفاه الواد ده
-اسمه سليم ومعرفش اسمه كامل
تقدمت للأمام حتى لا يسألها اخوتها سؤال آخر وتقدمت معها نور حتى لا تظل هي وتصبح محط الأسئلة وعندما اختفيا داخل البناية نظروا جميعًا إلى لؤي ليقول كريم بنبرة جادة بشدة :
-عمل ايه سليم ده لرحمة
-معرفش مش راضية تتكلم يارب تتكلم مع نور نشفت ريق مرات عمي والمدير والمدرسين علشان تتكلم ومش راضية
-اسمه سليم ايه يا لؤي
تحدث يونس متسائلًا مرة بهذا السؤال فقال الآخر بعدم إهتمام :
-سليم سعيد غانم باين أبوه غني أوي علشان كده الواد صايع وفاشل
وهذا الاسم رن في عقل يونس فابتسم ابتسامة مخيفة قائلًا :
-سعيد غانم مرة واحدة؟! ده ايه الحلاوة دي
لم يفهم لؤي سر هذه البسمة المخيفة التي ارتسمت على وجهه لكنه تغاضى عن الأمر وجلس على أحد المقاعد المتواجدة مكملًا :
-حد يجيب تلج لوشي يا جدعان يخربيت الواد ايده تقيلة بس انا عجنته
ربت كريم على كتفه بشئ من القوة مادحًا إياه :
-جدع يلاه تربيتي
نظر إلى يونس وحمزة ويوسف ثم أكمل بنبرة ذات مغزى :
-وبالنسبة لابن سعيد غانم اللي شكل ولاده بيعيدوا قرفهم معانا هنعمل فيه ايه بقى؟؟
وقد أتته الإجابة من لؤي هذه المرة إذ قال :
-لأ مش محتاجين تعملوا حاجة كفاية اللي عملتوا فيه نور، دي عملت الواجب وزيادة
اتجهت جميع الأنظار إليه ليقولوا في آنٍ واحد :
-عملت ايه؟؟
ابتسم الآخر ابتسامة عريضة متشفية ثم قال :
-سكعته حتة قلم رزعته بيه على الأرض خلت خده ورم، لو مكنتش شوفت القلم قدامي لقولت استحالة اللي ضربه يكون بنت مش راجل
أشار حمزة ناحية البناية حيث اختفت نور ورحمة ثم هتف متسائلًا :
-هو انت بتتكلم عن بنت خالك النواعم اللي لسه داخلة دي!؟ ده بتتكسف من الهوا لدرجة اني انا بتكسف اقولها صباح الخير أصلًا، دي بتهرب ناحية السلم لو شافتني رايح ناحية الاسانسير
أكمل كريم على حديثه موافقًا إياه :
-معاه حق البنت دي بالذات عكس اللي بنسمعه منك انت ورحمة عن إنها عصبية وطبعها شديد دي كيوت أوي والله، تعرف لو بتتكلم عن التلاتة التانين أصدق عادي لكن دي لأ
رفع الآخر منكبيه ضاحكًا :
-انا ساعات بحس اني عندها انفصام فعلًا شخصية عصبية مفترية وشخصية خجولة، احم واسكتوا علشان جاية أهي
نظر ناحيتها يونس موافقًا كلام لؤي عندما رأي ملامح وجهها المقلوبة :
-تصدق معاك حق من شوية كانت طالعة مكسوفة ودلوقتي كأنها قاتلة قتيل فوق
مرت من أمامهم دون النظر إليهم فقال لؤي بسرعة ما إن رأي حقيبة الظهر المنتفخة التي تحملها والتي على الأرجح بها ملابس :
-استني استني انتي رايحة فين البلد دي أحسن من غيرها
نظرت إليه نور ثم إلى الحقيبة لتقول بنفي :
-لا انا مش مسافرة بس البنات كلهم عند أمك وقالتلي هاتي نفسك وهدوم للبنات علشان بايتين عندكم
وقبل أن تكمل حديثها كان كريم يقاطعها مبتسمًا بإتساع :
-بايتين برا يعني اختك مش هتطلعي زي كل يوم وتقولي وطي التليفزيون وطي التليفزيون
ابتسمت نور ابتسامة بالكاد ظهرت وهي تميىٓ بهدوء :
-اعمل اللي تعمله بقى الليلة دي إعفاء
قفز كريم صاعدًا إلى شقتهم بسرعة فتلك عائشة كانت كالشوكة في الحلق تمنعه من مشاهدة مباراياته الحبيبة منذ أسبوع وأكثر وهذا بعد أن شكت لوالده عن الصوت والآخر منعه منعًا باتًا أن يفتح التلفاز الموجود في غرفته قائلًا :
-خلي عندك دم وذاكر بدال الماتشات دي، انت لا بتذاكر ولا سايب البنت تذاكر مش هينفعك محمد صلاح لو سقطت يا معفن
حدق يوسف في كريم هاتفًا بذهول :
-اخوك الكورة لحست دماغه
وأجابه يونس بدلًا من حمزة قائلًا :
-انت بتكلم مين أساسًا ما التاني الكتب لحست دماغه
نظر له الآخر بطرف عينه بتحذير قائلًا :
-اسكت بدال ما اقوملك يا يونس
-لا بالله اسكت انت بشعرك المستفز اللي جاي وشك ده بدال ما اقطعهولك
ضحك حمزة رافعًا خصلات شعره عن وجهه إلى الخلف ليلاحظ أن نور لا تزال تقف لكنها تمسك بشئ وسرعان ما وقف بسرعة من مكانه قائلًا :
-لا استني ده كتابي
استدارت له نور وفي يده الكتاب المقطوع إلى نصفين قائلة :
-بس ده مقطوع!؟
-آه ما فيه تور جذمة إلهي ايده تنكسر هو اللي قطعه
مد يده لها حتى يأخذ الكتاب فأعطته له وهي تنظر إلى الكتاب بتركيز شديد فقال حمزة ملاحظًا نظراتها هذه :
-عجبك الكتاب مركزة أوي يعني
انتبهت الأخرى لما قال فأبعدت نظراتها سريعًا هاتفة بتلعثمها المعتاد :
-لا مش قصدي، لفت نظـ... نظري مش أكتر
استدارت حتى تذهب تزامنًا مع قولها الذي وجهته للؤي :
-لؤي اجيب حاجة من السوبر ماركت عبال ما تخلص انت علشان نمشوا سوا
-نور
توقفت الأخرى بل تجمدت عندما نداها فهي في العادة بل لم يحدث من قبل معها وأن ناداها رجلًا واهتمت بل تتصنع الصم حتى لا ترد، استدارت مرة أخرى وضمت يديها تشعر بحرج شديد يعتيرها حتى أنها لم ترفع نظرها :
-نعم
تحدث حمزة وهو يتابع كل حركة منها بدقة دون أن يُظهِر :
-سليم ده عمل لرحمة ايه، أكيد اتكلمت معاكي
-اتكلمنا وهي دلوقتي في بيتها واتمنى ومش قصدي التقليل، اتمنى متدخلوش لا انتوا ولا لؤي انا هعرف اتصرف في الموضوع ده
لم تدع له فرصة ليسأل سؤال آخر وانطلقت بعيدًا تحت أنظاره المتعجبة لينقشع وجهه بابتسامة بسيطة ثم عاد إلى أبناء عمه مكملًا الحرب الباردة هذه مع يونس
بينما نور وما إن ابتعدت عن البناية أخرجت ذلك الكتاب الذي وجدته في حقيبتها تفتح الصفحة الأولى حيث اسم الكتاب لتنظر إلى الأعلى ناحية اليسار حيث كان مكتوب اسم حمزة بلغة عربية رقعة داخل سحابة صغيرة
نفس العلامة والاسم والخط كلن مكتوبًا في ذلك الكتاب المقطوع وهذا إن عنىٰ شيئًا فيعني أن هذا الكتاب في يدها يعود إلى حمزة والسؤال الأهم هو
